معلومات هذه الصفحة مأخوذ من "باب القس والنبى فى معترك الحياة" فى كتاب قس ونبى والكاتب موسى الحريرى
القس يدرب محمد على النصرانية وفتح له الطريق للنبوة
القس يدرب النبي
بعد أن ارتبط مصير محمد بمصير خديجة بالزواج انحلت عقد كثيرة في مخطط القس لقد وقع محمد لإعدادة ليكون نبيا في قبضة القس وقعة إلهية لقد تمت الخطوة الأولى بنجاح وضع القس خبرته في خدمة نسيبه فزين له مستقبلا غنيا بالأماني والآمال مفروشا بثروة خديجة التى كانت تمتلك نصف تجارة قافلة قريش ومزينا بسلطان النبوة الدينى فلم يتبق إلا أن يفرض قوته بالغزوات والخوف والرعب
ولم تضن خديجة ثرية قريش بمالها لتنفيذ رغبات القس ورقة إبن نوفل ابن عمها وتعاون الاثنان بما يملكان من خبرة ودهاء وجاه ومال على إعداد محمد بوهم النبوة للرسالة المقررة
وسار القس ورقة بن نوفل به على طريق النجاح المكفول والنجاح المكفول يصار إليه حثيثا والرسالة الخطيرة تتم بالتدريب المتواصل والتهيئة الباطنية !
ومما علمه ااقس ورقة فواتح السور حيث أنها رموز مختصرة لجمل سريانية اختزلت بطريقة منسقة زعما منهم أن ورقة بن نوفل قد ترجمها لمحمد ، فقد أشار الأب سهيل قاشا إلى ذلك بعد أن أرجع هذه الحروف إلى أصولها السريانية كما يدعي مستخلصا: «هذه الفواتح السريانية تؤيد بل تؤكد أن ورقة بن نوفل كان يترجم الكتاب"الإنجيل" من اللسان العبراني إلى العربي الذي بدوره دخل إلى القرآن، فأبقى محمد على تلك الحروف التي كان ورقة وغيره يفتتح بها سوره الجديدة، أو الإصحاحات المترجمة والتي على الأغلب كان ورقة يتركها كافتتاحيات للأسفار من العهد القديم أو الإنجيل»( قاشا، سهيل، القرآن بحث ودراسة، ط1: 274 ) .
خلوة محمد شهرا فى غار حراء
بدأ القس ورقة بن نوفل أسقف مكة النصراني يدرب محمد على طقوس الحياة الدينية فى النصرانية فكان أول ما كان وأهم ما كان الخلوة والخلوة في غار حراء حيث اعتكف جد محمد وندماء جده والحمس من آل قريش هناك في مدة تزيد على الخمسة عشرة سنة وراح القس والنبي يختليان ويصليان وينقطعان عن الناس ويفكران بالله شهرا كاملا من كل سنة (ابن هشام 1 : 218)
هناك تدرب محمد على يد القسورقة بن نوفل الخبير بشؤون الله والناس
لم تكن الخلوة بعيدة عن طبع محمد لقد كان له ذلك منذ صغره على حد شهادة أقرب المقربين إليه وهي خطوة هامة نحو النجاح لقد شهدت مرضعته حليمة السعدية وقالت : لما ترعرع كان يخرج إلى الصبيان وهم يلعبون فيتجنبهم ولما قرب الزمن الذي أراد الله أن يرسله فيه ازداد محبة في الخلوة
لأن الخلوة تمكن من فراغ القلب والانقطاع عن الخلق لأنها تفرغ القلب من أشغال الدنيا لدوام ذكر الله فيصفو وتشرق عليه أنوار المعرفة ولم يكن شئ أحب إليه من أن يخلو وحده وكان يخلو بغار حراء فكان يتحنث فيه أى يتعبد فيه الليالي ذوات العدد مع أيامها السيرة (الحلبية1 : 257 و 260 ) ( تاريخ الطبرى 2 : 298)
وشهدت عائشة وقالت ثم حبب إلي محمد الخلاء فكان يخلو بغار حراء ويتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فاجئه الحق وهو في غار حراء (صحيح مسلم 1 : 78 – 79 ) ( صحيح بخاري 1 : 39 ) ( ابن سعد 1 : 194)
وزاد ابن هشام بقوله فلم يكن شئ أحب إليه أى النبي من أن يخلو وحده (ابن هشام 1 : 216) و أكدت خديجة ذلك بقولها حبب الله إليه الخلوة التي بها يكون فراغ القلب والانقطاع عن الخلق (السيرة الحلبية 1 : 258) ( ابن هشام 1 : 218)
ولكن لم يكن محمد يعرف وحده أهمية الخلوة إعدادا للنفس و انقطاعا إلى الله لو لم يتعرف على أناس مارسوها قبله ولو لم يتبع في ذلك سيرة جده وندماء جده أمثال أبي أمية بن المغيرة والقس ورقة بن نوفل وغيرهما (السيرة الحلبية 1 : 259)
وعن هؤلاء أخذ محمد الطريقة وعلى خطواتهم سار في إعداد حياته الروحية ورسالته العلنية بين الناس وقد شهدت السيرة على خلوة محمد ومقوماتها كان رسول الله يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية
وطبقا لشريعة النصارى العرب الذين كانوا يقدسون قول المسيح "طوبى للمساكين" وبقول كتبة السيرة أيضا كان رسول الله يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من مساكين فإذا قضى جواره من ذلك الشهر كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى كان الشهر الذي أراد الله تعالى فيه ما أراد من كرامته (نهاية الأرب 16 : 170) ( ابن هشام 1 : 219) ( الحلبية 1 : 259)
لا نعرف بالحصر مقومات خلوة محمد في غار حراء و لا كيفيتها بحسب ما جاء على لسان السراج البلقيني في شرح البخاري : لم يجئ في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده السيرة (الحلبية 1 : 259)
إلا أنها قد وصفت بما وصفت به خلوة عبد المطلب والقس وغيرهما ممن قصد حراء للاعتكاف والتعبد والرياضة الروحية وفي كتب السير وصف لها بما يتفق والتقاليد النصرانية في ذلك الحين أهمها
1 - فيما بعد كلا شئ طمعا أو رغبة فيى لقاء الله بأيد نظيفة من علائق المادة ويقوم الجوار في حراء الجوار هو الاعتكاف والسجود خارج المسجد
على التخلى عن مجادلات الناس التى لا منفعة فيها والابتعاد عن اهتماماتهم الدنيوية لكي يكون كل شئ لديه مدعاة لطلب الحق من الله وحده كما يقوم على إفراغ القلب من أشغال الدنيا ودوام ذكر الله فيصفو وتشرق عليه أنوار المعرفة (السيرة الحلبية 1 : 259)
يشهد اوريجن على أن النصارى كانوا يؤثرون الجوار في المغاور لأجل العبادة لا لأجل التستر وكذلك كيرلس الاورشليمي يشير إلى العبادات في المغاور
2 - التحنث والتحنف يقومان على التفكر بالله وحده والتعبد له وإقامة أعمال الروح من صلاة وتأمل وتهجد وهذيان روحي و قراءة كلمة الله في كتبه المنزلة وسماع تفسيرها من مرشد خبير يساعده في معراجه الروحي والاعتكاف على شرحها وتأويلها وتفصيلها مع من يمكنه ذلك ولذلك قيل في مواضيع تحنث محمد بأنه كان يتعبد قبل النبوة بشرع ابراهيم ؟
وقيل بشريعة موسى وقيل بكل ما صح أنه شريعة لمن قبله المرجع نفسه (السيرة الحلبية 1 : 260) وهذا هو المعروف لدى النصارى القائمين على أحكام موسى وعيسى أو أحكام التوراة والانجيل !
