جارى العمل فى هذه الصفحة
الجزء التالى من كتاب السيرة
النبوية - تأليف: عبد الملك بن هشام المعافري - المجلد الخامس - 94 / 116
مسير خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني
جذيمة من كنانة ومسير علي لتلافي خطأ خالد
وصاة الرسول له وما كان منه :
قال ابن إسحاق : وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حول مكة السرايا تدعو
إلى الله عز وجل ، ولم يأمرهم بقتال ، وكان ممن بعث خالد بن الوليد ، وأمره أن يسير
بأسفل تهامة داعياً ، ولم يبعثه مقاتلاً ، فوطئ بني جذيمة ، فأصاب منهم .
قال ابن هشام : وقال عباس بن مرداس السلمي في ذلك :
فإن تك أمرت في القوم خالدا * وقدمته فإنه قد تقدما
بجند هداه الله أنت أميره * نصيب به في الحق من كان أظلما
قال ابن هشام : وهذان البيتان في قصيدة له في حديث يوم حنين ، سأذكرها إن شاء
الله في موضعها .
قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف ، عن أبي جعفر محمد بن علي
، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعياً ،
ولم يبعثه مقاتلاً ، ومعه قبائل من العرب : سليم بن منصور ، ومدلج بن مرة ،
فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة ، فلما رآه القوم أخذوا السلاح ،
فقال خالد : ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا .
قال ابن إسحاق : فحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة : قال : لما
أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم : ويلكم يا بني جذيمة ! إنه
خالد والله ! ما بعد وضع السلاح إلا الإسار ، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق ،
والله لا أضع سلاحي أبداً .
قال : فأخذه رجال من قومه ، فقالوا : يا جحدم ، أتريد أن تسفك دماءنا ؟ إن
الناس أسلموا ووضعوا السلاح ، ووضعت الحرب ، وأمن الناس . فلم يزالوا به حتى
نزعوا سلاحه ، ووضع القوم السلاح لقول خالد .
قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، قال : فلما
وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك ، فكتفوا ، ثم عرضهم على السيف ، فقتل من قتل
منهم ؛ فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رفع يديه إلى السماء ،
ثم قال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .
الرسول يتبرأ من فعل خالد :
قال ابن هشام :حدثني بعض أهل العلم ، أنه حدث عن إبراهيم بن جعفر المحمودي ، قال
: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت كأني لقمت لقمة من حيس فالتذذت
طعمها ، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها ، فأدخل علي يده فنزعه .
فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه : يا رسول الله ، هذه سرية من سراياك تبعثها ،
فيأتيك منها بعض ما تحب ، ويكون في بعضها اعتراض ، فتبعث علياً فيسهله .
قال ابن هشام : وحدثني أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
، فأخبره الخبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل أنكر عليه أحد ؟ فقال
: نعم ، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة ، فنهمه خالد ، فسكت عنه ، وأنكر عليه رجل
آخر طويل مضطرب ، فراجعه ، فاشتدت مراجعتهما ، فقال عمر بن الخطاب : أما الأول يا
رسول الله فابني عبدالله ، وأما الآخر فسالم ، مولى أبي حذيفة .
إرساله صلى الله عليه وسلم علياً بدية بني
جذيمة :
قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال : ثم دعا
رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، فقال : يا علي ،
اخرج إلى هؤلاء القوم ، فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك .
فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فودى لهم
الدماء وما أصيب لهم من الأموال ، حتى أنه ليدي لهم ميلغة الكلب ، حتى إذا لم يبق
شيء من دم ولا مال إلا وداه ، بقيت معه بقية من المال ، فقال لهم علي رضوان الله
عليه حين فرغ منهم : هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يود لكم ؟
قالوا : لا ، قال : فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال ، احتياطاً لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ، مما يعلم ولا تعلمون ، ففعل ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فأخبره الخبر : فقال : أصبت وأحسنت ! قال : ثم قام رسول الله صلى
الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه ، حتى إنه ليرى مما تحت منكبيه ،
يقول : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ، ثلاث مرات .
معذرة خالد في قتال القوم :
قال ابن إسحاق : وقد قال بعض من يعذر خالداً : إنه قال : ما قاتلت حتى أمرني
بذلك عبدالله بن حذافة السهمي ، وقال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك
أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام .
قال ابن هشام : قال أبو عمرو المدني : لما أتاهم خالد ، قالوا : صبأنا صبأنا
.
