السلطان
الملك الصالح صالح على مصر سنة 752 هـ
ولما تسلطن الملك الصالح صالح
نقل أخاه الملك الناصر حسنًا هذا إلى حيث كان هو ساكنًا ورتب في خدمته جماعة وأجرى
عليه من الرواتب ما يكفيه.
ثم طلب الملك الصالح أخاه حسنًا ووعده أيضًا بزيادة على إقطاعه وزاد راتبه.
وزالت دولة الملك الناصر حسن.
سلطنة الملك الصالح صالح ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور
قلاوون هو العشرون من ملوك الترك بديار مصر والثامن من أولاد الملك الناصر محمد بن
قلاوون وأمه خوند قطلو ملك بنت الأمير تنكز الناصري نائب الشام.
تسلطن بعد خلع أخيه الملك الناصر حسن في يوم الإثنين ثامن عشرين جمادى الآخرة سنة
آثنتين وخمسين وسبعمائة باتفاق الأمراء على ذلك.
وأمره أن الأمراء لما حملت لهم نمجاة الملك وأخبروا بأن الناصر حسنًا خلع نفسه وهم
وقوف بقية النصر خارج القاهرة توجهوا إلى بيوتهم وباتوا تلك الليلة وهي ليلة
الإثنين بإسطبلاتهم وأصبحوا بكرة يوم الإثنين طلعوا إلى القلعة واجتمعوا بالرحبة
داخل باب النحاس وطلبوا الخليفة والقضاة وسائر الأمراء وأرباب الدولة واستدعوا
بالصالح هذا من الدور السلطانية فأخرج لهم فقاموا له وأجلسوه وبايعوه بالسلطنة
وألبسوه شعار الملك وأبهة السلطنة وأركبوه فرس النوبة من داخل باب الستارة ورفعت
الغاشية بين يديه ومشت الأمراء والأعيان بين يديه والأمير طاز والأمير منكلي بغا
آخذان بشكيمة فرسه وسار على ذلك حتى نزل وجلس على تخت الملك بالقصر.
وقبلت الأمراء الأرض بين يديه وحلفوا له وحلفوه على العادة ولقبوه بالملك الصالح
ونودي بسلطنته بمصر والقاهرة ودقت الكوسات وزينت القاهرة وسائر بيوت الأمراء.
وقبل سلطنته كان النيل نقص عند ما كسر عليه فرد نقصه ونودي عليه بزيادة ثلاث ثم
توجه الأمير بزلار أمير سلاح إلى الشام ومعه التشاريف والبشارة بولاية السلطان
الملك الصالح وتحليف العساكر الشامية له على العادة.
ثم طلب الأمير طاز والأمير مغلطاي مفاتيح الذخيرة ليعتبرا ما فيها فوجدا شيئًا
يسيرًا.
ثم رسم للصاحب علم الدين عبد الله بن زنبور بتجهيز تشاريف الأمراء وأرباب الوظائف
على العادة فجهزها في أسرع وقت.
ووقف الأمير طاز وسأل السلطان والأمراء الإفراج عن الأمير شيخون العمري فرسم بذلك
وكتب كل من مغلطاي وطاز كتابًا وبعث مغلطاي أخاه قطليجا رأس نوبة وبعث طاز الأمير
طقطاي صهره وجهزت له الحراقة لإحضاره من الإسكندرية في يوم الثلاثاء تاسع عشرين
جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة المذكورة.
وكان ذلك بغير اختيار الأمير مغلطاي إلا أن الأمير طاز دخل عليه وألح عليه في ذلك
حتى وافقه على مجيئه بعد أن قال له: أخشى على نفسي من مجيء شيخون إلى مصر فحلف له
طاز أيمانًا مغلظة أنه معه على كل ما يريد ولا يصيبه من شيخون ما يكره وأن شيخون
إذا حضر لا يعارضه في شيء من أمر المملكة " وإني ضامن له في هذا " وما زال به
حتى أذعن وكتب له مع أخيه.
فشق ذلك على الأمير منكلي بغا الفخري وعتب مغلطاي على موافقة طاز وعرفه أن بحضور
شيخون إلى مصر يزول عنهم ما هم فيه فتقرر في ذهن مغلطاي ذلك وندم على ما كان منه
إلى أن كان يوم الخميس أول شهر رجب وركب الأمراء في الموكب على العادة أخذ منكلي
بغا يعرف النائب والأمراء بإنكار ما دار بينه وبين مغلطاي وحذرهم من حضور شيخون إلى
أن وافقوه وطلعوا إلى القلعة ودخلوا إلى الخدمة.
فآبتدأ النائب بحضور شيخون وقال: " إنه رجل كبير ويحتاج إلى إقطاع كبير وكلف
كثيرة ".
فتكلم مغلطاي ومنكلي بغا والأمراء وطاز ساكت قد آختبط لتغير مغلطاي ورجوعه على ما
وافقه عليه.
وأخذ طاز يتلطف بهم فصمم مغلطاي على ما هو عليه وقال: " مالي وجه أنظر به شيخون
وقد أخذت منصبه ووظيفته وسكنت في بيته " فوافقه النائب وقال لناظر الجيش: اكتب
له مثالًا بنيابة حماة فكتب ناظر الجيش ذلك في الوقت وتوجه به أيدمر الدوادار في
الحال في حراقة وعين لسفر شيخون عشرون هجينًا ليركبها ويسير عليها إلى حماة.
وآنفضوا وفي نفس طاز ما لا يعبر عنه من القهر ونزل واتفق هو والأمير صرغتمش وملكتمر
وجماعة واتفقوا جميعًا وبعثوا إلى مغلطاي بأن " منكلي بغا رجل فتني وما دام بيننا
لا نتفق أبدا " فلم يصغ مغلطاي إلى قولهم واحتج بأنه إن وافقهم لا يأمن على
نفسه.
فدخل عليه طاز ليلًا بالأشرفية من قلعة الجبل حيث هي مسكن مغلطاي وخادعه حتى أجابه
إلى إخراج منكلي بغا وتحالفا على ذلك فما هو إلا أن خرج عنه طاز أخذ دوادار مغلطاي
يقبح على مغلطاي ما صدر منه ويهول عليه الأمر بأنه متى أبعد منكلي بغا وحضر شيخون
أخذ لا وبلغ الخبر منكلي بغا بكرة يوم الجمعة ثانيه فواعد النائب والأمراء على
الاجتماع في صلاة الجمعة ليقع الاتفاق على ما يكون فلم يخف عن طاز وصرغتمش رجوع
مغلطاي عما تقرر بينه وبين طاز ليلًا فاستعدا للحرب وواعدا الأمير ملكتمر المحمدي
والأمير قردم الحموي ومن يهوى هواهم واستمالوا مماليك بيبغا أرس ومماليك منجك حتى
صاروا معهم رجاء لخلاص أستاذيهم.
وشد الجميع خيولهم.
فلما دخل الأمراء لصلاة الجمعة اجتمع منكلي بغا بالنائب وجماعته وقرر معهم أن
يطلبوا طاز وصرغتمش إلى عندهم في دار النيابة ويقبضوا عليهما.
فلما أتاهما الرسول من النائب يطلبهما أحسا بالشر وقاما ليتهيئا للحضور وصرفا
الرسول على أنهما يكونان في أثره وبادرا إلى باب الدور ونحوه من الأبواب فأغلقاها
وآستدعوا من معهم من المماليك السلطانية وغيرها ولبسوا السلاح.
ونزل صرغتمش بمن معه من باب السر ليمنع من يخرج من إسطبلات الأمراء.
ودخل طاز على السلطان الملك الصالح حتى يركب به للحرب فلقي الأمير صرغتمش في نزوله
الأمير أيدغدي أمير آخور فلم يطق منعه وأخذ بعض الخيول من الاسطبل وخرج منه فوجد
خيله وخيل من معه في انتظارهم.
فركبوا إلى الطبلخاناه فإذا طلب منكلي بغا مع ولده ومماليكه يريدون قبة النصر
فألقوا ابن منكلي بغا عن فرسه وجرحوه في وجهه وقتلوا حامل الصنجق وشتتوا شمل
الجميع.
فما استتم هذا حتى ظهر طلب مغلطاي مع مماليكه ولم يكن لهم علم بما وقع على طلب
منكلي بغا فصدمهم صرغتمش أيضًا بمن معه صدمة بددتهم وجرح جماعة منهم وهزم بقيتهم.
ثم عاد صرغتمش ليدرك الأمراء قبل نزولهم من القلعة وكانت خيولهم واقفة على باب
السلسلة تنتظرهم فمال عليها صرغتمش ليأخذها.
وامتدت أيدي أصحابه إليها وقتلوا الغلمان فعظم الصياح وانعقد الغبار وإذا بالنائب
ومنكلي بغا ومغلطاي وبيغرا ومن معهم قد نزلوا وركبوا خيولهم وكانوا لما أبطأ عليهم
حضور طاز وصرغتمش بعثوا في استحثاثهم فإذا الأبواب مغلقة والضجة داخل باب القلعة
فقاموا من دار النيابة يريدون الركوب فما توسطوا بالقلعة حتى سمعوا ضجة الغلمان
وصياحهم فأسرعوا إليهم وركبوا فشهر مغلطاي سيفه وهجم بمن معه على صرغتمش ومر النائب
وبيغرا ورسلان بصل يريد كل منهم إسطبله.
فلم يكن غير ساعة حتى انكسر مغلطاي من صرغتمش كسرة قبيحة وجرح كثير من أصحابه وفر
إلى جهة قبة النصر وهم في أثره وانهزم منكلي بغا أيضًا.
وكان طاز لما دخل على السلطان عرفه أن النائب والأمراء اتفقوا على إعادة الملك
الناصر حسن إلى السلطنة فمال السلطان الملك الصالح إلى كلامه.
وقام معه في مماليكه ونزل إلى الإسطبل واستدعى بالخيول ليركب فقعد به أيدغدي أمير
آخور واحتج بقلة السروج فإنه كان من حزب الأمراء والمماليك والأجناد من كل جهة حتى
عظم جمعه فلم تغرب الشمس إلا والمدينة قد أغلقت وآمتلأت الرميلة بالعامة.
وسار طاز بالسلطان يريد قبة النصر حتى يعرف خبر صرغتمش فوافى قبة النصر بعد المغرب
فوجد صرغتمش قد تمادى في طلب مغلطاي ومنكلي بغا حتى أظلم الليل فلم يشعر إلا بمملوك
النائب قد أتاه برسالة النائب أن مغلطاي عنده في بيت آل ملك بالحسينية فبعث صرغتمش
جماعة لأخذه.
ومر صرغتمش في طلب منكلي بغا فلقيه الأمير محمد بن بكتمر الحاجب وعرفه أن منكلي بغا
نزل قريبًا من قناطر الأميرية ووقف يصلي وأن طلب الأمير مجد الدين موسى بن الهذباني
قد جاء من جهة كوم الريش.
ولحق بالأمير منكلي بغا الأمير أرغون ألبكي في جماعة فقبض عليه وهو قائم يصلي
وكتفوه بعمامته وأركبوه بعد ما نكلوا به.
فلم يكن غير قليل حتى أتوا به وبمغلطاي فقيدا وحبسا بخزانة شمائل ثم أخرجا إلى
الإسكندرية ومعهما ابنا منكلي بغا فسجنوا بها.
وأما صرغتمش فإنه لما فرغ من أمر مغلطاي ومنكلي بغا وقبض عليهما أقبل على السلطان
بمن معه بقبة النصر وعرفه بمسك الأميرين فسر السلطان سرورًا كبيرًا ونزل هو
والأمراء وباتوا بقية النصر.
وركب السلطان بكرة يوم السبت ثالث شهر رجب إلى قلعة الجبل وجلس بالإيوان وهنأوه
بالسلامة والظفر.
وفي الحال كتب بإحضار الأمير شيخون وخرج جماعة من الأمراء بمماليكهم إلى لقائه.
ونزلت البشائر إلى بيت شيخون وبيت بيبغا أرس وبيت منجك اليوسفي الوزير فكان يومًا
عظيمًا وبات الأمراء تلك الليلة على تخوف.
وأما شيخون لما ورد عليه الرسول بإطلاقه أولًا فإنه خرج من الإسكندرية وهو ضعيف
وركب الحراقة وفرح أهل الإسكندرية لخلاصه.
وسافر فوافاه كتاب الأمير صرغتمش بأنه إذا أتاك أيدمر بنيابة حماة لا ترجع وأقبل
إلى القاهرة فأنا وطاز معك فلما قرأ شيخون الكتاب تغير وجهه وعلم أنه قد حدث في
أمره شيء.
فلم يكن غير ساعة حتى لاحت له حراقة أيدمر فمر شيخون وهو مقلع وأيدمر منحدر إلى أن
تجاوزه وأيدمر يصيح ويشير بمنديله إليه فلا يلتفتون إليه.
فأمر أيدمر بأن تجهز مركبه بالقلع وترجع خلف شيخون فما تجهز قلع مركب أيدمر حتى قطع
شيخون بلادًا كثيرة وصارت حراقته تسير وأيدمر في أثرهم فلم يدركوه إلا بكرة يوم
السبت.
فعندما طلع إليه أيدمر وعرفه ما رسم به من عوده إلى حماة وقرأ المرسوم الذي على يد
أيدمر برجوعه إلى نيابة حماة وإذا بالخيل على البر يتبع بعضها بعضًا والمراكب قد
ملأت وجه الماء تبادر لبشارته وإعلامه بما وقع من الركوب ومسك مغلطاي ومنكلي بغا
فسر شيخون بذلك سرورًا عظيمًا وسار إلى أن أرسى بساحل بولاق في يوم الأحد رابع شهر
رجب بعد أن مشت له الناس إلى منية الشيرج فلما رأوه صاحوا ودعوا له وتلقته المراكب
وخرج الناس إلى الفرجة عليه حتى بلغ كراء المركب إلى مائة درهم وما وصلت الحراقة
إلا وحولها فوق ألف مركب.
وركبت الأمراء إلى لقائه وزينت الصليبة وأشعلت الشموع وخرجت مشايخ الصوفية بصوفيتهم
إلى لقائه فسار شيخون في موكب لم ير مثله لأمير قبله.
وسار حتى طلع القلعة وقبل الأرض بين يدي السلطان الملك الصالح فأقبل عليه السلطان
وخلع عليه تشريفًا جليلًا وقلع عنه ثياب السجن وهي ملوطة طرح محرر.
ثم نزل إلى منزله والتهاني تتلقاه.
ودام الأمر على ذلك إلى يوم الأربعاء سابع شهر رجب حيث رسم بإخراج الأمير بيبغا أرس
حارس طير نائب السلطنة بالديار المصرية والأمير بيغرا.
فنزل الحاجب إلى بيت آل ملك بالحسينية وبه كان سكن بيبغا المذكور وأخرج منه ليسير
من مصر إلى نيابة غزة.
وأخرج بيغرا من الحمام إخراجًا عنيفًا ليتوجه إلى حلب فركبا من فورهما وسارا.
ثم رسم بإخراج الأمير أيدغدي الأمير آخور إلى طرابلس بطالًا.وكتب بالإفراج عن المسجونين بالإسكندرية والكرك.
وفي يوم السبت عاشره ركب السلطان والأمراء إلى الميدان على العادة ولعب فيه بالكرة
فكان يومًا مشهودًا.
ووقف الناس للسلطان في المار الضامن ورفعوا فيه مائة قصة فقبض عليه وضربه الوزير
بالمقارع ضربًا مبرحًا وصادره وأخذ منه مالًا كثيرًا.
وفيه قبض على الأمير بيبغا ططر المعروف بحارس طير نائب السلطنة المتوجه إلى نيابة
غزة في طريقه وسجن بالإسكندرية.
وفي يوم الأحد حادي عشره وصل الأمراء من سجن الإسكندرية
وهم سبعة نفر: منجك اليوسفي الوزير وفاضل أخو بيبغا أرس وأحمد الساقي نائب صفد
وعمر شاه الحاجب وأمير حسين التتري وولده والأمير محمد بن بكتمر الحاجب.
فركب الأمراء ومقدمهم الأمير طاز ومعه الخيول المجهزة لركوبهم حتى لقيهم وطلع بهم
إلى القلعة فقبلوا الأرض وخلع السلطان عليهم.
ونزلوا إلى بيوتهم فامتلأت القاهرة بالأفراح والتهاني.
ونزل الأمير شيخون والأمير طاز والأمير صرغمتش إلى اسطبلاتهم وبعثوا إلى الأمراء
القاعدين من السجن التقادم السنية من الخيول والتعابي القماش والبسط وغيرهما فكان
الذي بعثه شيخون لمنجك خمسة أفراس ومبلغ ألفي دينار وقس على هذا.
ثم في يوم الإثنين ثاني عشر شهر رجب خلع على الأمير قبلاي الحاجب وآستقر في نيابة
السلطنة بالديار المصرية عوضًا عن بيبغا ططر حارس طير.
وفي يوم الخميس خامس عشر شهر رجب قدم الأمير بيبغا أرس من سجن الكرك فركب الأمراء
إلى لقائه وطلع إلى السلطان وقبل الأرض وخلع عليه ونزل إلى بيته فلم يبق أحد من
الأمراء حتى قدم له تقدمة تليق به.
ثم في يوم الإثنين تاسع عشره خلع على الأمير بيبغا أرس واستقر في نيابة حلب عوضًا
عن أرغون الكاملي واستقر أرغون الكاملي في نيابة الشام عوضًا عن أيتمش الناصري.
وخلع على أحمد الساقي شاد الشراب خاناه كان بنيابة حماة عوضًا عن طنيرق ورسم لطنيرق
أن يتوجه إلى حلب أمير طبلخاناة بها ثم رسم بأن يكون بطالًا بدمشق.
وفي يوم الأحد ثالث شعبان سافر بيبغا أرس وأحمد الساقي بعد أيام إلى محل
كفالتهما.
وفيه سأل الأمير منجك الإعفاء عن أخذ الإمرة في نيابة صفد وأن يقعد بطالًا بجامعه
فأجيب إلى ذلك بسفارة الأمير شيخون واسترد أملاكه التي كان أنعم بها السلطان على
المماليك والخدام والجواري ورمم ما تشعث من صهريجه واستجد به خطبة.
ثم خلع السلطان على عمرشاه واستقر حاجب الحجاب عوضًا عن قبلاي المنتقل إلى نيابة
السلطنة بديار مصر وأنعم على طشتمر القاسمي بتقدمة ألف واستقر حاجبًا ثانيًا وهي
تقدمة بيغرا.
وفيها أخرج جماعة من الأمراء وفرقوا بالبلاد الشامية وهم: الأمير طينال الجاشنكير
وآقجبا وفي يوم السبت تاسع شعبان وصل الملك المجاهد صاحب اليمن من سجن الكرك فخلع
عليه من الغد ورسم له بالعود إلى بلاده من جهة عيذاب وبعث إليه الأمراء بتقادم
كثيرة وتوجه إلى بلاده.
وكانت أمه قد رجعت من مكة إلى اليمن بعد مسكه وأقامت في مملكة اليمن ابنة الملك
الصالح وكتبت إلى تجار الكارم توصيهم بابنها المجاهد وأن يقرضوه ما يحتاج إليه
وختمت على أموالهم من صنف المتجر بعدن وتعز وزبيد.
فقدم قاصدها بعد أن قبض على المجاهد ثانيًا وسجن بالكرك بعد أن كان رسم له الملك
الناصر حسن بالتوجه إلى بلاده لأمر بدا منه في حق السلطان في الطريق فكتب مسفره
يعرف السلطان بذلك.
انتهى.
ثم في يوم الإثنين ثاني عشر شعبان وصل إلى القاهرة الأمير أيتمش الناصري المعزول عن
نيابة الشام فقبض عليه من الغد.
ثم قدم الشريف ثقبة صاحب مكة في مستهل شهر رمضان بعد ما قدم قوده وقود أخيه عجلان
فخلع السلطان عليه بإمرة مكة بمفرده.
واقترض ثقبة من الأمير طاز ألف دينار ومن الأمير شيخون عشرة آلاف درهم وآقترض من
التجار مالًا كثيرًا واشترى الخيل والمماليك والسلاح وآستخدم عدة أجناد.
ورسم بسفر الأمير حسام الدين لاجين العلائي مملوك آقبغا الجاشنكير صحبته ليقلده
إمرة مكة.
ثم سافر الأمير طيبغا المجدي في خامس شوال بالحج والمحمل على العادة وسار الجميع
إلى مكة ولم يعلم أحد خبر المجاهد صاحب اليمن حتى قدم مبشر الحافي في مستهل المحرم
سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وأخبر بوصول الملك المجاهد إلى ممالك اليمن في ثامن عشر
ذي الحجة من السنة الماضية وأنه استولى على ممالكه.
وفي شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة شرع الأمير طاز في عمارة قصره
وإصطبله تجاه حمام المارقاني بجوار المدرسة البندقدارية على الشارع وأدخل فيه عدة
أملاك وتولى عمارته الأمير منجك وحمل إليه الأمراء وغيرهم من الرخام وآلات العمارة
شيئًا كثيرًا.
وفيه شرع الأمير صرغتمش أيضًا في عمارة إسطبل الأمير بدرجك بجوار بئر الوطاويط
قريبًا من الجامع الطولوني وحمل إليه الناس أيضًا شيئًا كثيرًا من آلات العمارة.
ثم خلع السلطان على الأمير صرغتمش المذكور وآستقر رأس نوبة كبيرًا في رتبة الأمير
شيخون باختيار شيخون وجعل إليه التصرف في أمور الدولة كلها من الولاية والعزل
والحكم ما عدا مال الخاص فإن الأمير شيخون يتحدث فيه.
فقصد الناس صرغتمش لقضاء أشغالهم وكثرت مهابته وعارض الأمراء في جميع أفعالهم.
وأراد صرغتمش ألا يعمل شيء إلا من بابه وبإشارته فإن تحدث غيره في عزل أو ولاية غضب
وأبطل ما تحدث فيه وأخرق بصاحبه.
فأجمع الأمراء على استبداد السلطان بالتصرف وأن يكون ما يرسم به على لسان الأمير
صرغتمش رأس نوبة.
