عزيز علي المصري

Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - coptic history

بقلم عزت اندراوس

الفريق‏'‏ عزيز علي المصري باشا‏'‏

 هناك فى صفحة خاصة أسمها صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات وصمم الموقع ليصل إلى 30000 موضوع مختلف فإذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس لتطلع على ما تحب قرائته فستجد الكثير هناك

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

لم ننتهى من وضع كل الأبحاث التاريخية عن هذا الموضوع والمواضيع الأخرى لهذا نرجوا من السادة القراء زيارة موقعنا من حين لآخر - والسايت تراجع بالحذف والإضافة من حين لآخر - نرجوا من السادة القراء تحميل هذا الموقع على سى دى والإحتفاظ به لأننا سنرفعه من النت عندما يكتمل

Home
Up
الفريق عزيز المصرى
الملك يهنئ شعبه بالعيد
الخلافة الإسلامية والملك أحمد فؤاد
الملك فؤاد وجنيه أدريس
المندوب السامى اللورد اللنبى
الحياة السياسية
شائعة مرض الملك
ثروة الملك فؤاد
متفرقات
أحمد فؤاد وسعد زغلول
محاولة إغتيال رئيس الوزراء
الامير محمد على توفيق
إعتناق الملكة نازلى المسيحية
Untitled 3709

Hit Counter

 


الأهرام 14/6/2007 م السنة 131 العدد 44019 عن مقالة بعنوان "  ديوان الحياة المعاصرة المحاكمة الثانية لعزيز المصري باشا‏!!‏ الحلقة‏687‏ بقلم العلامة المؤرخ ‏:‏ د‏.‏ يونان لبيب رزق