3 - الصيام قدوة بصوم موسى وإيليا على جبل حوريب وصوم عيسى في برية الأردن وصوم الأباء الأولين كان محمد يقضي شهره في الانقطاع عن الأكل أو في أكل وجبة واحدة في اليوم
وفي الاقتصار بهذه الوجبة على المآكل الخفيفة من الأعشاب والثمار والألبان وكسر الخبز اليابسة والنباتات التي يلتقطها من الصحراء و يأكلها لا للتنعم بطعمها بل لسد جوعه وحاجته الغذائية الماسة إليها وعرف عن محمد أنه كان يتزود لصيامه الكعك واللبن (السيرة الحلبية 1 : 259)
4 – اعمال البر والاحسان لم تخل خلوة النبي من عمل الحسنة تجاه من يراه بحاجة إليها لقد كان يطعم من جاءه من المساكين حتى أن طيور السماء ووحوش الجبال كانت تتنعم بشفقته وعطفه
هذه الناحية من حياة محمد كانت تستأثر باهتمامه وهو الذي ذاق مرارة البؤس والحرمان منذ صغره وهو الذي تعلم على جده و عمه و نسيبه قس مكة أن يكون شفوقا عطوفا سخيا في العطاء ولا يخفى ما في تعاليمه من حث على عمل الحسنات والصدقات والاهتمام بالآرامل والأيتام وأبناء السبيل
كما لا يخفى هجومه العنيف على مترفي مكة وأثرياءها الملأ الأعلى من قبيلة قريش ومنهم بعض أعمامه كأبي لهب وامرأته حمالة الحطب
5 – شهر رمضان هو شهر الخلوة والصيام والتعبد فيه كان النبي يعتكف في غار حراء وفيه كان يحظى بنعم الله وفيه كان يتحنث ويتفكر بالله ويتأمل في كتبه المنزلة
انه شهر الهدى الذي نزل فيه الوحي تلطفا لقد كان رمضان قبل التشريع القرآني شهر صيام نصراني وقد أشار الكتاب إلى ذلك بقوله : " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم" سورة البقرة بالقرآن 2 : 183)
6 – الطواف في البيت في نهاية شهر الخلوة والصيام كان ينزل محمد من على جبل حراء ويذهب إلى بيت الله للشكر والاحتفال بالعيد فيطوف الكعبة سبع مرات ثم يرجع إلى بيته وزوجته مطمئنا متمما واجبه المقدس !
تقول السيرة النبوية : كان إذا قضى جواره إلى شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة فيطوف بها سبعا ثم يرجع إلى بيته (ابن هشام 1 : 219 ) ( الحلبية 1 : 260 ) ( نهاية الأرب 16 : 172)
كما هو حال النصارى بعد صيامهم الأربعين يحتفلون بعيد الشعانين ويطوفون حول كنائسهم سبع مرات كذا في الأصل
هذه بعض مقومات خلوة محمد في غار حراء كلها عادات نصرانية لا يمارسها أي انسان من ذات طبعه ولا تكون لأجل غايات دنيوية كلها من شرع الله الذي أنزل على موسى وعيسي
أى التي كان يمارسها اليهود المتنصرون ولم يكن بوسع محمد أن يكتشفها وحده لولا اقتداؤه بمن سبقه في ذلك ولولا تدربه على يد مرشد خبير كالقس ورقة بن نوفل أقرب المقربين إليه
لقد كانت ممارسات محمد الروحية صعبة وأرادها كذلك لوفرة تدينه ! ولشدتها عليه كانت تحدث له إرهاصات كان منها جزعا وتنتابه نوبات عصبية شديدة خشي أن يكون الشيطان مسببا لها
نوبات تشنجية تصيب محمد
ولطالما كانت بوادر محمد ترتجف ووجهه يتربد ويتصبب منه العرق في الايام الباردة ويصاب بالاغماء ويغط كغطيط البكر ( البكر هو الفتى من الإبل ) ويسمع عنده دوي كدوي النحل ويطلب من زوجته أن تلفه بثياب دافئة ليذهب عنه الروع
انظر كيفية نزول الوحي على النبي وما كان يحدث له من أهوال (ابن هشام 1 : 220) ( صحيح مسلم 1 : 98) ( طبقات ابن سعد 1 : 198) وغيرها الكثير
وهذه الحالات النفسية الشديدة أرته ما أرته من رؤى وأحلام ظن نفسه فيها جنيا أو شيطان - وكانت خديجه تعالجه وتستشير في أمره ابن عمها القس ورقة بن نوفل (ابن هشام 1 : 220 – 223) (السيرة الحلبية 1 : 267) ( المكية 1 : 183)
**************************************
القس ورقة بن نوفل يعلم محمد التوراة والإنجيل ويعده لرآسة كنيسة مكة النصرانية بعده
على مدى أربع وأربعين سنة كان محمد يلازم القس ورقة بن نوفل ويتدرب على يده إنها المرحلة الهامة من حياته وممارساته الروحية وتثقيفه الديني ولا عجب في أن يقوم التثقيف الديني على قراءة الكتــاب الذي كـــان ورقة ينقله من لغته العبرانية إلى العربية
ولكي نتأكد من ذلك لابد لنا من إبعاد شبهة استولت على عقول المسلمين وتجذرت فيها وهي أمية محمدوتعنى في نظرهم أن محمدا كان يجهل القراءة جهلا تاما وتمسك المتدينون بهذه الأمية قصد الدلالة على
حقيقة النبوة
هل كان محمد أميا أى لا يعرف القراءة والكتابة ؟
وفيما الحقيقة تدل على أن الله استعمل وسائط طبيعية لإعلان كلمته واستخدام انسان خبيرا علم محمدا ما لم يكن يعلم وما آية النبي الأمي الواردة في القرآن ألا لتعني شيئا أخر غير الذي يقصده المسلمون لذلك فأننا نميز بين أمرين : بين ما كان يعلمه محمد وبين ما كان لا يعلمه محمد ثم تعلمه بعد حين أما العلم الذي كان يعلمه محمد فهو علم القراءة والكتابة الذي اكتسبه في صغره وعلى ذلك أدلة
وأما العلم الذي كان يجهله ثم تعلمه فهو علم الكتاب المنزل أى علم الإلهيات والروحانيات والتشريع وهو العلم الذي اكتسبه محمد من لدن خبير حكيم القرآن (سورة هود 11 : 1) وممن عنده علم الكتاب و من الراسخين في العلم ونسمي العلم الذي يعلمه العلم الطبيعي و العلم الذي اكتسبه فيما بعد العلم الالهي
وكلا العلمين مكتسب
اولا العلم الطبيعي
ما هو معنى أن بنى إسماعيل أميون وكذلك معنى أمية محمد؟ الإجابة: الأمم أو الشخص الذين لا يقرأون الكتب التى هى التوراة والإنجيل
كان محمد تعلمه منذ صباه وهو فى حمية و كفالة عمه وقد اراد المتدينون إنكاره عليه قصد الدلالة على تدخل الله المباشر في النبوة وقصد إظهار جدة القرآن و الإسلام و اعتبار كل شئ فيهما من لدن الله و على هذا العلم ادله أن الأمي بحسب القرآن هو من ليس له كتاب منزل فاليهود أبناء اسحق بن ابراهيم هم كتابيون في حين أن العرب أبناء اسماعيل بن أبراهيم هم أميون ودل القرآن على هذا التمييز دلالة واضحة وصريحة : فهو يدعو الكتابيين والأميين إلى إتباع الإسلام " قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أ أسلمتم " القرآن (سورة آل عمران 3 : 20)
وهو يشير إلى تمني الأميين معرفة الكتاب "ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أماني" (سورة البقرة 2 : 78)
ويفتخر بأن بعثه الله رسولا من الكتابيين فيقول "هو من بعث في الأميين رسولا منهم" (سورة الجمعة 62 : 2)
وقد عرف أهل الكتاب أن التمييز بينهم والأميين شئ محتوم فقالوا : " ليس علينا في الأميين سبيل " سورة آل عمران 3 : 75)
بهذا المعنى القرآني الصحيح يجب أن نفهم قول الكتاب عن أمية محمد في الآيتين التاليتين " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي و آمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله " (سورة الأعراف 7 : 158)
الأميون اذن هم العرب ابناء اسماعيل والكتابيون هم اليهود ابناء اسحاق وبالتالي أن أمية محمد لا تعني جهله القراءة والكتابة بقدر ما تعني انتماؤه إلى العرب الأميين ابناء اسمعيل الذين ليس لهم من الله كتاب منزل
يقول الشهرستاني : وأهل الكتاب كانوا ينصرون دين الأسباط ويذهبون مذهب بني إسرائيل والأميون كانوا ينصرون دين القبائل ويذهبون مذهب بنو اسمعيل (الملل والنحل 1 : 208)
والدليل الثاني في السورة الأولى من تاريخ نزول القرآن حيث يدعو الملاك جبريل محمدا قائلا : "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي و آمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله (سورة الأعراف 7 : 158)
وأجمعت كتب تفسير القرآن وكتب أسباب النزول وكتب السير النبوية والأخبار والأحاديث والصحيح وأجمع الباحثون مسلمون ومستشرقون على أن هذه السورة هي الأولى في تاريخ الوحي واتفق الجميع على أن جبريل جاء محمدا يحمل إليه كتابا ويدفعه إليه ليقرأه ... فلولا معرفة محمد بالقراءة ولولا صحة تاريخها وصحة ما جاء فيها لمل اتفق الجميع على سرد الوقيعة ولئن كان الله يمكر بالناس وهو خير الماكرين أفيمكر أيضا بنبيه ويكلفه شيئا لا يستطيعه !!