ما وقع بين عبدالرحمن بن عوف وخالد بن
الوليد :
قال ابن إسحاق : وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني
جذيمة : يا بني جذيمة ، ضاع الضرب ، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه .
قد كان بين خالد وبين عبدالرحمن بن عوف ، فيما بلغني ، كلام في ذلك ، فقال له
عبدالرحمن بن عوف : عملت بأمر الجاهلية في الإسلام . فقال : إنما ثأرت بأبيك
.
فقال عبدالرحمن : كذبت ، قد قتلت قاتل أبي ، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة ،
حتى كان بينهما شر . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : مهلاً يا
خالد ، دع عنك أصحابي ، فوالله لو كان لك أحد ذهباً ثم أنفقته في سبيل الله ما
أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته .
ما كان بين قريش وبني جذيمة في الجاهلية
:
وكان الفاكه بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، وعوف بن عبد مناف بن
عبدالحارث بن زهرة ، وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس قد خرجوا تجاراً إلى
اليمن ، ومع عفان ابنه عثمان ، ومع عوف ابنه عبدالرحمن .
فلما أقبلوا حملوا مال رجل من بني جذيمة بن عامر ، كان هلك باليمن ، إلى ورثته ،
فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام ، ولقيهم بأرض بني جذيمة قبل أن يصلوا إلى
أهل الميت ، فأبوا عليه ، فقاتلهم بمن معه من قومه على المال ليأخذوه ، وقاتلوه ،
فقتل عوف بن عبد عوف ، والفاكه بن المغيرة ، ونجا عفان أبي العاص وابنه عثمان ،
وأصابوا مال الفاكه بن المغيرة ، ومال عوف بن عبد عوف ، فانطلقوا به .
وقتل عبدالرحمن بن عوف خالد بن هشام قاتل أبيه ، فهمت قريش بغزو بني جذيمة ، فقالت
بنو جذيمة : ما كان مصاب أصحابكم عن ملأ منا ، إنما عدا عليهم قوم بجهالة ،
فأصابوهم ولم نعلم ، فنحن نعقل لكم ما كان قبلنا من دم أو مال ، فقبلت قريش ذلك ،
ووضعوا الحرب .
ما قيل من الشعر فيما كان بين خالد وجذيمة
:
وقد قال قائل من بني جذيمة ، ويعضهم يقول : امرأة يقال لها سلمى :
ولولا مقال القوم للقوم أسلموا * للاقت سليم يوم ذلك ناطحا
لما صعهم بسر وأصحاب جحدم * ومرة حتى يتركوا البرك ضابحا
فكائن ترى يوم الغمصياء من فتى * أصيب ولم يجرح وقد كان جارحا
ألظت بخطاب الأيامى وطلقت * غداتئذ منهن من كان ناكحا
قال ابن هشام : قوله : بسر ، وألظت بخطاب ، عن غير ابن إسحاق .
ما قاله عباس بن مرداس في الرد على ما قيل
:
قال ابن إسحاق : فأجابه عباس بن مرداس ، ويقال بل الجحاف بن حكيم السلمي :
دعي عنك تقوال الضلال كفى بنا * لكبش الوغى في اليوم والأمس ناطحا
فخالد أولى بالتعذر منكم * غداة علا نهجا من الأمر واضحا
معانا بأمر الله يزجي إليكم * سوانح لا تكبو له وبوارحا
نعوا مالكا بالسهل لما هبطنه * عوابس في كأبي الغبار كوالحا
فإن نك أثكلناك سلمى فمالك * تركتم عليه نائحات ونائحا
ما قاله الجحاف رداً على ما قيل أيضاً :
قال الجحاف بن حكيم السلمي :
شهدن مع النبي مسومات * حنينا وهي دامية الكلام
وغزوة خالد شهدت وجرت * سنابكهن بالبلد الحرام
نعرض للطعان إذا التقينا * وجوها لا تعرض للطام
ولست بخالع عني ثيابي * إذا هز الكماة ولا أرامي
ولكني يجول المهر تحتي * إلى العلوات بالعضب الحسام
خبر ابن أبي حدرد مع بني جذيمة :
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن الزهري ، عن ابن
أبي حدرد الأسلمي ، قال : كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد ، فقال لي : فتى من
بني جذيمة ، وهو في سني ، وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ، ونسوة مجتمعات غير بعيد
منه ، يا فتى ؛ فقلت : ما تشاء ؟
قال : هل أنت آخذ بهذه الرمة ، فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ، ثم
تردني بعد ، فتصنعوا بي ما بدا لكم ؟ قال : قلت : والله ليسير ما طلبت .