فطال صرغتمش وآستطال وعظم ترفعه على الناس فتنكرت له الأمراء وكثرت الأراجيف بوقوع
فتنة وإعادة الملك الناصر حسن ومسك شيخون أو طاز وانفراد صرغتمش بالكلمة وصاروا
الأمراء على تحرز وآستعداد فأخذ صرغتمش في التبرؤ مما رمي به وحلف للأمير شيخون
وللأمير طاز فلم يصدقه طاز وهم به فقام شيخون بينهما قيامًا كبيرًا حتى أصلح بينهما
وأشار على طاز بالركوب إلى عمارة صرغتمش فركب إليه وتصافيا.
وفي هذه الأيام من سنة ثلاث وخمسين رتب الأمير شيخون في الجامع الذي أنشأه العلامة
أكمل الدين محمد الرومي الحنفي مدرسًا وجعل خطيبه جمال الدين خليل بن عثمان الرومي
الحنفي وجعل به درسًا للمالكية أيضًا وولى تدريسه نور الدين السخاوي المالكي وقرر
له ثلاثمائة درهم كل شهر ورتب به قراء ومؤذنين وغير ذلك من أرباب الوظائف وقرر لهم
معاليم بلغت في الشهر ثلاثة آلاف درهم.
قلت: ذلك قبل أن تبنى الخانقاه تجاه الجامع المذكور.
وفي عاشر جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير شيخون العمري واستقر رأس نوبة كبيرًا
عوضًا عن صرغتمش لأمر اقتضى ذلك.
وعند لبس شيخون الخلعة قدم عليه الخبر بولادة بعض سراريه ولدًا ذكرًا فسر به سرورًا
زائدًا فإنه لم يكن له ولد ذكر.
وفي هذه الأيام ادعى رجل بالقاهرة النبوة وأن معجزته أن ينكح امرأة فتلد من وقتها
ولدًا ذكرًا يخبر بصحة نبوته فقال بعض من حضر: إنك لبئس النبي فقال: لكونكم بئس
الأمة فضحك الناس من قوله فحبس وكشف عن أمره فوجدوا له نحو اثني عشر يومًا من حين
خرج من عند المجانين.
وفي يوم الأربعاء عاشر شهر رجب قدم كتاب الأمير أرغون الكاملي نائب الشام يتضمن أنه
قبض على قاصد الأمير منجك الوزير بكتابه إلى أخيه بيبغا أرس نائب حلب يحسن له
الحركة والعصيان.
وأرسل الكتاب وإذا فيه أنه أتفق مع سائر الأمراء وما بقي إلا أن يركب ويتحرك.
فآقتضى الرأي التأني حتى يحضر الأمراء والنائب إلى الخدمة من الغد ويقرأ الكتاب
عليهم ليدبروا الأمر على ما يقع عليه الاتفاق.
فلما طلع الجماعة من الغد إلى الخدمة لم يحضر منجك فطلب فلم يوجد وذكر حواشيه أنهم
من عشاء الآخرة لم يعرفوا خبره.
فركب الأمير صرغتمش في عدة من الأمراء وكبس بيوت جماعته فلم يقع له على خبر وتفقدوا
مماليكه ففقد منهم آثنان فنودي عليه في القاهرة وهدد من أخفاه وأخرج عيسى بن حسن
الهجان في جماعة من عرب العائذ على النجب لأخذ الطرقات عليه وكتب إلى العربان ونواب
الشام وولاة الأعمال على أجنحة الطيور بتحصيله فلم يقدروا عليه وكبست بيوت كثيرة.
ثم في يوم الأربعاء رابع عشرين شهر رجب قدم الخبر بعصيان الأمير أحمد الساقي نائب
حماة وبعصيان الأمير بكلمش نائب طرابلس.
وفي يوم السبت سابع عشرينه كتب بإحضار الأمير بيبغا أرس نائب حلب إلى الديار
المصرية وكتب ملطفات لأمراء حلب تتضمن أنه: إن آمتنع من الحضور فهو معزول ورسم
لحامل الكتاب أن يعلم بيبغا أرس بذلك مشافهة بحضرة أمراء حلب.
فقدم البريد من الشام بموافقة ابن دلغادر لبيبغا أرس وأنه تسلطن بحلب وتلقب بالملك
العادل وأنه يريد مصر لأخذ غرمائه وهم طاز وشيخون وصرغتمش وبزلار وأرغون الكاملي
نائب الشام.
لما بلغ ذلك السلطان والأمراء رسم للنائب بيبغا ططر حارس الطير بعرض أجناد الحلقة
وتعيين مضافيهم من عبرة أربعمائة دينار الإقطاع فما فوقها ليسافروا.
ثم قدم البريد بأن قراجا بن دلغادر قدم حلب في جمع كبير من التركمان فركب بيبغا أرس
وتلقاه وقد واعد نائب حماة وطرابلس على مسيره أول شعبان إلى نحو الديار المصرية
وأنهم يلقوه على الرستن.
فأمر السلطان الأمير طقطاي الدوادار بالخروج إلى الشام على البريد وعلى يده ملطفات
لجميع أمراء حلب وحماة وطرابلس فسار طقطاي حتى وصل دمشق وبعث بالملطفات إلى أصحابها
فوجد أمر بيبغا أرس قد قوي ووافقه النواب والعساكر وابن دلغادر بتركمانه وحيار بن
مهنا بعربانه.
فكتب نائب الشام بأن سفر السلطان لا بد منه وإلا خرج عنكم الشام جميعه.
فآتفق رأي أمراء مصر على ذلك وطلب السلطان الوزير علم الدين عبد الله بن زنبور ورسم
له بتهيئة بيوت السلطان وتجهيز الإقامات في المنازل فذكر أنه ما عنده مال لذلك فرسم
له بقرض ما يحتاج إليه من التجار فطلب تجار الكارم وباعهم غلالًا من الأهراء بالسعر
الحاضر وعدة أصناف أخر وكتب لمغلطاي بالإسكندرية وأخذ منه أربعمائة ألف درهم وأخذ
من النائب مائة ألف درهم قرضًا ومن الأمير بلبان الأستادار مائة ألف درهم فلم يمض
أسبوع حتى جهز الوزير جميع ما يحتاج إليه السلطان.
وخرج الأمير طاز في يوم الخميس ثالث شعبان ومعه الأمير بزلار والأمير كلتاي والأمير
فارس الدين ألبكي.
ثم خرج الأمير طيبغا المجدي وابن أرغون النائب وكلاهما مقدم ألف في يوم السبت خامس
شعبان.
وخرج الأمير شيخون العمري في يوم الأحد سادسه بتجمل عظيم.
فبينما الناس في التفرج على طلبه إذ قيل قبض على منجك اليوسفي.
وهو أن الأمير طاز لما رحل ووصل إلى بلبيس قيل له: إن بعض أصحاب منجك صحبة شاورشي
مملوك قوصون فطلبهما الأمير طاز وفحص عن أمرهما فرابه أمرهما فأمر بالرجل ففتش فإذا
معه كتاب منجك لأخيه بيبغا أرس يتضمن أنه قد فعل كل ما يختاره وجهز أمره مع الأمراء
كلهم وأنه أخفى نفسه وأقام عند شاورشي أيامًا ثم خرج من عنده إلى بيت الحسام الصقري
أستاداره وهو مقيم حتى يعرف خبره وهو يستحثه على الخروج من حلب.
فبعث به طاز إلى الأمير شيخون فوافى الأطلاب خارجة فطلب شيخون الحسام الصقري وسأله
فأنكر فأخذه الأمير صرغتمش وعاقبه.
ثم ركب إلى بيته بجوار الجامع الأزهر وهجمه فإذا منجك ومملوكه فأخذه صرغتمش وأركبه
مكتوف اليدين إلى القلعة فسير من وقته إلى الإسكندرية فحبس بها.
ثم ركب السلطان الملك الصالح من قلعة الجبل في يوم الإثنين سابع شعبان في بقية
الأمراء والخاصكية ونزل إلى الريدانية خارج القاهرة وخلع على الأمير قبلاي
باستقراره نائب الغيبة ورتب أمير علي المارديني أن يقيم بالقلعة ومعه الأمير كشلي
السلاح دار ليقيما داخل باب القلة ويكون على باب القلعة الأمير أرنان والأمير
قطلوبغا الذهبي ورتب الأمير مجد الدين موسى الهذباني مع والي مصر لحفظ مصر.
ثم استقل السلطان بالمسير من الريدانية في يوم الثلاثاء بعد الظهر.
وقدم البريد بأن الأمير مغلطاي الدوادار خرج من دمشق يريد مصر وأن الأمير أرغون
الكاملي نائب الشام لما بلغه خروج بيبغا أرس بمن اجتمع معه من العساكر عزم على
لقائه فبلغه مخامرة أكثر أمراء دمشق فاحترس على نفسه وصار يجلس بالميدان وهو لابس
آلة الحرب.
ثم اقتضى رأي الأمير مسعود بن خطير أن النائب لا يلقى القوم وأنه ينادي بالعرض
للنفقة في منزلة الكسوة ويركب إليها فإذا خرج العسكر إليه بمنزلة الكسوة منعهم من
عبورهم إلى دمشق وسار بهم إلى الرملة في انتظار قدوم السلطان وأنه استصوب ذلك وفعله
وأنه مقيم بعسكر دمشق على الرملة وأن الأمير ألطنبغا برناق نائب صفد سار إلى بيبغا
أرس وأن بيبغا أرس سار من حلب إلى حماة واجتمع مع نائبها أحمد الساقي وبكلمش نائب
طرابلس وسار بهم إلى حمص وعند نزوله على حمص وصل إليه مملوكا الأمير أرقطاي بكتاب
السلطان ليحضر فقبض عليهما وقيدهما وسار يريد دمشق فبلغه مسير السلطان واشتهر ذلك
في عسكره وأنه عزل عن نيابة حلب فانحلت عزائم كثير ممن معه من المقاتلة وأخذ بيبغا
أرس في الاحتفاظ بهم والتحرز منهم إلى أن قدم دمشق يوم الخميس خامس عشرين شهر رجب
فإذا أبواب المدينة مغلقة والقلعة محصنة.
فبعث بيبغا أرس إلى الأمير إياجي نائب قلعتها يأمره بالإفراج عن قردم وأن يفتح
أبواب المدينة ففتح أبواب المدينة ولم يفرج عن قردم.
فركب الأمير أحمد الساقي نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس من الغد ليغيرا على الضياع
فوافى بعض عسكر بيبغا أرس نجابًا يخبر بمسك منجك ومسير السلطان من خارج القاهرة.
وعاد أحمد وبكلمش في يوم الإثنين رابع عشر شعبان وقد نزل طاز بمن معه المزيرب فارتج
عسكر بيبغا أرس وتواعد قراجا بن دلغادر وحيار بن مهنا على الرحيل فما غربت الشمس
إلا وقد خرجا بأثقالهما وأصحابهما وسارا.
فخرج بيبغا أرس في أثرهما فلم يحركهما وعاد بكرة يوم الثلاثاء فلم يستقر قراره حتى
دقت البشائر بقلعة دمشق بأن الأمير طاز والأمير أرغون الكاملي نائب دمشق وافيا دمشق
وأن الأميرشيخون والسلطان ساقة فبهت بيبغا أرس وتفرق عنه من كان معه فركب عائدًا
إلى حلب في تاسع عشر شعبان فكانت إقامته بدمشق أربعة وعشرين يومًا أفسد أصحابه
بدمشق فيها مفاسد وقبائح من النهب والسبي والحريق والغارات على الضياع من حلب إلى
دمشق وفعلوا كما فعل التتار أصحاب قازان وغيره.
فبعث السلطان الأمير أسندمر العلائي إلى القاهرة بالبشارة فقدمها يوم الجمعة خامس
عشرين شعبان ودقت البشائر لذلك وزينت القاهرة.
وأما السلطان الملك الصالح فإنه التقى مع الأمير أرغون شاه الكاملي نائب الشام على
بدعرش من عمل غزة وقد تأخر معه الأمير طاز بمن معه فدخلوا غزة وخلع السلطان على
أرغون المذكور باستمراره في نيابة دمشق وأنعم عليه بأربعمائة ألف درهم وأنعم على
أمير مسعود بن خطير بألف دينار وعلى كل أمراء دمشق كل واحد قدر رتبته فكان جملة ما
أنفق السلطان وتقدم الأمير شيخون والأمير طاز والأمير أرغون نائب الشام إلى دمشق
وتأخر الأمير صرغتمش صحبة السلطان ليدبر العسكر.
ثم تبعهم السلطان إلى دمشق فدخلها في يوم الخميس مستهل شهر رمضان وخرج الناس إلى
لقائه وزينت مدينة دمشق فكان لدخوله يوم مشهود.
ونزل السلطان بقلعة دمشق ثم ركب منها في الغد يوم الجمعة ثانيه إلى الجامع الأموي
في موكب جليل حتى صلى به الجمعة.
وكان الأمراء قد مضوا في طلب بيبغا أرس.
وأما بيبغا أرس فانه قدم إلى حلب في تاسع عشرين شعبان وقد حفرت خنادق تجاه أبواب
حلب وغلقت.
وامتنعت القلعة عليه ورمته بالحجارة والمجانيق وتبعهم الرجال من فوق الأسوار بالرمي
عليه وصاحوا عليه فبات تلك الليلة بمن معه وركب في يوم الخميس مستهل شهر رمضان
للزحف على مدينة حلب وإذا بصياح عظيم والبشائر تحق في القلعة وهم يصيحون يا منافقون
العسكر وصل.
فالتفت بمن معه فإذا صناجق على جبل جوشن فانهزموا عند ذلك بأجمعهم إلى نحو
البرية.
ولم يكن ما رأوه على جبل جوشن عسكر السلطان ولكنه جماعة من جند حلب وعسكر طرابلس
كانوا مختفين من عسكر بيبغا أرس عند خروجه من دمشق فساروا في أعقابه يريدون الكبسة
على بيبغا أرس وتعبوا على جبل جوشن فعندما رآهم بيبغا لم يشك أنهم عسكر السلطان
فانهزم.
وكان أهل بانقوسا قد وافقوهم وتقدموا عنهم فمسكوا المضايق على بيبغا وأدركهم العسكر
المذكور من خلفهم فتمزق عساكر بيبغا أرس وقد آنعقد عليهم الغبار حتى لم يمكن أحد أن
ينظر رفيقه فأخذهم العرب وأهل حلب قبضًا باليد ونهبوا الخزائن والأثقال وسلبوهم ما
عليهم من آلة الحرب وغيره.
ونجا بيبغا أرس بنفسه بعد أن امتلأت الأيدي بنهب ما كان معه وهو شيء يجل عن
الوصف.
وتتبع أهل حلب أمراءه ومماليكه وأخرجوهم من عدة مواضع فظفروا بكثير منهم فيهم أخوه
الأمير فاضل والأمير ألطنبغا العلائي شاد الشراب خاناه وألطنبغا برناق نائب صفد
وملكتمر السعيدي وشادي أخو نائب حماة وطيبغا حلاوة الأوجاقي وابن أيدغدي الزراق
ومهدي شاد الدواوين بحلب وأسنباي قريب ابن دلغادر وبهادر الجاموس وقليج أرسلان
أستادار بيبغا أرس ومائة مملوك من مماليك الأمراء فقيدوا الجميع وسجنوا.
توجه مع الأمير بيبغا أرس أحمد الساقي نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس وطشتمر
القاسمي نائب الرحبة وآقبغا البالسي وطيدمر وجماعة أخر تبلغ عدتهم نحو مائة وستة
عشر نفرًا.
ثم دخل الأمراء حلب وأخذوا أموال بيبغا أرس وكتبوا إلى قراجا بن دلغادر بالعفو عن
أمير أحمد نائب حماة والقبض على بيبغا أرس ومن معه فأجاب بأنه ينتظر في القبض عليه
مرسوم السلطان وقد نزل بيبغا أرس عنده
وسأل إرسال أمان لبيبغا أرس وأنه مستمر على إمرته فجهز له ذلك فآمتنع من تسليمه
فطلب الأمراء رمضان من أمراء التركمان وخلع عليه بإمرة قراجا بن دلغادر وإقطاعه.
وعاد الأمراء من حلب واستقر بها الأمير أرغون الكاملي نائب الشام وعاد الجميع إلى
دمشق ومعهم الأمراء المقبوض عليهم في يوم الجمعة سلخ شهر رمضان.
وصفوا العيد بدمشق مع السلطان الملك الصالح صالح. أقاموا إلى يوم الإثنين ثالث شوال فجلس السلطان بطارمة قلعة دمشق وأخرج الأمراء
المسجونون في الحديد ونودي عليهم: أهذا جزاء من يخامر على السلطان ويخون
الأيمان.
ووسطوهم واحدًا بعد واحد وقد تقدم ذكر أسمائهم عند القبض عليهم فوسط الجميع ما خلا
ملكتمر السعيدي فإنه أعيد إلى السجن.
وخلع السلطان على أيتمش الناصري واستقر في نيابة طرابلس عوضًا عن بكلمش السلاح
دار.
وخلع على طنيرق بنيابة حماة عوضًا عن أحمد الساقي وعلى الأمير شهاب الدين أحمد بن
صبيح بنيابة صفد عوضًا عن ألطنبغا برناق.
ثم صلى السلطان صلاة الجمعة بالجامع الأموي وهو سابع شوال وخرج من دمشق يريد الديار
المصرية بأمرائه وعساكره فكانت مدة إقامته بدمشق سبعة وثلاثين يومًا.
وسار حتى وصل القاهرة في يوم الثلاثاء خامس عشرين شوال من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة
ومشى بفرسه على الشقق الحرير التي فرشت له بعد أن خرج الناس إلى لقائه والتفرج عليه
فكان لدخوله القاهرة أمر عظيم لم يتفق ذلك لأحد من إخوته.
وعندما طلع إلى القلعة تلقته أمه وجواريه ونثروا على رأسه الذهب والفضة بعد أن فرشت
له طريقه أيضًا بالشقاق الأطلس الملونة والتهاني تزفه ولم يبق بيت من بيوت الأمراء
إلا وفيه الأفراح والتهاني.
وفي قدوم السلطان الملك الصالح يقول العلامة شهاب الدين أحمد بن أبي حجلة التلمساني
الحنفي تغمده الله برحمته: الصالح الملك المعظم قدره تطوى له أرض البعيد النازح
لا تعجبوا من طيها في سيره فالأرض تطوى دائمًا للصالح ثم عمل السلطان عدة مهمات
بالقلعة والقصر السلطاني وخلع على جميع الأمراء وأرباب الوظائف.
ثم قبض على الوزير علم الدين عبد الله بن أحمد بن زنبور وهو بخلعته قريب المغرب.
وسبب ذلك أنه لما فرقت التشاريف على الأمراء غلط الذي أخذ تشريف الأمير صرغتمش ودخل
إليه بتشريف الأمير بلبان السناني الأستادار فلما رآه صرغتمش تحرك ما عنده من
الأحقاد على ابن زنبور المذكور وتنفر غضبًا وقام من فوره ودخل إلى الأمير شيخون
وألقى البقجة قدامه وقال: انظر فعل الوزير معي وحل الشاش وكشف التشريف.
فقال شيخون: هذا وقع فيه الغلط: فقام صرغتمش وقد أخذه من الغضب شبه الجنون
وقال: أنا ما أرضى بالهوان ولا بد من القبض عليه ومهما شئت فافعل بي.
وخرج فصادف ابن زنبور داخلًا إلى شيخون وعليه الخلعة فصاح في مماليكه خذوه.
ففي الحال نزعوا عنه الخلعة وجروه إلى بيت صرغتمش فسجنه في موضع مظلم من داره وعزل
عنه ابنه رزق الله في موضع آخر.
وكان قبل دخوله إلى شيخون رتب عدة مماليك على باب خزانة الخاص وباب النحاس وباب
القلعة وباب القرافة وغيره من المواضع وأوصاهم بالقبض على حاشية ابن زنبور وجميع
الكتاب بحيث لا يدعوا أحدًا منهم يخرج من القلعة.
فعندما قبض على ابن زنبور ارتجت القلعة وخرجت الكتاب فقبضت مماليك صرغتمش عليهم
كلهم حتى على شهود الخزانة وكتابها وكتاب الأمراء الذين بالقلعة.
واختلطت الطماعة بمماليك صرغتمش وصاروا يقبضون على الكاتب ويمضون به إلى مكان
ليعروه ثيابه فإن آحترموه أخذوا مهمازه من رجله وخاتمه من إصبعه أو يفتدي نفسه منهم
بمال يدفعه لهم حتى يطلقوه وفيهم من اختفى عند الغلمان فقرروا عليه مالًا واسترهنوا
دواته بحيث إن بعض غلمان أمير حسين أخي السلطان جمع ست عشرة دواة من ستة عشر كاتبًا
وأصبح يجبيهم ويدفع لهم أدويتهم.
وذهب من الفرجيات والعمائم والمناديل شيء كثير.
وساعة القبض على ابن زنبور بعث الأمير صرغتمش الأمير جرجي والأمير قشتمر في عدة من
المماليك إلى دور ابن زنبور بالصناعة بمدينة مصر وأوقفوا الحوطة على حريمه وختموا
بيوته وبيوت أصهاره وكانت حرمهم في الفرح وعليهن الحلي والحلل وعندهن معارفهن.
فسلب المماليك كثيرًا من النساء اللاتي كن في الفرح ووقفوا حتى مكنوهن من الخروج
إلى دورهن فخرج عامة نساء ابن زنبور وبناته ولم تبق إلا زوجته فوكل بها وكتب إلى
ولاة الأعمال بالوجه القبلي والوجه البحري بالحوطة على ماله وزراعته وماله من
القنود والدواليب وغيرها وخرج لذلك عدة من مقدمي الحلقة وتوجه الحسام العلائي إلى
بلاد الشام ليوقع الحوطة على أمواله.
وأصبح الأمير صرغتمش يوم السبت ثامن عشرين شوال فأخرج ابن الوزير ابن زنبور رزق
الله بكرة وهدده ونزل به من داره من القلعة إلى بيته وأخذ زوجة ابن زنبور أيضًا
وهددها وألقى ابنها رزق الله إلى الأرض ليضربه فلم تصبر ودلته على موضع المال فأخذ
منه خمسة عشر ألف دينار وخمسين ألف درهم وأخرج من بئر صندوقًا فيه ستة آلاف دينار
ومصاغ ووجد له عند الصارم مشد العمائر ستة آلاف دينار ومائة وخمسين ألف درهم سوى
التحف والتفاصيل وثياب الصوف وغير ذلك.
