Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - coptic history

بقلم عزت اندراوس

أعــــداء القبيلة هم أعداء الصنم - الحرب والأصنام

هناك فى صفحة خاصة أسمها صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات وصمم الموقع ليصل إلى 3000 موضوع مختلف فإذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس لتطلع على ما تحب قرائته فستجد الكثير هناك -

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

لم ننتهى من وضع كل الأبحاث التاريخية عن هذا الموضوع والمواضيع الأخرى لهذا نرجوا من السادة القراء زيارة موقعنا من حين لآخر - والسايت تراجع بالحذف والإضافة من حين لآخر - نرجوا من السادة القراء تحميل هذا الموقع على سى دى والإحتفاظ به لأننا سنرفعه من النت عندما يكتمل

Home
Up
التوراة وأبراهيم والآثار
الأصنام فى القرآن
شكل الله
محمد والآيات الشيطانية
سجودهم للأصنام والأوثان
محمد وأديان العرب
من هو أبو كبشة
الله وقسمه الغريب
الشيطان ومحمد والغرانيق العلى
الإسلام والله قرباناً
الحجر الأسود
الإسلام وآلهة الأمم
محمد صلى للعنزة
الإسلام وإعارة الفروج
تماثيل الله إلاه القمر
محمد والرجز فأهجر
عادات الإسلام الوثنية
أسماء العرب أسماء وثنية
أصل أسم الله بالنصوص القديمة
الرحمنن أو الرحمـن
الهلال محور العقيدة الإسلامية
الله أكــبر
عروسة المولد النبوى
عبد العرب ثالوثاً وثنياً
أعداء الصنم أعداء القبيلة
آلهة كواكب واجرام سمائية
الأسماء الحسنى أسماء لأصنام
هو =الله بالقرآن
أصل كلمة تعالى
العبادات الوثنية الشمس والصلاة
بيوت العبادة الوثنية
الله متمم نوره
الله على نعل الأحذية
مراسيم الحج الوثنية
ماليزيا والله
جلوس محمد على عرش الله
محمد والحسين
رب عين القمر
الله والشيطان والوحى بالقرآن
الشرك بالله إلاه القمر
تلبية العرب الوثنيين
صلعم وصلم
أسم الله فى لسان العرب
معنى هلل فى لسان العرب
عبادة القمر فى الشعر العربى
معنى كلمة لاه
معنى الهِلالُ فى القاموس المحيط
يستطلعون الهلال برؤيته
الله وبناته
إله القمر معبود بيت صيدا
ما لا يعرفه المسلم عن شهر رمضان!
الله هو هلال بالعبرية والآرامية والعربية
تشابه  الزرداستية الفارسية مع الإسلام
شهر بالعبرية ترجمت هلال
الكعبات معابد إله القمر
المسيح منتصر على الله
أوثان وأصنام العرب

Hit Counter

 

هذه الصفحة منقول من  كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام - المؤرخ العلامة جــــواد عــلى - دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الثانية الجزء الثالث 1980

أعــــداء القبيلة هم أعداء الصنم - الحرب والأصنام
ولا بد لنا من الاشارة هنا إلى ان الأصنام كانت تدافع عن قبائلها وتذب عنها وتحامي عنها في الحرب، كما يدافع سيد القبيلة عن قبيلته، وان أبناء القبيلة و أبناؤها وأولادها، ولذللك كانوا يقولون عنها "اب" "أب" في كتاباتهم، ويكتبون عن أنفسهم "أبناء الصنم...". وفي الشعر الجاهلي أمثلة عديدة تشير إلى اعتقاد القوم باشراك آلهتهم معهم في الحرب وفي انتصارهم لهم. ففي الحرب التي وقعت بين "بني أنعم" و "بني غطيف" بشاًن الصنم "يغوث"، يقول الشاعر: وسارَ بنا يغوثُ إلى مراد فناجزناهمُ قبل الصباح  .
وطبيعي أن يعد أعداء القبيلة أعداء لصنم القبيلة، وأعداء الصنم أعداء للقبيلة، فأعداء الآله وأعداء القبيلة هم خصوم لا بمكن التفريق بينهم.
وفي معركة أَحد، وهي من المعارك الحربية المهمة التي جرت بين الإسلام والوثنية على مستقبل العرب الديني، نادى أبو سفيان بأعلى صوته: "اعلُ هُبْل ! علُ هبل !"، ليبعث الحماسة في نفوس الوثنيين، وليستغيث بصنمه في الدفاع عن أتباعه المؤمنين به. أما المسلمون، فاستنجدوا بالله، إذ ردّوا عليه رد"ة قوية عالية: "الله أعلى وأجل". فقال أبو سفيان: "ألا لنا العزى ولا عُزى لكم". فاًجابه المسلمون: " الله مولانا ولا مولى لكم ".
وفي الحروب يحارب كل إله عن قبيله، ويجهد نفسه في الدفاع عنها في سبيل حصولها على النصر. ولهذا السب كانت القبائل والجيوش تحضر أوثانها أو صور آلهتها أو رموزها الدينية المقدسة معها في الحروب. تتبرك بها وتستمد منها العون والنصر. ولما حارب الأعراب الملك "سنحاريب" ملك آشور، حملوا أصنامهم: "دبلت" "دبلات" Diblat، و "دية" Daia=Daja و "نوخيا" Nuhaia و "ابير يلو" Ebirilla "عثر قرمية" Atar Kurumaia معهم لتدافع عنهم،ولتحارب معهم الاشوريين. ولكن الآشوريين غلبوهم وانتصروا عليهم واخذوا غنائم وأسرى منهم، كان في جملتها هذه إلأصنام المسكينة، التي وقعت في الأسر وبقيت في أسرها إلى أن توفي "سنحاريب" وتولى ابنه "أسرحدون" الحكم، فاسترضى الأعراب هذا الملك وجاءوا بهدايا كثيرة، رجاء استرضائه لإعادة أصنامهم اليهم، فرقّ على حالهم وأعاد اليهم تلك الأصنام السيئة الحظ، التي كتب عليها أن تسجن،وتمكنت من استنشاق ريح الحرية من جديد. وسقطت أصنام الأعراب مرة أخرى في أسر الآشوربين، وذلك في أيام "أسرحدون"، فلما انضم "لبلي" "ليل" Laili ملك "يادي" "يادع" "يدي" "يدع" Jadi=Jadi إلى الثاثرين على حكم هذا الملك، لحقت بهم الهزبمة، وسقطت أصنامه أسيرة في أيدي الآشوريين، وأخذت إلى "نينوى"، فلم يجد الملك "ليل" "ليلي" أمامه من سبل سوى الذهاب إلى عاصة الملك لاسترضائه، حيث طلب العفو والصفع عما بدر منه، فقبل "أسرحدون" منه ذلك، وتآخى معه، وأعاد اليه أصنامه.
وكان في جملة الأصنام التي شاء سوء طالعها الوقوع في أسر الاشورين الصنم اتر سمين" "اترسما ئن" "A-tar-sa-ma-a-in"Atarsamin". و "اتر" هو "عتر"، فيكون المراد به "عتر السماء" عتر السماوات، ويدل ذلك على أنه إلَه السماء. وكان قد وقع أسيراً في أيديهم ايام الملك "أسرحدون"، فلما توفي الملك وانتقل عرشه إلى ابنه "أشور بانبال"، جاء Uaite العربي اليه، وهو أحد سادات القبائل إلى الملك،وصالحه وأرضاه، فأعاد اليه أصنامه ومنها الصنم ا لمذكور.
وطالما كان يعرض حمل المحاربن أصنامهم معهم في الحروب إلى وقوع تلك الأصنام في الأسر، تقع كما يقع الإنسان في الأسر. بل يكون أسر الأصنام في نظرهم أشدّ وقعاً في نفوسهم من أسر الإنسان. إنها آلهة تدافع وتحامي، إنها آلهة القبيلة كلّها، فأسرها معناه في عرفهم أسر القبيلة كلها، فأسر الآلهة شيء كبير بالنسبة إلى القبيلة. وقد أشرت إلى استيلاء الاشورين على أصنام قبائل "عريبي" التي حاربتهم، والى أخذها أسيرة إلى أرض آشور، والى مفاوضة الأعراب معهم على الصلح في مقابل إعادة تلك الأصنام اليهم. فلما أعيدت الأصنام إلى أصحابها، كنب الاشوريون عليها كتابة تخبر بوقوعها في الأسر، وبانتصار آلهة اشور عليها، لتكون نذيراً للمؤمنين بها، يحذرهم من حرب ثانية توقع هذه الأصنام في أسر جديد.

الطوفان حول الصنم قبل الحرب
وقد أشير إلى "خيل اللات" في مقابل "خيل محمد"، في شعر لأبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب، إذ قال:
لعمرك إني يوم احمل راية *** لتغلب خيل الله خيل محمد
ومن أمثلة العرب: "لا تفر حتى تفر القبة"، أو "لا نفر حتى تفر القبة". ويراد بالقبة: قبة الصنم، أي خيمة الصنم النبي تحمل مع المحاربين وتضَرب في ساحة القتال، ليطوف حولها المحاربون،يستمدون منها العون والنصر.كما كانوا يستشيرون الأصنام عند القتال، ويأخذون برأيها فيما تأمر به.
وحمل الأصنام مع القبيلة في ترحالها وفي حروبها وغزواتها يستلزم بذل عناية خاصة بها للمحافظة عليها من الكسر ومن تعرضها لأي سوء كان. وعند نزول القبيلة في موضع ما توضع الأصنام في خيمتها، وهي خيمة تقوم مقام المعبد الثابت عند أهل المدن. وتكون للخيمة بسبب ذلك قدسية خاصة، وللموضع الذي تثبت عليه حرمة ما دامت الخيمة فوقه "وقد كانت معابد القبائل المتنقلة كلها في الأصل على هذا الطراز. ولم يكن من السهل على أهل الوبر تغيير طراز هذا المعبد،واتخاذ معبد ثابت، لخروج ذلك على سنن الآباء و الأجداد. ولذلك لم يرض العبرانيون عن المعبد الثابت الذي أقامه سليمان، لما فيه من نبذ للخيمة المقدسة التي كانت المعبد القديم لهم وهم في حالة تنقل من مكان الى مكان.
واعتقاد القبائل أن أصنامها هي التي تجلب لها النصر والخسارة، كان سبب يؤدي في بعض الأحيان الى الإعراض عن الصنم. المحبوب ونبذه، نتيجة لانهزام للقبيلة،إذ يتبادر إلى ذهن تلك القبيلة أن تلك الهزيمة التي نزلت بها إنما كانت بسبب ضعف ربها واستكانتهّ وعدم اقتداره في الدفاع عنها، ولذلك تقرر الاستغناء عنه والتوجه إلى رب قوي جديد. وقد يكون ذلك الرب هو ربّ الفبيلة المنتصرة، أو رب قبيلة من القبائل التي عرفت بتفوّقها في الحروب، فيكون التوفيق حليف ذلك الرب. وهكذا الأرباب في نظر قبائل تلك الأيام كالناس لها حظوط، والحظ هو دائماً في جانب القوي.
وكان على كهّان صنم القبيلة المغلوبة ايجاد تفسير لعلة الهزيمة التي لحقت بعبدة ذلك الصنم، والبحث عن عذر يدافعون به عن الصنم، ويلقون اللوم فيه على أتباعه، لتبرئة ذمته وابعاد المؤمنين به عن الشك في قدرته وعظمته. فكان من اعذارهم، أن الهزيمة عقاب من الإلهَ أرسله إلى أتباعه لابتعادهم عن أوامره ونواهيه، ولعدم إطاعتهمء احكام دينه، ولمخالفتهم اراء رجال دينهم وكهانه. ولن تنقشع عنهم النكبة، ويكتب لهم النصر، إلا إذا تابوا وعملوا بأوامر الكهّان وأرضوا الالهة، وعملوا بما أوجبته شريعتهم عليهم. وهكذا يلوم الكهان للناس، دفاعاً عن التهم التي خلقوها باًنفسهم، وحماية لمصالحهم القائمة على استغلال تلك المخترعات، التي نعتوها آلهة وأصناماً.

نبذ الفرد للصنم نبذه للقبيلة
ولما كانت الالهة آلهة قبائل، كان نبذ الفرد لإلهَه معناه كنبذه لقبيلته وخروجه على إجماعها، فلا يسع شخصاً أن يغير عبادة- إله القبيلة إلا اذا خرج على قبيلته وتعبدّ لإلهَ آخر. فان تغيير عبادة الأفراد لأصنامهم في نظر قدماء الساميين امر إد، هو بمثابة تبديل الجنسية في العصر الحاضر. إن عبادة الأصنام عبادة موروثة يرثها الأبناء عن الاباء، وليست بشيء اختياري، فليس للرجل أن يختار الصنم الذي يريده بمحض مشيئته. إن الصنم دين وهو رمز للقبيلة، والمحامي المدافع عن شعبه، والرابطة التي تربط بين الأفراد، فالخروج عليه معناه خروج على ارادة الشعب، وتفكيك لوحدته، وهو مما لا يسمح به وإلاتعرّض الثائرالى العقاب.
نعم، كان في إمكان أصحاب الكلمة والسيادة والرئاسة تغيير اصنام القبيلة، أبى تبديل دينها، كما سنرى فيما بعد فهؤلاء هم سادة، والناس تبع لسادتهم وفي المثل: "الناس على دين ملوكهم". لقد اضاف سادة أصناماً إلى قبائلهم، فعبدت وتمسك أتباعهم بعبادتها.، وكأنهم قد تلقوا أوامرهم من السماء، ونبذت قبائل بعض أصنامها، بأمر من سادتها. ودخلت قبائل في الإسلام، لدخول سيدها فيه، ودخلت أخرى قبل ذلك في النصرانية، بتنصر سادتها،بكلمة أقنعت الرئيس، أو بعد محاورة، أو بإبلال من مرض قيل له انه كان ببركة ذلك الدين، فدخل أتباعه في ذلك الدين من غير سؤال ولا جواب.
عبادة الأصنام

ويتبين من غربلة روايات الأخباريين ان عبادة الأصنام كانت منتشرة انتشاراً واسعاً قبيل الإسلام،حتى كان أهل كل دارٍ قد اتخذوا صنماً في دارهم يعبدونه. "فإذا أراد الرجل منهم سفرا، تمسح به حين يركب،فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، واذا قدم من سفره تمسح به، فكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله.وقد كان أشق شيء في نظر قريش نبذ تلك الأصنام وتركها وعبادة إله واحد )وعجبوا ان جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب. أجعل الآلهة إلهاً واحداً، ان هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم ان امشوا واصبروا على آلهتكم ان هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في الملّة الاخرة إن هذا إلا اختلاق(.

يقول ابن الكلبي: "واشتهرت العرب في عبادة الأصنام فمنهم من اتخذ بيتاً، ومنهم من اتخذ صنماً. ومن لم يقدر عليه ولا على بناء البيت، نصب حجراً أمام الحرم وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت... فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً، أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا ً، وجعل ثلاث أثافي لقدره. فإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلاً آخر، فعل مثل ذلك. فكانوا ينحرون ويذبحون عند كلها ويتقربون اليها. وروي أنه لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا وله صنم يعبد يسمونه: "أنثى بني فلان. ومنه قوله تعالى: )إن يدعون من دونه إلاً إناثاً(. والإناث كل شيء ليس فيه روح مثل الخشبة والحجارة". وقد كان المشركون يعبدون الأصنام. "ويسمونها بالإناث الاسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ذلك.

ولدينا أمثلة عديده تفيد أن كثيراً من الجاهليلين كانوا قى يحتفظون في بيوتهم بأصنام يتقربون إليها كل يوم، ولا يعني ذلك بالطبع ان تلك الأصنام كانت اصناماً كبيرة منحوتة نحتاً فنياً، بل كان أكثرها تماثيل صغيرة وبعضها أحجاراً غير منسقة ولامنحوتة خشباً جيداً وانما هي أحجار تمثل الصنم الذي يتقرب اليه ألمرء. روي ان "أحمر بن سواء بن عدي السَّدُوسي" كان له صنم يعبده، فعمد اليه فألقاه في بئر، ثم جاء إلى الرسول فأسلمْ.
وكان بين الجاهليين قوم كرهوا الأصنام وتأففوا منها، رأوا انها لا تنفع ولا تضر ولا تشفع، فلم يتقربوا،اليها، وقالوا بالتوحيد، ومن هؤلاء "مالك بن التيهان"، وهو من الأنصار ومن المسلمين الأولين الذين دخلوا في الإسلام من أهل "يثرب"، و "أسعد بن زرارة".
وقد شك بعض المستشرقين في وجود أصنام عند العرب الجنوبيين، ويظهر أن - الذي حملهم على قول هذا القول، هو ما رأوه من تعبد العرب الجنوبيين لإلهة منظورة في السماء هي الكواكب الثلاثة المعروفة، فذهبوا الى انتفاء الحاجة لذلك إلى عبادة أصنام ترمز ا الى تلك الآلهة.وعندي أن،في اصدار رأي في هذا الموضوع نوع من التسرع، لأننا لم نقم حتى اليوم بحفريات علمية عميقة في مواضع الآثار في العربية الجنوبية حتى نحكم حكماً مثل هذا لا يمكن إصداره الا بعد دراسات علمية عميقة لمواضع الاثار.، فلربما تكشف دراسات المستقبل عن حلَ مثل هذه المشكلإت، إن الإسلام قد هدّ م الأصنام وأمر بتحطيمها، فذهبت معالمها، إلا أنه. من الممكن احتمال العثور على عدد منها، لا زال راقداً تحت التربة، لأنه من الأصنام القديمة التي دفنت في التربة قبل الإسلام بسبب دمار حلّ بالموضع الذي عبد فيه،أو من الأصنام التي وصلت اليها أيدي الهدم، فطمرت في الأتربة، وعلى كلّ فالحكم في هذا الرأي هو كما ذكرت للمستقيل وحده، وعليه الاعتماد. والرأي الذائع ببن الأخباربين عن كيفية نشوء عبادة الاصنام قريب منت رأي بعض العلماء المحدثين في هذا الموضوع. عندهم أن الناس لم يتعبدوا في القديم وفي بادىء بدء الاصنام، ولم يكولَوا ينظرون اليها على أنها أصنام تعبد " إنما صوروها أو نحتوها لتكون صورة أو رمزاً تذكرهم أو يذكرهم بالإلهَ أو الآلهة الأشخاص الصالحين. فلما مضى عهد طويل عليها، نسي الناس أصلها، ولم يعرفوا أمرها فاتخذوها أصناماً وعبدوها من دون الله.

المسخ

وتحملنا رواياتهم في بعض الأحيان على الاعتقاد أنه ربما كانوا يعتقدون بعقيدة المسخ، كالذي رووه عن الصنمين إساف ونائلة من أنهما "رجل وامرأة من جرهم، وأن إسافاً وقععليها في الكعبة فمسخا، وبعقيدة التقمص كالذي رووه عن الصنم اللات من أنه كان -إنسانأ من ثقيف،فلما مات قال لهم عمرو بن لحيّ: لم يمت، ولكن دخل في الصخرة. ثم أمرهم بعبادتها وأن يبنوا عليها بنياناً يسمى اللات". لو كالذي رووه عن إلأصنام ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، من أن هؤلاء كانوا نفراً من بني آدم صالحين، "وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلم ماتوا قال أصحابهم للذين كانوا يقتدرن بهم لو صوّ رناهم كان لشوق لنا إلى للعبادة اذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا ودب اليهم ابليس، فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدو هم".
وهذه العقيدة هي التي خلقت للاخبارين جملة قصص عن وجود ارواح كامنة في تلك الأصنام، كانت تتحدث إلى الناس، وهي التي أوحت اليهم بذلك القصص للذي رووه بمناسبة أمر النبي بهدم الأصنام، من خروج جن من أجوافها حينما قام بهدمها المسلمون. وقد كان أولئك الجنة على وصفهم إناثاً، وللغالب انهن على هيأة زنجيات شمطاوات عجائر، وقد نثرن شعورهن، وهي صور مرعبة ولا شك في نظر الناس، ومن عادة الناس منذ القديم أن يمثلوا الجنة على هيأة نساء طاعنات في السن مرعبات.

الخوف من الأرواح والإله
والخوف من هذه الأرواح أو الجنة التي كانت تقيم في أجواف الأصنام على راي الجاهليين، حمل بعض من عهد اليهم تحطيم تلك الأصنام على التهيب من الإقدام على مثل ذلك العمل خشية ظهورها وفتكها بمن تجاسر عليها. وهذا الخوف هو الذي "اوحى اليهم ولا شك برواية القصص المذكور".
ويمثل الصنم قوة عليا هي فوق الطبيعة، وقد يظن انها كامنة فيه، وتكون الأصنام على أشكال مختلفة، قد تكون على هيأة بشر، وقد تكون على هيأة حيوان أو أحجار أو أشكال أخرى، ولهذه الأصنام عند عابديها مدلولات وأساطير. وهي تصنع من مواد مختلفة، من الحجارة ومن الخشب ومن المعادن ومن أشياء أخرى بحسب درجة تفكير عبدتها وتأثرهم بالظواهر الطبيعيهّ والمؤثرات اليَ تحيط بهم. وقد تستخدم خُشُبُ خاصة تؤخذ من اشجار ينظر اليها. نظرة تقديس واحترام في عمل الأصنام منها. ويتوقف صنعها على المهارة التي يبديها الفنان في الصنع. ويحاول الفنان في العادة ان يعطيها شكلاً مؤثراً له علاقة بالأساطير القديمة وبالكائن الذي سيمثله الصنم. وقد يكون الصنم من حجارة طبيعية عبدها عن أجداده كأن يكون من حجارة البراكين، وقد يكون من النيازك عبدها لظنه بوجود قوة خارقة فيها.

تقديس الصور المنحوتة على الحجارة
ولعبادة الأصنام صلة وثيقة بتقديس الصور Images. وكذلك بصور السحر Magical Images. فكل هذه الأشكال الثلاثة هي في الواقع عبادة. ونعني هنا بتقديس الصور، الصور المقدسة التي تمثل أسطورة دينية أو رجالاً مقدسين كان لهم شأن في تطور العبادة، أو جاءوا بديانة، وأمثال ذلك، فأحب المؤمنون بهم حفظ ذكراهم وعدم نسيانهم أو الابتعاد عنهم، وذلك بحفظ شيء يشير اليهم ويذكرهم بهم، وهذا الشىء قد يكون صورة مرسومة، وقد يكون صورة محفورة أو منحوتة أو مصنوعة على هياًة تمثال أو رمز يشير إلى ذلك المقدس. فالصور المرسومة إذن، هي نوع من العبادة أيضاً، ينظر الها نظرة تقديس و إجلال.
وتجد في روايات أهل الأخبار عن منشأ عبادة الأصنام عند العرب ما يؤيد هذا الرأي، فهناك رواية طريفة عن الصنم "سواع" تزعم أن سواعاً كان ابناً لشيث، وأن يغوث كان ابناً لسواع، وكذلك كان يعوق ونسر، كلما هلك الأول صورت صورته وعظمت لموضعه من الدين. ولما عهدوا في دعائه من الإجابة. فلم يزالوا هكذا حتى خلف الخلوف، وقالوا: ما عظّم هؤلاء آباءنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة. وهناك رواية أخرى تزعم أن الأوثان التي كانت في قوم نوح، كانت في الأصل أشخاصاً صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم أن ان أنصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسونها انصاباً، وسموها بأسمائها، ففعلوا، فلم تعبد، حتى اذا هلك اولئلك وتنوسخ العلم بها عبدت.
وهنالك روايات عن أصنام جعلتها أشخاصاً مسخوا حجراً، فعبدوا أصناماً، وصاروا شركاء للّه، تعبد لها، لأنها في نظرهم تنفع وتضر.

صور الأنبياء والملائكة فى الكعبة
ونجد في أخبار فتح مكة ان الرسول حينما دخل الكعبة رأى فيها صور الأنبياء والملائكة، فأمر بها فمحيت. ورأى فيها ستين وثلاث مئة صنم مرصعة بالرصاص، وهبل أعظمها، وهو وجاه الكعبة على بابها، وإساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون، فأمر بها فكسرت.
أما هذه الصور، فقيل انها صور الرسل والأنبياء، و بينها صورة "ابراهيم" وفي يده الأزلام يستقسم بها.
الأصنام في تعريف علماء اللغة
والصنم في تعريف علماء اللغة هو ما اتخذ إلهاً من دون الله،وما كان له صورة كالتمثال "مثال"، وعمل من خشب، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، أو حديد، أو غيرها من جواهر الأرض. وقال بعضهم: الصنم جثة متخذة من فضة، أو،.نحاس، أو ذهب، أو خشب، أو حجارة، متقربين به إلى الله، فالشرط فيه أن يكون جثة: جثة انسان أو حيوان. وقيل: الصنم الصورة بلا جثة. وذكر ان الصنم ما كان من حجر أو غيره. وعرف بعضهم الصنم بأنه ما كان له جسم أو صورة فإن لم يكن له جسم أو صورة، فهو وثن. و "الصنمة."، الصورة التي تعبد. وقد كان "المنطبق" صنماً من نحاس أجوف يكلمون من جوفه.
ووردت لفظة "صنم" في كتابات عثر عليها في أعالي الحجاز، اسم علم لإله ازدهرت عبادته بصورة خاصة بمدينة "تيماء"، ويرجع بعض المستشرقين تأريخ ازدهار عبادة هذا الصنم إلى حوالي سنة"600" قبل الميلاد. وقد ورد اسمه علماً لأشخاص في الكتابات اللحيانية. ورمز عنه برأس ثورَ في كتابات قوم ثمود.
وقد وردت كلمة "أصنام" و "أصناماً" و "الأصنام" و "أصنامكم" في القرآن الكريم، بحسب مواقع الكلمهّ في الجملة.
وذكر علماء اللغة أن كلمة "صنم" ليست عربية أصيلة، وإنما هي معربة وأصلها "شمن" "شنم"، ولكنهم لم يذكروا اسم اللغة التي عربت منها. وترد اللفظة في اللهجات العربية الجنوبية، وردت "صلمن" في نصوص المسند بمعنى"صنم" و "تمثال"، و "مثال". ووردت في لهجات عربية أخرى. وهي "صلمو" Salmo في لغة بني ارم، ومعناها "صورة". من أصل "صلم" بمعنى "صوّر"، وتقابل "صلم" في العبرانية.
وقد ورد في قصص أهل الأخبار أن "بني حنيفة" تعبدوا لصنم من حيس، فعبدوه دهراً طويلا،.ثم جاعوا فأكلوه، فقال الشعراء في ذلك شعراً يعيرون به " بني حنيفة" لأكلهم ربهم زمن المجاعة. وهو في رأيي من القصص، الذي يضعه الخصوم في خصومهم للاستهزاء بهم.
الوثن
وأما كلمة "وثن"، فهي من الكلمات العربية القديمة الواردة في نصوص المسند. ويظهر من استعمال هذه الكلمة في النصوص مثل: "وليذبحن وثنن درا بخرفم ذبصم صححم انثيم وذكرم"، أي "وليذبح للوثن مرة فىٍ السنة ذبحا صحيحاً، أنثى أو ذكراً ". ان الوثن هو الذي يرمز إلى الإلَه، أي بمعنى الصنم في القرآن الكريم.
الصلم
ويظهر من استعمال كلمتي "صلمن" "الصلم" "صلم" و "وثنن " "الوثن" ان هناك فرقاً بين الكلمتين في نصوص المسند، فإن كلمة "صلمن، تعني في الغالب تمثالاً يصنع من فضه، أو من ذهب، أو من نحاس، أو من حَجر، أو من خشب، أو من أية مادة أخرى ويقدم إلى الآلهة لتوضع في معابدها تقًربا اليها، لاجابتها دعاء الداعين بشفائهم من مرض أو قضاء حاجة، أي انها تقدم نذوراً. أما الوثن، فإنه الصنم في لهجتنا، اي الرمز الذي يرمز به إلى الإله، والذي يتقرب له الناس.
والوثن في رأي بعض العلماء، لفظة مرادفة لصنم. وقال بعض آخر: "المعمول من الخشب أو الذهب والفضة أو غيرها من جواهر الأرض صنم، وإذا كان من حجارة، فهو وثن ". وذكر بعض آخر ان الصنم ما كان له صورة جعلت تمثالأ، والوثن ما لا صورةٍ له. "وقيل ان الوثن ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة ينحت ويعبد، والصنم صورة بلا جثة. وقيل: الصنم ما كان على صورة خلقة البشر، والوثن ما كان على غيرها". "وقال آخرون: ما كان له جسم أو صورة، فصنم، فإن لم يكن له جسم أو صورة، فهو وثن. وقيل: الصنم من حجارة أو غيرها، والوثن ما كان صورة مجسمة. وقد يطلق الوثن على الصليب وعلى كل ما يشغل عن الله". وقال بعض آخر: " يقال لكل صنم من حجر أو غيره صنم، ولا يقال وثن إلا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه ". وذكر بعض آخر: " أصل الأوثان عند العرب، كل تمثال من خشب أو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس أو نحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها ".