الفريق‏'‏ عزيز علي المصري باشا‏'‏ شخصية من الشخصيات المثيرة التي عرفها التاريخ المصري‏,‏ فهو لم يكن مثل أي باشا كما لم يكن مثل أي رجل عسكري عرفه الجيش المصري أو جيوش الدول المحيطة‏,‏ حوكم في الأستانة في ديسمبر‏1914‏ بسبب خلافه مع أنور باشا‏,‏ رجل تركيا القوي‏,‏ حول سير العمليات العسكرية في طرابلس الغرب‏,‏ ولكن الرجل لم يتب فقد بدأت محاكمته الثانية‏.‏ ابتداء من‏18‏ مايو‏1941‏ وحتي يوم‏21‏ من نفس الشهر في العام التالي‏.‏
في ديسمبر‏1914 صدرت الأهرام تحمل علي صفحتها الخامسة بالبنط العريض عنوانا طويلا جاء فيه‏'‏ عزيز المصري باشا وضابطان طياران يفرون بطائرة حربية تقع بهم قرب قليوب‏-‏ اختفاؤهم بعد عودتهم إلي القاهرة‏-‏ مكافأة‏1000‏ جنيه لمن يرشد عنهم‏-‏ مجلس الوزراء يجتمع أمس مرتين ويعود اليوم إلي الاجتماع‏',‏ وفي‏18‏ مايو‏1941 م خبر صغير علي الصفحة الثانية كان نصه‏:'‏ تقرر نهائيا حفظ قضية الفريق عزيز علي المصري باشا وزميليه‏,‏ وقد أعيد الضابطان إلي الخدمة في الجيش المصري‏,‏ وتقرر صرف مرتبهما عن مدة وقفهما عن العمل‏'.‏
باختصار عزيز علي المصري ولد بالقاهرة وأكمل تعليمه الثانوي بمدرسة التوفيقية الثانوية بشبرا‏,‏ وبعد أن التحق بمدرسة الحقوق لمدة عام هجرها بحكم ولعه بالعسكرية قاصدا استنبول ليتمم تعليمه بالمدرسة الحربية بها‏,‏ حتي تخرج منها ومنذئذ بدت عليه مخايل التمرد‏,‏ فلم يمض وقت طويل حتي انضم لجمعية اتحاد والترقي التي قادت ثورة ضد السلطان عبد الحميد الثاني‏1908‏ ففرضت الدستور الذي كان قد سبق له وألغاه‏,‏ ثم خلعته عن العرش إبان العام التالي‏,‏ وخاض بعد ذلك مع‏'‏ الاتحاديين‏'‏ كل معاركهم داخل الدولة العثمانية أو خارجها‏,‏ فقد كانت أنحاء الإمبراطورية تموج بالثورات في ذلك العهد‏.‏
غير أن الصدام الذي حدث خلال تلك الفترة بين الدعوة للتتريك التي قادها الاتحاديون وبن الفكرة العربية الناشئة انتهت بأن انحاز الرجل للأخيرة وانضم للجمعيات العسكرية التي شكلتها‏,‏ وكان منها الجمعية القحطانية وجمعية العهد‏,‏ حتي أنه قبض عليه وحوكم‏,‏ ولم يلبث بعد أن حفظت القضية أن عاد إلي مسقط رأسه في مصر ليكتب تاريخه الوطني‏.‏
فترة تدريبه العسكرى بتركيا تركت بصماتها علي شخصية الرجل التي لازمته لآخر حياته‏;‏ البصمة الأولي‏:‏ الصرامة العسكرية التي اشتهر بها والبصمة الثانية إعجاب هائل بالمدرسة البروسية‏(‏ الألمانية‏)‏ العسكرية التي قامت بتحديث التعليم الحربي التركي‏,‏ حيث تلقي دروسه‏.‏ علي عكس الحال بالنسبة للضباط ممن تلقوا تعليمهم العسكري في مصر‏,‏ والذين تأثروا بالطابع الفرنسي‏,‏ فيما حاول المحتلون بعد عام‏1882‏ صبغه بالصبغة الإنجليزية‏.‏