وألزم محمد ابن الكوراني والي مصر بتحصيل بنات ابن زنبور فنودي عليهن ونقل ما في
دور صهري ابن زنبور وسلما لشاد الدواوين وعاد صرغتمش إلى القلعة.
فطلب السلطان جميع الكتاب وعرضهم فعين موفق الدين هبة الله ابن إبراهيم للوزارة
وبدر الدين كاتب يلبغا لنظر الخاص وتاج الدين أحمد بن الصاحب أمين الملك عبد الله
بن الغنام لنظر الجيش وأخاه كريم الدين لنظر البيوت وابن السعيد لنظر الدولة وقشتمر
مملوك طقزدمر لشد الدواوين.
وفي يوم الأحد تاسع عشرين شوال خلع على الجميع وأقبل الناس إلى باب صرغتمش للسعي في
الوظائف فولى الأسعد حربة آستيفاء الدولة وولى كريم الدين أكرم ابن شيخ ديوان
الجيش.
وسلم الأمير صرغتمش المقبوض عليهم لشاد الدواوين وهم: الفخر ابن قروينة ناظر
البيوت والفخر بن مليحة ناظر المجيزة والفخر مستوفي الصحبة والفخر بن الرضي كاتب
الإسطبل وابن معتوق كاتب الجهات وطلب التاج بن لفيتة ناظر المتجر وناظر المطبخ وهو
خال ابن زنبور فلم يوجد وكبست بسببه عدة بيوت حتى أخد.
وصار الأمير صرغتمش ينزل ومعه ناظر الخاص وشهود الخزانة وينقل حواصل ابن زنبور من
مصر إلى حارة زويلة فأعياهم كثرة ما وجدوه له وتتبعت حواشي ابن زنبور وهجمت دور
كثيرة بسببهم.
ثم في مستهل ذي القعدة نزل الأمير صرغتمش إلى بيت ابن زنبور بالصناعة وهدم منه
ركنًا فوجد فيه خمسة وستين ألف دينار حملها إلى القلعة وطلب ابن زنبور وضربه
عريانًا فلم يعترف بشيء فنزل إلى بيته وضرب ابنه الصغير وأمه تراه في عدة أيام حتى
أسمعته كلامًا جافيًا فأمر بها فعصرت.
وأخذ ناظر الخاص في كشف حواصل ابن زنبور بمصر فوجد له من الزيت والشيرج والنحاس
والرصاص والكبريت والعكر والبقم والقند والعسل وسائر أصناف المتجر ما أذهله فشرع في
بيع ذلك كله.
هذا والأمير صرغتمش ينزل بنفسه وينقل قماش ابن زنبور وأثاثه إلى حارة زويلة ليكون
ذخيرة للسلطان فبلغت عدة الحمالين الذين حملوا النصافي والأواني الذهب والفضة
والبلور والصيني والكتب والملابس الرجالية والنسائية والزراكش واللآلئ والبسط
الحرير والمقاعد ثمانمائة حمال سوى ما حمل على البغال.
وكان ما وجد له من أواني الذهب والفضة ستين قنطارًا ومن الجواهر ستين رطلًا ومن
اللؤلؤ الكبار إردبين ومن الذهب الهرجة مائتي ألف دينار وأربعة آلاف دينار وقيل ألف
ألف دينار ومن الحوائص الذهب ستة آلاف حياصة ومن الكلفتاة الزركش ستة آلاف كلفتاه
ومن ملابسه عدة ألفين وستمائة فرجية ومن البسط ستة آلاف بساط ومن الشاشات ثلاثمائة
شاش ووجد له من الخيل والبغال ألف رأس ودواب حلابة ستة آلاف رأس ومن معاصر السكر
خمس وعشرون معصرة ومن الإقطاعات سبعمائة إقطاع كل إقطاع متحصله خمسة وعشرون ألف
درهم في السنة ووجد له مائة عبد وستون طواشيًا وسبعمائة جارية وسبعمائة مركب في
النيل وأملاك قومت بثلاثمائة ألف دينار ورخام بمائتي ألف درهم ونحاس بأربعة آلاف
دينار وسروج وبدلات عدة خمسمائة ووجد له آثنان وثلاثون مخزنًا فيها من أصناف المتجر
ما قيمته أربعمائة ألف دينار ووجد له سبعة آلاف نطع وخمسمائة حمار ومائتا بستان
وألف وأربعمائة ساقية وذلك سوى ما نهب وما آختلس على أن موجوده بيع بنصف قيمته.
ووجد في حاصل بيت المال مبلغ مائة ألف وستون ألف درهم وبالأهراء نحو عشرين ألف
إردب: وهذا الذي ذكرناه محرر عن الثقات.
وأما غيرنا فذكر له أشياء كثيرة جدًا أضربنا عن ذكرها خوف المجازفة.
وكان ابتداء أمر ابن زنبور أنه باشر في آستيفاء الوجه القبلي فنهض فيه وشكرت سيرته
إلى أن عرض الملك الناصر محمد بن قلاوون الكتاب ليختار منهم من يوليه كاتب الإسطبل
وكان ابن زنبور هذا من جملتهم وهو شاب فأثنى عليه الفخر ناظر الجيش وساعده الأكوز
والنشو فولي كاتب الإسطبل عوضًا عن ابن الجيعان فنالته فيها السعادة.
وأعجب به السلطان لفطنته فدام على ذلك حتى مات الناصر فآستقر مستوفي الصحبة ثم
آنتقل عنها إلى نظر الدولة.
ثم ولي نظر الخاص بعناية الأمير أرغون العلائي ثم أضيف إليه نظر الجيش وجمع بعد مدة
إليهما الوزارة ولم تتفق لأحد قبله هذه الوظائف.
قلت: ولا بعده إلى يومنا هذا أعني لواحد في وقت واحد.
وعظم في الدولة ونالته السعادة حتى إنه كان يخلع عليه في ساعة واحدة ثلاث خلع ويخرج
له ثلاث أفراس ونفذت كلمته وقويت مهابته وأتجر في جميع الأصناف حتى في الملح
والكبريت.
ولما صار في هذه الرتبة كثرت حساده وسعوا فيه عند صرغتمش وأغروه به حتى كان من أمره
ما كان.
وكان يقوم بكلف شيخون جميعها من ماله وصار صرغتمش يسمع شيخون بسببه الكلام ويقول:
لو مكنتني منه أخذت منه للسلطان ما هو كيت وكيت وشيخون يعتذر له ويقول: لا يوجد
من يسد مسده وإن كان ولا بد يقرر عليه مال ويستمر على وظائفه وبينما هم في ذلك قدم
الخبر بعصيان بيبغا أرس فاشتغل صرغتمش عنه حتى سافروا وعادوا إلى القاهرة ووقع من
أمر الخلعة ما حكيناه.
ثم انتدب جماعة بعد مسكه للسعي في هلاكه وأشاعوا أنه باق على دين النصرانية وأثبتوا
في ذهن صرغتمش ذلك وأنه لما دخل إلى القدس في سيرته هذه بدأ في زيارته بالقمامة
فقبل عتبتها وتعبد فيها ثم خرج إلى المسجد الأقصى فأراق الماء في بابه ولم يصل فيه
وتصدق على النصارى ولم يتصدق على غيرهم ورتبوا فتاوى أنه آرتد عن دين الإسلام.
وكان أجل من قام عليه الشريف شرف الدين نقيب الأشراف والشريف أبو العباس الصفراوي
وبدر الدين ناظر الخاص والصواف تاجر الأمير صرغتمش وأشهد عليه أن جميع ما يملكه
إنما هو للسلطان من مال بيت المال دون ماله.
ثم حسنوا لصرغتمش ضربه فأمر به فأخرج وفي عنقه باشة وجنزير وضرب عريانًا قدام باب
قاعة الصاحب من القلعة.
ثم أعيد إلى موضعه وعصر وسقي الماء والملح.
ثم سلم لشاد الدواوين وأمر بقتله فنوع عليه أنواع العذاب فتكلم الأمير شيخون في عدم
قتله فأمسك عنه ورتب له الأكل والشرب وغيرت عنه ثيابه ونقل من قاعة الصاحب إلى بيت
صرغتمش واستمر على ذلك إلى أن أخرج إلى قوص منفيًا ومات بها بعد أن أخذ سائر موجوده
وأخذ منه ومن حواشيه فوق الألفي ألف دينار.
انتهى.
وأما
أمر الديار المصرية
فإنه لما كان يوم الإثنين ثامن عشرين ذي الحجة قدم البريد من حلب بأخذ أحمد الساقي
نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس من عند ابن دلغادر وسجنا بقلعة حلب فأمر السلطان إلى
نائب حلب بخلعه.
وفي هذه الأيام توفي الخليفة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بعد
أن عهد لأخيه أبي بكر فطلب أبو بكر وخلع عليه خلعة الخلافة بحضرة السلطان والأمير
شيخون ولقب بالمعتضد بالله أبي بكر.
يأتي ذكره في الوفيات على عادة هذا الكتاب.
وقد ذكرناه في المنهل الصافي بأوسع مما يأتي ذكره فيه وأيضًا في مختصرنا المنعوت:
" بمورد اللطافة في ذكر من ولي السلطنة والخلافة ".
وأما أمر بيبغا أرس فإنه لما أرسل قراجا بن دلغادر أحمد الساقي نائب حماة وبكلمش
نائب طرابلس إلى حلب في القيود واعتقلا بقلعة حلب حسب ما ذكرناه فكان ذلك آخر العهد
بهما.
ثم أرسل قراجا المذكور بيبغا أرس بعد أيام في محرم سنة أربع وخمسين وسبعمائة فاعتقل
بقلعة حلب وكان ذلك آخر العهد به.
أيضًا.
رحمه الله.
وقيل: إنه ما حضر إلى حلب إلا رؤوسهم. .
وفي بيبغا أرس يقول الأديب زين الدين عبد الرحمن بن الخضر السنجاري الحلبي - رحمه
الله - أبياتًا منها: بغى بيبغا بغي الممالك عنوة وما كان في الأمر المراد موفقا
أغار على الشقراء في قيد جهله لكي يركب الشهباء في الفلك مطلقا فلما علا في ظهرها
كان راكبًا على أدهم لكنه كان موثقا ثم رسم السلطان الملك الصالح صالح أن يقر أهل
الذمة على ما أقرهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عليه من ترك
تشبههم بالمسلمين في أمر من الأمور وترك ركوب الخيل وحمل السلاح ورفع أصواتهم على
أصوات المسلمين وأشباه ذلك.
ثم رسم بنفي الأمير منجك اليوسفي الوزير كان إلى صفد بطالًا.
وفي هذه السنة أعني سنة أربع وخمسين وسبعمائة انتهت عمارة الأمير سيف الدين طاز
التي تجاه حمام المارقاني فعمل طاز وليمة وعزم على السلطان والأمراء ومد سماطًا
عظيمًا.
ولما انتهى السماط وعزم السلطان على الركوب قدم له أربعة أرؤس من الخيل بسروج ذهب
وكنابيش زركش وقدم للأمير سيف الدين شيخون فرسين ولصرغتمش فرسين ولسائر الأمراء
المقدمين كل واحد فرسًا ولم يعهد قبل ذلك أن سلطانًا نزل إلى بيت بعض الأمراء بعد
الملك الناصر محمد بن قلاوون إلا هذا.
وحج بالناس في هذه السنة الأمير ركن الدين عمرشاه الحاجب صاحب القنطرة خارج
القاهرة.
ثم استهلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة فكان فيها الواقعة والفتنة بين حاشية طاز وبين
صرغتمش.
والسبب لهذه الحركة أن الأمير صرغتمش كان يخاف من طاز ويغض منه وكذلك كان طاز يغض
من صرغتمش وكان طاز يدخل على شيخون مرارًا عديدة بمسك صرغتمش وكان شيخون يكره الفتن
والفساد وقصده الصلاح للأمور بكل ما يمكن فكان شيخون يعده ويصبره.
وكان صرغتمش أيضًا يخاف شر طاز ويقول لشيخون: هذا ما يريد إلا هلاكي فكان شيخون
يطمئنه على نفسه ويعده بكل خير.
وكان أخوه طاز وحواشيه تحرضه على صرغتمش وعلى إثارة الفتنة.
وقوي أمر طاز وإخوته وخرج عن الحد وهم الأمير جنتمر وكلتاي وصهره طقطاي فهؤلاء
الذين كانوا يحركون طاز على قيام الفتنة ومسك صرغتمش ليستبد طاز بالأمر وحده
ويكونوا هم عظماء الدولة وشيخون يعلم بذلك ويسكنهم ويرجعهم عن قصدهم وطاز يستحي من
شيخون.
وطال الأمر إلى أن اتفق طاز مع إخوته المذكورين وغيرهم من مماليكه وأصحابه أنه يخرج
هو إلى الصيد فإذا غاب عن المدينة يركب هؤلاء على صرغتمش ومن يلوذ به ويمسكونه في
غيبته فيكون بغيبة طاز له عذر عند شيخون من حيائه منه فلما خرج طاز إلى الصيد
بالبحيرة بإذن الأمير شيخون له وما عند شيخون علم من هذا الاتفاق رتب حاشية طاز
وإخوته ومن يلوذ به أمرهم واجتمعوا ولبسوا السلاح وركبوا على صرغتمش فلما سمع شيخون
بذلك أمر مماليكه أن يركبوا بالسلاح وكانوا مقدار سبعمائة مملوك فركبوا.
وركب الأمير صرغتمش ومن يلوذ به.
ووقع الحرب بينهم وبين إخوة طاز وتقاتلا فانكسر إخوة طاز وقبض عليهم وعلى أكابر
مماليك طاز وحواشيه فهربت البقية فدخل صرغتمش هو ومن بقي من أكابر الأمراء إلى
شيخون وقالوا: " لا بد من خلع الملك الصالح صالح وإعادة الملك الناصر حسن إلى
السلطنة " لكون الصالح كان يميل إلى طاز فاعتذر شيخون بأعذار غير مقبولة وأراد
إبقاء الصالح فلم يوافقوه وما زالوا به حتى أذعن واتفقوا على خلعه فخلع وأعيد الملك
الناصر حسب ما يأتي ذكره في ترجمته.
وكان خلع الملك الصالح صالح في يوم الإثنين ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا.
وحبس بالقلعة في بعض دورها إلى أن توفي بها في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبعمائة
وله نحو سبع وعشرين سنة.
ودفن بتربة عمه الملك الصالح علي بن قلاوون الخاتونية بالقرب من المشهد النفيسي
خارج القاهرة.
وكان - رحمه الله - ملكًا جليلًا مليح الشكل عاقلًا لم تشكر سيرته ولم تذم لأنه لم
يكن له في سلطنته إلا مجرد الاسم فقط لغلبة شيخون وطاز وصرغتمش على الأمر لأنهم
كانوا هم حل المملكة وعقدها وإليهم أمورها لا لغيرهم.
وأما أمر طاز فإنه يأتي - إن شاء الله تعالى - في أول سلطنة الملك الناصر حسن بعد
ذكر حوادث سني الملك الصالح هذا كما هي عادة هذا الكتاب.
انتهى والله سبحانه أعلم.
السنة الأولى من سلطنة الملك الصالح صالح ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على مصر
وهي سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة على أنه حكم من السنة الماضية من سابع عشر جمادى
الآخرة إلى آخرها.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وآثنتا عشرة إصبعًا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعًا وست عشرة إصبعًا.
السنة الثانية من سلطنة الملك الصالح صالح ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على مصر
وهي سنة أربع وخمسين وسبعمائة.
فيها توفي الخليفة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن المستكفي
بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد الهاشمي العباسي.
كان بويع بالخلافة بعد وفاة والده بقوص في العشرين من شعبان سنة إحدى وأربعين
وسبعمائة فلم يمض له ما عهده أبوه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون لما كان في
نفسه من ووالده المستكفي بالله من ميله للملك المظفر بيبرس الجاشنكير وأراد أن يولي
الخلافة لبعض أقاربه بل أحضره وخلع عليه.
ثم مات الملك الناصر بعد ذلك بمدة يسيرة فتمت بموته خلافة الحاكم هذا إلى أن مات في
هذه السنة.
وان الحاكم مات ولم يعهد بالخلافة لأحد فجمع الأمراء القضاة وطلب جماعة من بني
العباس حتى وقع الاختيار على أبي بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان فبايعوه
ولقبوه بالمعتضد.
ثم بعد موت الملك الناصر أعطي إمرة بدمشق ثم طلب إلى مصر وأعيد إلى حجوبية الحجاب
ثانيًا فلم تطل مدته لاختلاف الكلمة وأخرج إلى نيابة غزة ثانيًا ثم عزل ونقل إلى
إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق ثم ولي نيابة غزة ثالث مرة وأقام بها سنين ثم عزل وتوجه
إلى دمشق أميرًا بها.
ثم ولي نيابة طرابلس فلم تطل مدته بها وعزل وتوجه أيضًا إلى دمشق فأقام بها إلى أن
مات. .
وتوفي في هذه السنة جماعة ممن تقدم ذكرهم من الأمراء قتلوا بقلعة حلب وهم: الأمير
أحمد الساقي نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس وبيبغا أرس شاف حلب وغيرهم.
فأما الأمير بيبغا أرس القاسمي فإن أصله من مماليك الملك الناصر محمد ابن قلاوون
ومن أعيان خاصكيته ثم ولي بعد موته نيابة السلطنة بالديار المصرية في أول سلطنة
الملك الناصر حسن ثم قبض عليه بطريق الحجاز وحبس ثم أطلق في أول دولة الملك الصالح
صالح وتولى نيابة حلب بعد أرغون الكاملي ولما ولي نيابة حلب شدد على من يشرب الخمر
بها إلى الغاية وظلم وحكم في ذلك بغير أحكام الله تعالى حتى إنه سمر من سكر وطيف به
بشوارع حلب وفي هذا المعنى يقول ابن حبيب: أهل الطلا توبوا وكل منكم يعود عن ساق
التقى مشمرا فمن يبت راووقه معلقًا أصبح ما بين الورى مسمرا تب عن الخمر في حلب
والزم العقل والأدب حدها عند بيبغا بالمسامير والخشب ثم خرج بيبغا عن طاعة السلطان
ووقع له ما حكينا في ترجمة الملك الصالح إلى أن ظفر به وقتل في قلعة حلب وفيه يقول
بعض الأدباء: لما آعتدى بيبغا العادي ومن معه على الورى فارقوا كرهًا مواطنهم خوف
الهلاك سروا ليلًا على عجل فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وتوفي الرئيس أمين الدين
إبراهيم بن يوسف المعروف بكاتب طشتمر.
كان من أعيان الكتاب وتولى نظر الجيش بالديار المصرية مدة ثم عزل وأخرج إلى القدس
فأقام به مدة ثم أعيد إلى القاهرة فأقام بها إلى أن مات.
وتوفي الأمير سيف الدين بيغرا بن عبد الله الناصري ثم المنصوري أحد أمراء الألوف
بالديار المصرية وهو بطال بحلب وكان شجاعًا مقدامًا من أعيان أمراء مصر وقد تقدم
ذكره في عدة أماكن.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء.
مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعًا وست عشرة إصبعًا.
وتوفي الصاحب الوزير علم الدين عبد الله
بن تاج الدين أحمد بن إبراهيم الشهير بابن زنبور المصري القبطي المقدم ذكره.ولي الوزارة ونظر الجيش والخاص ولم تجتمع لأحد قبله.
ثم نكب وتوفي الوزير الصاحب موفق الدين أبو الفضل هبة الله بن سعيد الدولة القبطي
المصري.
ولي نظر الدولة ثم الخاص ثم الوزارة إلى أن مات.
وكان مشكور السيرة حسن الأخلاق وعنده تواضع وكريم ومعرفة وعقل.
وتوفي الأمير سيف الدين أيتمش المحمدي الناصري نائب طرابلس.
مات بها وتولى عوضه منجك اليوسفي الوزير أخو بيبغا أرس.
وكان أيتمش وافر الحشمة لين الجانب بعيد الشر قريب الخير وعنده عقل وسكون ووقار.
ولي الحجوبية والوزارة بالديار المصرية ثم ولي نيابة دمشق مدة سنين إلى أن قبض عليه
وسجن بثغر الإسكندرية ثم أطلق وولي نيابة طرابلس بعد بكلمش الناصري فدام على
نيابتها إلى أن مات.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثلاث عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة تسع عشرة ذراعًا وخمس أصابع.
السلطان
الملك حسن المرة ثانية على مصر
سلطنة الناصر حسن الثانية وكان قد خلع خلعه من السلطنة بأخيه الملك الصالح
صالح
ولما قبض على أصحاب
الأمير طاز اتفق صرغتمش مع الأمير شيخون على خلع الملك الصالح من السلطنة وسلطنة
الملك الناصر حسن ثانيًا وأبرموا ذلك حتى تم لهم.
فقاموا ودخلوا إلى القلعة وأرسلوا طلبوا الملك الصالح فلما توجه إليهم أخذ من
الطريق وحبس في بيت من قلعة الجبل.
وأرسلوا أشهدوا عليه بأنه خلع نفسه من السلطنة ثم طلبوا الملك الناصر حسنًا من
محبسه بالقلعة وكلموه في عوده وأشرطوا عليه شروطًا قبلها.
فأخذوه إلى موضع بالقلعة فيه الخليفة والقضاة وبايعوه ثانيًا بالسلطنة ولبسوه تشريف
السلطنة وأبهة الملك وركب فرس النوبة ومشت الأمراء بين يديه إلى الإيوان فنزل وجلس
على تخت الملك وقبلوا الأمراء الأرض بين يديه على العادة وكان ذلك في يوم الإثنين
ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة.
ولم يغير لقبه بل نعت بالناصر كما كان أولًا على لقب أبيه.
ونوب بآسمه بمصر والقاهرة ودقت البشائر وتم أمره.
وحالما قلع الملك الناصر خلعة السلطنة عنه أمر في الحال بمسك الأمير طاز فشفع فيه
الأمير شيخون لأنه كان أمنه وهو نزيله فرسم له السلطان بالتوجه إلى نيابة حلب فخرج
من يومه وأخذ في إصلاح أمره إلى أن سافر يوم الجمعة سادس شوال وسار حتى وصل حلب في
الخامس من ذي القعدة وكانت ولايته لنيابة حلب عوضًا عن الأمير أرغون الكاملي.
