Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم المؤرخ / عزت اندراوس

أ 

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
Untitled 8447
Untitled 8448
Untitled 8449
Untitled 8450
Untitled 8451
Untitled 8453
Untitled 8454
Untitled 8455
Untitled 8456
Untitled 8457
Untitled 8458
Untitled 8459
Untitled 8460
Untitled 8461
Untitled 8462
Untitled 8463
Untitled 8464
Untitled 8465
Untitled 8452
Untitled 8466
Untitled 8467
Untitled 8468
Untitled 8470
Untitled 8469
Untitled 8471
Untitled 8472
Untitled 8477
Untitled 8473
Untitled 8474
Untitled 8475
Untitled 8476
Untitled 8478
Untitled 8479
Untitled 8480
Untitled 8481
Untitled 8482
Untitled 8483

 

 

مذابح السريان على أيدي النساطرة أسلاف الآشوريين والكلدان/ ج الأخير، الأسقف عمانوئيل يوسف


برصوم النصيبيني
11: إن الأسقف السرياني الشرقي عمانوئيل يوسف (الآشوري حالياً بعد أن سمَّاهم الإنكليز آشوريين وسمَّوا كنيستهم آشورية في 17 تشرين أول 1976م) الذي ينقل الخبر على علاته عن المطران أدي شير دون تدقيق في كتابه آشوريين أم كلدان؟ "الهوية القومية لأبناء كنيسة المشرق المعاصرين"، ثم يحاول أن يشكك ويموه القارئ بجريمة قتل النساطرة بقيادة برصوم النصيبيني 7800 سرياني أرثوذكسي، (راجع مقالنا ج 1 و2)، بل يدافع عن جرائم برصوم والنساطرة، ويُسمِّي برصوم القاتل كما يصفه آباء كنيسته أنفسهم (بمار برصوم) (آشوريين أم كلدان؟ ص177، و 214) ، ولا أعلم لماذا لم يشكك الأسقف عمانؤيل في كتب كنيسته كالمجدل والمجامع وسير القديسين لأدي شير؟، ولا عتب على الأسقف عمانؤيل فهو أسقف كنيسة تُطبِّق ما قام به برصوم النصيبيني سياسةً وقتلاً وجنساً، فجميع المصادر تُجمع على أن برصوم النصيبيني كان سياسياً بامتياز ومستشاراً للملك فيروز، ويقول ريموند كوز إنه كان الحاكم السياسي لولاية نصيبين الحدودية ، (تاريخ كنيسة المشرق ص71. وراجع دائرة المعارف البريطانية طبعة 11مج 19 ص407/ انكليزي)، والمصادر تجمع على أنه قاتل ومضطهد، وكل المصادر تُجمع أيضاً على أنه أدخل زواج الأساقفة رسمياً إلى كنيسته قائلاً الزواج خير من التحرق، فأكرمه فيروز وتزوج الراهبة ماوية، ومن يقرأ سيرة الجاثليق آقاق ونقاشه مع برصوم النصيبيني يتخيل أنه يقرأ رواية عن الجنس، (ماري بن سليمان، أخبار بطاركة المشرق، ص439)، وقد قام النساطرة في بيئتهم الفارسية بالتخلي عن الزهد والعزوبية لرجال الدين حتى الأساقفة منهم، وذهبوا إلى حد السماح بالزيجات المتكررة، وبذلك ناقضوا كل الأعراف الكنسية. (راجع موضوع زواج الأساقفة، دائرة المعارف البريطانية ص407، مجامع كنيسة المشرق، فقه النصرانية لابن الطيب، وغيرهم "قوانين مجمع آقاق وبيث لافط وعذري وبابي").





والأسقف عمانؤيل هو سلف مطران أروميا يوحانون الذي كان يعتقد أن اسمهم النساطرة هو نسبة إلى الناصرة، وأكَّدَ أننا نقول نصارى لنثبت للآخرين أننا من بني إسرائيل، وعندما سأل القس سميث المطران يوحانون وشماسه عن مفهوم عقيدة الخطيئة الأصلية وموت المسيح، أجابه بآيات من القران، فقال القس سميث: لقد آلمنا أن نسمع قصة قرآنية بفم أسقف مسيحي.
*******

المراكز الثقافية

في بلاد ما بين النهرين

في القرنين السادس والسابع



بقلم مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم متروبوليت حلب



قبل أن أخوض في موضوع المراكز الثقافية في بلاد ما بين النهرين في القرنين السادس والسابع للميلاد أود أن أشير إلى بعض الحقائق التي عاشتها المنطقة في هذين القرنين

كنسياً كانت العلاقات متوترة بين أبناء الكنيسة الواحدة، فبسبب المجمع الخلقيدوني المنعقد سنة (451م) انشقت الكنيسة إلى شطرين، وشكل الصراع الكلامي بين الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين فجوة كبيرة بين الأخوة، ولم يستخدم كلا الفريقين الحوار الموضوعي في أصل الخلاف.

فبينما بدت ظواهر الخلاف واضحة في قرارات مجمع خلقيدونية حول عقيدة التجسد الإلهي، كانت بواطنه سياسية، اجتماعية، اقتصادية، فروما عاصمة الامبراطورية الرومانية، والقسطنطينية أو روما الجديدة عاصمة بيونطة، كانتا متفقتين في روح الهيمنة على ابناء هذه المنطقة، وإن اختلفت اشكال السيطرة بحسب الظروف المكانية والزمانية. ولكن بسط النفوذ وسلب الموارد كانت من صميم سياسة الاستعمار الروماني والبيزنطي، ولم يتفق قادة الكنائس ـ يومئذ كان اصطلاح الكراسي هو السائد، وكانت خمسة روما والقسطنطينية والاسكندرية وأنطاكية وأورشليم ـ لم يتفق بطاركة هذه الكراسي على فصل السياسة عن الدين. وأضعف الكراسي كان كرسي أنطاكية، لأن أنطاكية كمدينة فقدت مكانتها السياسية، ووزنها القديم بالنسبة إلى روما والقسطنطينية. فجرح أنطاكية كان أكبر من أي جرح آخر في جسم الكنيسة المسيحية جمعاء. فبينما بقي كرسي روما واحداً موحداً حتى يومنا هذا، وكذلك القسطنطينية ونوعاً ما الاسكندرية، ثم أورشليم، نرى كرسي أنطاكية يتضاءل حجماً، ويخسر مكانة، ويضعف وزناً، ويجلس على كرسيه خمسة بطاركة يحملون لقب بطريرك أنطاكية وسائر المشرق. وهذا له تأثير كبير في المراكز السريانية الثقافية عبر العصور والأجيال رغم أن هذا التقسيم الكنسي قد حصل بدءاً من النصف الأول من القرن السادس وانتهاء بالقرن السابع عشر.

سياسياً في القرنين السادس والسابع للميلاد كانت الأحوال غير مستقرة بين بيزنطة وفارس، واتسفت بالتأزم والاصطدامات الحربية، رغم أن البيزنطيين انشغلوا بمحاربة البرابرة (القوط) في الجبهة الشمالية الغربية من جهة، والفرس تصدوا لغارات قبائل (الهون) على حدودهم الشمالية الشرقية. ولهذه الأسباب اتصفت هذه المرحلة الزمنية بالصداقة الظاهرية المتبادلة. ولكن الحروب بينهم بقيت مستمرة حتى سنة (561م).

عندما عقد جوستنيانوس الكبير معاهدة سلام مع الفرس لمدة خمسين عاماً، ولم تدم هذه المعاهدة طويلاً. ففي سنة (573م) احتل الجيش الفارسي مدينة دارا، حصن بيزنطة الحصين، وتقع في بلاد ما بين النهرين، فتمت هدنة بين الطرفين لمدة سنة واحدة. تجددت الحرب بينهما في سنة (575م) وحتى سنة (591م). وهكذا بين علاقات هدنة وسلام، إلى حروب مدمرة، كانت تسقط مدن وبلدان في بلاد ما بين النهرين وتدك أسوار الحضارة فيها.

أما علاقة الكنيسة بالسلطة فكانت علاقة مصلحة. يعمل الحكام على استخدام نفوذ رجال الدين وأملاك الكنائس والأديرة التي أعطيت لها امتيازات ملكية كقوة اقتصادية كبيرة. إضافة إلى القوة المعنوية وفعالية تأثيرها على الجماهير، فلم يلعب الإيمان الديني دوراً كبيراً في العلاقات بين الدين والدولة، بقدر أن وقوف الكنيسة إلى جانب السلطة من أجل تنفيذ مشاريعها التوسعية. فكل الظروف الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ضمن الحدود الجغرافة الكنسية، شكلت عنصراً هاماً في إبراز دور المراكز الثقافية في القرنين السادس والسابع للميلاد.

وحديثنا اليوم ينحصر في بقعة جغرافية تمتد من نبع النهرين: الفرات من أرمينيا، ودجلة من شرق جبال طوروس في تركيا، إلى أطراف تكريت المدينة الواقعة في أواسط العراق على شاطئ دجلة الايمن شمالي السامراء، وقد سميت أرض سنعار وبيث نهرين وميزوبوتاميا MESOPOTAMIA، وعند العرب بالجزيرة أو إقليم الجزيرة، وكانت فيها مضارب ديار ربيعة ومضر وبكر، وكانت مركزاً مسيحياً مهماً، حيث أحتضنت كرسي مفريانية المشرق، وهي الرتبة التي تلي البطريركية عهداً طويلاً من الزمن.

ولا نريد أن نخوض في اثنية الشعب القاطن في هذه البقعة الجغرافية، وذلك لأن موضوعاً كهذا يشكل حساسية معينة، طالما لا تتوافر لدينا المصادر الموثوق بها، والتي تعود تاريخياً إلى الفترة الزمنية التي نتحدث عنها. علماً أن مصادرنا السريانية تؤكد على أن الآراميين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة. ولا توجد مبالغة في أن يقال بأن الآراميين هم ورثة حضارات سادت ثم بادت في بلاد ما بين النهرين، ولكننا مع هذا نؤكد على أن السريانية لغة وهي الآرامية في نظرنا، وقد تكون متطورة، كانت لغة المعاهد والمدارس ودور الثقافة، خاصة في المرحلة التي تلت انتشار المسيحية وحتى دخول الاسلام إلى بلادنا. وليست السريانية لغة كنيسة فحسب ولكنها لغة التراث الفكري والعلمي والأدبي والفني، وغيرها كما يظهر جلياً من تاريخ الفكر السرياني في العهد المسيحي الأول، وبعد الاسلام. وقد ظلت السريانية منافسة لليونانية حتى عندما كانت بلاد ما بين النهرين ولاية رومانية وبيزنطية.

وفي العهد البيزنطي الأول بقيت السريانية اللغة الأم للأغلبية الساحقة لسكان بلاد ما بين النهرين، ولا سيما بعد القرن الرابع للميلاد. وحيث انتصرت المسيحية على الوثنية في أغلب مدن وقرى بلاد ما بين النهرين، نبذ المسيحيون اللغة اليونانية، وانفردوا بالسريانية، وقاوموا الكتابات الوثنية ما أمكن، وقاموا بنشاط ديني وفكري لا مثيل له في التاريخ. إذاً حديثنا عن المراكز الثقافية في بلاد ما بين النهرين لا يأخذ صبغة اثنية، أو مذهبية، فالكنيسة كانت سريانية، ولغتها كانت السريانية، والشعب كان واحداً تاريخاً وحضارة وفكراً وتراثاً، ولكنه منقسم إلى كنيسة أرثوذكسية عرفت خطأً باليعقوبية، ونسطورية وتسمى اليوم آشورية. وفي هذه المراكز كان أصحاب كل مذهب يعمل على الدفاع عن مذهبه من وجهة نظره، دون الطعن في اللغة أو التراث لا بل هذه الصفحة الحوارية، أو بالاصح كما تسمى في الأدب السرياني بأدب المجادلات، بقيت صفحة غنية سجلت وقائع كثيرة تاريخية واجتماعية يمكن أن يعتمد عليها في كتابات تاريخ المنطقة وشعبها.
****

يسود تاريخ المسيحية في جزيرة العرب جو من الغموض وندرة المعلومات، ربما لأنها كانت بعيدة عن الكنائس الكبرى في الشرق الأوسط (كالكرسي الأنطاكي والكرسي البابلي)، أو لأن المؤرخين المسلمين لم يعنوا كثيرا بتدوين ما أصبح الآن تاريخ «أمة قد خلت». لكن هذه الندرة كثيرا ما كانت دافعا قويا للباحثين نحو الربط بين الشتات المتناثر، محاولين ملء الفراغات بما يدلهم إليه الواقع أو يسعفهم به الحدس التخصصي.

وقد طُلب مني مؤخرا أن أجيب على سؤال: «هل كان المسيحيون العرب نساطرة، خاصة في الحجاز؟» بناءً على تفصيل أثير في إحدى المناظرات حول حياة النبي محمد قبل البعثة. لكن الإجابة عليه تحتاج لتمهيد مقدمات ضرورية.

نصارى، نساطرة، إبيونيون؟
يتفق المسلمون مع اليهود على استخدام كلمة «نصارى» لوصف المسيحيين، لكن اليهود يستخدمونها للتنصل من الاعتراف بأن يسوع هو المسيح (حتى في العبرية الحديثة، فيقولون «نوصريم»)، ولكن ماذا عن القرآن – الذي يتقبل عيسى بن مريم كنبي ومسيح لليهود، إضافة إلى كونه «مصدّقا لما بين يديه» من التوراة والإنجيل؟

النصارى – حسبما توصل إليه نبيل فياض في كتاب بالاسم ذاته – كانوا يهودا ملتزمين بأركان الشريعة، لكنهم قبلوا بالنظرة الرسمية إلى طبيعة المسيح ككل. فقد آمنوا بأن يسوع هو ابن الله، المولود من العذراء والروح القدس. وقبلوا برسائل بولس. وهكذا، فقد كانوا لاهوتياً على علاقة قوية بالمسيحيين من الأمم (رغم أن بولس الرسول بشّر بأن صلب المسيح قد خلّص جميع البشر من أثقال الشريعة اليهودية).

يشاركهم في التمسك بأحكام التوراة طائفة أخرى تعرف بالإبيونيين (أي الفقراء)، كانت تراعي كل وصايا التوراة، تمارس الختان وتحافظ على السبت والأعياد. كانوا يتبعون الشكل الفريسي لليهودية (الذي نما التلمود في وسطه لاحقا)؛ وكانوا يقبلون بالعهد القديم كتابا مقدسا. وكانت قبلتهم في الصلاة جبل الهيكل كاليهود تماما. كما كانت لغتهم هي الآرامية بالحرف العبري.

لكنهم في المقابل، رفضوا بولس ورسائله، معتبرين إياه آثماً أبعد المسيحية عن اليهودية. أما يسوع فاعتبروه نبياً ومسيحاً أيضاً؛ لكنهم لم يقبلوا بألوهيته ولا بولادته من عذراء، ولكن لأنه كان إنساناً التزم بكل تفاصيل وصايا التوراة، فقد استحق أن يصبح المسيح – وهو إنجاز كان مستحيلاً نظرياً على أي إنسان.

وأخيراً، فقد كان لديهم «إنجيلهم» الخاص بهم – وهو نسخة «عبرية» من إنجيل متى.

أما النساطرة فلهم شأن مختلف جدا: فهم يؤمنون بقانون الإيمان الذي أجمع عليه الأساقفة في مجمع نيقية، لكنهم فارقوا سائر الطوائف لرفضهم القول بأن مريم العذراء «والدة الإله»، ولاعتقادهم بأن للمسيح طبيعتين منفصلتين: يسوع الإنسان والأقنوم الابن، لم تتحدا أبداً.

ولا يمثلهم اليوم إلا كنيسة المشرق ذات الجذور العميقة في العراق، مع فرع بعيد في الهند.

ومن نافلة القول إن الفرق الثلاث كانت تاريخيا تعد من أصناف الهراطقة في نظر الكنائس الكبرى: كالكاثوليك المؤمنين باتحاد الطبيعتين في ذات واحدة، والأرثوذكس المؤمنين باتحادهما دون امتزاج أو تغير.

انتشار المسيحية في جزيرة العرب
يقدم لنا الأب لويس شيخو في كتابه القيم «النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية» صورة فاحصة لانتشار المسيحية في مناطق انتشار القبائل العربية في الهلال الخصيب وما دونه:

لم يتأخر تبشير القبائل العربية كثيرا عن تحول أغلب السريان إلى المسيحية، وكثيرا ما عملت الكنائس المبكرة على تعيين أساقفة ورهبان وإرسالهم لخدمة تلك القبائل وملازمتها، لدرجة تكونت معها ظاهرة «أساقفة أهل الخيام» الذين شارك بعضهم في المجامع الكنسية المحلية.

وحيث كان العرب يقطنون في الصحراء والهوامش الحضرية، فإن المذاهب التي كانت تنشر بينهم بانتظام إنما هي مذاهب الممالك الكبرى التي تجاورهم – ولهذا تحولت أياد وعبد القيس إلى النسطورية (لسكنهم في منطقة «البحرين»، أي الساحل الغربي للخليج العربي، ضمن مساحة كرسي طيسفون، المدائن الحالية)، وكذلك فعلت بكر وتغلب (التي كانت تسكن بادية الجزيرة، بين العراق والشام)، وتحولت تنوخ وقضاعة إلى اليعقوبية (لسكنهم جنوب الشام، ضمن مساحة الكرسي الأنطاكي، ومنهم ظهر الضجاعمة ملوك الأردن، والغساسنة ملوك بُصرى).

ولكن نظرا لتناثر السكان في نجد والربع الخالي، وصعوبة اقتحام الجيوش المنظمة لهذه المناطق، فكثيرا ما اعتصم الرهبان اللاجئون إلى هناك ببناء الصوامع، وكسبوا مودة العرب بمداواة مرضاهم واستضافتهم لو انقطعت بهم الطرق، خاصة وأن العرب لم يكنّوا عقيدة مسيحية مختلفة كي يضطهدوهم بوصفهم «هراطقة». وهذا مما يقوي فرضية أن المسيحية العربية كانت أشد تنوعا من العقائد الرسمية، التي ستتضح فيما يلي.

ما هي المسيحية التي عرفها القرآن؟
بالنظر لتاريخ الفرق المسيحية، يبدو الموقف القرآني من شخص المسيح وتعاليمه مركبا من عدة مكونات: فهو ينفي ألوهيته (تماما كالإبيونيين) لكنه يخصه بلقب «روح الله وكلمة منه» (الذي يذكّر ببداية إنجيل لوقا ويوحنا)، يؤكد على بشريته هو ووالدته («كانا يأكلان الطعام»، بنحو قد يوحي للبعض بـ تأثير نسطوري) لكنه ينسب إليه تصرفا استثنائيا في الخلق (حيث لم يكتف بذكر شفائه للأكمه والأبرص، بل أقر خلقه للطير من الطين كما في أناجيل غير رسمية)، وينفي صلبه قائلا بالشبه (تماما كالذوقانيين) لكنه يؤكد قيامته ورفعه إلى السماء (وهي عقيدة إنجيلية صريحة).

وبالنظر إلى شهادة القديس إبيفانيوس بأن «جزيرة العرب مرتع الهرطقات»، واتهام المكيين النبي بالتردد على بعض المسيحيين (كما في آية «لسان الذي يلحدون إليه أعجمي»)، إضافة إلى تردد الرسول المستمر على أسواق العرب (وهو ما شهد به القرآن أيضا: «ويمشي في الأسواق») وتصريحه بإعجابه بشعر قس بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت (وكلاهما مسيحي)، يصح لنا القول بأن منطقة الحجاز كانت مسرحا للكثير من التأثيرات المسيحية (قانونية كانت أو مهرطقة)، لدرجة أثرت معها في الثقافة العربية وصولا لحياة النبي، وتجلى ذلك في المجادلات التي دارت بينه وبين معاصريه المسيحيين، وأشهرها مباهلته مع أساقفة نجران التي انتهت بنزولهم على الجزية. لكن القول بأن ثقافة النبي عن المسيحية كانت نسطورية محضة أمر لا يخلو من الارتجال والتقحّم.

ولو شئنا الإيجاز في وصف الصورة القرآنية عن المسيحية لقلنا إنها تصحيح إبيوني للنصرانية، يخلّصها من مظاهر «الشرك»، حيث يحتفظ لإله التوراة بتوحيده الخالص، لكنه لا يسلب المسيح شيئا من كرامته الفائقة. أما السجال اللاهوتي الذي كان يميز النسطورية (في وجه الملكانية واليعقوبية) فالقرآن يخلو منه تماما، نظرا لرفضه التام للتثليث وتكفير من يصرّ على اعتقاده.
*******

كنيسة المشرق (بالسريانية ܥܕܬܐ ܕܡܕܢܚܐ عدتّا دْمَدنحا)، كما عرفت بعدة أسماء مثل كنيسة فارس والكنيسة النسطورية (ويقال لأتباعها نساطرة) هي كنيسة مسيحية وجزء تاريخي من تقليد المسيحية السريانية ضمن المسيحية الشرقية. تستعمل تسمية كنيسة المشرق في وصف تاريخ الكنائس السريانية الشرقية التي ورثت عنها تقليدها الكنسي المميز لها، وتشمل هذه الكنائس حاليا بحسب هذا التعريف كل من كنيسة المشرق الآشورية وكنيسة المشرق القديمة والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في الشرق الأوسط بالإضافة إلى مجموعة من الكنائس في الهند أبرزها كنيسة السريان الملبار الكاثوليك. عقائدياً، يستعمل مصطلح كنيسة المشرق في وصف الكنائس الشرقية المستقلة التي استمرت باتباع العقيدة الأنطاكية خلال مجمع أفسس رافضة بذلك مقرراته وهو الأمر الذي أكسبها خطأ وصف "النسطورية"، فهي بهذا التعريف تنحصر على كنيسة المشرق القديمة وكنيسة المشرق الآشورية.

نشأت هذه الكنيسة في بلاد ما بين النهرين ضمن الإمبراطورية الساسانية وانتشرت بعدئذ في معظم أنحاء آسيا. وصلت أوج قوتها بين القرنين السادس والرابع عشر حيث كانت حينئذ أكبر كنيسة انتشارا جغرافيا ممتدة من مصر إلى البحر الأصفر شرقا كما شملت بالإضافة إلى السريان المشارقة الذين احتفظوا بالبطريركية تقليديا الملايين من الفرس والترك والمغول والهنود والصينيين. بدأت كنيسة المشرق بالوهن بعد القرن الثالث عشر تحت ضغط الصراعات بين المنغول والصليبيين والمسلمين وأدت سلسلة اضطهادات شنها قادة الترك والمنغول الداخلين حديثا إلى الإسلام إلى انهيار المجتمعات المسيحية في آسيا الوسطى وبلاد فارس وانحسار كنيسة المشرق في مناطق نشأتها في شمال بلاد ما بين النهرين وبين مسيحيي القديس توما في كيرلا. وكانت مجازر تيمورلنك الحدت الذي أنهى كنيسة المشرق كمجموعة دينية مؤثرة. اعتنق جزء كبير من أتباعها الكاثوليكية منذ القرن السادس عشر فسموا بالكلدان الكاثوليك بينما استقر بطاركة كنيسة المشرق في جبال حكاري حتى القرن العشرين. انقسمت كنيسة المشرق على ذاتها في الستينات من القرن العشرين فتكونت كنيسة المشرق القديمة بينما تغير اسم الكنيسة رسمياً إلى كنيسة المشرق الآشورية. في عام 2017، قدّر تعداد أعضاء للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بحوالي 628,405 عضوًا، وكنيسة المشرق الآشورية بحوالي 323,300 عضواً، وكنيسة المشرق القديمة بحوالي 100,000 عضواً.

تركت الكنيسة إرثاً أدبياً كبيراً مقارنة بحجمها الحالي وارتبطت بها العديد من المدارس اللاهوتية والفلسفية أبرزها مدرسة الرها ومدرسة نصيبين ومدرسة جنديسابور ونشطت تحت كنفها مجموعة كبيرة من اللاهوتيين كأفراهاط ونرساي.
رابط مختصر

 

This site was last updated 07/24/21