تاريخ الإكليريكية (6 )
الإكليريكية بين الجذور الكتابية والحقائق التاريخية
وطنى 18/7/2011م
القمص
روفائيل سامي
إكليريكية
الإسكندرية
جاء إلينا القديس مرقس الرسول بعد
خدمة عملية ومشوار كبير من العمل الكرازي الرسولي في
التبشير والخدمة فكان رفيقا لبطرس الرسول في أورشليم وكل
اليهودية ومع بولس وبرنابا في آسيا وأوربا وقيل إنه كرز
أيضا في لبنان فهو واحد من السبعين رسولا الذين انطلقوا
بعد يوم الخمسين إلي أماكن متفرقة علي سطح البسيطة حاملين
معهم نور النجم الأعظم الذي بنور تعاليمه أضاء في قلوبهم
وعقولهم وجعل منهم كواكب منيرة لكل العالم لايمكن أن يخفي
نورها.. كما أشار إليهم في تعاليمه قائلا 'أنتم نور العالم
لا يمكن أن تخفي مدينة موضوعة علي جبل'مت 5: 14
قال قداسة البابا شنودة الثالث
أطال الله لنا حياته في مقدمة كتابه الذي يحمل عنوان '
ناظر الإله الإنجيلي مرقس الرسول القديس والشهيد ' ( إننا
مدينون بإيماننا لهذا القديس العظيم الذي كرز في بلادنا
باسم المسيح ونحن مدينون أيضا لهذا القديس الذي كان أول
من كتب لنا إنجيلا يسجل فيه حياة السيد المسيح وأعماله
وفداءه للبشرية ونحن مدينون لهذا القديس الذي تسمت أول
كنيسة في بلادنا علي اسمه وفيها دفن جسده الطاهر ومن عند
ذلك الجسد كان البطاركة يختارون وكان أول عمل لهم هو
التبرك بقبره واحتضان رأسه الطاهرة وإلباسها كسوة جديدة..
هذا القديس العظيم الذي بشر باسم المسيح في مصر وفي
ليبيا وفي قبرص وفي بعض بلاد آسيا وفي روما وبعض بلاد
أوربا وتكرمه كثيرا فينسيا وتلتمس بركاته مدن وبلاد عديدة
...كان بيته أول كنيسة في العالم 'أع12:12 وفي بيته أسس
الرب سر الإفخارستيا وفيه أيضا حل الروح القدس علي
التلاميذ ) ولهذا لم يكن غريبا أو بعيدا عن هذا القديس
أن يفتح لنا في أرضنا المقدسة طاقة للنور والمعرفة
اللاهوتية ليرسخ من خلالها الإيمان بالإله الواحد فيقوم
بتأسس أول مدرسة في مدينة الإسكندرية باسم مدرسة الإسكندرية
المسيحية اللاهوتية (الإكليريكية ).
نشأة مدرسة الإسكندرية اللإهوتية (الاكليريكية)
كانت الإسكندرية من أهم المراكز الوثنية الثقافية في العالم
بفضل مدرستها التي أنشأها بطليموس الأول في وقت مجيء
القديس مرقس الرسول إليها وكانت تشتهر بمكتبتها التي عرف
طريقها تقريبا كل علماء العالم وفلاسفته في ذلك الزمان
وتخرج منها كبار الفكر والثقافة الوثنية فقدمت الكثير من
الدراسات الفلسفية والعلمية مثل الطب والتشريح والرياضة والفلك
وكان الدارس فيها هدفه المراكز المرموقة في الدولة لذلك
كان لزاما علي القديس مرقس أن يواجه الفكر بالفكر والثقافة
بالثقافة خاصة وهو مثقف ويجيد اللغات الثلاث الشهيرة في
زمانه وهي اللغة العبرية واللاتينية واليونانية مدركا مدي
تأثير الثقافة الوثنية وخطرها علي الفكر المسيحي الجديد
بالنسبة للعالم في زمانه وبحكمة وإرشاد إلهي اتجه فكره
لتأسيس مدرسة لاهوتية مسيحية في مدينة الإسكندرية الشهيرة
وعين العلامة يسطس لرئاستها علي أن تكون الدراسة فيها
بطريقة السؤال والجواب وتكون المواد الدراسية القائمة عليها