وطلب أرغون إلى مصر فحضر أرغون إلى القاهرة وأقام بها مدة يسيرة ثم أمسك.
وأقام طاز في نيابة حلب ومعه أخوه كلتاي وجنتمر وكلاهما مقدمان بها.
ودام الملك الناصر حسن في الملك إلى أن دخلت سنة ست وخمسين وسبعمائة والخليفة يوم
ذاك المعتضد بالله أبو بكر ونائب السلطنة بمصر الأمير آقتمر عبد الغني وأتابك
العساكر الأمير شيخون العمري - وهو أول أتابك سمي بالأمير الكبير وصارت من بعده
الأتابكية وظيفة إلى يومنا هذا ولبسها بخلعة: وإنما كانت العادة في تلك الأيام
أنه من كان قديم هجرة من الأمراء سمي بالأمير الكبير من غير خلعة فكان في عصر واحد
جماعة كل واحد منهم يسمى بالأمير الكبير حتى ولي شيخون هذا أتابكية العساكر - وسمي
بالأمير الكبير - بطلب تلك العادة القديمة وصارت من أجل وظائف الأمراء.
تم ذلك.
انتهى.
وكان نائب الشام يوم ذاك أمير علي المارديني ونائب حلب طاز وصاحب بغداد وما والاها
الشيخ حسن ابن الشيخ حسين سبط أرغون بن أبغا بن هولاكو.
وفي هذه السنة أيضًا كملت خانقاة الأمير الكبير شيخون العمري بالصليبة والربع
والحمامان وفرغت هذه العمارة ولم يتشوش أحد بسببها.
ورتب في مشيختها العلامة أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي الحنفي وأشركه في
النظر.
ودام السلطان حسن في السلطنة ولم يحرك ساكنًا إلى أن آستهلت سنة ثمان وخمسين
وسبعمائة قبض على أربعة من الأمراء وسجنوا بثغر الإسكندرية وهم: الأمير قجا
السلاح دار وطقطاي الدوادار وقطلوبغا الذهبي وخليل بن قوصون.
وخلع على الأمير علم دار باستقراره في الدوادارية وخلع على الأمير قشتمر باستقراره
حاجبًا ووزيرًا وكان القبض على هؤلاء الأمراء بعد أن ضرب الأمير شيخون بالسيف وحمل
إلى داره جريحًا ولزم الفراش إلى أن مات حسب ما يأتي ذكره.
وأمر ضرب شيخون كان في يوم الإثنين من شعبان سنة ثمان وخمسين وسبعمائة وهو أن
السلطان الملك الناصر حسنًا جلس في اليوم المذكور على كرسي الملك بدار العدل للخدمة
والأمراء جلوس في الخدمة والقضاة والأعيان وجميع أرباب الدولة.
وبينما السلطان جالس على كرسي الملك وثب مملوك من المماليك السلطانية يسمى قطلوخجا
السلاح دار على الأمير الكبير شيخون وضربه بالسيف ثلاث ضربات أصابت وجهه ورأسه
وذراعه فوقع شيخون مغشيًا عليه وأرجف بموته.
وقام السلطان من على الكرسي ودخل إلى القصر ووقعت الهجة.
فلما سمعت مماليك شيخون بذلك طلعوا القلعة راكبين صحبة أمير خليل بن قوصون أحد
الأربعة المقبوض عليهم بعد ذلك فحملوا شيخون على جنوية وبه رمق ونزلوا به إلى داره
وأحضروا الجرائحية فأصلحوا جراحاته.
وبات شيخون تلك الليلة في إصطبله وأصبح السلطان الملك الناصر حسن ونزل لعيادته من
الغد فدخل عليه وحلف له أن الذي وقع لم يكن بخاطره ولا له علم به وكان الناس ظنوا
أن السلطان هو الذي سلطه على شيخون فتحقق الناس براءة السلطان.
وطلع السلطان إلى القلعة وقد قبض على قطلوخجا المذكور فرسم السلطان بتسميره فسمر.
ثم وسط في اليوم المذكور بعد أن سأل السلطان قطلوخجا السلاح دار المذكور عن سبب ضرب
شيخون بالسيف فقال: " طلبت منه خبزًا فمنعني منه وأعطاه لغيري ".
ولزم شيخون الفراش من جراحه إلى أن مات في ذي القعدة من السنة.
وبموته خف عن السلطان أشياء كثيرة فإنه كان ثقيل الوطأة على السلطان إلى الغاية
بحيث إن السلطان كان لا يفعل شيئًا حتى يشاور حقيرها وجليلها فلما مات آلتفت
السلطان حسن إلى إنشاء مماليكه فأمر منهم جماعة كثيرة على ما سيأتي ذكره.
ثم أخذ السلطان حسن في شراء دار ألطنبغا المارداني ويلبغا اليحياوي بالرميلة
وهدمهما وأضاف إليهما عدة دور وإسطبلات أخر.
وشرع في بناية مدرسته المعروفة به تجاه قلعة الجبل التي لم يبن في الإسلام نظيرها
ولا حكاها معمار في حسن عملها وذلك في سنة ثمان وخمسين المذكورة.
ولما شرع في عمارتها جعل عليها مشدين ومهندسين وآجتهد في عملها.
وأما مصروفها وما آجتمع بها من الصناع والمعلمين فكثير جدًا لا يدخل تحت حصر.
وقيل: إن إيوانها يعادل إيوان كسرى في الطول.
قلت: وفي الجملة إنها أحسن ما بني في الدنيا شرقًا وغربًا في معناها بلا
مدافعة.
وفي هذه السنة وقع أمر عجيب قال ابن كثير في تاريخه: وفي هذه السنة حملت جارية من
عتقاء الأمير الهيدباني قريبًا من تسعين يومًا ثم شرعت تطرح ما في بطنها فوضعت
قريبًا من أربعين ولدًا منهم أربع عشرة بنتًا.
وقد تشكل الجميع وتميز الذكر من الأنثى فسبحان القادر على كل شيء.
قلت: وابن كثير ثقة حجة فيما يرويه وينقله.
انتهى.
ولما مات شيخون انفرد صرغتمش بتدبير المملكة.
وعظم أمره واستطال في الدولة وأخذ وأعطى وزادت حرمته وأثرى وكثرت أمواله إلى أن قبض
عليه الملك الناصر حسن حسب ما يأتي ذكره في محله إن شاء الله تعالى.
ثم إن السلطان قبض على الأمير طاز نائب حلب في أوائل سنة ثمان وخمسين المذكورة
بسفارة صرغتمش وقيده وحمله إلى الإسكندرية فحبسه بها وولى عوضه في نيابة حلب الأمير
منجك ثم عزل السلطان عز الدين بن جماعة عن قضاء الشافعية بديار مصر وولى عوضه بهاء
الدين بن عقيل فأقام ابن عقيل في القضاء ثمانين يومًا وعزل وأعيد ابن جماعة.
ثم نقل السلطان منجك اليوسفي المذكور من نيابة حلب إلى الشام عوضًا عن أمير على
المارديني ونقل المارديني إلى نيابة حلب كل ذلك في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة المقدم
ذكرها.
وخلع السلطان على تاج الدين بن ريشة واستقر في الوزارة.
ثم نفى السلطان جماعة من الأمراء منها الأمير جرجي الإدريسي وأنعم بإقطاعه وهو إمرة
مائة وتقدمة ألف بديار مصر على مملوكه يلبغا العمري صاحب الكبش وهو الذي قتل أستاذه
الملك الناصر حسنًا المذكور حسب ما يأتي ذكره في وقته من هذا الكتاب في هذه
الترجمة.
ثم خلع السلطان على يلبغا وجعله أمير مجلس عوضًا عن الأمير تنكز بغا المارديني.
ثم في يوم الخميس العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبعمائة أمسك السلطان
الأمير صرغتمش الناصري بعد ما أقعد له قواعد مع الأمير طيبغا الطويل ويلبغا العمري
وغيرهما وأمسك معه جماعة من الأمراء وهم طشتمر القاسمي حاجب الحجاب وطيبغا الماجاري
وأزدمر وقماري وأرغون الطرخاني وآقجبا الحموي وجماعة أخر من أمراء الطبلخانات
والعشرات.
وكان سبب مسكه أن صرغتمش كان قد عظم أمره بعد موت شيخون وآستبد بأمور الدولة وتدبير
الملك فلما تم له ذلك ندب الملك الناصر حسنا لمسك طاز ووغر خاطره عليه حتى كان من
أمره ما كان.
فلما صفا له الوقت بغير منازع لم يقنع بذلك حتى رام الوثوب على الملك الناصر حسن
ومسكه واستقلاله بالملك فبلغ الناصر ذلك فاتفق مع جماعة من الأمراء مسكه عند دخوله
على السلطان في خلوة فلما كان وقت دخوله وقفوا له في مكان رتبهم السلطان فيه فلما
دخل صرغتمش احتاطوا به وقبضوا عليه ثم خرجوا لمن عين لهم من الأمراء المقدم ذكرهم
فقبضوا عليهم أيضًا في الحال وحبسوا الجميع بقلعة الجبل.
فلما بلغ مماليك صرغتمش وحواشيه من المماليك بالسلاح وطلعوا إلى الرميلة فنزل إليهم
المماليك السلطانية من القلعة وقاتلوهم من بكرة النهار إلى العصر عدة وجوه إلى أن
كانت الكسرة على مماليك صرغتمش.
أخذتهم السيوف السلطانية ونهبت دار صرغتمش عند بئر الوطاويط ونهبت دكاكين الصليبة
ومسك من الأعجام صوفية المدرسة الصرغتمشية جماعة لأنهم ساعدوا الصرغتمشية وأحموهم
عند كسرتهم وما أذن المغرب حتى سكن الأمر وزالت الفتنة ونودي بالأمان والبيع
والشراء.
وأصبح الملك الناصر حسن في بكرة يوم الثلاثاء وهو سلطان مصر بلا منازع.
وصفا له الوقت وأخذ وأعطى وقرب من اختار وأبعد من أبعد وخلع على الأمير ألجاي
اليوسفي واستقر به حاجب الحجاب عوضًا عن طشتمر القاسمي.
وخلع على جماعة أخر بعدة وظائف.
ثم أخذ في ترقية مماليكه والإنعام عليهم وأعيان مماليكه: يلبغا العمري وطيبغا
الطويل وجماعة من أولاد الأمراء.
وكان يميل لإنشاء أولاد الناس وترقيهم إلى الرتب السنية لا لحبه لهم بل كان يقول:
هؤلاء مأمونو العاقبة وهم في طي علمي وحيث وجهتهم إليه توجهوا ومتى أحببت عزلهم
أمكنني ذلك بسهولة وفيهم أيضًا رفق بالرعية ومعرفة بالأحكام حتى إنه كان في أيامه
منهم عدة كثيرة منهم أمراء مقدمون يأتي ذكر أسمائهم في آخر ترجمته إن شاء الله
تعالى.
ثم أخرج السلطان صرغتمش ورفقته في القيود إلى الإسكندرية فسجن صرغتمش بها إلى أن
مات في ذي الحجة من السنة على ما سيأتي ذكر صرغتمش في الوفيات من حوادث سنين الملك
الناصر حسن.
ثم إن السلطان عزل الأمير منجك اليوسفي عن نيابة دمشق في سنة ستين وسبعمائة وطلبه
إلى الديار المصرية فلما وصل منجك إلى غزة بلغه أن السلطان يريد القبض عليه فتسحب
ولم يوقف له على خبر.
وعظم ذلك على السلطان وأكثر من الفحص عليه وعاقب بسببه خلائق فلم يفده ذلك.
ثم خلع السلطان على الأمير علي المارديني نائب حلب بإعادته إلى نيابة دمشق كما كان
أولًا وآستقر بكتمر المؤمني في نيابة حلب عوضًا عن علي المارديني فلم تطل مدته بحلب
وعزل عنها بعد أشهر بالأمير أسندمر الزيني أخي يلبغا اليحياوي نائب الشام كان.
ثم خلع السلطان على فخر الدين بن قروينة باستقراره في نظر الجيش والخاص معًا.
ثم ظهر الأمير منجك اليوسفي من اختفائه في بيت بالشرف الأعلى بدمشق في سنة إحدى
وستين وسبعمائة بعد أن اختفى به نحو السنة فأخذ وأحضر إلى القاهرة فلما مثل بين يدي
السلطان وعليه بشت عسلي وعلى رأسه مئزر صفح عنه لكونه لم يخرج من بلاده ورسم له
بإمرة طبلخاناه بدمشق وأن يكون طرخانًا يقيم حيث شاء وكتب له بذلك توقيع شريف.
ثم في هذه السنة وقع الوباء بالديار المصرية إلى أوائل سنة آثنتين وستين
وسبعمائة.
ومات في هذا الوباء جماعة كثيرة من الأعيان وغيرهم وأكثرهم كان لا يتجاوز مرضه
أربعة أيام إلى خمسة ومن جاوز ذلك يطول مرضه وهذا الوباء يقال له: الوباء الوسطي
أعني بين وباءين.
وفي هذه الأيام عظم يلبغا العمري في الدولة حتى صار هو المشار إليه وثقلت وطأته على
أستاذه الملك الناصر حسن مع تمكن الملك الناصر في ملكه.
وكان يلبغا العمري وطيبغا الطويل وتمان تمرهم أعظم أمرائه وخاصكيته من مماليكه.
سبب تغير
يلبغا على السلطان وإنقلابه عليه
وقيل: إن سبب تغيير خاطر يلبغا من أستاذه الملك الناصر حسن - على ما قيل - أنه
لما عمل ابن مولاهم البليقة التي أولها: من قال أنا جندي خلق لقد صدق.
عندي قبا من عهد نوح على الفتوح.
لو صادفوا شمس السطوح كان آحترق.
ورقصوا بها بين يدي السلطان حسن.
وأشاروا ب " الجندي خلق " إلى يلبغا وهو واقف بين يدي السلطان حسن والسلطان حسن
يضحك ويستعيدها منهم فغضب من ذلك يلبغا وحقد على أستاذه السلطان وهذا يبعد وقوعه
لكنه قد قيل.
فلما أن استهلت سنة آثنتين وستين وسبعمائة بلغ الملك الناصر أن يلبغا ينكر عليه من
كونه يعطي إلى النساء الإقطاعات الهائلة وكونه يختص بالطواشية ويحكمهم في المملكة
وأشياء غير ذلك.
وصارت الخاصكية ينقلون للسلطان عن يلبغا أمورًا قبيحة في حقه في مثل هذا المعنى
وأشباهه فتكلم الملك الناصر حسن مع خواصه بما معناه: إنه قبض على أكابر أمرائه من
مماليك أبيه حتى استبد بالأمر من غير منازع وأنشأ مماليكه مثل يلبغا المذكور وغيره
حتى يسلم من معارض فصار يلبغا يعترض عليه فيما يفعله فعظم عليه ذلك وندم على ترقيه
وأخذ يترقب وقتًا يمسك يلبغا فيه.
واتفق بعد ذلك أن السلطان حسنًا خرج إلى الصيد ببر الجيزة بالقرب من الهرمين وخرجت
معه غالب أمرائه يلبغا وغيره على العادة.
السلطان يريد
قتل الأمير يلبغا
فلما كان يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى من سنة اثنتين وستين المذكورة أراد
السلطان القبض على يلبغا لما بلغه عن يلبغا أنه يريد الركوب عليه هناك فصبر السلطان
حسن حتى دخل الليل فركب ببعض خاصكيته من غير استعداد ولا اكتراث بيلبغا وسار يريد
يكبس على يلبغا بمخيمه فنم بعض خاصكية السلطان بذلك إلى يلبغا.
فاستعد يلبغا بمماليكه وحاشيته لقتاله وطلب خشداشيته وواعدهم بالإمريات والإقطاعات
وخوفهم عاقبة أستاذهم الملك الناصر حسن المذكور حتى وافقه كثير منهم.
كل ذلك والملك الناصر في غفلة استخفافًا بمملوكه يلبغا المذكور حتى قارب السلطان
خيمة يلبغا خرج إليه يلبغا بمن معه وقاتله فلم يثبت السلطان لقلة من كان معه من
مماليكه وانكسر وهرب وعدى النيل وطلع إلى قلعة الجبل في الليل - في ليلة الأربعاء
التاسع من جمادى الأولى من سنة اثنتين وستين المذكورة - وتبعه يلبغا ومن معه يريد
القلعة فاعترضه ابن المحسني أحد أمراء الألوف بمماليكه ومعه الأمير قشتمر المنصوري
وواقعا يلبغا ببولاق وقعة هائلة انكسر فيها يلبغا مرتين وابن المحسني يتقدم عليه.
كل ذلك وابن المحسني ليس له علم من السلطان أين ذهب بل بلغه أنه توجه إلى جهة
القلعة فأخذ ابن المحسني في قتال يلبغا وتعويقه عن المسير إلى جهة القلعة.
واشتد القتال بين يلبغا وابن المحسني حتى أردف يلبغا الأمير ألجاي اليوسفي حاجب
الحجاب وغيره فانكسر عند ذلك ابن المحسني وقشتمر وقيل: إن يلبغا لما رأى شدة ابن
المحسني في القتال دس عليه من رجعه عن قتاله وأوعده بأوعاد كثيرة منها أنه لا يغير
عليه ما هو فيه في شيء من الأشياء خوفًا من طلوع النهار قبل أن يدرك القلعة وأخذ
السلطان الملك الناصر حسن لأن الناصر كان طلع إلى قلعة الجبل في الليل ولم يشعر به
أحد من أمرائه ومماليكه وخواصه وصاروا في حيرة من عدم معرفتهم أين توجه السلطان حتى
يكونوا معه على قتال يلبغا.
وعلم يلبغا أنه متى تعوق في قتال ابن المحسني إلى أن يطلع النهار أتت العساكر الملك
الناصر من كل فج وذهبت روحه فلما ولى ابن المحسني عنه آنتهز يلبغا الفرصة بمن معه
وحرك فرسه وصحبته من وافقه إلى جهة القلعة حتى وصل إليها في الليل.
والله أعلم.
فإنه لما آنكسر من مملوكه يلبغا وتوجه إلى قلعة الجبل حتى وصل إليها في الليل ألبس
مماليكه المقيمين بالقلعة فلم يجد لهم خيلًا لأن الخيول كانت في الربيع.
السلطان
يلبغا يقتل السلطان حسن سلطان مصر
وبينما هو في ذلك طرقه يلبغا قبل أن يطلع النهار وتجتمع العساكر عليه فلم يجد الملك
الناصر قوة للقائه فلبس هو وأيدمر الدواداري زي الأعراب ليتوجها إلى الشام ونزلا من
القلعة وقت التسبيح فلقيهما بعض المماليك فأنكروا عليهما وأمسكوهما في الحال
وأحضروهما إلى بيت الأمير شرف الدين موسى بن الأزكشي أستادار العالية فحملهما في
الوقت إلى يلبغا حال طلوع يلبغا إلى القلعة فقتلهما يلبغا في الحال قبل طلوع
الشمس.
وكان عمر السلطان حسن يوم قتل نيفًا على ثلاثين سنة تخمينًا
وكانت مدة ملكه في
سلطنته هذه الثانية ست سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام.
وكان قتله وذهاب ملكه على يد أقرب الناس إليه من مماليكه وخواصه وهم: يلبغا
العمري وطيبغا الطويل وتمان تمر وغيرهم وهم من مشترواته اشتراهم ورباهم وخولهم في
النعم ورقاهم إلى أعلى المراتب خوفًا من أكابر الأمراء من مماليك أبيه فكان ذهاب
روحه على أيديهم وكانوا عليه أشد من تلك الأمراء.
فإن أولئك لما خلعوه من السلطنة بأخيه الملك الصالح حبسوه بالدور من القلعة مكرمًا
مبجلًا وأجروا عليه الرواتب السنية إلى أن أعادوه إلى ملكه ثانيًا وهم مثل شيخون
وصرغتمش وقبلاي النائب وغيرهم فصار يتذكر ما قاساه منهم في خلعه من السلطنة وتحكمهم
عليه فأخذ في التدبير عليهم حتى قبض على جماعة كثيرة منهم وأبادهم.
ثم رأى أنه ينشىء مماليكه ليكونوا له حزبًا وعضدًا فكانوا بعكس ما أمله منهم ووثبوا
عليه وكبيرهم يلبغا المقدم ذكره.
وعندما قبضوا عليه لم يمهلوه ساعة واحدة وعندما وقع نظرهم عليه قتلوه من غير مشاورة
بعضهم لبعض موافاة لحقوق تربيته لهم وإحسانه إليهم فكان بين فعل مماليك أبيه به
وبين فعل مماليكه له فرق كبير.
ولله در القائل: " معاداة العاقل ولا مصاحبة الجاهل ".
قلت: لا جرم أن الله تعالى عز وجل عامل يلبغا المذكور من مماليكه بجنس ما فعله مع
أستاذه ووثبوا عليه وقتلوه أشر قتله على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
واستولى يلبغا العمري الخاصكي على القلعة والخزائن والسلاح والخيول والجمال وعلى
جميع ما خلفه أستاذه الملك الناصر حسن وأقام في المملكة بعده ابن أخيه الملك
المنصور محمد ابن الملك المظفر حاجي ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون كما سيأتي
ذكره بعد حوادث سنين الملك الناصر حسن كما هي عادة هذا الكتاب.
وكان الملك الناصر حسن أنشأ مدرسة بالرميلة تجاه قلعة الجبل في مدة يسيرة مع قصر مدته في السلطنة
والحجر عليه في تصرفه في سنين من سلطنته الثانية أيضًا.
وكان صفته للطول أقرب أشقر وبوجهه نمش مع كيس وحلاوة وكان متجملًا في ملبسه ومركبه
ومماليكه وبركه.
اصطنع مرة خيمة عظيمة فلما نجزت ضربت له بالحوش السلطاني من قلعة الجبل فلم ير
مثلها في الكبر والحسن وكان السلطان الملك الناصر
حسن مغرمًا بالنساء والخدام وآقتنى في سلطنته من الخدام ما لم يقتنه غيره من ملوك
الترك قبله وكان إذا سافر يستصحب النساء معه في سفره لكونه ما كان له ميل للشباب
كعادة الملوك من قبله وكان يعف عن ذلك.