ولعل هذه الصرامة هي التي دفعت الملك فؤاد في أخريات حياته إلي اختياره باعتباره الراعي العسكري لولي العهد الصغير‏,‏ عندما فكر في أن يرسل ابنه لتلقي تعليمه بكلية وولويتش العسكرية في بريطانيا‏,‏ ولكنها الصرامة التي كثيرا ما كانت توقع بينه وبين الراعي الرسمي للأمير الصغير‏,‏ أحمد باشا حسنين‏,‏ خريج الجامعات الإنجليزية‏,‏ والذي اختلف عن المصري باشا بأنه كان يري أن مهمة الوصول إلي الهدف لا تكون بالضرورة بالخط المستقيم الذي يؤمن به عزيز باشا‏,‏ وانتهت المعركة بفوز حسنين باشا‏,‏ فقد كره الأمير الشاب من راعيه العسكري كل القيود التي كان يرغب أن يضعها علي تحركاته وتصرفاته‏!‏
أما إعجابه بالمدرسة البروسية وما اتصل بها من‏'‏ ضبط وربط‏'‏ مبالغ فيه أحيانا فهو الذي أهله أن يصبح مفتشا عاما للجيش المصري عام‏1938‏ ليصبح في العام التالي رئيسا للأركان‏,‏ وكان من الطبيعي بسبب اختلاف المدارس‏,‏ وبسبب الميول الوطنية للرجل‏,‏ أن يطالب الإنجليز بتنحيته عن هذا المنصب‏,‏ خاصة بعد قيام الحرب العالمية الثانية‏,‏ إذ رأوه لا يتصف بالإخلاص في تنفيذ بنود معاهدة الصداقة والتحالف المعقودة بين البلدين‏,‏ وعاد الرجل منذئذ إلي بؤرة الأحداث‏,‏ ففي فبراير عام‏1940‏ نشرت الأهرام أن الرجل طلب من رئيس الوزراء‏,‏ علي باشا ماهر‏,‏ إجازة مرضية مدتها ثلاثة أشهر ونصف‏,‏
وما لبث أن أحالته حكومة حسين سري باشا في أعقاب تأليفها إلي المعاش‏,‏ الأمر الذي دعا الأستاذ عبد المجيد نافع عضو مجلس النواب إلي أن يتقدم باستجواب إلي الحكومة في أغسطس من نفس السنة نصه‏:‏ لم يعد سرا خافيا أن السلطة العسكرية البريطانية ألحت علي الوزارة السابقة لإقصاء حضرة صاحب السعادة الفريق عزيز علي المصري باشا عن الجيش المصري وأن تلك الوزارة لم تنزل عن إرادتها إيمانا بأن ذلك يعتبر تدخلا في صميم شؤون مصر الداخلية‏.‏ علي أن الأمة فوجئت أخيرا بقرار من مجلس الوزراء قاض بإحالة الفريق عزيز باشا علي المصري علي المعاش‏.‏ فهل كانت تلك الإحالة استجابة لرغبة سلطة أجنبية؟ وهل من مصلحة مصر أن تحرم الجيش في هذا الوقت العصيب من جندي عظيم لا يماري أحد في كفايته العسكرية؟‏'.‏
ويكشف هذا الاستجواب‏,‏ كما تكشف الوثائق السرية البريطانية‏,‏ أن المطلب الأساسي للسفارة الإنجليزية في القاهرة كان استبعاد الرجل‏,‏ غير أن علي ماهر بطريقته في التسويف نصحه بأن يطلب الإجازة المرضية‏,‏ وهو ما لم يسعد السلطة العسكرية البريطانية وكانت من أسباب سوء العلاقة بين السفارة ووزارة علي ماهر والتي أودت بها في النهاية بعد إنذار من السير مايلز لامبسون للملك‏,‏ وكان أول ما نفذه خليفته في الوزارة‏,‏ حسين سري باشا أن استجاب للمطلب البريطاني وأحال رئيس الأركان إلي المعاش‏.‏