الصليب وثن
وذكر علماء اللغة أن "الودع" وثن. ولم يذكروا شيئاً عنه غير ذلك. وقد أطلق "الأعشى" على الصليب "الوثن"، إذ قال: تطوف العفـاة بـأبـوابـه كطوف النصارى ببيت الوثن
"أراد بالوثن الصليب". "قال عديّ بن حاتم: قدمت على النبي، صلى اللّه عليه وسلم، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: القِ هذا الوثن عنك، أراد به الصليب، كما سمّاه الأعشى وثنا".


فنحن اذن أمام آراء متباينة في معنى "الصنم"، و "الوثن". منهم من جعل الصنم مرادفاً للوثن، أي في معنى واحد، ومنهم من فرّق بينهما، ومنهم من جعل الصنم وثناً والوثن صنماً. والظاهر ان مردّ هذا الاختلاف، هو اختلاف استعمال القبائل للكلمتين، فلما جمع علماء اللغة معانيهما، وقع لهم هذا التباين وحدث عندهم هذا الاختلاف في الرأي.
وترد في كتب الأدب واللغة لفظة "البعيم ". اسم صنم، والتمثال من الخشب، وقيل الدمية من الصمغ. والمثال الشبه، وما جعل مثالاً لغيره، والتمثال. وهو الشيء المصنوع مشبهاً بخلق واذا قدرته على قدره. وذكر انها الأصنام. وفي هذا المعنى وردت في القرآن الكريم: "ما هذه التماثيل ? أي الأصنام. وقوله تعالى:) من محاريب وتماثيل، هي صور للأنبياء(. وذكر: التماثيل للاصنام، والصورة، والشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق اللّه. أي انسان أو حيوان أو نبات. ويعبر عن التمثال والمثال.بلفظة "امثلن" في العربيات الجنوبية. وردت في النصوص لمناسبة تقديم أصحابها تماثيل إلى الالهة لتوضع في معابدها وفاء لنذور نذروها لها.
و "الدمية" الصورة المنقشة من الرخام، أو عام من كل شيء، أو الصورة عامة. والصنم، والأصنام دمى. ومن أيمان الجاهلية: لا والدمى،-يريدون الأصنام، وذكر ان "الدمية" ما كان من الصمغ.
و " البد ّ" الصنم الذي يعبد، فارسي معرب. عرب من " بت " بمعنى"صنم". وذكر ان "البد"، بيت الصنم والتصاوير أيضاً.
وقد اشتغل بعض أهالي مكة بصنع الأصنام. فكان "عكرمة بن أبي جهل" ممن يعملها بمكة. وكان الأعراب اذا جاءوا مكة أو المواضع الحضرية الأخرى اشتروا الأصنام منها للتعبد لها.
هيأة الأصنام
وقد وصف "ابن الكلبي"، وهو الراوية الرئيس والعالم الكبير بالأصنام هيأة بعض الأصنام، فذكر مثلاٌ أن الصنم "هبل"، كان،على صورة إنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش فجعلت له يداً من ذهب. فهو تمثال إنسان اذن نحت من حجر أحمر أو وردي، لا يستبعد أن يكون من عمل بلاد الشام أو من عمل الفنانين اليونان، واستورد من هناك، فنصب في جوف الكعبة. استورده أحد سادة "مكة" وهو "عمرو بن لحيّ" على رواية أهل الأخبار، أو غيره، لما رأى فيه من حسن الصنعة ودقة النحت. فوضعه في موضعه. ولم يذكر أهل الأخبار سبب كسر اليد اليمنى للصنم، هل كان ذلك بسبب حادث، أو بسبب أسطوري. وأما "اللات" فصخرة بيضاء منقوشة، في رواية أكثر الأخبار. وتمثال من حجر على رواية. وأما العزى، فهناك رواية تذكر أنها كانت صنماً، أي تمثالاً، ولكنها لم تعين صورته على نحو ما تحدثت عنها في الفصل الخاص بالأصنام. واما "ود" فقد كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذبر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوساً، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل. وأما "سواع"، فكان صنماً على صورة امرأة. ولا يستبعد أن يكون من بين الأصنام الباقية ما كان على صورة حيوان. فقد كان الصنم "نسر" يمثل النسر.
وأقصد بالأصنام في هذا المكان أصنام المعابد، أي الأصنام التي كان الناس يتقربون أليها بالتعبد والنذور. وأما الأصنام الصغيرة، وهي التماثيل التي كان يتعبد لها الناس في بيوتهم أو يحملونها معهم في أسفارهم أو يحملونها معهم حيث ذهبوا تبركاً بها. فقد كانت كثيرة، لا يخلو منها انسان، وكانوا يتقربون بها إلى الأصنام الكبيرة. وقد عثر المنقبون على عدد كبير منها، وهي متًفاوتة في الحجم وفي الروعة ودقة الصنع والاتقان.
عبادة للأصنام
ونظرية "ابن الكلبي" ومن لف لفه من الأخباريين ان نسل اسماعيل بن ابراهيم لما تكاثر بمكة حتى ضاقت بهم، وقعت يينهم الحروب والعداوات، فاًخرج بعضهم بعضاً، فتفسحوا في البلاد التماساً للمعاش. وكان كلما ظعن من مكة ظاعن حمل معه حجراً من حجارة الحرم، تعظيماً للحرم وصبابة بمكة. فحيثما حلّوا، وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمناً منهم بها وصبابة بالحرم وحُباً له. وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث ابراهيم واسماعيل.
"ثم سلخ بهم إلى ان عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبسدلوا ابراهيم واسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، وانتجثوا ما كان يعبد قوم نوح منها، على أرث ما بقي فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد ابراهيم واسماعبل يتنسكون بها: من تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عَرَ فَة ومزدلفة، واهداء البدن، والإهلال بالحج والعمرة، مع أدخالهم فيه ما ليس منه".
فكان أول من غير دين اسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وبحر البحيرة، وحمى الحامية، عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة ابن عمرو بن عامر الأزدي، وهو أبو خزاعة.
وكانت أم عمرو بن لحيّ، فهيرة بنت عامر عمرو بن الحارث بن عمرو الجرهمي، ويقال: قمعة بنت مضاض الجرهمي.
وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة. فلما بلغ عمرو بن لحيّ، نازعه في الولاية، وقاتل جرهماً ببني اسماعيل، فظفر بهم، وأجلاهم عن الكعبة،ونفاهم عن بلاد مكة، وتولى حجابة البيت بعدهم.
ثم إنه مرض مرضاً شديداً، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمّة إن أتيتها، برأت. فأتاها، فاستحم بها، فبرأ. ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه ? فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو. فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا. فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة. ثم أخذ عمرو ابن لحيّ في توزبع الأصنام على القبائل. وبذلك شاعت عبادة الأصنام بين الناس.
هذه رواية شهيرة معروفة بين الأخباربين عن منشأ عبادة الأصنام وانتشارها عند العرب. وفي رواية أخرى: "كان أول من اتخذ تلك الأصنام، من ولد اسماعيل وغيرهم من الناس، وسموّها بأسمائها على ما بقي فيهم من ذكرها حين فارقوا دين اسماعيل هُذيل بن مدركة". فنسبت هذه الرواية اتخاذ الأصنام إلى هذيل.
وهناك روايات أخرى في هذا المعنى تتفق مع الرواية الأولى من حيث الجوهر ولا تختلف معها إلا في بعض التفاصيل ؛ ففي رواية ان" عمرو بن لحيّ "حينما قدم "مآباً" من أعمال البلقاء، وهي يومئذ بأيدي العماليق، ووجدهم يتعبدون للأصنام، سألهم أن يعطوه صنماً منها ليسير به إلى أرض العرب ليعبدوه، فأعطوه الصنم هبل، فأخذه، وقدم به إلى مكة فنصبه. وأمر الناس بعبادته. فعينت هذه الرواية القوم الذين ذهب اليهم "عمرو بن لحيّ "، والموضع الذيَ نزل به، وثبتت اسم الصنم الذي اخذه منهم. وهي زيادات لم نجدها في كتاب الأصنام.غير ان تشابه عبارات هذه الرواية التي ذكرها "ابن هشام" مع رواية " ابن الكلبي"، يدل على ان المنبع واحد، وانما الخلاف هو في ذكر بعض الفروع، وفي اختصار بعض المواضع، والإطناب في مواضع أخرى.
وفي رواية أخرى عن "ابن الكلبي" كذلك، وهي في كتابه الأصنام، ترجع أيضاً عبادة الأصنام إلى عمرو بن لحيّ، غير انها تروي الخبر في صيغة أخرى، فتقول: "وكان عمرو بن لحيّ، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن مازن بن الأزد، وهو أبو خزاعة، وأمه فهيرة بنت الحارث، ويقال إنها كانت بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، وكان كاهناً. وكان قد غلب على مكة وأخرج منها جرهماً، وتولى سدانتها.
وكان له رئي من الجن، وكان يكنى أبا ثمامة، فقال له: عجل بالمسير والظعن من يمامة، بالسعد والسلامة ! قال: جير، ولا إقامة.
قال: ايت ضَفَّ جُدّة، تجد فيها أصناماً معدة، فاًوردها تهامة ولا تهاب، ثم ادع عبادتها قاطبة. فأتى شطً دجلة، فاستشارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحجّ، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة.
فأجابه عوف بن عُذرة بن زيد اللآت بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة ابن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، فدفع اليه ودّاً. فحمله إلى وادي القرُى، فأقره بدومة الجندل. وسمىّ ابنه عبد ودً. فهو اول من ُسميّ به، وهو أول من سميّ عبد ودّ، ثم سمعة العرب به بعد.
فهذه الرواية هي علىشاكلة الرواية الأولى في منشأ عبادة الأصنام بين العرب قبل الإسلام بحسب رأي الأخباريين بالطبع، سوى اختلافها عنها في المكان الذي اخذت الأصنام منه. فهنا "جُدَّة" على ساحل البحر الأحمر، وهناك البلقاء من أعمال الشام. والموضعان، وإن كانا يختلفان موقعاً، يتفقان في شيء واحد هو وقوعهما على حدّ مقصود، يرده الأجآنب منذ القدم للاتجار. فهل يعني هذا استيراد تلك الأصنام من الخارج، من بلاد الشام أو من مصر، وانها كانت من عمل اهل الشام أو اهل مصر أو من عمل الروم أو الرومان ? وتذكر رواية أخرى ان "عمرو بن لحيّ"، إنما جاء بالصنم "هبل"، من "هيت" بالعراق حتى وضعه في الكعبة.
وعمرو بن لحيّ هو على اختلاف الروايات أول من غير دين اسماعيل،فنصب الأوثان، وسيب الساثبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي. فقأ عين عشرين بعيراً، فصارت العادة أن يفقأ عين الفحل من الإبل إذا بلغت الإبل ألفاً. فإذا بلغت ألفين، فقئت العين الأخرى. وقد نسب اليه كلام طويل. وزُعم له عمر مديد، وقصص أخرجه من عالم الواقع إلى عالم القصص والأساطير، ورجع عصره إلى ايام" العماليق" والى ايام "سابور ذي الأكتاف". وذكر ان العرب جعلته "رباً لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة، لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم، فربما نحر في الموسم عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة"، وذكروا انه كان ملكاً على الحجاز، "وكان كبير الذكر في ايامه، الى غير ذلك من قصص يروونه عنه.
وذكر "المسعودي"، ان "عمرو بن لحيّ" حين خرج إلى الشام ورأى قوماً يعبدون الأصنام، فأعطوه منها صنماً فنصبه على الكعبة،وأكثر من الأصنام، وغلب على العرب عبادتها،انمحت الحنيفية منهم إلا لماماً، ضج العقلاء في ذلك، فقال "شحنة بن خلف" "سحنة بن خلف الجرهمي" : يا عمرو إنك قد أحدثت آلـهة شتى بمكة حول البيت أنصابا
وكان للبيت ربّ واحـد أبـداً فقد جعلت له في الناس أربابا
لتعرفن بأن الله فـي مـهًـلٍ سيصطفي دونكم للبيت حجابا
وكان "عمرو بن لحي" كاهناً على ما يذكره أهل الأخبار : وهو من "خزاعة"، التي انخزعت من اليمن. ثبت حكمه على مكة، بعد أن انتزع الحكم من جرهم، وغلب قومه عليها، فصاروا يطبعونه ويتبعون ما يضعه لهم. وقد نسبوا اليه وضع بقية الأصنام، مثل اللات واساف ونائلة، فهو على رأي أهل الأخبار مؤسس هذه الأصنام التي بقيت إلى أيام النبي، والتي حطمت بأمره عام الفتح، وباستيلاء المسلمين على المواضع الأخرى.
وذكر أهل الأخبار أن "عمرو بن لحي" كان أول من غيرَّ تلبية "ابرهيم". وكانت: "لبيك لا شريك لك لبيك"، فجعلها: "لبيك اللهم لبيك، إلا شريك هو لك، تملكه وما لك"، وقد كان "ابليس" قد ظهر له في صورة شيخ نبيّ على بعير أصهب، فسايره ساعة، ثم لبى ابليس، فلبى "عمرو" تلبيته حتى خدعه. فلباها الناس على ذلكْ.
وقد قيل إنه بلغ بمكة وفي العرب من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده في الجاهلية مبلغه. ويظهرر أنه كان من أصحإب الحول والسلطان والجاه،ولذلك ترك هذاّ الأئر في روايات أهل الأخبار. واني أرى أنه لم يكن بعيد عهد عن الإسلام، وإلا لمَ حفظت ذاكرة أهل الأخبار أخبارها عنه. والظاهر أنه كان كاهناً من الكهان، ورجلا كبيراً من رجال الدين.
وروي أن الرسول ذكر أن "عمر بن لحي ين قمعة" كان أول من غيرّ دين اسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة.
ولست أظن أن الرواة قد أقحموا اسم "عمرو بن لحي " في قصة انتشار الأصنام في جزيرة العرب اقحاماً من غير أصل ولا أساس، فلا بد من أن تكون للرجل صلة ما بعبادة الأصنام عند الجاهليين، ولا بد أن يكون من الرجال الذين عاشوا في عهد غير بعيد عن الإسلام، لا قبل ذلك بكثير كما يدعي الأخباريون، فما كان خبره ليصل اليهم على هذا النحو لو كان زمانه بعيدأَ عنهم البعد الذي تصوروه. وأنا لا أستبعد احتمال شراء "عمرو بن لحيّ" للاصنام من بلاد الشام ومجيئه بها إلى الحجاز، ونصبه لها في الكعبة وفي مواضع أخرى، لما وجده من حسن صنعة التماثيل في تلك البلاد ومن جودة حجارتها، فاشترى عدداً منها، لتنصب في المحجات، فنسبت عبادة الأصنام اليه.
وزعموا أن "ابن أبي كبشة": "جزء بن غالب بن عامر بن الحارث ابن غبشان الخزاعي"، كان ممن أدخل الشرك إلى العرب، وخالف دين التوحيد. لقد ذكروا أنه دعا إلى عبادة "الشعرى العبور".
وليست عبادة الأصنام والأوثان عبادة خاصة بالعرب، بل هي عبادة كانت معروفة عند غيرهم من الشعوب السامية، وعند غير الساميين، كما أنها لا تزال موجودة قائمة حتى الآن.
وكانت قريش تتعبد وتتقرب إلى أصنام قبائل أخرى، على شرط المثل، أيَ أن تتقرب تلك القبائل وتتعبد لأصنام قريش. فقد ذكر "السكرى" أن قريشا كانت تعبد صاحب كنانة، وبنو كنانة يعبدون صاحب قريش. وقد تمكنت قريش بفضل هذه السياسة الحكيمة من جمع أصنام للعرب وضمها في الكعبة، وهذا ما جعل القبائل تعظم هذا المجمع، وتحج اليه كل سنة مرة، في موسم الحح، بالإضافة إلى الأيام الأخرى من أيام السنة، حيث تقع فيها للعمرة. فربحت من ذلك ربحاً معنوياً ومادياً، وصارت مكة سوقاً مستقرة، ثابتة، يقصدها الناس في كل وقت.
الحلف بالاصنام والطواغيتَ
ولعقيدتهم المذكورة في الأصنام، كانوا يحلفون بها وبالطواغيت. والظَاهر أن هذه العادة بقيت في نفوسهم حتى في الإسلام. فقد ورد في الحديث: " أنه قال من حلف بغير الله، فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله"، و "من حلف، فقال في حلفه واللات والعزى. فليقل : لا إلَه إلاّ الله"، ومن قال لصاحبه: تعال -أقامرك فليتصدق". وكانت ألسنتهم تسبقهم، لما اعتادته. من زمن الجاهلية من الحلف بالصنام.
 

This site was last updated 01/06/08