وخلف السلطان الملك الناصر حسن تغمده الله برحمته من
الأولاد الذكور عشرة: وهم أحمد وقاسم وعلي وإسكندر وشعبان وإسماعيل ويحيى وموسى
ويوسف ومحمد وستًا من البنات.
ثروة السلطان
حسن
وخلف من الأموال والقماش والذهب العين والسلاح والخيول وغيرها شيئًا كثيرًا.
استولى يلبغا على الجميع وتصرف فيه حسب ما أراده.
وكان السلطان حسن محبًا للرعية وفيه لين جانب.
حمدت سائر خصاله لم يعب عليه في ملكه سوى ترقيه لمماليكه في أسرع وقت فإنه كان
كريمًا بارًا بإخوته وأهله يميل إلى فعل الخير والصدقات وله مآثر بمكة المشرفة
واسمه مكتوب في الجانب الشرقي من الحرم وعمل في زمنه باب الكعبة الذي هو بابها الآن
وكسا الكعبة الكسوة التي هي إلى الآن في باطن البيت العتيق.
وكان كثير البر لأهل مكة والمدينة إلى أن كانت الواقعة لعسكره بمكة في أواخر سنة
إحدى وستين وسبعمائة التي كان مقدم عسكرها الأمير قندس وابن قراسنقر وحصل لهم
الكسرة والنهب والقتل من أهل مكة وإخراجهما من مكة على أقبح وجه.
غضب السلطان بعد ذلك على أهل مكة وأمر بتجهيز عسكر كبير إلى الحجاز للانتقام من أهل
مكة وعزم على أنه ينزعها من أيدي الأشراف إلى الأبد.
وكاد يتم له ذلك بسهولة وسرعة وبينما هو في ذلك وقع بينه وبين مملوكه يلبغا وكان من
أمره ما كان.
وكان السلطان حسن يميل إلى تقدمة أولاد الناس إلى المناصب والولايات حتى إنه كان
غالب نواب القلاع بالبلاد الشامية في زمانه أولاد ناس ولهذا لم يخرج عليه منذ
سلطنته بالبلاد الشامية خارجي.
وكان في أيامه من أولاد الناس ثمانية من مقدمي الألوف بالديار المصرية.
ثم أنعم على ولديه أحمد وقاسم بتقدمتي ألف فصارت الجملة عشرة فأما الثمانية فهم:
الأمير عمر بن أرغون النائب وأسنبغا بن الأبي بكري ومحمد بن طوغاي ومحمد بن بهادر
رأس نوبة ومحمد بن المحسني الذي قاتل يلبغا وموسى بن أرقطاي وأحمد بن آل ملك وشرف
الدين موسى بن الازكشي الأستادار فهؤلاء من مقدمي الألوف.
وأما الطبلخانات والعشرات فكثير.
وكان بالبلاد الشامية جماعة أخر فكان ابن القشتمري نائب حلب وأمير علي المارديني
نائب الشام وابن صبيح نائب صفد.
وأما من كان منهم من المقدمين والطبلخانات نواب القلاع فكثير.
السنة الأولى من سلطنة الناصر حسن الثانية وهي سنة ست وخمسين وسبعمائة.
على أنه حكم في السنة الخالية بعد خلع أخيه الملك الصالح صالح من شوال إلى آخرها.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وأربع عشره إصبعًا.
مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعًا وإحدى وعشرون إصبعًا.
لسنة الثانية من سلطنة الناصر حسن الثانية
وهي سنة سبع وخمسين وسبعمائة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأربع أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
السنة الثالثة من سلطنة الناصر حسن الثانية
وهي سنة ثمان وخمسين وسبعمائة.
الماء القديم سبع أذرع وإصبع.
مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعًا وست أصابع.
السنة الرابعة من سلطنة الناصر حسن الثانية وهي سنة تسع وخمسين وسبعمائة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثماني أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا سواء.
السنة الخامسة من سلطنة الناصر حسن الثانية وهي سنة ستين وسبعمائة.
مبلغ الزيادة تسع عشرة ذراعًا وثلاث أصابع.
وقيل أربعة أصابع من غير زيادة والله سبحانه أعلم بالصواب.
السنة السادسة من سلطنة الناصر حسن الثانية وهي سنة إحدى وستين وسبعمائة.
سلطنة الملك
المنصور محمد على مصر سنة 762 هـ
سلطنة الملك المنصور محمد السلطان الملك المنصور أبو المعالي ناصر الدين محمد ابن
السلطان الملك المظفر حاجي ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك
المنصور قلاوون المنصوري الحادي والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية.
جلس على تخت الملك صبيحة قبض على عمه الملك الناصر حسن وهو يوم الأربعاء تاسع جمادى
الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة وكان عمره يومئذ نحوا من أربع عشرة سنة بعد أن
اجتمع الخليفة المعتضد بالله والقضاة والأعيان.
ثم فوض عليه خلعة السلطنة وهو التشريف الخليفتي في يوم الخميس عاشر الشهر المذكور
ولقبوه الملك المنصور وحلفت له الأمراء على العادة.
وركب من باب الستارة من قلعة الجبل إلى الإيوان وعمره ست عشرة سنة.
قاله العيني.
والأصح ما قلناه.
ثم خلع على الأمير يلبغا العمري الناصري الخاصكي وصار مدبر مملكته ويشاركه في ذلك
خشداشه الأمير طيبغا الطويل على أن كلًا منهما لا يخالف الآخر في أمر من الأمور.
ثم خلع على الأمير قطلوبغا الأحمدي واستقر رأس نوبة الثوب.
وخلع على قشتمر المنصوري بنيابة السلطنة بالديار المصرية ونظر البيمارستان المنصوري
عوضًا عن الأمير اقتمر عبد الغني وخلع على الشريف عز الدين عجلان بإمرة مكة على
عادته.
ثم كتب بالإفراج عن جماعة من الأمراء من الحبوس وهم الأمير جركتمر المارديني وطشتمر
القاسمي وقطلوبغا المنصوري.
وخلع على طشتمر القاسمي بنيابة الكرك من يومه وعلى ملكتمر المحمدي بنيابة صفد ونفى
أطقتمر المؤمني إلى أسوان وخلع على الأمير ألجاي اليوسفي حاجب الحجاب واستقر أمير
جاندار وأفرج عن الأمير طاز اليوسفي الناصري من اعتقاله بثغر الإسكندرية بعد أن حبس
بها ثلاث سنين وزيادة وكان السلطان الملك الناصر حسن قد أكحله وأفرج أيضًا عن أخوي
طاز: الأمير جنتمر وكلتاي وعن قرابغا وحضروا الجميع إلى بين يدي السلطان وحضر طاز
وعلى عينيه شعرية فأخلع عليه وسأل أن يقيم بالقدس فأجيب وسافر إلى القدس وأقام به
إلى أن مات على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
تمرد أمراء
دمشق
ولما بلغ خبر قتل الملك الناصر حسن إلى الشأم عظم ذلك على بيدمر نائب الشأم وخرج عن
الطاعة في شعبان سنة اثنتين وستين وسبعمائة وعصى معه أسندمر الزيني ومنجك اليوسفي
وحصنوا قلعة دمشق.
فلما بلغ ذلك يلبغا العمري استشار الأمراء في أمرهم فاتفقوا على خروج السلطان إلى
البلاد الشامية.
وتجهز يلبغا وجهز السلطان الملك المنصور إلى السفر وأنفق في الأمراء والعساكر.
وخرج السلطان ويلبغا بالعساكر المصرية إلى الريدانية في أواخر شعبان.
ثم رحل الأمير يلبغا جاليش العسكر في يوم الاثنين مستهل شهر رمضان.
ورحل السلطان الملك المنصور في يوم الثلاثاء الثاني منه ببقية العساكر وساروا حتى
وصلوا دمشق في السابع والعشرين من شهر رمضان المذكور فتحصن الأمراء المذكورون بمن
معهم في قلعة دمشق فلم يقاتلهم يلبغا وسير إليهم في الصلح.
وترددت الرسل إليهم وكان الرسل قضاة الشام حتى حلف لهم يلبغا أنه لا يؤذيهم وأمنهم
فنزلوا حينئذ إليه فحال وقع بصره عليهم أمر بهم فقبضوا وقيدوا وحملهم إلى
الإسكندرية إلى الاعتقال بها.
وخلع يلبغا على أمير علي المارديني بنيابة دمشق على عادته أولًا - وهذه ولاية أمير
علي الثالثة على دمشق - وتولى الأمير قطلوبغا الأحمدي رأس نوبة نيابة حلب عوضًا عن
الأمير شهاب الدين أحمد بن القشتمري.
وأقام السلطان ويلبغا مدة أيام ومهد يلبغا أمور البلاد الشامية حتى استوثق له
الأمر.
ثم عاد إلى جهة الديار المصرية وصحبته الملك المنصور والعساكر حتى وصل إليها في ذي
القعدة من سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
وصار الأمر جميعه ليلبغا.
وأخذ يلبغا في عزل من اختار عزله وتولية من اختاره فأخلع على الطواشي سابق الدين
مثقال الآنوكي زمام الدار واستقر في تقدمة المماليك السلطانية عوضًا عن الطواشي شرف
الدين مخلص الموفقي.
ثم في شهر رجب استقر الأمير طغيتمر النظامي حاجب الحجاب بالديار المصرية وكانت
شاغرة منذ ولي ألجاي اليوسفي أمير جاندار.
ثم في شعبان استقر الأمير قطلقتمر العلائي الجاشنكير أمير مائة ومقدم ألف بديار
مصر.
ثم في شوال أخلع على الأمير إشقتمر المارديني أمير مجلس بنيابة طرابلس واستقر
طغيتمر النظامي عوضه أمير مجلس واستقر الأمير أسنبغا الأبو بكري حاجب الحجاب عوضًا
عن طغيتمر النظامي.
ثم أخلع على الأمير عز الدين أيدمر الشيخي بنيابة حماة ثم استقر الأمير منكلي بغا
الشمسي في نيابة حلب عوضًا عن قطلوبغا الأحمدي بحكم وفاته.
ثم أمسك الأمير.
شرف الدين موسى بن الأزكشي الأستادار ونفي إلى حماة واستقر عوضه في الأستادارية
أروس المحمودي.
ثم تزوج الأمير الكبير يلبغا بطولوبيه زوجة أستاذه الملك الناصر حسن.
وفي هذه السنة بويع المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بالخلافة بعد وفاة أبيه
المعتضد بالله أبي بكر بعهد من أبيه في يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى الأولى سنة
ثلاث وستين وسبعمائة.
الإشاعات
تتسبب فى خاع الملك المنصور
ثم أشيع في هذه السنة عن السلطان الملك المنصور محمد أمور شنعة نفرت قلوب الأمراء
منه. والذي أشيع عنه - أنه بلغ الأتابك يلبغا أنه كان يدخل بين نساء الأمراء ويمزح
معهن وأنه كان يعمل مكاريًا للجواري ويركبهن ويجري هو وراء الحمار بالحوش السلطاني
وأنه كان يأخذ زنبيلًا فيه كعك ويدخل بين النساء ويبيع ذلك الكعك عليهن على سبيل
المماجنة وأنه يفسق في حريم الناس ويخل بالصلوات وأنه يجلس على كرسي الملك جنبًا
وأشياء غير ذلك.
واتفقوا على خلعه من السلطنة فخلع في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة أربع وستين
وسبعمائة.
وتسلطن بعده ابن عمه الملك الأشرف شعبان بن حسين.
وحسين المذكور لم يتسلطن غير أنه كان لقب بالأمجد من غير سلطنة.
وأخذوا الملك المنصور محمدًا وحبسوه داخل الدور السلطانية بقلعة الجبل.
وكانت مدة سلطنته سنتين وثلاثة أشهر وستة أيام وليس له فيها من السلطنة إلا مجرد
الاسم فقط.
والأتابك يلبغا هو المتصرف في سائر أمور المملكة.
فاتفق الأمراء عند ذلك على خلعه فخلعوه وهم يلبغا العمري الخاصكي وطيبغا الطويل
وأرغون الإسعردي وأرغون الأشرفي وطيبغا العلائي وألجاي اليوسفي وأروس المحمودي
وطيدمر البالسي وقطلوبغا المنصوري وغيرهم من المقدمين والطبلخانات والعشروات.
واستمر الملك المنصور محبوسًا بالحور السلطانية من القلعة إلى أن مات بها في ليلة
السبت تاسع المحرم من سنة إحدى وثمانمائة.
وزوج الملك الظاهر برقوق الوالد بابنته خوند فاطمة في حياة والدها الملك المنصور
المذكور واستولدها الوالد عدة أولاد وماتت تحته في سنة أربع وثمانمائة.
ولما مات الملك المنصور صلى عليه الملك الظاهر برقوق بالحوش السلطاني من القلعة
ودفن بتربة جدته أم أبيه بالروضة خارج باب المحروق بالقرب من الصحراء.
وكان محبًا للهو والطرب راضيًا بما هو فيه من العيش الطيب.
وكان له مغان عدة جوقة كاملة زيادة على عشر جوار يعرفن بمغاني المنصور استخدمهن
الوالد بعد موته.
وكانت العادة تلك الأيام أن كل سلطان أو ملك يكون له خوقة من المغاني عنده في
داره.
ولم يخلف الملك المنصور مالًا له صورة وخلف عدة أولاد ذكور وإناث.
رأيت أنا جماعة منهم. انتهى
السنة الأولى من سلطنة المنصور محمد ابن الملك المظفر حاجي على مصر وهي سنة اثنتين
وستين وسبعمائة ومدبر الممالك يلبغا العمري.
على أن الملك الناصر حسنًا حكم منها إلى تاسع جمادى الأولى ثم حكم في باقيها الملك
المنصور هذا.
فيها كان خلع الملك الناصر حسن وقتله حسب ما تقدم وسلطنة الملك المنصور هذا.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع واثنتا عشرة إصبعًا.مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعًا وعشر أصابع.
السنة الثانية من سلطنة المنصور محمد ابن الملك المظفر
حاجي على مصر وهي سنة ثلاث وستين وسبعمائة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع سواء.مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعان.
السنة الثالثة من سلطنة المنصور محمد على مصر وهي سنة أربع وستين وسبعمائة.
وهي التي خلع فيها الملك المنصور المذكور بابن عمه الأشرف شعبان بن حسين في شعبان
منها.
فيها كان الطاعون بالديار المصرية والبلاد الشامية ومات فيه خلق كثير لكنه كان على
كل حال أخف من الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة المقدم ذكره.
قلت: وقد خرجنا عن المقصود ولنعد لترجمة الشيخ صلاح الدين ونذكر من مقطعاته ما
تعرف به طبقته بين الشعراء على سبيل الاختصار.
فمن شعره بسندنا إليه: أنشدنا مسند عصره ابن الفرات الحنفي إجازة أنشدنا الشيخ
صلاح الدين خليل الصفدي إجازة: السريع المقلة السوداء أجفانها ترشق في وسط فؤادي
نبال وتقطع الطرق على سلوتي حتى حسبنا في السويدا رجال قال - وله أيضًا - رحمه الله
تعالى: الوافر محياه له حسن بديع غدا روض الخدود به مزهر وعارضه رأى تلك الحواشي
مذهبة فزمكها وشعر وله عفا الله عنه: خلع البسيط بسهم ألحاظه رماني فذبت من هجره
وبينه إن مت ما لي سواه خصم فإنه قاتلي بعينه وقال: المتقارب ودعها سواذج من
نقشها فأحسن ما ذهبت بالطلا وله: الطويل أقول له ما كان خدك هكذا ولا الصدغ حتى
سال في الشفق الدجى فمن أين هذا الحسن والظرف قال لي تفتح وردي والعذار تخرجا
وله: الكامل أنفقت كنز مدائحي في ثغره وجمعت فيه كل معنى شارد وطلبت منه جزاء ذلك
قبلة فأبى وراح تغزلي في البارد وله: المنسرح أفديه ساجي الجفون حين رنا أصاب مني
الحشا بسهمين أعدمني الرشد في هواه ولا أفلح شيء يصاب بالعين وله: مخلع البسيط
سألتم عن منام عيني وقد براه جفًا وبين والنوم قد غاب حين غبتم ولم تقع لي عليه عين
السلطان الملك المنصور قلاوون بالقلعة في ليلة السبت رابع شهر ربيع الآخر.
وهو آخر من بقي من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون من الذكور وهو والد السلطان
الملك الأشرف شعبان بن حسين وموته قبل سلطنة ولده الأشرف بنحو خمسة شهور وأيام ولو
عاش لما كان يعدل عنه يلبغا إلى غيره.
وكان حسين هذا حريصًا على السلطنة فلم ينلها دون إخوته على أنه كان أمثل إخوته.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم لم يحرر.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وأربع أصابع.
السلطان
الملك الأشرف أبو المفاخر على مصر سنة 764 هـ
السلطان الملك الأشرف أبو المفاخر زين الدين شعبان ابن الملك الأمجد حسين ابن
السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون.
تسلطن باتفاق الأمير يلبغا العمري وطيبغا الطويل مع الأمراء على سلطنته بعد خلع ابن
عمه الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر حاجي.
وهو السلطان الثاني والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية.
ولما أتفق الأمراء على سلطنته أحضر الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد
والقضاة الأربعة وأفيض عليه الخلعة الخليفتية السوداء بالسلطنة وجلس على تخت الملك
وعمره عشر سنين في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة من غير هرج
في المملكة ولا اضطراب في الرعية بل في أقل من قليل وقع خلع المنصور وسلطنة الأشرف
هذا وانتهى أمرهما.
ونزل الخليفة إلى داره وعليه التشريف ولم يعرف الناس ما وقع إلا بحق البشائر
والمناداة باسمه وزينت القاهرة وتم أمره على أحسن الأحوال.
ومولد الأشرف هذا في سنة أربع وخمسين وسبعمائة بقلعة الجبل.
واستقر الأتابك يلبغا العمري الخاضكي مدبر الممالك ومعه خجداشه الأمير طيبغا الطويل
أمير سلاح على عادتهما.
وعندما ثبت قواعد الملك الأشرف أرسل يلبغا بطلب الأمير علي المارديني نائب الشام
إلى مصر فلما حضر أخلع عليه بنيابة السلطنة بديار مصر وتولى عوضه نيابة دمشق الأمير
منكلي بغا الشمسي نائب حلب.
وتولى نيابة حلب عوضًا عن الشمسي الأمير إشقتمر المارديني.
وتولى نيابة طرابلس عوضًا عن إشقتمر الأمير أزدمر الخازن نائب صفد.
وتولى نيابة صفد عوضًا عن أزدمر الخازن الأمير قشتمر المنصوري الذي كان نائبا
بالديار المصرية لأمر وقع منه في حق يلبغا العمري الأتابكي.
واستقر الأمير أرغون الأحمدي الخازندار لالا الملك الأشرف شعبان.
واستقر الأمير يعقوب شاه السيفي تابع يلبغا اليحياوي خازندارًا عوضًا عن أرغون
الأحمدي.
ثم استقر الأمير أرنبغا الخاصكي في نيابة غزة عوضًا عن تمان تمر العمري بحكم
وفاته.
ثم ولي الأمير عمر شاه حاجب الحجاب نيابة حماة عوضًا عن أيدمر الشيخي.
واستقر الشريف بكتمر في ولاية القاهرة عوضًا عن علاء الدين علي بن الكوراني بحكم
استعفائه عنها.
ثم استقر الأمير أحمد بن القشتمري في نيابة الكرك.
ثم ورد الخبر بوقوع الوباء بمدينة حلب وأعمالها وأنه مات بها خلق كثير والأكثر في
الأطفال والشبان.
ثم نزل السلطان الملك الأشرف شعبان إلى سرياقوس بعساكره على عادة الملوك.
ثم سمر الأتابك يلبغا خادمين من خدام السلطان الملك المنصور لكلام بلغه عنهما فشفع
فيهما فخليا ونفيا إلى قوص.
ثم في سنة خمس وستين أنعم على الأمير طيدمر البالسي بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار
المصرية.
ثم أخلع على الأمير آسن قجا بنيابة ملطية في ثالث صفر.
واستقر الأمير عمر بن أرغون النائب في نيابة صفد عوضًا عن قشتمر المنصوري وحضر
قشتمر المذكور إلى مصر على إقطاع عمر بن أرغون المذكور.
واستقر الأمير طينال المارديني نائب قلعة الجبل عوضًا عن ألطنبغا الشمسي بحكم
استعفائه.
ثم أنعم السلطان على جماعة بإمرة طبلخاناه وهم: تمربغا العمري ومحمد بن قماري
أمير شكار وألطنبغا الأحمدي.
وآقبغا الصفوي.
وأنعم أيضًا على جماعة بإمرة عشرات وهم: إبراهيم بن صرغتمش وأرزمك من مصطفى ومحمد
بن قشتمر وآقبغا الجوهري وطشتمر العلائي خازندار طيبغا الطويل وطاجار من عوض وآروس
بغا الخليلي ورجب بن كلبك التركماني.
ثم وقع الفناء في هذه السنة في البقر حتى هلك منها شيء كثير وأضر ذلك بحال
الزراع.
ثم في هذه السنة فتح الأمير منكلي بغا الشمسي نائب الشام باب كيسان أحد أبواب دمشق
بحضور أمراء الدولة وأعيان أهل دمشق وذلك بعد بروز المرسوم الشريف إليه بذلك وعقد
عليه قنطرة كبيرة ومد له إلى الطريق جسرًا وعمر هناك جامعًا.
وكان هذا الباب مغلقًا من مدة تزيد على مائتي سنة كان سده الملك العادل نور الدين
محمود الشهيد لأمر اقتضى ذلك فيه مصلحة للإسلام.
ثم رسم في هذه السنة بإبطال الوكلاء المتصرفين في أبواب القضاة.
ثم في سنة ست وستين وسبعمائة استقر الأمير قطلقتمر العلائي أمير جاندار في نيابة
صفد عوضًا عن الأمير عمر بن أرغون النائب وحضر عمر بن أرغون إلى مصر على إقطاع
قطلقتمر المذكور في سابع شهر رجب.
ثم استقر الأمير عبد الله ابن بكتمر الحاجب أمير شكار عوضًا عن الأمير ناصر الدين
محمد بن ألجيبغا واستقر أسندمر العلائي الحرفوش حاجبًا عوضًا عن عبد الله بن بكتمر
المذكور.
ثم أنعم السلطان على الأمير أسندمر المظفري بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية
في سلخ شهر رمضان.
ثم أنعم على الأمير شعبان ابن الأتابك يلبغا العمري بإمرة مائة وتقدمة ألف.
ثم استقر الأمير قشتمر المنصوري في نيابة طرابلس واستقر الأمير أزدمر الخازن في
نيابة صفد عوضًا عن الأمير قطلقتمر العلائي.
ثم استقر الأمير ألطنبغا البشتكي في نيابة غزة عوضًا عن أرنبغا الكاملي بحكم
وفاته.
ثم أخلع على الأمير منجك اليوسفي باستقراره في نيابة طرسوس بعد تلك الرتب العالية
من تحكمه لما ولي الوزر بالديار المصرية ونيابة طرابلس والشام وقد تقدم ذكر ذلك كله
في عدة أماكن وإنما أردنا التعريف به هنا لما تقدم له ولما هو آت وكانت ولاية منجك
اليوسفي لنيابة طرسوس عوضًا عن قماري أمير شكار بحكم وفاته في سلخ ذي القعدة.
ثم أنعم السلطان على جماعة بإمرة طلبخاناه وهم: قطلوبغا البلباني وكمشبغا الحموي
أحد مماليك الأتابك يلبغا العمري وآقبغا الجوهري أحد اليلبغاوية أيضًا وعلى جماعة
بإمرة عشرات وهم: سلجوق الرومي وأروس السيفي بشتاك وسنقر السيفي أرقطاي ثم أنعم
السلطان على الأمير ألجاي اليوسفي في حادي عشرين شهر رجب بإمرة جاندار.
وفي هذه السنة وهي سنة ست وستين وسبعمائة عزل قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن
محمد بن جماعة نفسه من قضاء الديار المصرية في سادس عشر جمادى الأولى ونزل إليه
الأتابك يلبغا بنفسه إلى بيته وسأله بعوده إلى المنصب فلم يقبل ذلك وأشار على يلبغا
بتولية نائبه بهاء الدين أبي البقاء السبكي فولي بهاء الدين قضاء القضاة الشافعية
عوضه.
ثم استقر قاضي القضاة جمال الدين محمود بن أحمد بن مسعود القونوي الحنفي قاضي قضاة
دمشق بعد موت قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن أحمد الكفري بفتح الكاف.
وفي هذه السنة أسلم الصاحب شمس الدين المقسي وكان نصرانيًا يباشر في دواوين الأمراء
فلما أسلم استقر مستوفي المماليك السلطانية.
الفرنجة
يستولون على الإسكندرية
وفي سنة سبع وستين وسبعمائة أخذت الفرنج مدينة إسكندرية في يوم الجمعة ثالث عشرين
المحرم.
وخبر ذلك أنه لما كان يوم الجمعة المذكور طرق الفرنج مدينة الإسكندرية على حين غفلة
في سبعين قطعة ومعهم صاحب قبرس وعدة الفرنج تزيد على ثلاثين ألفًا.
وخرجوا من البحر المالح إلى بر الإسكندرية فخرج أهلها إليهم فتقاتلوا فقتل من
المسلمين نحو أربعة آلاف نفس واقتحمت الفرنج الإسكندرية وأخذوها بالسيف واستمروا
بها أربعة أيام وهم يقتلون وينهبون ويأسرون.
وجاء الخبر بذلك إلى الأتابك يلبغا وكان السلطان بسرياقوس فقام من وقته ورجع إلى
القلعة ورسم للعساكر بالسفر إلى الإسكندرية.
وصلى السلطان الظهر وركب من يومه ومعه الأتابك يلبغا والعساكر الإسلامية في الحال
وعدوا النيل وجدوا في الدير من غير ترتيب ولا تعبية حتى وصلوا إلى الطرانة والعساكر
يتبع بعضها بعضًا.
فلما وصل السلطان إلى الطرانة أرسل جاليشًا من الأمراء أمامه في خفية وهم قطلوبغا
المنصوري وكوندك وخليل بن قوصون وجماعة من الطبلخانات والعشرات وغيرهم وجدوا في
السير وبينما هم في ذلك جاء الخبر بأن العدو المخذول لما سمعوا بقدوم السلطان تركوا
الإسكندرية وهربوا ففرح الناس بذلك.
ورسم السلطان بعمارة ما تهدم من الإسكندرية وإصلاح أسوارها.
وأخلع السلطان على الشريف بكتمر بنيابة الإسكندرية وأعطاه إمرة مائة وتقدمة ألف.
وبكتمر هذا هو أول نائب ولي نيابة الإسكندرية من النواب وما كانت أولًا إلا ولاية
فمن يومئذ عظم قدر نوابها وصار نائبها يسمى ملك الأمراء.
ثم أمر يلبغا فنودي بمصر والقاهرة بأن البحارة والنفاطة كلهم يحضرون إلى بيت
الأتابك يلبغا للعرض والنفقة ليسافروا في المراكب التي تنشأ.
وبدأ يلبغا في عمارة المراكب وبعث مراسيم إلى سائر البلاد الشامية والحلبية بإخراج
جميع النجارين وكل من يعرف يمسك منشارًا بيده ولا يترك واحد منهم وكلهم يخرجون إلى
جبل شغلان وهو جبل عظيم فيه أشجار كثيرة من الصنوبر والقرو ونحو ذلك وهذا الجبل
بالقرب من مدينة أنطاكية وأنهم يقطعون الألواح وينشرون الأخشاب للمراكب ويحملونها
إلى الديار المصرية.
فامتثل نائب حلب ذلك وفعل ما أمر به ووقع الشروع في عمل المراكب.
هذا وقد ثقل على يلبغا وطأة خشداشه طيبغا الطويل فأراد أن يستبد بالأمر وحده وأخذ
يلبغا يدبر عليه في الباطن.
ولقد حكى لي بعض من رآهما قال: كانا ينزلان من الخدمة السلطانية معًا فتقول
العامة: يا طويل! حسك من هذا القصير! فكان طيبغا يلتفت إلى يلبغا ويقول له
وهو يضحك: ما يقولون هؤلاء! فيقول يلبغا: هذا شأن العامة يثيرون الفتن.
انتهى.
واستمر يلبغا على ذلك أن خرج طيبغا الطويل إلى الصيد بالعباسة فأرسل إليه يلبغا
جماعة من مقدمي الألوف وهم: أرغون الإسعردي الدوادار والأمير آروس المحمودي
الأستادار وأرغون الأزقي وطيبغا العلائي حاجب الحجاب ومعهم تشريف له بنيابة دمشق.
فساروا حتى قدموا على طيبغا الطويل وأخبروه بما وقع فلما سمع طيبغا ذلك غضب وأبى
قبول الخلعة وخامر.
واتفق معه أرغون الإسعردي الموادار وآروس المحمودي.
وهرب طيبغا العلائي وأرغون الأزقي ولحقا بالأتابك يلبغا وأعلماه بالخبر فركب يلبغا
في الحال ومعه السلطان الملك الأشرف شعبان بالعساكر في صبيحة اليوم المذكور.
وقد ساق طيبغا الطويل من العباسية حتى نزل بقبة النصر خارج القاهرة ليأتيه من له
عنده غرض فوافاه يلبغا في حال وصوله بالعساكر وقاتله فاقتتلا ساعة وانكسر طيبغا
الطويل بمن معه وأمسك هو وأصحابه من الأمراء وهم: أرغون الإسعردي وآروس المحمودي
وكوندك أخو طيبغا الطويل وجركتمر السيفي منجك وأرغون من عبد الله وجمق الشيخوني
وكليم.
أخو طيبغا الطويل وتلك أخو بيبغا الصالحي وآقبغا العمري البالسي وجرجي بن كوندك
وأرزمك من مصطفى وطشتمر العلائي وأرسلوا الجمع إلى سجن الإسكندرية.
وأخذ يلبغا إقطاع ولدي طيبغا الطويل وهما علي وحمزة وكانا أميري طبلخاناه.
ثم في يوم الاثنين خامس عشرين شعبان من سنة سبع وستين وسبعمائة باست الأمراء الأرض
للسلطان ويلبغا الأتابك معهم وطلبوا من السلطان الإفراج عن الأمراء المسجونين بثغر
الإسكندرية المقدم ذكرهم فقبل السلطان شفاعتهم ورسم بالإفراج عن طيبغا الطويل خاصة
فأفرج عنه ورسم بسفره إلى القدس بطالًا فسافر إلى القدس وأقام به إلى ما يأتي
ذكره.
ثم بعد ذلك في يوم عيد الفطر رسم السلطان بالإفراج عمن بقي في الإسكندرية من أصحاب
طيبغا الطويل فأفرج عنهم وحضروا فأخرجوا إلى الشام متفرقين بطالين.
وصفا الوقت ليلبغا العمري وصار هو المتكلم في الأمور من غير مشارك والسلطان الملك
الأشرف شعبان معه آلة في السلطنة.
وأنعم يلبغا بإقطاعات أصحاب طيبغا الطويل على جماعة من أصحابه فأنعم على الأمير
أرغون بن بلبك الأزقي بتقدمة ألف عوضًا عن قطلوبغا المنصوري وأنعم على طيبغا
العلائي السيفي بزلار بتقدمة ألف عوضًا عن ملكتمر المارديني بحكم وفاته وأنعم على
أينبك البدري أمير آخور يلبغا العمري بإمرة طبلخاناه واستقر أستادار أستاذه
يلبغا.
ثم استقر الأمير إشقتمر المارديني المعزول عن نيابة حلب قبل تاريخه في نيابة طرابلس
عوضًا عن قشتمر المنصوري وطلب قشتمر المذكور إلى مصر.
ثم استقر الأمير طيدمر البالسي أمير سلاح عوضًا عن طيبغا الطويل في سابع جمادى
الأولى.
ثم استقر طيبغا الأبو بكري دوادارًا كبيرًا بإمرة طبلخاناه عوضًا عن الإسعردي فأقام
دوادارًا إلى حادي عشرين شعبان وعزل بأمير بيبغا دوادار أمير علي المارديني بإمرة
طبلخاناه أيضًا.
ثم فرق على جماعة كبيرة بإمرة طبلخانات وهم: طغيتمر العثماني وآقبغا الجوهري
وقجماس السيفي طاز وألطنبغا العزي وأرغون كتك العزي وقراتمر المحمدي والشهابي هذا
قراتمر رأيته وقد شاخ وكان بطالًا يسكن بالقرب من الكبش بعد سنة عشرين وثمانمائة.
انتهى وآروس بغا الكاملي وطاجار من عوض وآقبغا اليوسفي وألطنبغا المارديني - وهو
غير صاحب الجامع ذاك متقدم على هذا - ورسلان الشيخوني واستقر حاجبًا بإسكندرية على
إمرة طبلخاناه وعلي بن قشتمر المنصوري وسودون القطلقتمري وقطلوبغا الشعباني ومحمد
المهندس التركماني.
وأنعم على جماعة بعشرات وهم: تنبك الأزقي وأرغون الأحمدي وطيبغا السيفي يلبغا
وأرغون الأرغوني وسودون الشيخوني وهو الذي صار نائب السلطنة في دولة الملك الظاهر
برقوق كما سيأتي ذكره وأزدمر العزي أبو ذقن ويونس العمري ودرت بغا البالسي وقرابغا
الصرغتمشي وطاز الحسني وقرقماس الصرغتمشي وطيبغا العلائي وقماري الجمالي.
ثم في هذه السنة أبطل يلبغا المكوس من مكة والمدينة ورتب عوض ذلك من بيت المال
مائتي ثم في سنة ثمان وستين طلب السلطان الأمير منكلي بغا الشمسي نائب الشام إلى
الديار المصرية فلما حضره أكرمه وأخلع عليه بنيابة حلب عوضًا عن جرجي الإدريسي
لعجزه عن القيام بمصالح حلب مع التركمان فامتنع منكلي بغا من نيابة حلب كونه نائب
دمشق ثم ينتقل منها إلى نيابة حلب فأضيف إليه أربعة آلاف نفر من عسكر دمشق لتكون
منزلته أكبر من منزلة نائب دمشق فأذعن عند ذلك ولبس الخلعة وتوجه إلى حلب.
وتولى نيابة دمشق عوضه الأمير آقتمر عبد الغني حاجب الحجاب بالديار المصرية وتولى
عوضه حجوبية الحجاب طيبغا العلائي.
وأما جرجي الإدريسي المعزول عن نيابة حلب فإنه ولي نيابة طرابلس بعد عزل منجك
اليوسفي عنها.
ثامن عشر شهر ربيع الأول من سنة ثمان وستين
المذكورة استقر أرغون الأزقي الأستادار في نيابة غزة عوضًا عن ألطنبغا البشتكي.
وفي الشهر أيضًا استقر آقبغا الأحمدي المعروف بالجلب لالا السلطان الملك الأشرف
عوضًا عن أرغون الأحمدي بحكم نفيه إلى الشام لأمر اقتضى ذلك ونفي معه تمربغا
العمري.
ثم في آخر الشهر المذكور أمسك الأتابك الأمير يلبغا الطواشي سابق الدين مثقالًا
الآنوكي مقدم المماليك السلطانية وضربه داخل القصر بقلعة الجبل ستمائة عصاة ونفاه
إلى أسوان - وسببه ظهور كذبه له - وولى مكانه مختار الدمنهوري المعروف بشاذروان
وكان مقدم الأوجاقية بباب السلسلة.
كل ذلك والعمل في المراكب مستمر إلى أن كملت عمارة المراكب من الغربان والطرائد
لحمل الغزاة والخيول.
وكانوا نحو مائة غراب وطريدة عمرت في أقل من سنة مع عدم الأخشاب والأصناف يوم
ذاك.
وبينما الناس في ذلك قتل يلبغا العمري بيد مماليكه في واقعة كانت بينهم.
وخبر ذلك أنه لما كان في مستهل شهر ربيع الآخر نزل السلطان من قلعة الجبل وعدى إلى
بر الجيزة ليتوجه إلى الصيد بالبحيرة بعد أن ألزم الأمراء أن يجعلوا - في الشواني
التي نجز عملها برسم الغزاة - العدد والسلاح والرجال على هيئة القتال لينظر السلطان
والناس ذلك.
فامتثلوا الأمراء المرسوم الشريف وأشحنوا المراكب العدد والسلاح والرجال الملبسة
وضربوا الطبلخاناه بها وصارت في أبهى زي ولعبوا بها في البحر قدام السلطان والأتابك
يلبغا.
وخرج الناس للتفرج من كل فج وكان يوم من الأيام المشهودة الذي لم ير مثله في سالف
الأعصار.
ثم سار السلطان والأتابك يلبغا بالعساكر من بر الجيزة يريدون البحيرة حتى نزلوا في
ليلة الأربعاء سادس شهر ربيع الآخر من ستة ثمان وستين وسبعمائة بالطرانة وباتوا بها
وكانت مماليك يلبغا قد نفرت قلوبهم منه لكثرة ظلمه وعسفه وتنوعه في العذاب لهم على
أدنى جرم حتى إنه كان إذا غضب على مملوك ربما قطع لسانه.
فاتفق جماعة من مماليك يلبغا تلك الليلة على قتله من غير أن يعلموا الملك الأشرف
هذا بشيء من ذلك وركبوا عليه نصف الليل ورؤوسهم من الأمراء: آقبغا الأحمدي الجلب
وأسندمر الناصري وقجماس الطازي وتغري برمش العلائي وآقبغا جاركس أمير سلاح وقرابغا
الصرغتمشي في جماعة من أعيان اليلبغاوية.
ولبسوا آلة الحرب وكبسوا في الليل على يلبغا بخيمته بغتة وأرادوا قتله فأحس بهم قبل
وصولهم إليه فركب فرس النوبة بخواصه من مماليكه وهرب تحت الليل وعدى النيل إلى
القاهرة ومنع سائر المراكب أن يعدوا بأحد.
واجتمع عنده من الأمراء طيبغا حاجب الحجاب وأينبك البدري أمير آخور وجماعة الأمراء
المقيمين بالقاهرة.
وأما مماليك يلبغا فإنهم لما علموا بأن أستاذهم نجا بنفسه وهرب اشتد تخوفهم من أنه
إذا ظفر بهم بعد ذلك لا يبقي منهم أحدًا.
فاجتمعوا الجميع بمن انضاف إليهم من الأمراء وغيرهم وجاؤوا إلى الملك الأشرف شعبان
- وهو بمخيمه أيضًا بمنزله بالطرانة وكلموه في موافقتهم على
قتال يلبغا فامتنع قليلًا ثم أجاب لما في نفسه من الحزازة من حجر يلبغا عليه وعدم
تصرفه في المملكة.
وركب السلطان بمماليك يلبغا وخاصكيته فأخذوه وعادوا به إلى جهة القاهرة وقد اجتمع
عليه خلائق من مماليك يلبغا وعساكر مصر وساروا حتى وصلوا إلى ساحل النيل ببولاق
التكروري تجاه بولاق والجزيرة الوسطى.
فأقام الملك الأشرف ببولاق التكروري يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة فلم
يجدوا مراكب يعدون فيها.
وأما يلبغا فإنه لما علم أن الملك الأشرف طاوع مماليكه وقربهم أنزل من قلعة الجبل
سيدي آنوك ابن الملك الأمجد حسين أخي الملك الأشرف شعبان وسلطنه ولقبه بالملك
المنصور وذلك بمخيمه بجزيرة أروى المعروفة بالجزيرة الوسطانية تجاه بولاق التكروري
حيث الملك الأشرف نازل بمماليك يلبغا بالبر الشرقي والأشرف بالبر الغربي فسمته
العوام سلطان الجزيرة.
ثم في يوم الجمعة حضر عند الأتابك يلبغا الأمير طغيتمر النظامي والأمير أرغون ططر
فإنهما كانا يتصيدان بالعباسة وانضافا بمن معهما إلى يلبغا فقوي أمره بهما.
وعدى إليه أيضا جماعة من عند الملك الأشرف وهم: الأمير قرابغا البدري والأمير
يعقوب شاه والأمير بيبغا العلائي الدوادار والأمير خليل بن قوصون وجماعة من مماليك
يلبغا الذين أمرهم مثل: آقبغا الجوهري وكمشبغا الحموي ويلبغا شقير في آخرين.
واستمر الأتابك يلبغا وآنوك بجزيرة الوسطى والملك الأشرف ومماليك يلبغا ببولاق
التكروري إلى أن حضر إلى الأشرف شخص يعرف بمحمد ابن بنت لبطة رئيس شواني السلطان
وجهز للسلطان من الغربان التي عمرها برسم الغزاة نحو ثلاثين غرابًا برجالها وكسر
بروقها وجعلها مثل الفلاة لأجل التعدية.
فنزل فيها جماعة من الأمراء ومن مماليك يلبغا ليعدوا فيها إلى الجزيرة فرمى عليهم
يلبغا بمكاحل النفط وصار هؤلاء يرمون على يلبغا بالسهام فيردونهم على أعقابهم.
وأخذ يلبغا ومن معه يرمون أيضًا النفط والنشاب والأشرفية لا يلتفتون إلى ذلك بل
يزيدون في سب يلبغا ولعنه وقتاله.
وأقاموا على ذلك إلى عصر يوم السبت وقد قوي أمر الملك الأشرف وضعف أمر يلبغا.
ثم اتفق رأي عساكر الملك الأشرف على تعدية الملك الأشرف من الوراق فعدى وقت العصر
من الوراق إلى جزيرة الفيل وتتابعته عساكره.
فلما صاروا الجميع في بر القاهرة وبلغ ذلك يلبغا هرب الأمراء الذين كانوا مع يلبغا
بأجمعهم وجاؤوا إلى الملك الأشرف وقبلو الأرض بين يديه.
فلما رأى يلبغا ذلك رجع إلى جهة القاهرة ووقف بسوق الخيل من تحت قلعة الجبل ولم يبق
معه غير طيبغا حاجب الحجاب الذي كان أولًا أستاداره.
قتل
الأميـــــر يلبغـــا
فوقف يلبغا ساعة ورأى أمره في إدبار فنزل عن فرسه بسوق الخيل تجاه باب الميدان وصلى
العصر وحل سيفه وأعطاه للأمير طيبغا الحاجب.
ثم نزل وقصد بيته بالكبش فرجمته العوام من رأس سويقة منعم إلى أن وصل حيث اتجه.
وسار الملك الأشرف شعبان بعساكره حتى طلع إلى قلعة الجبل في آخر نهار السبت
المذكور.
وأرسل جماعة من الأمراء إلى يلبغا فأخذوه من بيته ومعه طيبغا الحاجب وطلعوا به إلى
القلعة بعد المغرب فسجن بها إلى بعد عشاء الآخرة من اليوم المذكور.
فلما أذن للعشاء جاء جماعة من مماليك يلبغا مع بعض الأمراء وأخذوا يلبغا من سجنه
وأنزلوه من القلعة.
فلما صار بحدرة القلعة أحضروا له فرسًا ليركبه فلما أراد الركوب ضربه مملوك من
مماليكه يسمى قراتمر فأرمى رأسه ثم نزلوا عليه بالسيوف حتى هبروه تهبيرًا وأخذوا
رأسه وجعلوها في مشعل النار إلى أن انقطع الدم فلما رآه بعضهم أنكره وقال:
أخفيتموه وهذه رأس غيره فرفعوه من المشعل ومسحوه ليعرفوه أنه رأس يلبغا بسلعة كانت
خلف أذنه فعند ذلك تحقق كل أحد بقتله وأخذوا جثته فغيبوها بين العروستين.
فجاء الأمير طشتمر الدوادار فأخذ الرأس منهم في الليل واستقصى على الجثة حتى أخذها
وحط الرأس على الجثة وغسلها وكفنها وصلى عليه في الليل ودفنه بتربته التي أنشأها
بالصحراء بالقرب من تربة خوند طغاى أم آنوك زوجة الناصر محمد ابن قلاوون.
فالقصاص قريب والجزاء من جنس العمل.
ولما أصبح نهار الأحد عاشر شهر ربيع الأخر وهو صبيحة ليلة قتل فيها يلبغا العمري
الخاصكي المقدم ذكره وطلع جميع الأمراء إلى القلعة واستقر الأمير طغيتمر النظامي هو
المتحدث في حل المملكة وعقدها ومعه آقبغا جلب الأحمدي وأسندمر الناصري وقجماس
الطازي وقبضوا من الأمراء على تمربغا البدري ويعقوب شاه وبيبغا العلائي الدوادار
وقيدوا وأرسلوا عشية النهار إلى الإسكندرية.
ورسم للأمير خليل بن قوصون أن يلزم بيته بطالًا.
وفي يوم الاثنين حادي عشرة استقر قشتمر المنصوري حاجب الحجاب عوضًا عن طيبغا
العلائي.
واستقر أيدمر الشامي دودارًا بإمرة مائة وتقدمة ألف وناظر الأحباس ولم يعلم قبله
دوادار أمير مائة ومقدم ألف.
ثم قبض على جماعة من الأمراء وهم: أزدمر العزي وآقبغا الجوهري وأرغون كتك العزي
أيضًا وأرغون الأرغوني ويونس الرماح العمري وكمشبغا الحموي وأرسلوا الجميع في
القيود إلى ثغر الإسكندرية فحبسوا بها.
ثم استقر طيدمر البالسي أستادار العالية.
ثم أخلع على قجماس الطازي واستقر أمير سلاح عوضًا عن طيدمر البالسي المنتقل إلى
الأستادارية.
وأنعم على قرابغا الصرغتمشي بتقدمة ألف دفعة واحدة من إمرة عشرة.
ثم في العشرين من الشهر استقر أسنبغا القوصوني لالا السلطان عرضًا عن آقبغا جلب.
واستقر قراتمر المحمدي خازندارًا عوضًا عن تلكتمر المحمدي.
وحضر سابق الدين مثقال الآنوكي من قوص بطلب من السلطان وقبل الأرض ونزل إلى داره.
وفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى قبض على فخر الدين ماجد بن قروينة وسلم
لقرابغا الصرغتمشي ليستخلص منه الأموال واستقر عوضه في الوزارة الصاحب جمال الدين
عبد الله بن تاج الدين موسى بن أبي شاكر وأضيف إليه نظر الخاص أيضًا وكان أولًا
صاحب ديوان يلبغا.
وفي سادس عشر جمادى الأولى أعيد الطواشي سابق الدين مثقال إلى تقدمة المماليك
السلطانية وصرف الدمنهوري المعروف بشاذروان.
وفي يوم الخميس سادس عشر رجب قبض على قرابغا الصرغتمشي.
وعندما قبض على قرابغا المذكور ركب الأمير تغري برمش بالسلاح ومعه عدة من الأمراء
والخاصكية.
فرسم السلطان بركوب الأمراء والخاصكية فركبوا في الحال وقبضوا عليه وأمسكوا معه
الأمير أينبك البدري وإسحاق الرجبي وقرابغا العزي ومقبل الرومي وأرسلوا إلى
الإسكندرية.
ثم أنعم السلطان على كل من قطلوبغا جركس وأقطاي بتقدمة ألف.
ومن هذا الوقت أخذ أسندمر الناصري في التعاظم وانضمام الناس عليه.
فاتفق جماعة من الأمراء العزية مع طغيتمر النظامي وآقبغا جلب على قبض أسندمر ودبروا
عليه.
إلى أن كانت ليلة الأحد سابع شهر شوال من سنة ثمان وستين المذكورة ركبوا نصف
الليل.
وضربوا الكوسات وأنزلوا الملك الأشرف إلى الإسطبل السلطاني وقصدوا مسك أسندمر
الناصري وبعض مماليك يلبغا العمري الأشرار.
وبلغ ذلك أسندمر فمكث في بيته إلى طلوع الشمس.
ثم ركب من بيته بالكبش فإنه كان سكن فيه بعد قتل يلبغا وتوجه بمن معه إلى قبة النصر
ومنها إلى القرافة إلى باب الدرفيل من وراء القلعة فلم يفطن به الأمراء إلا وهو تحت
الطبلخاناه السلطانية من القلعة وكبس عليهم من الصوة فهرب أكثر الأمراء وكان غالبهم
قد استخدم عنده جماعة من مماليك يلبغا.
فلما رأى مماليك يلبغا أسندمر ومن معه من خشداشيتهم توجهوا إليهم وتركوا أمراءهم.
ثم خرج إلى أسندمر آقبغا جلب وطردوا الحاجب ابن اخي آل ملك فقوي أسندمر بهم على
الأمراء وصدمهم صدمة هائلة كسرهم فيها كسرة شنيعة وهربوا الجميع إلا ألجاي اليوسفي
وأرغون ططر فإنهما ثبتا وقاتلا أسندمر وليس معهما غير سبعين فارسًا.
فقاتلوا أسندمر وجماعته إلى قريب الظهر فلم يرجع إليهما أحد من أصحابهما فانكسرا
وانتصر أسندمر الناصري عليهم وطلع إلى القلعة وقبل الأرض بين يدي الملك الأشرف
شعبان فأخلع عليه الأشرف باستقراره أتابكا ومدبر المماليك كما كان يلبغا العمري
الخاصكي.
ثم قبض أسندمر على جماعة من الأمراء وقيدهم وأرسلوا إلى ثغر الإسكندرية فحبسوا بها
وهم: ألجاي اليوسفي وطغيتمر النظامي وأيدمر الشامي وآقبغا جلب وقطلوبغا جركس
وأقطاي وأرغون ططر وقجماس الطازي وجميع هؤلاء مقدمو ألوف.
ثم قبض على جماعة من الأمراء الطبلخمانات وهم: طاجار من عوض ويلبغا شقير وقرابغا
شاد الأحواش وقرابغا الأحمدي وقطلوبغا الشعباني وأيدمر الخطائي وتمراز الطازي وآسن
الناصري وقراتمر المحمدي.
ثم أصبح أسندمر في يوم حادي عشر شوال أنعم على جماعة من الأمراء واستقروا مقدمي
ألوف بالديار المصرية وأصحاب وظائف فأخلع على أزدمر العزي واستقر أمير مائة ومقدم
ألف وأمير سلاح واستقر جركتمر السيفي منجك أمير مائة ومقدم ألف وأمير مجلس واستقر
ألطنبغا اليلبغاوي رأس نوبة النوب من إمرة عشرة دفعة واحدة واستقر قطلقتمر العلائي
أمير جاندار واستقر سلطان شاه أمير مائة ومقدم ألف وحاجبًا ثانيًا.
واستقر بيرم العزي دوادارًا بتقدمة ألف وكان جنديًا قبل ذلك فأنعم عليه بإقطاع
طغيتمر النظامي ووظيفته وجميع موجوده ومماليكه وحواصله.
وأنعم على خليل بن قوصون بتقدمة ألف وعلى قبق العزي بتقدمة ألف وعلى أرغون القشتمري
بتقدمة ألف وعلى محمد بن طيطق العلائي بتقدمة ألف.
ثم أنعم على جماعة بإمرة طبلخاناه وهم: بزلارالعمري وأرغون المحمدي الآنوكي
الخازن وأرغون الأرغوني ومحمد بن طقبغا الماجاري وباكيش السيفي يلبغا وآقبغا آص
الشيخوني وسودون الشيخوني وجلبان السعدي وكبك الضرغتمشي وإينال اليوسفي وكمشبغا
الطازي وبكتمر العلمي وقماري الجمالي وأرسلان خجا ومبارك الطازي وتلكتمر الكشلاوي
وأسنبغا العزي وقطلوبغا الحموي ومأمور القلمطاوي.
ثم أنعم على جماعة بإمرة عشرات وهم: كزك الأرغوني وألطنبغا المحمودي وقرابغا
الأحمدي - وهذا غير قرابغا الأحمدي الجلب - وحاجى ملك بن شادي وعلي بن باكيش ورجب
بن خضر وطيطق الرماح.
ثم خلع على جماعة واستقرت جوكندارية وهم: مبارك الطازي المقدم ذكره وقرمش
الصرغتمشي وإينال اليوسفي.
وأخلع على تلكتمر المحمدي واستقر خازندارًا على عادته وبهادر الجمالي شاد الدواوين
عوضًا عن خليل بن عرام بحكم انتقال ابن عرام إلى نيابة الإسكندرية.
واستقر أسندمر الزيني في نيابة طرابلس عوضًا عن اشقتمر المارديني وأمسك اشقتمر وحبس
بالإسكندرية.
واستقر طيبغا الطويل الناصري - رفيق يلبغا العمري الخاصكي المقدم ذكره - في نيابة
حماة وكان بطالًا بالقدس في تاسع صفر فلم تطل مدته وقبض عليه منها في ذي القعدة
واعتقل بالإسكندرية ثانيًا.
واستهلت سنة تسع وستين والملك الأشرف شعبان كالمحجور عليه مع أسندمر غير أن اسمه
السلطان وخليفة الوقت المتوكل على الله وأسندمر الناصري أمير كبير أتابك العساكر
ومدبر المملكة ونائب السلطنة مع أمير علي المارديني آلة يتعاطى الأحكام لا غير
ونائب دمشق آقتمر عبد الغني ونائب حلب منكلي بغا الشمسي وهو يومئذ يخشى شره ونائب
طرابلس منجك اليوسفي ونائب حماة عمر شاه صاحب القنطرة على الخليج خارج القاهرة
ونائب صفد أرغون واستمر الأتابك أسندمر على ما هو عليه إلى يوم الجمعة سادس صفر
اتفقت عليه مماليك يلبغا الأجلاب وركبوا معهم الأمراء وقت صلاة الجمعة ودخلوا على
أسندمر الناصري وسألوه أن يمسك جماعة من الأمراء فمسك أزدمر العزي أمير سلاح
وجركتمر المنجكي أمير مجلس وبيرم العزي الدوادار الكبير وبيبغا القوصوني والأمير
آخور كبك الصرغتمشي الجوكندار.
واستمرت المماليك لابسين السلاح وأصبحوا يوم السبت ومسكوا خليل بن قوصون ثم أطلقوه
وانكسرت الفتنة إلى عشية النهار وهي ليلة الأحد وقالوا لأسندمر: نريد عزل الملك
الأشرف وكان أسندمر مقهورًا معهم.
وبلغ الخبر الملك الأشرف فأرسل في الحال إلى خليل بن قوصون فحضر وركب الملك الأشرف
وركب ابن قوصون ومماليك الأشرف الجميع مع أستاذهم وكانوا نحو المائتين لا غير وكان
الذين اجتمعوا من مماليك يلبغا فوق الألف وخمسمائة.
وركب مع الملك الأشرف جماعة من الأمراء الكبار مثل أسنبغا ابن الأبو بكري وقشتمر
المنصوري في آخرين وضربت الكوسات واجتمع على السلطان خلق كثير من العوام.
ولما بلغ أسندمر الناصري ركوب الملك الأشرف أخذ جماعة من مماليك يلبغا وطلع من خلف
القلعة كما فعل أولًا في واقعة آقبغا الجلب وتقدمت مماليك يلبغا وصدموا المماليك
الأشرفية وتقاتلوا.
وبينما هم في ذلك جاء أسندمر بمن معه من تحت الطبلخاناه كما فعل تلك المرة فعلم به
الأشرفية والأمراء فمالوا عليه فكسروه أقبح كسرة وقرب أسندمر ثم أمسك وتمزقت
المماليك اليلبغاوية.
فلما جيء للأشرف بأسندمر وحضر بين يديه شفعت فيه الأمراء الكبار فأطلقه السلطان
ورسم له أن يكون أتابكًا على عادته.
ورسم له بالنزول إلى بيته بالكبش ورسم للأمير خليل بن قوصون أن يكون شريكه في
الأتابكية.
فنزل أسندمر إلى بيته ليلة الاثنين وأرسل السلطان معه الأمير خليل بن قوصون صفة
الترسيم وهو شريكه في وظيفة الأتابكية ليحضره في بكرة نهار الاثنين.
فلما نزلا إلى الكبش تحالفا وخامرا ثانيًا على السلطان.
وأجتمع عند أسندمر وخليل بن قوصون في تلك الليلة جماعة كبيرة من مماليك يلبغا
وصاروا مع أسندمر كما كانوا أولًا.
وأصبحا يوم الاثنين وركبا إلى سوق الخيل.
فركب السلطان بمن معه من الأمراء والمماليك الأشرفية وغيرهم فالتقوا معهم وقاتلوهم
وكسروهم وقتلوا جماعة كبيرة من مماليك يلبغا.
وهرب أسندمر وابن قوصون واشتغل مماليك السلطان والعوام بمسك مماليك يلبغا يمسكونهم
ويحضرونهم عرايا مكشفي الرؤوس.
وتوجه فرقة من السلطانية إلى أسندمر وابن قوصون فقبضوا عليهما وعلى ألطنبغا
اليلبغاوي وجماعة أخر من الأمراء اليلبغاوية فقيدوا وأرسلوا إلى سجن الإسكندرية.
هلال شعبان جهرًا لاح في صفر بالنصر حتى أرى عيدًا بشعبان وأهل كبش كأهل الفيل قد
أخذوا رغمًا وما انتطحت في الكبش شاتان ثم جلس الملك الأشرف شعبان في الإيوان وبين
يديه أكابر الأمراء ورسم بتسمير جماعة من مماليك يلبغا نحو المائة وتوسيطهم ونفى
جماعة منهم إلى الشام وأخذ مال أسندمر وأنفق على مماليكه لكل واحد مائة دينار ولكل
واحد من غير مماليكه خمسون دينارًا.
ورسم للأمير يلبغا المنصوري باستقراره أتابك العساكر هو والأمير ملكتمر الخازندار
وأنعم على كل منهما بتقدمة ألف.
وأنعم على تلكتمر بن بركة بتقدمة ألف عوضًا عن خليل بن قوصون وكان ذلك في سادس عشر
صفر.
ثم أصبح السلطان من الغد في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر قبض على يلبغا المنصوري
المذكور ورفيقه تلكتمر المحمدي لأنهما أرادا الإفراج عن مماليك يلبغا العمري وقصد
يلبغا المنصوري أن يسكن بالكبش فمسكهما الملك الأشرف وأرسلهما إلى الإسكندرية.
ثم أرسل السلطان بطلب الأمير منكلي بغا الشمسي نائب حلب إلى الديار المصرية فحضرها
بعد مدة وأخلع عليه السلطان خلعة النيابة بديار مصر فأبى أن يكون نائبًا فأنعم عليه
بتقدمة ألف وجعله أتابك العساكر وتولى نيابة حلب عوضه طيبغا الطويل وكان أخرجه من
سجن الإسكندرية ثم زوج السلطان أخته للأمير منكلي بغا الشمسي المذكور فتزوجها
وأولدها بنتا تزوجها الملك الظاهر برقوق وعاشت بعد الملك الظاهر إلى أن ماتت في سنة
ثلاث وثلاثين وثمانمائة بقاعتها بخط الكعكين من القاهرة.
ثم رسم الملك الأشرف أن يفرج عن طغيتمر النظامي وأيدمر الخطائي وألجاي اليوسفي
وكانوا محبوسين بالإسكندرية فحضروا إلى بين يدي السلطان وقبلوا الأرض بين يديه.
وخلع السلطان على بكتمر المؤمني واستقر أمير آخور كبيرًا بتقدمة ألف وهو صاحب
المصلاة والسبيل بالرميلة.
ثم رسم السلطان بإحضار الأمير آقتمر عبد الغني فلما وصل آقتمر إلى مصر أخلع عليه
السلطان باستقراره حاجب الحجاب بالديار المصرية.
وكان آقتمر هذا قد ولي نيابة السلطنة بالديار المصرية قبل نيابة الشام وتولى نيابة
دمشق بعده بيدمر الخوارزمي قليلًا ثم عزل واستقر عوضه في نيابة دمشق منجك اليوسفي
نائب طرابلس واستقر في نيابة طرابلس بعد منجك أيدمر الآنوكي.
ثم أخلع السلطان على الأمير الأكز الكشلاوي باستقراره شاد الدواوين عوضًا عن بهادر
الجمالي.
ثم أفرج عن الأمير أرغون ططر وأخلع عليه واستقر أمير شكار بتقدمة ألف.
ثم رسم بإحضار قطلوبغا الشعباني من الشام فحضر بعد مدة.
ثم في ثامن عشر جمادى الآخرة استقر الأمير آقتمر الصاحبي دوادارًا عوضًا عن آقبغا
بن عبد الله بإمرة طبلخاناه.
واستقر طغيتمر العثماني شاد الشراب خاناه.
واستقر بشتك العمري رأس نوبة ثانيًا.
ثم وقع الوباء بالديار المصرية حتى بلغت عدة الموتى في اليوم أكثر من ألف نفس وأقام
نحو الأربعة أشهر وارتفع.
وفي هذه السنة أيضًا وهي سنة تسع وستين وسبعمائة قصدت الفرنج مدينة طرابلس الشام في
مائة وثلاثين مركبًا من الشواني والقراقير والغربان والطرائد وصحبتهم صاحب قبرس وهو
المقدم ذكره عليهم وكان نائبها وأكثر عسكرها غائبين عنها.
فاغتنمت الفرنج الفرصة وخرجوا من مراكبهم إلى الساحل فخرج لهم من طرابلس بقية
عسكرها بجماعة من المسلمين فتراموا بالنبال ثم اقتتلوا أشد قتال.
وتقهقر المسلمون ودخل المدينة طائفة من الفرنج فنهبوا بعض الأسواق.
ثم إن المسلمين تلاحقوا وحصل بينهم وبين الفرنج وقائع عديدة استشهد فيها من
المسلمين نحو أربعين نفرًا وقتل من الفرنج نحو الألف وألقى الله تعالى الرعب في
قلوب الفرنج فرجعوا خائبين.
وفي هذه السنة قوي أمر الملك الأشرف في السلطنة وصار تدبير ملكه إليه: يعزل ويولي
من غير مشورة الأمراء وصار في الفلك من غير منازع ولا معاند وحسنت سيرته وأحبته
الرعية إلى الغاية وصار يقصد المقاصد الجميلة مما سيأتي ذكره.
ثم في أول جمادى الآخرة عزل الأشرف أسنبغا بن الأبو بكري عن نيابة حب بالأمير قشتمر
المنصوري.
ثم قبض السلطان على أرغون العجمي الساقي أحد المماليك السلطانية بسبب أنه سرق
أحجارًا مثمنة من الخزانة السلطانية وباعها على الفرنج وفيها حجر يعرف بوجه الفرس
فجاء به الفرنج إلى منجك اليوسفي نائب الشام فعرفه وأرسله إلى السلطان وأخبره بخبر
أرغون العجمي وكيف باعه للفرنج فصفح السلطان عنه ونفاه إلى الشام.
ثم في يوم السبت العشرين من شهر رمضان نفى السلطان الأمير آقتمر الصاحبي الدوادار
الكبير إلى الشام لأمر وقع بينه وبين الأمير ألجاي اليوسفي.
وفي تاسع عشر ذي القعدة أحضر الأمير بيدمر الخوارزمي المعزول عن نيابة الشام قبل
تاريخه وأدخل إلى قاعة الصاحب بقلعة الجبل وطلب منه ثلاثمائة ألف دينار وكان متولي
أمره علي بن محمد بن كلبك التركماني فعصر يوم الثلاثاء حادي عشرين ذي القعدة ثم
أفرج عنه ونفي إلى طرابلس بعد أن أخذ منه مائة ألف دينار.
ولما بلغ الملك الأشرف ذلك عظم عليه وأرسل تقليدًا للأمير اشقتمر المارديني بنيابة
حلب على يد الأمير قطلوبغا الشعباني وعزل حيارًا عن إمرة العرب وولاها لزامل.
ثم أنعم الملك الأشرف في هذه السنة على ألوف بتقادم وطبلخانات وعشرات فممن أنعم
عليهم بتقدمة ألف: الأمير بهادر الجمالي وبشتك العمري.
وممن أنعم عليه بإمرة طبلخاناه: صراي الإدريسي وبيبغا القوصوني وأحمد بن اقتمر
عبد الغني وأحمد بن قنغلي وخليل بن قماري الحموي وطغيتمر الحسيني وحسين بن الكوراني
وأرغون شاه الأشرفي.
وكان أمير الحاج في هذه السنة بهادر الجمالي.
وحجت في هذه السنة أيضًا خوند بركة والدة السلطان الملك الأشرف صاحب الترجمة بتجمل
زائد ورخت عظيم وبرك هائل وفي خدمتها من الأمراء الألوف: بشتك العمري وبهادر
الجمالي أمير الحاج ومائة مملوك من المماليك السلطانية الخاصكية.
وكان من جملة ما معها بحرب الحجاز كوسات وعصائب سلطانية وعدة محفات بأغطية زركش
وعدة محاير كثيرة بأفخر زينة.
وحمل معها أشياء كثيرة يطول الشرح في ذكرها من ذلك: قطر جمال عليها مزروع خضر
وغير ذلك.وحجت وعادت إلى الديار المصرية بعد أن احتفل جميع أمراء الدولة إلى ملاقاتها.
ولما وصلت إلى القلعة أثنت على بهادر الجمالي فأخلع السلطان عليه.
ثم بعد مدة في يوم حادي عشرين المحرم من سنة إحدى وسبعين وسبعمائة أخلع السلطان على
الأمير بهادر الجمالي واستقر به أمير آخور كبيرًا عوضًا عن الأمير بكتمر المؤمني
بعد موته واستقر الأمير تلكتمر من بركة أستادارًا عوضًا عن بهادر الجمالي المذكور
واستقر أرغون شاه الأشرفي أمير مجلس عوضًا عن تلكتمر المنتقل إلى الأستادارية ثم
نقل أرغون شاه المذكور بعد مدة يسيرة من وظيفة أمير مجلس إلى وظيفة رأس نوبة النوب
بعد موت بشتك العمري.
ثم في سنة ثلاث وسبعين عزل السلطان الأمير اشقتمر المارديني عن نيابة حلب بالأمير
عز الدين أيدمر الدوادار.
وفي سنة ثلاث وسبعين المذكورة رسم السلطان الملك الأشرف أن الأشراف بالديار المصرية
والبلاد الشامية كلهم يسمون عمائمهم بعلامة خضراء بارزة للخاصة والعامة إجلالًا
لحقهم وتعظيمًا لقدرهم ليقابلوا بالقبول والإقبال ويمتازوا عن غيرهم من المسلمين.
فوقع ذلك ولبسوا الأشراف العمائم الخضر التي هي الآن مستمرة على رؤوسهم.