أن العلم الطبيعي الذي تعلمه محمد لابد وأن يكون تعلمه في بيت عمه أبو طالب وتحت حمايته قيل في
أبو طالب في حبه لابن أخيه : لقد اختصه بفضل واحترام وتقدير وظل فوق أربعين سنه يعز جانبه ويبسط عليه حمايته (محمد الغزالى فى فقه السيرة ص . 67 )
وقيل أيضا : كان يحبه حب شديد لا يحبه لأحد من ولده وكان لا ينام الا الى جانبه ويخرج فيخرج معه وصب به أبو طالب صبابه لم يصب مثلها يشى قط وكان يخصه بحسن الطعام وقيل أ يضا كان ابو طالب يحفظه و يحوطه و يعضده وينصره إلى أن مات (أبن سعد 1 : 121)
هذه العناية الجميلة اقتضت من أبي طالب اهتماما بالغا بشؤون ابن أخيه اليتيم الذي حظى في بيته ما حظي به ابن عمه علي صاحب البلاغة المأثورة ومنتهج نهجها في أول كتاب في بابه باللغة العربية وقد سمى نهج البلاغة ولا يعقل أن يمنع أبو طالب عن ابن أخيه ما تمتع به ابنه وبرع وأبدع في مجالاته
ولئن فرق المتدينون بين ربيبي أبو طالب فلغاية في النفس لا مبرر لها سوى اظهار جدة النبوة في
كل شئ فأبو طالب لم يكفل محمدا ليوفر له حاجاته المادية وحسب بل وفر له أيضا وقبل كل شئ ما وفره لأبنه من علم وتربية وأخلاق ... هذا وأن محمدا قال يوما عن علي كلام علي دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق فكيف اذا بمحمد الذي أعطي جوامع الكلم !؟؟
هل كان محمد يعرف القراءة والكتابة ؟
مهما تعددت تأويلات لفظة قرأ الواردة في أماكن عدة من القرآن فأن المقصود منها القراءة الكتابية أى قراءة الكتاب والآيات التي تدل على معرفة محمد بالقراءة كثيرة نذكر منها " فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان" القرآن (سورة النحل 16 : 98) " واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا" (سورة الإسراء 17: 45) "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث" (سورة الإسراء 17 : 106) " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" (سورة الإسراء 17 : 14) أنظر أيضا " ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) بسةرى العلق 96 : 1 و 3 ) (سورة الأعلى 87 : 6)
ترد لفظة اقرأ ومشتقاتها في القرآن 17 مرة ولفظة القرآن 70 مرة
هذه الآيات وغيرها تفيدنا أن محمدا كان يعرف القراءة ويجيدها وكان يقرأ الكتاب الذي بين يديه فكانت
قراءته له قرآنا
ثانيا العلم الإلهي الى يعنى دراسة كتب اليهود والنصارى الذى علمه القس ورقة بن نوفل لتلميذه محمد
أما العلم الذي كان محمد يجهله وتكفل القس ورقة باعطائه لتلميذه الروحي فهو علم الكتاب المنزل الذي كان القس ينقله في حضور محمد طوال أربع وأربعين سنة هذا العلم درسه النبي على يد القس وفي الانجيل العبراني ولفظة درس في القرآن مقصورة على دراسة الكتب المقدسة بهذا الدرس تحدى محمد المجرمين الذين لا يستطيعون لا الحكم ولا الخيار لأن ليس لهم كتاب منزل قال : "أ فنجعل المسلمين كالمجرمين ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟أم لكم كتاب فيه تدرسون ؟ أن لكم فيه لما تخيرون" القرآن (سورة القلم 68 : 35 - 38)
ولئن اتهم الدارسون في الكتاب محمد بأنه لا يأتيهم شيئا جديدا فأن تهمتهم ترد عليهم لأنه يعمل على تصريف الآيات وتبيينها وتيسيرها فقط قال : " وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون " القرآن (سورة الأنعام 6 : 105)
وكان محمد أحسن من درس وتعلم من العرب ذاك الكتاب الذي بعثه الله إليه قال : " وإذ تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ... أن هذا إلا سحر مبين وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير" (سورة سبأ 34 : 43)
والذين درسوا في الكتاب الذي درس فيه محمد عليهم ميثاق ألا يقولوا إلا الحق : " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه" (سورة الأعراف 7 : 169)
لذلك عليهم أن يعلنوا ما درسوا كما هو يعلن وهم يعلمون ما يعلنه خير علم وهو ينصحهم بأن يعملوا بما يعلمون ويعلنون : " كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" (سورة آل عمران 3 : 79) كالفريسيين الذين اتهمهم المسيح أنهم يقولون ما لا يعملون (إنجيل متى 23 : 3)
فعلم محمد للكتاب ودرس ما فيه وقراءة أخباره وتفصيل آياته وتبيينها كلها كانت له زادا ليحاجج الناس "الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" القرآن (سورة الحج 31 : 20)
على ضوء هذه الأدلة يمكن الجزم بإلمام محمد بالقراءة والعلم الطبيعي وقد حصلهما منذ صباه بطريقة
الدرس والاكتساب لا بالحدس والإلهام الرباني
ومعرفة محمد بهذا العلم لا تقلل من دوره الرسولي لأن الله إذا ما اختار انسان ما لرسالة ما وفر له المعطيات البشرية المناسبة لأداء هذه الرسالة وما إشارة القرآن لتعلم محمد علم ما لا يعلم سوى علم ما لا يعلم من الكتاب المنزل وهذا العلم هو أيضا لم يكن حدسا وإلهاما بقدر ما كان تعلما واكتسابا من الذين يقرأون الكتاب من قبل محمد الى جاءه أمر إذا كان فى شك : " فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك" ( سورة يونس 10 : 94)
وما رد محمد التهمة عنه إلا دليل آخر على ما تعلمه من بشر من أهل الكتاب : ولقد نعلم إنما يعلمه بشر( سورة التحل 16 : 103) فرد بقوله : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين المرجع نفسه ط ( سورة النحل 16 : 103)
وقد اعترف بذلك عندما قال أنه لا يعلم الغيب ولا عنده خزائن علم الله : "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب" (سورة الأنعام 6: 50 ) ( سورة الأعراف 7 : 188)
ويشهد على علم محمد بالكتاب جملة شهود الله والملائكة وأهل الكتاب وردد القرآن العربي هذه الشهادات فيه : " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب" (سزرة الرعد 13 : 43)
وقال : " شهد الله والملائكة .... وأولوا العلم" (سورة آل عمران 3 : 18) وقال أيضا : " شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله أى على مثل القرآن (سورة الأحقاف 46 : 10)
وقال أيضا يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون" (آل عمران 3 : 70)
وقال أيضا : " إ نا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء" (سورة المائدة 5 : 44)
وحين كان محمد يرتاب من علمه ومن وحي الله كان يتوجه إلى أهل الكتاب يسألهم ويستشيرهم : إن
كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك" (سورة يونس 10 : 94)
وعندما يشك أتباعه في صحة علمه و وحيه ينصحهم أن يذهبوا هم أيضا إلى أهل الكتاب ويسألوهم " إسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " سورة النحل 16 : 43)
وعندما يختلف المسلمون في كتاب محمد يقول لهم : وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه " (سورة المائدة 5 : 47)
وما القرآن أخيرا إلا تبيان لما أنزل من قبل : "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم" ( سورة النحل 16 : 44)
ومن البارزين في علم الكتاب والذين شهدوا شهادة حق في القرآن ونبيه كان القس ورقة بن نوفل أقرب المقربين إليه وإلى زوجته وقد شهدت عائشة ناقلة الحديث الصحيح عن محمد بدور ورقة في قولها :
ولم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي
*************************************************
القس ورقة بن نوفل يعلن محمد خليفته
لم يخف القس مقاصده في ما دبر لمحمد منذ أن تعرف إليه ولم يخفي كتاب السير مقاصد القس هذه ولو بعد مائة وخمسين سنة لقد أدركوا مقاصد القس وعرفوا ما أدركوا وحاولوا تجنب خطر ما أدركوا وما عرفوا
وما تجنبوه من خطر كان إثباتا أخطر لما نبحث عنه لقد حاولوا إثبات نبوة محمد فيما هم في الحقيقة يثبتون نبوة القس ورقة بن نوفل
حاولوا إرجاع كل شئ إلى الله وهم في الواقع يثقون بقدرة القس ورقة بن نوفل ثقة عمياء بحثوا في علاقة محمد بالله فإذا هم يعلقون محمدا بالقس ورقة ... وأنت تدرك ذلك عندما تسمع الإعلان تلو الإعلان يطلقه القس ورقة على محمد ونبوته العتيدة
وعندما تسمع تنبؤات القس ورقة على مستقبل محمد تظن أن كتبة السيرة المحمدية يطلقون ذلك للدلالة على قدرة القس ورقة بن نوفل ودوره الخطير فيما هم يظنون التدليل على نبوة محمد
ولا غرابة في الأمر لأن كل شئ قد أعد إلى الآن على أحسن حال و القس ورقة قدير على كل شىء في كل حال وللناس ثقة بقدرة القس أى قس مما يثبت كل مخطط يرسمه وينفذ كل قصد يعزم على تحقيقه وقد تيسر له ذلك بسهولة لاعتبارات عديدة منها مقامه الوجيه وشرفه الوسيم بين الناس فهو من سادة العرب وقادتها ومنها رئاسته على جامعة مكه فهو رئيس النصارى ومنها علمه الواسع بالكتب والأمور الإلهية فهو يتتبع الكتب من أهلها ومنها انقياد الناس له و لأمثاله من " القسيسين والرهبان لأنهم لا يستكبرون " القرآن (سورة المائدة 5 : 82)
واتخذهم الناس أربابا من دون الله القرآن (سورة التوبة 9 : 81) ومنها أخيرا سعي أصحاب الحاجة إليهم وطلب نصائحهم والالتجاء إلى صوامعهم والتماس الشفاء من أيديهم والاعتماد عليهم في اكتشاف الغيب واستطلاع الأسرار الخفية
واستغل القس ورقة اعتبارات الناس هذه وراح يدبر من يخلفه في مهمته فكان محمد بن عبد الله خير من دبر وأشرك في تدبيره هذا أقرب المقربين إليه وإلى النبي
أما الذين تعاونوا مع القس ورقة وسمعوا نداءه وذهلوا بتدابيره كانت خديجة زوجة النبي أهمهم وأولهم وأبو طالب عمه وكفيله وأبو بكر الصديق صديقه الحميم ووالد خديجة بعد رضاه وأخوها عمرو وغيرهم كثير كلهم انصاعوا لتدابير الله على يد قسه ووكيله في مكة واتحدوا فيما دبر وبارك الراهب بحيرا والراهب عداس النينوي وسلمان الفارسي هذا التدبير (المكية 1 : 183) (الحلبية 1 : 367 )
وساعدوا القس ورقة بن نوفل فيما أراد فتوالت التنبؤات عن مستقبل محمد من كل جانب على ألسنة السحرة والكهان والأنس والجن والشجر والحجر والحيوانات على أنواعها والملوك والأحبار والملائكة والبشر ....
ولم تبخل كتب السير والأخبار عن ذكر الكثير منها والبعض مما ذكر ينبئ عن الكثير مما حدث – وما كنا ندري شيئا مما حدث لولا القس يفسر لنا ما حدث
واستمرت الإعلانات تتوالى على مدى 15 عاما وقد أتى أهمها في ست مراحل هامة من حياة النبي ورسالته :
الإعلان الأول : تنبؤات عن نبوة محمد لا يعتد بها لأنها ليست صادرة عن أنبياء قبل الزواج
قبل أن تتم مراسيم الزواج بين محمد وخديجة وفيما كان محمد يتاجر لخديجة في بلاد الشام رجع ميسرة غلامها الأمين يخبرها بما رأى وبما سمع من مذهلات جرت لمحمد (ابن هشام 1 : 175) ( الكامل في التاريخ 2 : 39 ) ( ابن كثير 1 : 268 ) (الحلبية 1 : 147 )
ولما انتهى من حديثه قامت خديجة للحال و أتت مسرعة تخبر ابن عمها ورقة ما سمعته من غلامها وللوقت وقف القس باطمئنان العارف بمشيئة الله يقول لئن كان هذا حقا يا خديجة فأن محمدا نبي هذه الأمة وقد عرفت ؟
أنه كائن لهذه الأمة ونبي منتظر هذا زمانه (ابن هشام 1 : 175) ( الحلبية 1 : 151 ) لابد لنا من أن نسأل لا عن حقيقة نبوة محمد بل عن حقيقة نبوة ورقة من أين لورقة هذا ؟ كيف عرف مشيئة الله ؟ كان القسيسون في ذلك الزمان يدركون الغيب ومستقبل الناس ولم يعد لهم اليوم ذلك ؟ !