فأخذت برمته فقدته بها ، حتى وقف عليهن ، فقال : اسمي حبيش على نفد من العيش :
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم * بحلية أو ألفيتكم بالخوانق
ألم يك أهلاً أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا * أثيبي بود قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن تشحط النوى * وينأى الأمير بالحبيب المفارق
فإني لا ضيعت سر أمانة * ولا راق عيني عنك بعدك رائق
سوى أن ما نال العشيرة شاغل * عن الود إلا أن يكون التوامق
قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر البيتين الأخيرين منها له .
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن الزهري عن ابن
أبي حدرد الأسلمي ، قال : قلت : وأنت فحييت سبعاً وعشراً ، وتراً وثمانياً تترى
. قال : ثم انصرفت به فضربت عنقه .
قال ابن إسحاق : فحدثني أبو فراس بن أبي سنبلة الأسلمي ، عن أشياخ منهم ، عمن كان
حضرها منهم ، قالوا : فقامت إليه حين ضربت عنقه ، فأكبت عليه ، فما زالت حتى ماتت
عنده .
شعر رجل من بني جذيمة :
قال ابن إسحاق : وقال رجل من بني جذيمة :
جزى الله عنا مدلجا حيث أصبحت * جزاءة بؤسى حيث سارت وحلت
أقاموا على أقضاضنا يقسمونها * وقد نهلت فينا الرماح وعلت
فوالله لولا دين آل محمد * لقد هربت منهم خيول فشلت
وما ضرهم أن لا يعينوا كتيبة * كرجل جراد أرسلت فاشمعلت
فإما ينيبوا أو يثوبوا لأمرهم * فلا نحن نجزيهم بما قد أضلت
ما أجابه به وهب الليثي :
فأجابه وهب رجل من بني ليث فقال :
دعونا إلى الإسلام والحق عامراً * فما ذنبنا في عامر إذ تولت
وما ذنبنا في عامر لا أبا لهم * لأن سفهت أحلامهم ثم ضلت
شعر رجل من بني جذيمة :
وقال رجل من بني جذيمة :
ليهنئ بني كعب مقدم خالد * وأصحابه إذ صبحتنا الكتائب
فلاترة يسعى بها ابن خويلد * وقد كنت مكفيا لو أنك غائب
فلا قومنا ينهون عنا غواتهم * ولا الداء من يوم الغميصاء ذاهب
شعر غلام جذمى هارب أمام خالد :
وقال غلام من بني جذيمة ، وهو يسوق بأمه وأختين له وهو هارب بهن من جيش خالد :
رخين أذيال المروط واربعن * مشي حييات كأن لم يفزعن
إن تمنع اليوم نساء تمنعن *
ما ارتجز به غلمة من جذيمة :
وقال غلمة من بني جذيمة ، يقال لهم : بنو مساحق ، يرتجزون حين سمعوا بخالد ، فقال
أحدهم :
قد علمت صفراء بيضاء الإطل * يحوزها ذو ثلة وذو إبل
لأغنين اليوم ما أغنى رجل *
وقال الآخر :
قد علمت صفراء تلبي العرسا * لا تملأ الحيزوم منها نهسا
لأضربن اليوم ضربا وعسا * ضرب المجلين مخاضا قعسا
وقال الآخر :
أقسمت ما إن خادر ذو لبده * شثن البنان في غداة برده
جهم المحيا ذو سبال ورده * يرزم بين أيكة وجحده
ضار بتأكال الرجال وحده * بأصدق الغداة مني نجده
الجزء التالى من كتاب السيرة
النبوية - تأليف: عبد الملك بن هشام المعافري - المجلد الخامس - 95 / 116
مسير خالد بن الوليد لهدم العزى
خالد يهدم العزى
ثم بعث رسول الله صلى اله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى ، وكانت بنخلة ،
وكانت بيتا يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها ، وكانت سدنتها وحجابها بني
شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم ، فلما سمع صاحبها السلمي بمسير خالد إليها ، علق
عليها سيفه ، وأسند في الجبل الذي هي فيه وهو يقول :
أيا عز شدي لا شوى لها * على خالد ألقى القناع وشمري
يا عز إن لم تقتلي المرء خالداً * فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
فلما انتهى إليها خالد هدمها ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : وحدثني ابن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن
مسعود ، قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة
يقصر الصلاة .
قال ابن إسحاق : وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان .