الأهرام 31/1/2009م السنة 133 العدد 44616 عن خبر بعنوان [ ثورة1919 تسعون عاما ـ الزعيم2 ـ2 ] بقلم: د. رفعت السعيد
وفي أول يوليو1913 صدر القانون النظامي الذي انشئت بموجبه الجمعية التشريعية ورشح سعد نفسه مستقلا في دائرتين بالقاهرة( كانت القاهرة مقسمة الي أربع دوائر), وأعد برنامجا يتضمن: إصلاح القضاء, اصلاح التعليم وتوسيع نطاقه حتي يعم جميع طبقات الأمة وحتي يتيسر لأبناء الفقراء أن ينبغوا, حرية الصحافة( عباس العقاد ـ ص151) وفاز سعد فوزا ساحقا في الدائرتين, وأصبح زعيما للمعارضة, ووقف في الجمعية التشريعية ليقول: اذا كانت الحكومة تريدنا أن نكون مكتب تسجيل لقوانينها فأنا كمصري محب لبلادي أفضل ألا يكون لهذه الجمعية أثر في الوجود, وهو يدافع عن الحريات العامة صارخا كل تقييد للحرية يجب أن يكون له مبرر من الحرية ذاتها( زكي فهمي ـ صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر ـ ص137), وكان سعد يعرف تماما ماذا يفعل, فقد سأله مصطفي لطفي المنفلوطي ما الذي تستفيده من إجهاد نفسك في شئون قلما تنال فيها الأغلبية في الجمعية, فأجابه: سواء لدي نجحت أو فشلت فإني لا أخاطب الجمعية التشريعية وحدها بل أخاطب الأمة كلها, ولا أخاطب الحاضر وحده بل أخاطب المستقبل( العقاد ـ ص149).
وطوال هذه الفترة لم يكن ينافس سعدا علي الزعامة سوي شخصين, أحمد لطفي السيد الذي كان يركز علي التعليم ونشر الأخلاق, متصورا أن ذلك هو السبيل لاستقلال يراه مازال بعيدا( فاتيكيوتس ـ تاريخ مصر الحديث ص233 بالانجليزية), أما المنافس الآخر فهو عدلي يكن وكان ارستقراطيا, عظيم الثراء, تركي الأصل, ثقافته فرنسية, لا يعرف العربية الفصحي, متكبرا ومتعجرفا ومن ثم لا قدرة له علي كسب الجماهير( محمد كامل سليم ـ أزمة الوفد الكبري ـ سعد وعدلي ـ ص4).
وهكذا تكون الزعيم وبلا أي منافس, وعندما نفي قامت الثورة ونقرأ له كنت منفيا في مالطة فلما بلغتنا أنباء الثورة ارتحنا حتي كادت تحبب السجن إلينا( سعد زغلول ـ المذكرات ـ كراس35 ـ ص1928).
وظل سعد علي الدوام نموذجا للوطنية المصرية وعندما عرض عليه تصريح28 فبراير أعلن بوضوح قبوله لما فيه من مزايا ورفضه لما فيه من تحفظات, وقال إنه كمن يقول لآخر إني اعطيتك ألفا إلا ألف, أي أعطاه لا شئ.. وقاتل سعد مطالبا بانتخاب مجلس النواب وقال إن ذلك هو من الحقوق الطبيعية للأمم ولا يمكن المعارضة فيه إلا بالقوة القاهرة, فالانتخابات لمجلس نواب حق طبيعي وليس منحة من أحد.
وأصبح الزعيم زعيما حقا, وعندما جاء ملنر الي مصر ونادي الوفديون بمقاطعته, لم يقبل أحد أن يقابله, ولم يصدق ملنر أن المصريين جميعا قاطعوه فتوجه بنفسه الي أحد الحقول في الجيزة وسأل فلاحا: اسمك؟ فلم يجبه ـ مهنتك؟ فلم يجبه ـ وبعد عديد من الأسئلة سأله كم الساعة الآن؟ فأجاب الفلاح اسأل سعد باشا, وأيقن ملنر أنه خاسر أمام زعامة حقيقية.
وعندما فاز الوفد في أول انتخابات برلمانية وشكل سعد الوزارة, رد علي المرسوم الملكي بتكليفه بتشكيل الوزارة بكتاب يقول فيه إنني أشكل الوزارة التي شاءت جلالتكم بتشكيلها من غير أن يعتبر قبولي لتحمل أعبائها اعترافا بأي حال برأي أو موقف استنكره الوفد الذي لا أزال متشرفا برئاسته, ويلزم الحكومة أن تعمل علي بث الروح الدستورية في جميع الأحوال, وأن تعود الكل علي احترام الدستور والخضوع لأحكامه وعدم السماح لأي كان بالاستخفاف بها والإخلال بما تقتضيه( خطاب سعد زغلول الي الملك بقبول الأمر الملكي رقم14 لسنة1924), وفهم الملك أن سعدا يحذره وينذره ويفرض عليه احترام الدستور, وشكل سعد الوزارة من ثمانية وزراء, ثلاثة منهم مسيحيون أحدهم وزيرا للحقانية( العدل), ورفض الملك وقال له يا باشا إن النسبة المتعارف عليها هي وزير مسيحي واحد, فأجاب سعد إن رصاص الانجليز إبان الثورة لم يفرق بين مسلم ومسيحي ولم يحسب حساب النسبة, ونجح الملك فقط في منع تعيين وزير مسيحي للعدل بمقولة إنه سيشرف علي القضاء الشرعي, فأمعن سعد في اغاظة الملك بأن عين أفنديا وزيرا لها( محمد إبراهيم الجزيري ـ آثار الزعيم سعد زغلول ـ ص68).
ووقف سعد الي جانب حقوق المرأة والي حقها في السفور وقال لوفد من الطلبة انني من أنصار تحرير المرأة, فبدون هذا التحرير لن نستطيع بلوغ غايتنا, واكتملت مهابة الزعيم ـ لكننا يتعين علينا أن نشير الي أن سعدا قد قاوم بشدة مطلب صفية هانم زوجته ومعها عديد من السيدات باختيار سيدة في قيادة الوفد.