1000 جنية مكافأة لمن يقبض على عزيز المصرى
الصورة المقابلة الاهرام فى 18/5/1941م ----->
وفي هذا الجو العام وقعت الواقعة‏!!‏
‏***‏
تحت العنوان المنوه عنه في صدر هذه الحلقة نشرت الأهرام بلاغا لمجلس الوزراء جاء فيه‏'‏ في الساعة الأولي من صباح يوم الجمعة‏16‏ مايو سنة‏1941‏ قام من مطار ألماظة اثنان من ضباط سلاح الطيران الملكي ومعهما ثالث بإحدي طائرات السلاح المذكور‏.‏ وقد اضطرت بفضل وسائل الرقابة الجوية إلي الهبوط فاصطدمت بسلك التيار الكهربائي الممتد بين قها وقليوب فسقطت في حديقة‏.‏ وعلي أثر هذا السقوط حاول الركاب الثلاثة الفرار‏,‏ وقد ثبت أنهم عادوا إلي القاهرة واختفوا‏,‏ وقد تبين من الحقائب والأوراق والصور المضبوطة ومن أدلة شديدة أخري شخصية الركاب الثلاثة وإن ثالثهم هو عزيز علي المصري باشا‏'.‏
رفق هذا البلاغ نشرت رئاسة الوزراء إعلانا بتخصيص مبلغ ألف جنيه لمن يعاون أو يرشد أو يدلي بيانات تساعد علي القبض علي عزيز علي المصري باشا والطيار الأول حسين ذو الفقار صبري والطيار الأول عبد المنعم عبد الرؤوف أو أحدهم‏'‏ وتنذر الحكومة كل من آوي أو أخفي هؤلاء الأشخاص الثلاثة أو أحدهم أو ساعد علي فرارهم‏,‏ وكل من علم بمقرهم ولم يبلغ عنهم بأنهم واقعون تحت طائلة العقاب‏'.‏
ونشرت جريدتنا في عدد اليوم التالي تفاصيل عن عملية الهروب وهي أن الثلاثة وصلوا إلي مطار ألماظة في الثانية عشرة مساء يوم الجمعة بإحدي سيارات الأجرة‏,‏ وأن الحارس لما تبين أن أحد القادمين ضابط عظيم سمح لهم بالدخول‏,‏ وقصدوا إلي إحدي حظائر الطائرات‏'‏ اللانسون‏',‏ وهي ذات أربعة مقاعد ويقودها طياران وطلبوا إخراج إحداها‏,‏ وبسبب العجلة وقعوا في عدة أخطاء‏..‏ فقد أهملوا تحذير الميكانيكي بأن الطائرة لم تجرب منذ مدة‏,‏ وأن بعض عداداتها في حاجة إلي إصلاح‏,‏ وأن الطيران في تلك الليلة قد يكون غير مأمون الجانب‏,‏ كما لم يعملوا بالقاعدة أن تبقي المحركات دائرة بعض الوقت حتي يتخذ الزيت مجراه الطبيعي‏.‏
وتستطرد الرواية الرسمية أن بعض وحدات الأنوار الكاشفة شاهدت الطائرة وسلطت عليها أضواءها‏'‏ ومضت بضع دقائق حاولت الطائرة خلالها مضاعفة سرعتها ولكن دون جدوي مما جعل الطيار يدرك علي ما يظهر أن ثمة خللا في المحرك وأن أنابيب الزيت قد سدت‏.‏ وهنا أحس بخطورة الموقف فأخذ يتلمس مكانا للهبوط‏,‏ وكان مهبطه حديقة قريبة من نقطة الأنوار الكاشفة في تلك المنطقة‏'.‏
وقدمت الجريدة بعد ذلك ترجمة للهاربين الثلاثة‏;‏ بالنسبة لعزيز المصري فلم تضف جديدا عما هو معروف من تاريخه سوي التذكير أنه في الواحدة والستين‏'‏ قمحي اللون‏,‏ أشيب الشعر طويله‏,‏ مع صلع في الجزء الأمامي من الرأس‏,‏ وهو مستطيل الوجه وذقنه مدببة وعيناه عسليتان وله حركة عصبية في الفم‏'.‏ بالنسبة لحسين ذو الفقار صبري فقد حرصت الأهرام علي أن تبرز رغبته في‏'‏ البطولة‏'‏ وأن أول ما فكر فيه أن يكون بطلا للملاكمة فسافر إلي ألمانيا ثم إلي إنجلترا‏.‏ فلما كانت سنة‏1936‏ سافر إلي أمريكا‏,‏ وكان يظن أنه يستطيع أن يصبح بطل العالم في الملاكمة‏.‏ بقي عبد المنعم عبد الرؤوف الذي عرف عنه حب المغامرة وكان يردد علي مسامع أصدقائه أن معظم قادة ألمانيا أمثال جورنج وهس وغيرهم قد اشتغلوا جميعا بالطيران في الحرب السابقة‏'‏ وكان الطياران الشابان معجبين بعزيز المصري باشا وقد عرفاه عندما كان مفتشا للجيش‏,‏ وكثيرا ما قالا لأصدقائهما أن عزيز باشا يري أن يرقي الضباط الشبان سريعا‏,‏ وأنه لو كان الأمر بيده لقفز بهما إلي رتبة اللواء‏'!!‏
وبدأت عمليات بحث دقيقة استمرت أكثر من خمسة عشر يوما‏,‏ مما يدل علي أن مكافأة الألف جنيه المرصودة للعثور علي عزيز باشا ورفيقيه لم تأت بنتيجتها المرجوة‏,‏ ربما لأن الرجال الثلاثة أتقنوا عملية الهروب‏,‏ وربما بدافع ممن عرفوا أماكنهم وأنفوا بوازع الوطنية من التبليغ عن مكانهم‏,‏ فقد ظل الرجل في نظر أغلب المصريين بطلا قوميا‏.‏
وخلال تلك الأيام ظلت تحوم الشبهات حول بعض الأشخاص‏..‏ في الإسكندرية أبلغ صيدلي معروف أنه شاهد في شارع معين في المدينة رجلا لابسا قبعة يشبه عزيز المصري غير أن ذلك لم يقم علي أساس من الصحة‏,‏ ومن نقطة ميت أبو خالد التابعة لمركز ميت غمر جاء بلاغ بوصول الرجل وزميليه إلي بلدة مسك ليلا حيث نزلوا في ضيافة أحد أبنائها فهوجم المنزل وتم تفتيشه فعثر علي الثلاثة يتناولون الطعام في غرفة داخلية ضئيلة النور‏,‏ وظهر أن أكبرهم اسمه عزيز فتم اعتقالهم‏,‏ واتضح أنه ليس عزيز المقصود وإنما اسمه الحقيقي عزيز ميرالكس وهو رجل هندي من متعهدي الجيش البريطاني لتوريد المأكولات وغيرها‏.‏ وفي دمياط ضوعفت الرقابة علي سواحل المدينة ومياهها‏,‏ وعندما تلقت المحافظة من عمدة بلدة الشعراء بلاغا ذكر فيه أن في البلدة شخصا يشبه عزيز المصري قام مأمور البندر بضبطه وتبين أنه من أهل دمنهور واسمه محمد البلتاجي‏!‏
وفي تلك الأثناء تم التكييف القانوني للاتهامات الموجهة للهاربين‏,‏ وكانت أربع‏:‏ سرقة الطائرة‏,‏ دخول المطار خفية‏,‏ الفرار من جيش جلالة الملك‏,‏ الخيانة العظمي أو الإضرار بأمن الدولة وسمعتها‏.‏ ويبدو أن القضية قد لفتت انتباه الرأي العام علي نحو مبالغ فيه‏,‏ الأمر الذي دعا الأهرام إلي التحذير من تجسيم الحادث وتضخيمه‏'‏ حتي لا يتخذ في مخيلة بعض الناس أهمية فوق أهميته‏,‏ وخطورة أبعد من خطورته‏..‏ وأنه لا ينبغي أن نبني علي هذه الحادثة صروحا لا تقوم علي أساس ولا أن نفرع عليها فروعا لا تحتملها الأصول‏,‏ ولا أن نستخرج منها نتائج لا تتفق مع المقدمات‏'!‏
وقد أوكل أمر التحقيق في القضية إلي النائب العام شخصيا الذي استجوب ضباط وزارة الدفاع الذين شاركوا في البحث عن الهاربين‏,‏ كما سمع أقوال بعض‏'‏ قصاصي الأثر‏'‏ الذين عهد إليهم بتتبع آثار المهربين‏,‏ ويؤخذ مما جاء في أقوالهم أنهم اقتفوا هذه الآثار حتي انقطعت في جبهة خلوية تابعة لمصلحة الحدود‏,‏ غير أن الأطرف من كل هذا عرائض‏'‏ العرافين‏'‏ الذين أبدوا استعدادهم للإرشاد عن مقر الهاربين‏'‏ ولما رأي بعضهم أن المحقق لا يلتفت إلي ترهاتهم عمد إلي الذهاب لمقابلة ذوي الشأن بالمحافظة والنيابة فكان نصيبهم الطرد‏'!‏
في يوم السبت‏7‏ يونيو‏1941‏ نشرت الأهرام علي صدر صفحتها الأولي خبرا بعنوان‏'‏ اعتقال عزيز المصري وزميليه‏',‏ وعلي الصفحة الخامسة تفاصيل العملية‏..‏ القبض تم في منزل يقع في بقعة خلوية عند مدخل امبابة بجوار ملهي الكيت كات‏,‏ وضع تحت المراقبة بضعة أيام فلاحظ المخبران المعينان للمراقبة أن إحدي غرف المنزل المطلة علي الشارع تظل مضاءة كل مساء إلي ساعة متأخرة من الليل فداخلتهما الريبة وأخذا في التحري حيث علما أن المسكن مؤلف من خمس غرف يقيم فيها مدرس وشقيقه الطالب بمدرسة الفنون الجميلة وشقيقتهما وهي سيدة في العقد الثالث من العمر‏.‏
وعلي الرغم من محاولة الفتاة منع القوة التي تقدمت لمداهمة المنزل من دخوله فقد نجح الضابط الذي يقودها في اقتحامه حتي وصل أفرادها إلي الغرفة التي كانت تظل مضاءة فوجد عزيز باشا مستلقيا علي سرير سفري صغير والضابطين الهاربين واقفين إلي جواره وكلهم يرتدون‏'‏ البيجامات‏'.‏ وبعد محاولة قصيرة من الضابطين للمقاومة تم ضبط الجميع واقتيادهم إلي السجن‏,‏ وبدأت مرحلة المحاكمة‏!‏