أم أنهم يمكرون كما الله خير الماكرين القرآن ( سورة البقرة 2 : 54 ) (سورة النمل 27 : 50 ) ( سورة إبراهيم 14 : 46 ) (سورة الأنفال 8 : 30 ) ( سورة يونس 10 : 21 )
من أين لكتبة السيرة الذين كتبوها بعد نشأة الإسلام بـ 200 سنة أن يعرفوا تدابير القس ونبوءاته لو لم يكن لهم علم بأن الله يعلن عن أنبيائه بواسطة انسان خبير بمقاصد ه الإلهية ؟
وفي كل حال لقد عرفت خديجة أن تستسلم لتدابير ابن عمها القس ورقة بن نوفل فيما أراد وهي التي كانت تسترشد بأرائه على حد قول صاحب السيرة : كان ذلك لخديجة بارشاد من ورقة (السيرة الحلبية 1 : 275 )
الإعلان الثاني : جبريل ومحمد وخديجة والقس ورقة ووبدء الإيحاء لـ محمد بوهم النبوة
لما كان محمد في غار حراء يتحنث ويصوم ويصلي ويتفكر بالله وقد بلغ الأربعين أتاه جبريل آخر الشهر يعلن له أبشر يا محمد أنا جبريل و أنت رسول الله لهذه الأمة ودفع إليه كتابا يقرأه فاعترى محمدا ذهول ثم انصرف عنه الملاك ورجع محمد مرتعبا قافلا إلى بيته يحدث زوجته خديجة بما سمع ورأى وللحال أعلنت خديجة هي الآخرى العارفة بمشيئة الله أبشر يا ابن عمي واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة
ثم قامت وجمعت عليها ثيابها وانطلقت إلى القس ورقة بن وفل تخبره ما حدث لزوجها قبل أن تستكمل حديثها أعلن القس ورقة مطمئنا وقال : قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى إنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت (ابن هشام 1 : 221 ) ( الحلبية 1 : 262 ) ( ابن سعد 1 : 195 ) ( تاريخ الطبري 2 : 301 ) ( الكامل لأبن الأثير 2 : 31)
لقد تكاثرت الشهادات عن نبوة محمد من الأرض ومن السماء من جبريل ومن خديجة ومن القس ورقة في مضمونها ومقصودها واحدة
الكل يفسر الرؤيا تفسيرا واحدا والكل ينصح صاحبها بالثبات والاستمرار في ما هو عليه والكل يعلن نبوته العتيدة في الأمة العربية البكر فهو على خط موسى وعيسى وسيأتي بناموس للأميين كما أتى موسى وعيسى للكتابيين ولن يكون بين ما سيكون للعرب وبين ما هو لبني إسرائيل فرق _ الناموس هو إياه _ ليس لمحمد إلا أن يعلنه ويكون له رسولا و بشيرا و مبلغا
ولكن لابد لنا أن نسأل لا عن نبوة محمد بل عن نبوة خديجة التي أعلنت لزوجها نبوته التي عرفت بمشيئة الله وفسرت الرؤيا كعالمة بأسرار الغيب فمن أين لها ذلك ؟ أ من الله أم من ابن عمها ورقة ؟ الله أعلم
الإعلان الثالث : في بدء الرسالة بعد إنزعاج محمد من رؤية جبريل إحتاج للطأنينة والسكينة
لما نزل محمد من على جبل الخلوة والصلاة في نهاية شهر رمضان أتى الكعبة ليطوف بها سبع مرات قبل أن يرجع إلى بيته وزوجته خديجة بحسب عادته كل مرة فيما هو يطوف كان القس ورقة بن نوفل يطوف أيضا بادره القس ورقة بالسؤال يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت وأخبره محمد
فأعلن القس باطمئنان العارف بمشيئة الله وقال : والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة لقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى _ ولتكذبنه ولتؤذينه ولتحرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى أرسه منه وقبل بأفوخه ثم انصرف محمد إلى منزله مطمئنا (ابن هشام 1 : 222 ) ( تفسير الطبري 2 : 49 ) ( الحلبية 1 :163 ) ( وعند الطبري هذا التوضيح قد زاده ذلك من قول ورقة ثباتا وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم (تاريخ 2 : 302)
أن يثبت وحسب بل أن يكون مطمئنا أيضا متى بلغت الطمأنينة قلب محمد استطاع القس أن يعلن لأنصرن الله نصرا يعلمه واستحق محمد الشاب الوديع قبلة من القس ورقة على رأسه
وبهذه الطمأنينة التي حققها محمد سجل إشارات في رسالته تطمئنه وتهدئ من روعه عندما قال "بذكر الله تطمئن القلوب" (سورة الرعد 13 : 28) وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به (سورة آل عمران 3 : 126 ) ( سورة الأنفال 8 : 10)
وقال أو لم تؤمن ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي (سورة البقرة 2 : 260) وبهذه السكينة الباطنية أيد الله محمدا وجماعته : فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود .... (سورة التوبة 9: 40 ) ( سورة الفتح 48 : 4) وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين (سورة الفتح 48 : 26) و (سورة التوبة 9 : 26)
وهكذا انتصر القس ورقة بن نوفل نصرا من عند الله لنصر تلميذه "ولينصرك الله نصرا عزيزا " ( سورة الفتح 48 : 3)
الإعلان الرابع : تشنجات ونوبات صرع تصيب محمد عند نزول الوحي
بعد هذا النصر انطلق محمد برفقة أبي بكر إلى القس ورقة طالبا منه تفسير ما يعرض له من نوبات و اغماء وإرهاصات وتشنجات وصرع فهو لا يدري من أين هي وممن هي وما معانيها
وأخبر محمد لقس ورقة مسترشدا : إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا إلى الأرض وللحال راح القس ورقة بن نوفل يرشده وينصحه ويهدئ من روعه ويطمئن نفسه ويقول له : لا تفعل إذا أتاك فأثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني (السيرة الحلبية 1 : 263)
ورجع محمد قافلا إلى بيته ورجعت عليه الرؤى واضطربت نفسه وكثرت الاغماءات وتعددت النوبات والتشنجات العصبية التى تؤدى لغيبوبة صرع ثم يعود محمد إلى مرشده يسأله عن سبب اضطراباته هذه
.. "أهي أضغاث أحلام " القرآن (سورة الأنبياء 21 : 5) يأتي بها الشيطان
.. " أم هي جنة" (سورة الأعراف 7 : 184) (سورة المؤمنون 23 : 25) ( سورة و 34 : 8 ) ( سورة سبأ 37 : 158) ( سورة الدخان 44 : 14) في العقل يسببها عفريت من الجن ؟
.. " أم هي سحر ساحر يسحره ؟ القرآن (سورة الأنعام 6 : 7) ( سورة يونس 10 : 67 ) ( سورة هود 11 : 7 ) ( سورة النمل 27 : 13)
.. " أم هي الهامات شعرية لشاعر ملهم" القرآن (سورة يس 36 : 69 ) ( سورة الأنبياء 21 : 5 ) ( سورة سبأ 37 : 36 ) ( سورة الطور 52 : 30 ) ( سورة الحاقة 69 : 41)
.. " أم كهانة كاهن يبتغي معرفة خزائن الله وعلم الغيب ؟ " ( سورة الطور 52 : 29 ) ( سورة الحاقة 69 : 42 ) ( سورة الأنعام 6 : 50 ) ( سورة الأعراف 7 : 188)
.. أم أنه يعلمه رجل ؟ " القرآن (سورة النحل 16 : 103)
.. " أم أنه يروي أخبارا من القديم ؟" القرآن ( سورة الفرقان 25 : 5)
... أم هي أخيرا الهامات ربانية ورؤى إلهية ووحي منزل كانت تجيئه كما كانت تجئ أنبياء الله الأقدمين ؟؟ !!
النوبات التسنجية كانت تصيب محمد قبل لقاؤه بجبريل وإستمرت النوبات تصيب محمد وخديجة تستشير القس وعداس النينوى وبحيرة الراهب
لم تتوانى خديجة عن البحث والاستشارات لتهدئ روع زوجها محمد فقد كانت تذهب به إلى القس ورقة تارة وإلى عداس النينوي طورا وأمت هذا الأخير في أحد الأيام تخبره عما يجري لبعلها فقال لها يا خديجة : أن الشيطان ربما عرض للعبد فيريه أمورا _ خذي كتابي هذا وانطلقي به إلى صاحبك وإن كان مجنونا سيذهب عنه وإن كان من الله فلن يضره وانطلقت بالكتاب معها ورجعت إلى زوجها (السيرة الحلبية 1 : 267) (المكية 1 : 183)
ثم كتبت خديجة إلى بحيرا الراهب تسأله عن جبريل وأجاب بحيرا : قدوس قدوس با سيدة نساء قريش ! آ ني لك بهذا الاسم ؟ فقالت بعلي وأبن عمي أخبرني أنه يأتيه (الحلبية 1 : 268) ويقال أن جبريل نزل على محمد 26 ألف مرة (الحلبية 1 : 269)
ومما يذكر أن مثل حالات الاغماء هذه كانت تعتريه قبل الوحي والبعثة وكان يرقى من العين كل مرة وروى لنا ابن اسحاق عن شيوحه هذا الحديث بقوله : أنه أى محمدا كان يرقى من العين وهو بمكة قبل أن ينزل عليه القرآن قلما نزل عليه القرآن أصابه نحو ما كان يصيبه قبل ذلك ( السيرة الحلبية 1 : 275- 267)
وكانت خديجة تقول له باستمرار أوجه إليك من يرقيك ؟ ويضيف ابن اسحاق لم أقف على من كان يرقيه ولا على من كان يرقى به المرجع السابق نفسه
وذكر لنا أيضا ابن الجوزي أنه صلعم في سنة سبع من مولده أصابه رمد شديد وعولج في مكة ولم يغن وقيل لعبد المطلب يوجد في ناحية عكاظ راهبا يعالج الأعين فركب إليه ومعه محمد
فنادى عليه ولم يجب وكان ديره مغلق فتزلزل ديره حتى خاف الراهب أن يسقط الدير عليه فخرج مبادرا وقال : يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ( ؟ ) ولو لم أخرج إليك لخر الدير وانهار ثم عالجه وأعطاه ما يعالح به (الحلبية 1 : 183) ويذكر أيضا عن راهب آخر بين مكة والمدينة شفاه من الرمد (الحلبية 1 : 184)
ومحمد نفسه كان يتخوف من حالاته هذه ويخشى هواجس طفولته وكان يردد مرارا :
.. "لقد خشيت على نفسي" (الحلبية 1 : 276)
.. " وأخشى أن أكون كاهنا " (صحيح البخاري 1 : 18) (صحيح مسلم 1 : 97 )
.. " وأخشى أن يكون في جنن " (طبقات ابن سعد 1 : 185) ( الحلبية 1 : 258)
.. " وأخشى أن يكون في لمة (السيرة الحلبية 1 : 136)
ومع هذا لا نزال نحن نؤمن بتلك الطمأنينة التي أيد بها القس ورقة محمدا راجين أن نظل عليها في مطلق الأحوال
الإعلان الخامس : نوبات تشنجية شديدة تصيب محمد بعد بدء الرسالة
ثبت محمد على نصيحة القس ورقة بن نوفل واطمأن وراح يباشر مهمته الرسولية وينذر وابتدء يعلن للناس بعض ما نزل عليه من سور القرآن بلسان عربي مبين ولكنه لم يتمكن من حمل عبء الرسالة الملقاة على عاتقه وراح يضطرب من جديد ففيما هو مرة يقرأ وينذر ويتوعد أخذت بوادره ترتجف ووجهه يتربد وتنتابه الخشية
فرجع إلى بيته مذعورا مرعوبا ودخل على خديجة يقول لها زملوني زملوني أى لفوني بالثياب الدافئة (ابن سعد 1 : 195) (الطبري 2 : 48) وفى القرآن (سورة المزمل ) يا أيها المدثر ( 1 ) قم فأنذر ( 2 ) وربك فكبر ( 3 ) وثيابك فطهر ( 4 ) والرجز فاهجر ( 5 ) ولا تمنن تستكثر ( 6 ) ولربك فاصبر ( 7 ) )( سورة المدثر 1- 7)
حديث جابر بن عبدالله [ «أنَّهُ سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحَدِّثُ عن فَتْرَةِ الوَحْيِ: فَبيْنَا أنَا أمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا المَلَكُ الذي جَاءَنِي بحِرَاءٍ قَاعِدٌ علَى كُرْسِيٍّ بيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ، فَجَئِثْتُ منه حتَّى هَوَيْتُ إلى الأرْضِ، فَجِئْتُ أهْلِي فَقُلتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُونِي، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ} إلى قَوْلِهِ: {فَاهْجُرْ} (المدثر: 1 - 5) -قالَ أبو سَلَمَةَ: والرِّجْزَ الأوْثَانَ- ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وتَتَابَعَ.» ] (صحيح البخاري بدء الوحي 1 : 4)
فسارعت خديجة وزملته حتى ذهب عنه الروع وارتاحت أعصابه وطابت منه أن يطلعها على ما جرى وأخبرها محمد فقالت للحال قول العارف بالأمور ومجريات الأحداث : كلا فأبشر فوالله لا يخزبك أبدا أنك لتصل الرحم وتصدق الحديث ةنحمل الكل لغيرك وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ... (صحيح مسلم 1 : 97) ( الحلبية 1 : 267) (البخاري 1 : 3)
وأرادت خديجة أن تتثبت مما تقول وأن تؤكد لزوجها حجتها وكالمعتاد ذهبت به إلى ابن عمها القس ورقة تقول له : أى عم إسمع من ابن أخيك واستوضح ورقة محمدا : يا ابن أخي ماذا ترى ؟
أخبره محمد ما رأى ف أسكن القس روعه مجددا وراح يردد عليه قوله السابق : هذا الناموس الذي أنزل على موسى وأضاف هذه المرة يا ليتني فيها جذعا وأكون في زمن الدعوة ثم التفت ورقة إلى محمد يحذره من مستقبل شديد ويقول : نعم لم يأت رجل بما جئت إلا عودي ( الحلبية 1 : 263 ) (الطبري 2 : 298) وقد تقرأ : لم يأت رجل بما جئت ( يا خديجة ) ألا عودي بمحمد إلى بيتك مطمئنة إلى ما سيجري الله على يده من أحداث
وعادت خديجة ماسكة بيد زوجها والطمأنينة في نفسيهما و أبلغنا القس عن تمنياته بعدما تحقق اليسير منها
الإعلان السادس : محمد عند بدء الجهاد
عن علي ابن أبي طالب قال : لما سمع محمد النداء : قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال محمد لبيك ثم : قل الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين
لما سمع محمد ذلك اضطرب وقام وأتى القس وذكر له ما سمع قال ورقة : أبشر ثم أبشر إني أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم إنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك ولئن ادركني ذلك لأجاهدن معك (الطبري 1 : 298)
يبدو أن هذا الإعلان أطلقه القس بعدما أمر محمد بالجهاد وذلك بعد مضي زمن غير يسير على بدء الدعوة قد يتراوح بين السنتان والثلاث سنين و كان القس ورقة قد أصبح ضريرا أصم
وفي هذا الإعلان اطمئنان آخر لمحمد لن يكون وحده في جهاده ضد المنافقين والمترفين من قريش فالقس إلى جانبه رغم كبر سنه يرشده ويعضده وينصحه بألا يستعجل الأمور
لأن المهم في سبيل النجاح الصبر وعدم العجلة وهي نصيحة ثمينة ذكره بها القرآن فيما بعد : "أصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل" (سورة الأحقاف 46 : 35)
وعلى محمد أن ينتصح وألا يترك الرسالة الملقاة على عاتقه مهما ضاق بها صدره : "لعلك تارك ما يوحى إليك وضائق به صدرك" (سورة هود 11 : 12)
الله لن يترك محمد بلا عضد ولن ينساه أو يودعه : "ما ودعك ربك وما قلى" (سورة الضحى 93 : 3) وعلى محمد ألا ينسى ما يقرأ عليه من الكتاب : "سنقرأنك فلا تنسى " سورة الأعلى 87 : 6)
وهكذا صارت الأمور وما كان ليحدث هذا لولا رحمة الله التي دبرت كل شئ على أحسن حال ولئن صح ما جاء في الأخبار أم لم يصح فروايات السيرة وتسلسل الأحداث وشهادة القرآن لها والوساطة الطبيعية التي يستخدمها الله لإعلان وتبليغ كلمته :
جميعها تؤكد لنا وقوع محمد وقعة إلهية في مخطط القس ورقة وتدابيره وبتنفيذ من خديجة سيدة نساء قريش التي وفرت له المال والجاه والشرف والجمال والكفاية والحنان
لقد دبر القس كل شئ ونفذت خديجة كل شئ بدقة وعلى أكمل وجه فهي التي كانت تسعى بين القس والنبي تسمع النبي وتشجعه تذهب إلى القس وتسترشده ويكفي أن يقال عنها : أن ذلك من خديجة كان إرشاد من ورقة السيرة (الحلبية 1 : 275)
موت القس ورقة وخديجة وأبى طالب
ورقة وخديجة وأبي طالب لعبوا في حياة محمد ورسالته دورا كبيرا لا ريب فيه وبموتهم فقد محمد العضد والسند والمرشد والمنعة والحنان :
بموت القس ورقة فتر الوحي (صحيح البخاري بشرح الكرماني 1 : 38 أو 1 : 4)
وبموت خديجة تتابعت على رسول الله المصائب إذ كانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها (سيرة ابن هشام 2 : 45)
هي التي آمنت به وصدقت ما جاء به من الله وآزرته على أمره وكانت أول من آمن بالله وبرسوله وصدق بما جاء منه فخفف الله بذلك عن نبيه لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك حتى يفرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس( ابن هشام 1 : 224)
وبموت أبو طالب نالت قريش من رسول الله من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبو طالب ... إذ كان لأبن أخيه عضدا وحرزا في أمره ومنعة ونصرا على قومه (ابن هشام 2 : 45 - 46)
القس دبر والزوجة نفذت والعم عضد ومحمد استسلم لإرادة الله على هؤلاء قامت الدعوة الجديدة وكان لها النجاح وهذا أيضا كان من الله ويعود إلى الله _
والحقيقة تقال أن الله إذا ما أراد اختيار أنبيائه يهيئ لهم الظروف المناسبة ويكفل لهم النجاح في مهماتهم الصعبة
**************************************
القس النبي والنبي القس
نسأل ماذا كان في نية القس ورقة بن نوفل أسقف مكة أن يعلن ؟ نبوة محمد أم قسوسيته ؟ لقد استترت نية القس على كتبة السيرة ولا يعود استتارها إلى سوء نية عندهم بقدر ما يعود إلى نقل ما وصل إليهم منحولا بعد 150 سنة من بدء الرسالة وتوسعها في معظم بلاد اسيا وافريقيا
لقد بلغهم بعض ما قام به القس من دور في نبوة محمد ولكنهم لم يحققوا في ما بلغهم وبالتالي لم يدركوا نيته ولم يعرفوا كيف تعلن النبوة ولا كيف تنتقل القسوسية في النصرانية من سلف إلى خلف
ولم يعلموا أن النبوة لا تحتاج إلى من يدافع عنها ويقضي بصحتها ولو علموا كل ذلك لما اضطروا إلى اثبات نبوة محمد بألف ألف دليل والدفاع عنها بألف ألف حجة
ونزعا لأى شك على نبوة محمد أرجعوا الأدلة عليه إلى زمن آدم وقرءوا اسمه في السماء تحت سدرة المنتهى وسمعوا الأخبار والرهبان والكهنة والسحرة والجن والشياطين والحيوانات والأشجار والحجارة ... تعلن نبوته !!!
ورأوا اسمه في التوراة والانجيل واستطلعوا أخباره عند ملوك العجم والعرب ... كل هذا كان لأجل الدفاع عن نبوة محمد
وهل يحتاج نبي الله إلى من يبرر له نبوته ويدافع عنها ؟؟؟
ومن جهة ثانية من أين للقس ورقة أن يعلن محمدا نبيا ويشرك معه خديجة وأبا طالب وأبا بكر وعليا ؟
هل القس هو الذي أطلق على محمد اسم نبي ؟ أم تبدلت الأسماء فيما بعد وتحرفت المعاني وتغيرت النيات واستبدت الأحداث السياسية بالأمور الدينية ؟
لئن صح إعلان القس لنبوة محمد يكون القس مخبولا حقا ويكون النبي فيما صدق من القس صاحب جنن وغرور _ وحده الله يختار أنبيائه ووحده النبي يعرف بنبوته وتعاليمه تعلن عنها وأعماله تدعم تعاليمه ! وما من نبي في التاريخ احتاج إلى دفاع عن نبوته كما هو الأمر مع محمد
والحقيقة أن القرآن المكي لا يسمي محمدا نبيا بل بشيرا ونذيرا ومبلغا رسالة ربه وهو ما يؤكد لنا أنه لا القس ولا النبي استمتعا بالنبوة بحسب مفهومها في العهد القديم فماذا يكون الأمر إذن ؟؟
أغلب الظن أن نية القس كانت غير ذلك ووعي محمد كان هو الآخر في بدء أمره غير ادعاء النبوة والذي بدل المقاصد والنيات هو مصحف عثمان وكتبة السيرة
وكان قصد القس ورقة أن يعلن محمدا خليفة له على جماعة مكة النصرانية ! وأدلتنا على ذلك من سيرة القس والنبي بتمامها وكمالها
القس اختار محمدا وتبناه ثم زوجه من خديجة على الطريقة النصرانية ودربه على الصوم والصلاة في غار حراء وعلمه التوراة والانجيل وناموس موسى وعيسى ونقل له الانجيل العبراني بلسان عربي مبين
وقد وعى محمد اختياره هذا وعرف مهمته فراح ينذر الناس ويبشرهم ويثقفهم ويعلمهم مل لا يعلمون من الكتاب ويبين لهم الصراط المستقيم ويهديهم إلى الدين القيم ويعظ فيهم عن أحوال الحساب والعقاب والجنة والنار والقيامة ويحرضهم على فعل الحسنات والصدقات
ويقرأ عليهم ما تيسر من قصص الكتاب وأخبار الأنبياء لقد كان يعلم أن مهمته تقوم على أن يذكر الناس بتعاليم التوراة والانجيل :
ذكر إنما أنت مذكر وكتابه هو ذكر وذكرى وتذكرة وتفصيل وتصديق للكتاب العبراني الذي كان بين يدي القس ويحضر محمد تعريبه طوال 44 سنة
لقد أراد القس أن يكون محمد خليفته على نصارى مكة يكمل عمله الروحي بين العرب ويحافظ على استمرارية النصرانية في الحجاز ويعمل على جمع شمل النصارى من بني إسرائيل
ويوحد شيعهم وأحزابهم ويوحد كتبهم وعقيدتهم .. وكان له ذلك بما أوتي من تجرد وذكاء وجرأة وإقدام وساعده على إتمام مهمته زوجته بما كان لها من شرف وجاه ومال وأعانه عمه أبو طالب أيضا ولبي الدعوة الحمس من قريش وجاهد معه فقراء مكة وأذلتها واستضافه النجاشي ملك الحبشة بعدما قاومه الملأ الأعلى وأعزة مكة
حتى أصبح محمد بعد وفاة القس ورقة رئيس النصارى الموحدين وأول المؤمنين أى زعيمهم الروحي والمسئول عنهم وقد قال "أمرت أن أكون أول المسلمين" القرآن (سورة الزمر 39 : 12)
على هذا بعد وفاة القس ورقة انتقلت الزعامة الروحية إلى محمد وأصبح محمد أول المسلمين وبوفاة القس ورقة خشي محمد أن يتركه الله وينساه إذ فتر الوحي مدة من الزمن وعاوده بعد ذلك مع كثير من التغيير في المواقف والتبديل في التعليم والتشريع بما يتناسب وشخصية محمد واستقلاله عن معلمه وبما يتوافق مع الظروف وأحوال البيئة والمجتمع العربي وأعلن القرآن عن عودة الوحي بقوله : "ما ودعك ربك وما قلى" القرآن (سورة الضحى 93 : 3)
وما يؤكد لنا خلافة محمد للقس هو أن الإسلام في بدء أمره وكما كان في أيام القس وتحت تأثيره لم يكن دينا جديدا ولم تكن دعوة محمد دعوة لدين جديد بل كانت تعاليم من التوراة والانجيل وتعاليم إبيونية في الحسنات والصدقات وتبشير بالجنة والنار والقيامة ووعيد بالعقاب وتذكير بأحوال الساعة الأخيرة على ما عرفنا عند الشيع النصرانية الغنوصية المتعددة
ولم يكن في نية محمد أن ينزل وحيا من السماء أو أن يدعي معرفة خزائن الله وعلم الغيب بقدر ما كان يقصد إعلان كلمة الله الأعجمية بلسان عربي مبين مفصلة وميسرة للحفظ والذكر
فالوحي المحمدي هو إذن وحي لاحق لوحي سابق وكتابه العربي هو تصديق لما بين يديه من التوراة والانجيل ودعوته كانت قبله مع أهل الكتاب وإلهه هو إله بني إسرائيل قال : لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل 10 : 90 وهكذا .....
هذا هو قصد القس ورقة ومنطق الأحداث وتلك هي مقاصد أهل السيرة فلا نغفل عن الحقيقة ولو تنكر لها المنكرون وتجاهلها المتدينون
جل ما في الأمر أن القس يريد خليفة له على جماعة مكة النصرانية فكان محمد بن عبد الله يتيم قريش خليفة القس ورقة على كنيسة مكة ومع هذا يريد مؤرخو حياة محمد إلى اليوم أن يكون الأمر غير ذلك ظنا بالنبوة والدين الجديد فأغفلوا وجود القس وأنكروا عليه لقاءاته المتعددة مع محمد وتجاهلوا إعلاناته
والشيخ صبحي الصالح لم يقر إلا بلقاء واحد جرى بين القس والنبي إذ قال : فما عسى أن يكون النبي تعلم في هذين اللقاءين لقاء مع الراهب بحيرا ولقاء مع القس ورقة من علوم الغيب والتاريخ ؟ (مباحث في علوم القرآن ص 45 بيروت)
وعندما يستشهد الشيخ بالبخاري يأخذ ما بناسبه ويغفل ما يزعجه فينقل : ولم يلبث ورقة أن توفي ويترك وفتر الوحي المرجع نفسه
ويستنتج أن محمدا تعرف على ورقة في آخر أيام حياته ورآه عجوزا ضريرا لا تصلح همته لأى شئ وكذلك هو الأمر مع محمد حسنين هيكل في موسوعته حياة محمد فقد تجاهل أمر القس ورقة ودوره ولم يذكر من اللقاءات والإعلانات سوى اثنين وبطريق العرض (محمد حسنين هيكل حياة محمد ص 135 القاهرة)
لماذا هذا التنكر ؟ إن كان جهلا فهو طعنة في واقع التاريخ وإن كان تجاهلا فهو طعنة في صميم الحقيقة
الراهب بحيرة
بقي أن نسأل عن قصة الراهب بحيرا : لماذا يجتهد مؤرخو حياة النبي في التركيز على الراهب بحيرا حتى تحولت أنظار الناس إليه على حساب القس ؟ الناس اليوم بلهجون باسم الراهب بحيرا ويجهلون كل شئ عن القس ورقة فما سبب ذلك وما القصد منه ؟
أن في الأمر تضليلا وتمويها للواقع : وبحيرا على مكانته العظمى في النصرانية وعلى كونه إنتهى إليه علم النصرانية في ذلك الزمان ورغم تردد تجار قريش على صومعته في بصرى لم يكن له ذلك الأثر الفعال لأن رحلات محمد إليه لم تكن كافية للدلالة على تثقيفه على يده
ومهما يكن من أمر فاللقاءات المحدودة التي حدثت بين محمد وبحيرا لا تعطي النتائج التي نستطلعها في تعاليم القرآن ولا تستحق أن يعيرها الناس أهمية بالغة ويتوقفوا عندها هذا يمكن نقضه بسهولة
وبالفعل توقف مؤرخو حياة النبي على دور الراهب فتوقفوا في نقضه أو رفضه كما توقفوا في التركيز عليه على حساب القس وتركيزهم على الراهب وتحويل أنظار الناس إليه وردهم على ما استنبطوا من أضاليل حوله أعطى أهمية لبحيرا دون ورقة وبهذا تم فقد أثر الأثنين معا
وضاع الباحثون بين الراهب والقس ولسهولة رفض أثر الراهب ظن الناس أن أثر القس هو أيضا يرفض بالسهولة نفسها _ نأمل أن نكون قد حققنا القصد في كشف هذا الضلال المكنون
********************************************
موت القس ورقة وفتر الوحى
المعروف عن وفاة القس ورقة قليل جدا وكما نجهل زمن ولادته ومدة حياته كذلك نجهل أسباب وفاته واليوم الذي توفى فيه
ألا أنه قيل فيه أنه مات عن عمر يفوق المائة سنة ولا يستبعد طول عمره طالما أنه كان صديق عبد المطلب جد النبي ونديمه
وقد قيل عن عبد المطلب أنه مات وله من العمر مائة سنة ونيف ويذكر أيضا أن ورقة توفى بعد ما بدأ محمد رسالته بثلاث أو أربع سنوات أي عندما كان لمحمد من العمر أربعة وأربعين سنة
ويوافق ذلك ما نراه عند ابن الجوزي في كتاب الامتاع : أن ورقة مات السنة الرابعة من المبعث ( السيرة الحلبية 1 : 274)
وفي سيرة ابن اسحق وفي كتاب الخميس .... المرجع نفسه ويجمع المسلمون على موته بعد النبوة وقبل الرسالة أى بعد الدعوة وقبل البعثة
ويرجح طول حياة القس ما كان عليه في آخر أيامه من صمم وعمى وهو ما يشير إلى ثقل عبء السنين عليه وفي الواقع إذا عرفنا أن القس كان نديما لعبد المطلب يتحنث و إياه في غار حراء بينما كان محمد في رعاية جده لا يتجاوز الثماني سنين وأن القس توفى عندما كان محمد في الأربعة والأربعين تبين لنا أن المنية أدركت القس بعد أن رزح تحت عبء السنين
أما أثر موت القس على الوحي فظاهر في كلام البخاري قال : ولم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي (صحيح البخاري 1 : 38)
وهذا يدل على ما كان عليه القس بالنسبة إلى النبي لقد كان له العضد الأمين والمرشد الحكيم والوسيط الطاهر بينه وبين الله وهو ما يشير إلى كونه صالحا له دور فعال في الدعوة الجديدة التي كان النبي قيما عليها بعد وفاة القس سيد العرب وقائدهم ورئيس دينهم
ويختلف أهل السير والأخبار في موت القس ورقة إن كان على الإسلام أم على النصرانية وفي رواية عن أبن العباس أنه مات على نصرانيته
وفى كتاب الامتاع لابن الجوزى ان القس ورقه كان آخر من مات فى الفترة ودفن بالحجون فلم يكن مسلما والفترة هي المدة التي تفصل بين عيسى ومحمد حيث لم يكن نبوة
والحجون هو مدفن الحنفاء من آل قريش حيث قبر عبد المطلب جد النبي ووالديه
إلا أن مفهوم أهل السير والأخبار للنصرانية كدين يختلف عن الإسلام فيه نظر ومفهومهم لرسالة القس كونها تختلف عن رسالة النبي فيه أيضا نظر
وفي كل حال أن ما قاله النبي عن مصير القس بعد موته يفوق كل تصور ويتحدى مفاهيم أهل السير والأخبار للنصرانية والإسلام
يقول النبي : لقد رأيت القس يعني ورقة في الجنة وعليه ثياب الحرير وفي رواية أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس وفي رواية أيضا : قد رأيته فرأيت عليه ثيابا بيضا و أحسبه لو كان من أهل النار لم تكن عليه ثياب بيض وفي رواية أخرى : لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين لأنه آمن بي وصدقني ترى هذه الأحاديث للنبي في (السيرة الحلبية 1 : 274)
فأقوال النبي هذه عن مصير ورقة إن لم تؤيد إسلامه فأنها تؤيد إيمانه وهدايته وبالتالي نجاته بل ونجاته في أعلى درجات الجنة والذين أرادوه ميتا على النصرانية يقصدون هلاكه أكثر مما يقصدون نجاته لأنه في ظنهم أدرك الدعوة المحمدية دون أن يؤمن بها عرفها ولكنه لم يعتنقها
خاتمة
القليل المعروف عن القس ورقة بن نوفل في كتب السير والأخبار يدل على الكثير من نسبه الشريف ومقامه الجليل ومهمته النشيطة في مكة
وهذا القليل ما كنا نعتمد عليه لو لم يؤيد القرآن صحته بنوع أننا لا نفهم من تعاليم القرآن شيئا إن غابت عنا تعاليم الانجيل العبراني الذى كان القس يعمل على نقله من لغته العبرانية إلي اللغة العربية
كما أننا نعجز عن فهم الكثير من قصص الأنبياء الاقد مين ومن تعاليم التوراة و الانجيل الواردة فى القران إن لم نردها الى أصلها و المصدر الذى عنه أخذت
وقصه يحي ابن زكريا وبشارة الملاك بمولده و مولد عيسى ومعجزاته و أنجيله و حوارييه و رسالته و كل تعليمه
و أمثاله و كيفية موته ...... وغيرها جميعها لانفهم منها شيئا أن لم نرجع بها الى تعليم ورقه وانجيله العبرانى
ويصعب علينا فى كل حال ان نفهم استمرارية الوحى على الانبياء وأخذ بعضهم عن بعض تعليمهم و قصصهم وشرائعهم ان لم يكن هناك من يضمن هذه الاستمراريه وهذه التعاليم ويكون بالتالي الواسطة بين الوحي السابق والوحي اللاحق أى بين التوراة والانجيل من جهة والقرآن العربي من جهة ثانية
ولسنا نجد في مكة في أيام النبي محمد غير القس ورقة يلازم محمدا طوال أربعة وأربعين سنة وقد يكون في مكة والحجاز وبلاد الشام غير القس ورقة يعلم الناس ويبشرهم بالانجيل ويدربهم على الشرع النصراني
إلا أن نسب القس ورقة وعلو مقامه ورئاسته على كنيسة مكة وقرابته من النبي ومن خديجة وتحمسه في دينه وإيمانه وممارساته الروحية كلها تثبت لنا العلاقة المتينة بينه وبين النبي