خادمة للمجتمع الموجودة فيه لذلك وضع بجوار الدراسات الدينية
وعلومها المختلفة دراسة الفلسفة والمنطق والطب والهندسة
والألحان والموسيقي والفن وحملت هذه المدرسة شعلة العلم التي
أضاء نورها في وسط عالم تائه في ظلمة الوثنية وقهر
الطغاة لدرجة أن بفضلها وسماحتها العلمية كان يشتاق زعماء
الفلاسفة الوثنيين أن يستمعوا إلي محاضرتها ويتقابلوا مع
طلابها الذين كانوا يتميزون بالأخلاق الحسنة والسمعة الطيبة
فالسلوكيات هي أهم من العلم في المدرسة اللاهوتية حتي الآن
إن لم يحصل الطالب علي 100% في السلوك والخدمة يعتبر راسبا
وممكن أن تكون سببا في فصله من الدراسة حتي أيامنا هذه
فالدراسة اللاهوتية مبنية علي الأخلاق الحسنة والسمعة الطيبة
عكس الدراسة في الكليات والمدارس الأخري.. وللأسف البعيدون
عن هذه الدراسات لايعرفون هذه الجزئية مما يجعلهم يسقطون
في ذلة الإدانة لطلبة وخريجي الكلية الإكليريكية.. ومن حسنات
الدراسة في المدرسة اللاهوتية في عصرها الرسولي الأول أنها
كانت تقبل جميع الطلبة من الأسياد والعبيد والذكور والإناث
بدون تفرقة مادام المتقدم يتمتع بالسيرة الحسنة والأخلاق
الحميدة معتبرة أن الجميع واحد في المسيح لذلك تخرج منها
عدد كبير من العلماء والفلاسفة الذين خرجت إلي كل كورة
سيرتهم وأعمالهم الحسنة وعلومهم المفيدة فكان منهم الفيلسوف
المشهود له أثيناغوراس وهو من رجال القرن الثاني الميلادي
وكان مشهورا ضمن أساطين الوثنية المعروفين في جيله ولكنه
بفضل مدرسة الإسكندرية اللاهوتية المسيحية أحب البحث في
الديانة المسيحية بعد أن كان طامعا في إظهار عيوبها بنقده
لها ولكن اجتذبه سرها وآمن بها وأحبها وقبل المعمودية عام
176م و اشتهر بدفاعه عن المسيحية وعقيدتها وكتب كتابا
لدفاع عنها وتأهل ليكون أول فيلسوف وثني عميدا لمدرسة
الإسكندرية المسيحية اللاهوتية بعد إيمانه بالمسيح.. خلفه بعد
ذلك القديس بنتينوس الفيلسوف العظيم الذي اعتنق المسيحية علي
يديه بعد أن كان رواقيا مشهورا مؤمنا بناموس الطبيعة
والضمير والواجب وفي عام 181م أصبح رئيسا للمدرسة اللاهوتية
المسيحية واهتم باللغة القبطية وأضاف إلي مناهج الدراسة
الكثير من العلوم الطبيعية لكسب المثقفين من الديانة الوثنية
وبشر أيضا في بلاد الهند وبلاد العرب بالمسيحية ليؤكد أن
مدرسته هذه لا تنفصل عن الكنيسة والكرازة بالمسيح في كل
المسكونة فكانت ومازالت الإكليريكية هي قلب الكنيسة النابض
والكارز في كل مكان في العالم وكما تروي لنا بعض سطور
التاريخ عن القديس بنتينوس الذي كان مهتما بتعليم شعبه
ومجاهدا لأجل خلاص نفوسهم آمن علي يديه مجموعة من التجار
الهنود وطلبوا من بابا الإسكندرية أن يرسل لهم القديس
بنتينوس ليكرز بالمسيحية في بلادهم وبالفعل أرسله البابا لهم
وآمن بالمسيح علي يديه نفوس كثيرة هناك.. وأما في رئاسة
المدرسة فمنذ عام 190م ترك مكانه القديس أكليمنضس الإسكندري
الذي كان مساعدا له وآمن بالمسيحية علي يديه وكان يعتبر
أب الفلسفة المسيحية الإسكندرانية قال عنه بعض المؤرخين
أمثال يوسابيوس إنه كان متمرنا في الكتب المقدسة وقالوا
أيضا عنه إنه شغوفا بالتعليم خبيرا في التاريخ اليوناني
أما القديس جيروم فقال عنه إن مجلداته معروفة ومملوءة
بالعلم والفصاحة وذكره سقراط قائلا أنه مملوء حكمة ولابد
أن نعرف أنه فرق بين إكليمنضس الروماني وإكليمنضس الإسكندري
الذي تولي رئاسة مدرسة الإسكندرية وولد عام 150م وتتلمذ
علي يد القديس بنتينوس وكان مساعدا له وسيم كاهنا
بالإسكندرية واشتهر بحبه للوعظ والتعليم وتتلمذ علي يديه
العلامة أوريجانوس والقديس ألكسدروس أسقف أورشليم وأهم ماتركه
القديس أكليمنضس الإسكندري للثقافة والعلم والإيمان هي تلك
المجموعة النادرة التي عرفها المجتمع الثقافي باسم (ثالوث
أكليمنضس) وهي عبارة عن 1- نصائح لليونانيين ودعوة لترك
الوثنية وقبول الإيمان المسيحي 2- المعلم وهو دعوة لتحويل
الإيمان بالمسيحية إلي عمل . 3- المتفرقات وهي التمتع بالمعرفة
الروحية الفائقة وهناك كتب أخري مثل من هو الغني الذي
يخلص والمجمل ورسالة عيد الفصح . هذا وكانت الفلسفة عند
القديس أكليمنضس هي هبة إلهية أما الفلاسفة فهم أطفال صغار
ينضجون من خلال الإيمان . وهكذا عزيزي القاريء كانت
الإكليريكية أما ولودا لعظماء التاريخ المصري المسيحي الذين
امتلأت جنبات المكتبات العالمية والدولية من كتاباتهم وأقوالهم
بل انطلقوا مبشرين كارزين ومعلمين بكل ما استقوه من إيمان
وعلم ومعرفة في مدرسة الإسكندرية المسيحية اللاهوتية
(الإكليريكية)والتي تزين تاريخها بعد أكليمنضس الإسكندري
بالعلامة أوريجانوس الذي يعد من اشهر الفلاسفة المسيحيين
والذي اهتم 28 سنة بدراسة الكتاب المقدس ووضع فيه سداسيته
المشهورة ( هكسابلا ) وفسر أسفاره وكتب لنا كتاب المباديء
والرد علي كلسوس والصلاة وعينه البابا ديمتريوس رئيسا لمدرسة
الإسكندرية وهو في الثمانية عشرة من عمره وأشتهر بين
العامة بالرجل الفولاذي نسبة الي قوة حجته التي لاتقاوم
وإلي مثابرته ومن خلال علمه ومعرفته أحدث تطورا ملحوظا في
مدرسته فقدم نفسه وحياته كمثل أعلي للحياة المسيحية
الإنجيلية فقال عنه واحد من تلاميذه في قيصرية تتلمذ علي
يديه لمدة خمسة أعوام وهو القديس غريغوريوس العجائبي لقد
جذبنا بأعماله التي عملها أكثر من تعاليمه التي علمنا
إياها فهو كان محتقرا للمجد البشري. كما ركز أوريجانوس في
إعداد الموعظين وتهيئتهم للعماد لا بالتعليم فقط أنما بتقديم
الحياة المسيحية العملية وكان يهييء المقبلين إلي العماد إلي
ما هو أفضل وهو استقبال إكليل الاستشهاد بفرح كما اهتم
بتعميق الفكر الدراسي فحبب تلاميذه في العلم فقيل إنهم
كانوا يجلسون حوله من الصباح إلي المساء ومن هنا نظمهم
في فصلين الأول للمبتدئين وسلمه لتلميذه هيراقليس والثاني
فكرس نفسه له ومن أهم أعماله أيضا هو إبراز مدرسته في
التفسير الرمزي التعليمي وذهب الي قيصرية وأنشأ مدرسة
لاهوتية هناك استمر فيها 20 عاما وكأنه بعمله هذا يقول لمن
ينعتون الإكليريكية بالفشل هذا هو دور الإكليريكية في
التعليم ونشره في كل الدنيا وهذه هي الإكليريكية ورسالتها
ومنهجها التكريس والتعليم والكرازة.. ولنا بقية في العدد
القادم إن شاء الرب وعشنا