وكان السلطان الملك الأشرف قبل ذلك قد استجد في كل سنة عند طلوعه من هذه السرحة وهي
توجه السلطان إلى ربيع الخيل أن يلبس الأمراء الخاصكية مقدمي الألوف أقبية حرير
بفرو سمور بأطواق سمور بطرز زركش والطبلخانات والعشرات أقبية حرير بطرز زركش منها
ما هو بفرو قاقم ومنها ما هو بفرو سنجاب.
ثم بعد ذلك نزل السلطان في يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة سنة أربع وسبعين
ووالدته معه وهي متمرضة إلى الروضة تجاه مصر القديمة بمنظرة الأمير طشتمر الدوادار
فأقام فيها يوم الثلاثاء والأربعاء وصحبته جميع الأمراء وطلع يوم الخميس إلى
القلعة.
واستمرت أم السلطان متمرضة إلى أن ماتت في ذي الحجة وهي في عصمة ألجاي اليوسفي وصلى
عليها ابنها السلطان الملك الأشرف ودفنت بمدرستها التي عمرتها بخط التبانة خارج
القاهرة بالقرب من باب الوزير.
ووجد عليها ولدها الملك الأشرف وجدًا عظيمًا لأنها كانت من خيار نساء عصرها دينًا
وخيرًا وصدقة ومعروفًا.
وكثر الكلام بين السلطان وبين ألجاي اليوسفي حتى غضب ألجاي وخرج عن طاعة الملك
الأشرف ولبس هو ومماليكه آلة الحرب ولبست مماليلك السلطان أيضًا.
وركب السلطان بمن معه من أمرائه وخاصكيته وباتوا الليلة لابسين السلاح إلى
الصباح.
فما كان نهار الأربعاء سابع المحرم كانت الوقعة بين الملك الأشرف شعبان وبين زوج
أمه الأتابك ألجاي اليوسفي فتواقعوا إحدى عشرة مرة وعظم القتال بينهما حتى كانت
الوقعة الحادية عشرة انكسر فيها ألجاي اليوسفي وانهزم إلى بركة الحبش.
ثم تراجع أمره وعاد بمن معه من على الجبل الأحمر إلى قبة النصر فطلبه السلطان الملك
الأشرف فأبى فأرسل إليه خلعة بنيابة حماة فقال: أنا أروح بشرط أن يكون كل ما
أملكه وجميع مماليكي معي فأبى السلطان ذلك وباتوا تلك الليلة.
فهرب جماعة من مماليك ألجاي في فلما كان صباح يوم الخميس ثامن المحرم أرسل السلطان
الأمراء والخاصكية ومماليك أولاده وبعض المماليك السلطانية إلى قبة النصر إلى حيث
ألجاي فلما رآهم ألجاي هرب فساقوا خلفه إلى الخرقانية.
فلما رأى ألجاي أنه مدرك رمى بنفسه وفرسه إلى البحر ظنا أنه يعدي به إلى ذلك البر
وكان ألجاي عوامًا فثقل عليه لبسه وقماشه فغرق في البحر وخرج فرسه.
وبلغ الخبر السلطان الملك الأشرف فشق عليه موته وتأسف عليه.
ثم أمر بإخراجه من النيل فنزل الغواصون وطلعوا به وأحضروه إلى القلعة في يوم الجمعة
تاسع المحرم في تابوت وتحته لباد أحمر فغسل وكفن وصلى عليه الشيخ جلال الدين
التباني ودفن في القبة التي أنشأها بمدرسته برأس سويقة العزي خارج القاهرة والمدرسة
معروفة وبها خطبة.
وكان ألجاي من أجل الأمراء وأحسنها سيرة.
ثم قبض السلطان على مماليك ألجاي ونودي بالمدينة أن كل من لقي أحدًا منهم يحضره إلى
السلطان ويأخذ له خلعة.
ثم أخذ السلطان أولاد ألجاي وهم إخوته لأمه ورتب لهم ما يكفيهم واحتاط على سائر
موجود ألجاي وأخذ جميع مماليكه وصفح عنهم وجعلهم في خدمة ولديه: أمير علي وأمير
حاج.
ثم قبض السلطان على جماعة من الأمراء ممن كان يلوذ بالأمير ألجاي وهم: صراي
العلائي وسلطان شاه بن قراجا وطقتمر الحسني وعلي بن كلبك وصادره.
ثم أمسك بيبغا القوصوني وخليل بن قماري الحموي فشفع فيهما الأمير طشتمر الدوادار.
ثم في آخر صفر رسم السلطان بنفي جماعة إلى البلاد الشامية وهم: محمد شاه دوادار
ألجاي وخليل بن عرام المعزول عن نيابة الإسكندرية وعلي بن كلبك وآقبغا البشمقدار
خازندار ألجاي.
وكان السلطان في تاسع المحرم رسم لبوري الحلبي الخازندار أن يتوجه إلى طرابلس
لإحضار نائبها الأمير عز الدين أيدمر الدوادار الناصري إلى مصر فتوجه بوري إليه
وأحضره.
فلما مثل بين يدي السلطان أخلع عليه باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضًا
عن ألجاي اليوسفي وتولى عوضه نائب طرابلس الأمير يعقوب شاه.
وبعد موت ألجاي أنعم السلطان على جماعة من الأمراء بإقطاعات ووظائف فأخلع على
الأمير صرغتمش الأشرفي باستقراره أمير سلاح خاصكيًا يجلس بالإيوان في دار العدل
واستقر أرغون الأحمدي اللالا أميرًا كبيرًا برانيًا وأجلس بالإيوان قاله العيني في
تاريخه ووافقه غيره.
قلت: فيكون على هذا الحكم تلك الأيام أمير كبير خاص وأمير كبير براني وأمير سلاح
خاص وأمير سلاح براني وهذا شيء لم يسمع بمثله.
انتهى ثم أنعم السلطان على قطلوبغا الشعباني بتقدمة ألف واستقر رأس نوبة ثانيًا.
قلت: وهذه الوظيفة الآن هي وظيفة رأس نوبة النوب.
ورأس نوبة نوب تلك الأيام قد بطلت من الدولة الناصرية فرج بن برقوق.
وكانت تسمى رأس نوبة الأمراء وآخر من وليها آقباي الطرنطاوي الحاجب.
ثم أخلع على جماعة وأنعم عليهم بإمرة طبلخانات وهم: أحمد بن يلبغا العمري الخاصكي
واقتمر الصاحبي وتمرباي الحسني وإينال اليوسفي وعلي بن بهادر الجمالي وبلوط
الصرغتمشي ومختار الطواشي الحسامي مقدم الرفرف.
قلت: وأيضًا هذا شيء لم يسمع بمثله من أن يكون بعض خدام الأطباق أمير طبلخاناه.
وأغرب من ذلك أن مقدم المماليك في زماننا هذا إقطاعه إمرة عشرة ضعيفة.
انتهى.
ثم ندب السلطان الأمير يلبغا الناصري للسفر إلى دمشق لإحضار نائبها الأمير منجك
اليوسفي فسار من وقته إلى أن وصل إلى دمشق وأحضر الأمير منجك المذكور.
ووصل منجك إلى الديار المصرية وصحبته أولاده ومملوكه جركتمر وصهره آزوس المحمودي
بعد أن احتفل أهل الدولة لملاقاته وخرجت إليه الأمراء إلى بين الحوضين خارج قبة
النصر.
وطلع إلى القلعة من باب السر وسائر الأمراء والخاصكية مشاة بين يديه في ركابه مثل
أيدمر الدوادار ومن دونه بإشارة السلطان.
فلما دخل منجك على السلطان وقبل الأرض أقبل عليه السلطان إقبالًا كليًا وخلع عليه
باستقراره نائب السلطنة بالديار المصرية خاصكيا عوضًا عن آقتمر عبد الغني المنتقل
إلى نيابة طرابلس وفوض إليه السلطان النظر في الأحباس والأوقاف والنظر في الوزارة -
فإنه كان وليها بعد موت أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون كما تقدم ذكره - والنظر
على ناظر الخاص وقرئ تقليده بالإيوان وأن السلطان أقامه مقام نفسه في كل شيء وفوض
إليه سائر أمور المملكة وأنه يخرج الإقطاعات التي عبرتها سبعمائة دينار إلى ما
دونها وأنه يعزل من شاء من أرباب الدولة وأنه يخرج الطبلخانات والعشرات بسائر
المماليك الشامية ورسم للوزير أن يجلس قدامه في الدركاه مع الموقعين.
ثم بدأ الغلاء بالديار المصرية في هذه السنة وتزايد سعر القمح إلى أن أبيع بتسعين
درهمًا الإردب وزاد النيل بعد أن نقص في شهر هاتور وهذا أيضًا من الغرائب.
وهذه السنة تسمى سنة الشراقي كما سنبينه في حوادث السنين من سلطنة الملك الأشرف
هذا.
ثم في أول سنة ست وسبعين عزل السلطان الأمير آقتمر عبد الغني عن نيابة طرابلس
بالأمير منكلي بغا البلدي نائب صفد وولاه نيابة صفد.
ثم مرض الأمير منجك اليوسفي النائب فنزل السلطان لعيادته ففرش منجك تحت رجلي فرسه
الشقق الحرير وقدم له عشرة مماليك وعشرة بقج وعدة خيول فقبلها السلطان ثم أنعم بها
عليه.
وكان ذلك في يوم الثلاثاء سابع عشرين ذي الحجة.
ومات منجك بعد يومين.
ثم ورد الخبر على السلطان بأن القان حسين ابن الشيخ أويس ابن الشيخ حسن بن حسين بن
آقبغا بن أيلكان تولى مملكة تبريز وبغداد بعد وفاة أبيه.
وفي هذه السنة فتحت سيس - وهي كرسي الأرمن - على يد الأمير اشقتمر المارديني نائب
حلب بعد أن نازلها مدة ثلاثة شهور حتى فتحها وانقرضت منها دولة الأرمن - ولله الحمد
- فدقت البشائر لذلك وفرح الملك الأشرف فرحًا عظيمًا بهذا الفتح العظيم.
وفي هذه السنة - أيضًا وهي سنة ست وسبعين المذكورة - وقع الفناء بالديار المصرية من
نصف جمادى الآخرة وتزايد في شعبان ثم في شهر رمضان حتى صار يموت في كل يوم من
الحشرية نحو خمسمائة نفس ومن الطرحى نحو الألف.
وأبيع كل فروج بخمسة وأربعين درهمًا وكل سفرجلة بخمسين درهمًا وكل رمانة بعشرة
دراهم والعشرة دراهم يوم ذاك كانت أزيد من نصف دينار وكل رمانة حلوة بستة عشر
درهمًا وكل بطيخة صيفية بسبعين درهمًا.
ولما توفي منجك شغرت نيابة السلطنة بديار مصر إلى العشرين من شهر ربيع الأول واستقر
فيها وفي محرم سنة سبع وسبعين ختن السلطان أولاده وعمل المهم سبعة أيام.
وفي العشر الأوسط من صفر هذه السنة ابتدأ الملك الأشرف بعمارة مدرسته التي أنشأها
بالصوة تجاه الطبلخاناه السلطانية التي موضعها الآن بيمارستان الملك المؤيد شيخ وهو
كلا شيء فاشترى الملك الأشرف بيت الأمير شمس الدين سنقر الجمالي وشرع في هدمه.
وفي هذه السنة تزايد الغلاء بالبلاد الشامية حتى جاوز الحد وجعل الغني فقيرًا وأبيع
فيه الرطل الخبز بدرهمين.
ثم في العشرين من شهر ربيع الآخر غرقت الحسينية خارج القاهرة وخرب فيها أزيد من ألف
بيت.
وكان سبب هذا الغرق أن أحمد بن قايماز أستادار محمد ابن آقبغا آص استأجر مكانًا
خارج القاهرة بالقرب من آخر الحسينية وجعله بركة ليجتمع فيه السمك وفتح له مجرى من
الخليج فتزايد الماء وغفلوا عنه فطفح على الحسينية فغرقها.
فقبض السلطان بعد ذلك بمدة على محمد بن اقبغا آص وصادره وعزله عن الأستادارية هذا
والسلطان في تأهب سفر الحجاز.
فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سفر السلطان إخوته وأولاد أعمامه إلى
الكرك صحبة الأمير سودون الفخري الشيخوني ليقيم عندهم بالكرك مدة غيبة السلطان في
الحجاز.
كل ذلك والسلطان متضعف وحركة الحجاز عمالة وحواشيه وخواصه ينهونه عن السفر في هذه
السنة وهولا يلتفت إلى كلامهم.
ثم توجه السلطان إلى سرياقوس على عادته في كل سنة وعاد وقد نصل عن ضعفه إلى يوم
السبت الثاني عشر من شوال خرجت أطلاب الأمراء المتوجهين صحبة السلطان إلى الحجاز.
وفي الأحد ثالث عشره خرج السلطان بتجمل زائد وطلب عظيم إلى الغاية جر فيه عشرون
قطارًا من الهجن الخاص بقماش ذهب وخمسة عشر قطارًا بقماش حرير وقطار واحد بلبس
خليفتي وقطار آخر بلبس أبيض برسم الإحرام ومائة فرس ملبسة وكجاوتان بأغشية زركش
وتسع محفات غشاء خمس منهن زركش وستة وأربعون زوجًا من المحاير وخزانة عشرون جملًا
وقطاران من الجمال محملة خضر مزروعة كالبقل والشمار والنعناع والسلق والكسبرة وغير
ذلك.
وأما أحمال المطاعم والمشارب والمآكل فلا تدخل تحت حصر كثرة: منها ثلاثون ألف
علبة حلاوة في كل علبة خمسة أرطال كلها معمولة من السكر المكرر المصري وطيبت بمائة
مثقال مسك سوى الصندل والعود هذا خلاف ما كان للأمراء والخاصكية.
وإنما كان هذا للسلطان خاصة نفسه وأشياء من هذا النموذج كثيرة ومع هذا كله لم يتغير
سعر السكر بمصر.
وسار السلطان بأمرائه في أبهة عظيمة حتى نزل سرياقوس فأقام بها يومًا.
وفي هذا اليوم أخلع السلطان على الشيخ ضياء الدين القرمي الحنفي باستقراره شيخ شيوخ
المدرسة التي أنشأها بالصوة وقد أشرفت على الفراغ وجاءت من أحسن البناء.
ثم رحل السلطان من سرياقوس حتى نزل بالبركة على عادة الحجاج فأقام بها إلى يوم
الثلاثاء ثاني عشرين شوال.
ورحل منها بعساكره وأمرائه إلى جهة الحجاز وكان الذي صحبه من أمراء الألوف تسعة
وهم: الأمير صرغتمش الأشرفي وأرغون شاه الأشرفي ويلبغا الشامي - وهؤلاء الثلاثة
أشرفية مماليكه - والأمير بهادر الجمالي وصراي تمر المحمدي وطشتمر العلائي الدوادار
ومبارك الطازي وقطلقتمر العلائي الطويل وبشتك من عبد الكريم الأشرفي أيضًا.
ومن أمراء الطبلخانات خمسة وعشرون أميرًا وهم: بوري الأحمدي وأيدمر الخطائي من
صديق وعبد الله بن بكتمر الحاجب وبلوط الصرغتمشي وآروس المحمودي ويلبغا المحمدي
ويلبغا الناصري - على أنه كان أنعم عليه بتقدمة ألف غير أنه أضيف إلى الطبلخانات
كونه كان حاجبًا ثانيًا - وأرغون العزي الأفرم وطغيتمر الأشرفي ويلبغا المنجكي وكزل
الأرغوني وقطلوبغا الشعباني وأمير حاج بن مغلطاي وعلي بن منجك اليوسفي ومحمد بن
تنكز بغا وتمرباي الحسني الأشرفي وأسندمر العثماني وقرابغا الأحمدي وإينال اليوسفي
وأحمد بن يلبغا العمري وموسى بن دندار بن قرمان ومغلطاي البدري وبكتمر العلمي
وآخر.
ومن العشرات خمسة عشر أميرًا وهم: آقبغا بوز الشيخوني وأبو بكر بن سنقر الجمالي
وأحمد بن محمد بن بيبرس الأحمدي وأسنبغا التلكي وشيخون ومحمد بن بكتمر الشمسي ومحمد
بن قطلوبغا المحمدي وخضر بن عمر بن أحمد بن بكتمر الساقي وجوبان الطيدمري وألطنبغا
من عبد الملك وقطلوبغا البزلاري وطوغان العمري الظهيري وتلكتمر العيسوي ومحمد بن
سنقر المحمدي.
وعين الملك الأشرف جماعة من الأمراء ليقيموا بالديار المصرية.
عين الأمير أيدمر الشمسي نائب الغيبة بالقلعة وأميرين أخر تسكن بالقلعة أيضًا وعين
الأمير آقتمر عبد الغني نائب الغيبة وأن يسكن بالقاهرة للحكم بين الناس.
وعين أيضًا للإقامة بالديار المصرية من الأكابر: الأمير طشتمر اللفاف وقرطاي
الطازي وأسندمر الصرغتمشي وأينبك البحري.
وسافر السلطان وهو متوعك في بدنه بعد أن أشار عليه جماعة حمن الصلحاء والأعيان
بتأخير الحج في هذه السنة فأبى إلا السفر لأمر يريده الله تعالى.
وأمر السلطان لنائب الغيبة وغيره أن يطلعوا القلعة في كل يوم موكب ويدخلوا إلى باب
الستارة ويخرج الأسياد أولاد السلطان الملك الأشرف ساعة ثم يعود كل واحد إلى محله
فامتثلوا ذلك.
فكانوا لما يطلعون إلى القلعة ويخرج عليهم الأسياد وأكبرهم أمير علي يقوم الأمراء
ويبوسون أيديهم ويقعدون ساعة لطيفة فيقوم أمير علي ويشير بيده أمرًا باسم الله
فيقوم الأمراء وينصرفون بعد أن يسقون مشروبًا.
ووقع ذلك في غيبة السلطان مدة يسيرة.
تمرد الأمراء
ويقتلون السلطان الملك الأشرف ويخنقونه
فلما كان يوم السبت ثالث ذي القعدة أتفق طشتمر اللفاف وقرطاي الطازي وأسندمر
الصرغتمشي وأينبك البحري وجماعة من المماليك السلطانية وجماعة من مماليك الأسياد
أولاد السلطان الملك الأشرف وجماعة من مماليك الأمراء المسافرين صحبة السلطان الملك
الأشرف ولبسوا السلاح واتفق معهم من بالأطباق من المماليك السلطانية وهجموا الجميع
القلعة وقصدوا باب الستارة فغلق سابق الدين مثقال الزمام باب الساعات ووقف داخل
الباب ومعه الأمير جلبان اللالا - لالا أولاد السلطان - وآقبغا جركس اللالا
أيضًا.
فدقت المماليك الباب وقالوا: أعطونا سيدي أمير علي فقال لهم اللالا: من هو
كبيركم حتى نسلم لهم سيدي عليًا وأبى أن يسلمهم سيدي عليًا.
وكثر الكلام بينهم ومثقال الزمام يصمم على منع أمير علي فقالوا له: السلطان الملك
الأشرف مات ونريد أن نسلطن ولده أمير علي فلم يلتفت مثقال إلى كلامهم.
فلما علموا المماليك ذلك طلعوا جميعًا وكسروا شباك الزمام المطل على باب الساعات
ودخلوا منه ونهبوا بيت الزمام وقماشه.
ثم نزلوا إلى رحبة باب الستارة ومسكوا مثقالًا الزمام وجلبان اللالا وفتحوا
الباب.
فدخلت بقيتهم وقالوا: أخرجوا أمير علي حتى نسلطنه فإن أباه توفي إلى رحمة الله
تعالى فدخل الزمام على رغم أنفه وأخرج لهم أمير علي فأقعد في باب الستارة.
ثم أحضر الأمير أيدمر الشمسي فبوسوه الأرض لأمير علي.
ثم أركبوا أمير علي على بعض خيولهم وتوجهوا به إلى الإيوان الكبير.
وأرسلوا خلف الأمراء الذين بالقاهرة فركبوا إلى سوق الخيل وأبوا أن يطلعوا إلى
القلعة فأنزلوا أمير علي إلى الإسطبل السلطاني حتى رأوه الأمراء فلما رأوه طلعوا
وقبلوا له الأرض وحلفوا له.
غير أن الأمير طشتمر الصالحي وبلاط السيفي ألجاي الكبير وحطط رأس نوبة النوب لم
يوافقوا ولا طلعوا فنزلوا إليهم المماليك ومسكوهم وحبسوهم بالقصر وعقدوا لأمير علي
بالسلطنة ولقبوه بالملك المنصور على ما يأتي ذكره في محله ونسوق الواقعة على
جليتها.
ثم نادوا بالديار المصرية بالأمان والبيع والشراء بعد أن أخذوا خطوط سائر الأمراء
المقيمين بمصر.
فأقاموا ذلك النهار وأصبحوا يوم الأحد رابع ذي القعدة من سنة ثمان وسبعين وسبعمائة
وهم لابسون آلة الحرب واقفون بسوق الخيل يتكلمون في إتمام أمرهم.
وبينما هم في ذلك جاءهم الخير أن شخصًا يسمى قازان اليرقشي كان مسافرًا صحبة
السلطان الملك الأشرف إلى الحجاز الشريف وجدوه متنكرًا فمسكوه وأتوا به إلى الأمراء
فسألوه عن خبر قدومه وعن أخبار السلطان فأبى أن يخبرهم بشيء وأنكر أنه لم يتوجه إلى
الحجاز.
فأوهموه بالتوسيط فأقر وأعلمهم الخبر بقدوم السلطان الملك الأشرف شعبان وكسرته من
مماليكه بالعقبة فقالوا له: وما سبب هزيمة السلطان من عقبة أيلا قال: لما نزل
السلطان الملك الأشرف بمن معه من أمرائه وعساكره إلى العقبة وأقام بها يوم الثلاثاء
ويوم الأربعاء سلخ شوال فطلب المماليك السلطانية العليق فقيل لهم اصبروا إلى منزلة
الأزلم فغضبوا وامتنعوا من أكل السماط عصر يوم الأربعاء واتفقوا على الركوب.
فلما كانت ليلة الخميس المذكورة ركبوا على السلطان ورؤوسهم الأمير طشتمر العلائي
ومبارك الطازي وصراي تمر المحمدي وقطلقتمر العلائي الطويل وسائر مماليك الأسياد
وأكثر المماليك السلطانية.
فلما بلغ السلطان