***‏

المحكمة العسكرية العليا
استقر الرأي أن تكون المحكمة العسكرية العليا هي الجهة المسئولة عن المحاكمة علي أن تشكل من خمسة أو سبعة ضباط منهم لواءان علي الأقل‏,‏ وفي فترة التحقيق تقدم ثلاثة من كبار المحامين للقيام بمهمة الدفاع‏;‏ مصطفي الشوربجي عن عزيز المصري‏,‏ وهيب دوس عن عبد المنعم عبد الرؤوف وزكي عربي عن حسين ذو الفقار‏.‏ غير أن آخرين دفعتهم الغيرة الوطنية أن يتطوعوا للدفاع مع هؤلاء منهم حافظ رمضان باشا وعبد الرحمن الرافعي بك وإبراهيم الناحل وصادق العويسي‏,‏ فضلا عن كل من نجيب الهلالي ومحمود سليمان غنام اللذين تطوعا للدفاع عن الآخرين‏.‏
مع هذا التطوع الجماعي‏,‏ ومع إثارة القضية في استجواب قدمه في مجلس النواب محمود فهمي النقراشي باشا اتخذت مزيدا من الطابع السياسي‏,‏ ولا نستبعد أن يكون القصر قد مارس ضغوطا خلال تلك الفترة‏,‏ فإن الملك الصغير لم ينس أبدا أن الرجل كان معلمه‏,‏ وأنه يتفق معه في هواه خلال تلك الفترة في التعاطف مع الألمان والعداء للإنجليز‏,‏ ولعل ذلك ما دعا النائب العام أن يخفف من قبضته علي القضية فأطلق سراح شقيقة المدرس صاحب المنزل‏,‏ رغم أنها كانت تعد طعام الغذاء للهاربين الثلاثة وقت القبض عليهم‏!‏
الأكثر من ذلك دلالة أنه لم ينقض أكثر من شهرين علي القبض علي الرجل وزميليه إلا وقد نقل إلي أحد المستشفيات‏,‏ عرف فيما بعد أنه الدمرداش‏,‏ ليعالج من مرض ألم بصحته‏,‏ حسب نص البيان الصادر بذلك‏,‏ وأفردت له حجرة خاصة ذات بابين وخصص ضابطان وأربعة جنود لحراسته‏.‏ ورخص له بقراءة الصحف‏,‏ وكان سبب النقل غريبا‏..‏ خراج في الأنف كان قد أصيب به قبل ثلاث سنوات وتمت إزالته‏!‏
وبدت أهمية القضية وأن‏'‏ ليس كل الطير يتاكل لحمه‏'‏ من الاجتماعات المتوالية التي كان يعقدها حسين سري باشا رئيس الوزراء مع وزرائه‏,‏ ومع النائب العام عبد الرحمن الطوير باشا‏,‏ للتشاور في كيفية التصرف‏,‏ وبدا الاتجاه أكثر عندما تم إخلاء سبيل المدرس الذي قبض علي عزيز المصري ورفيقيه في منزله‏,‏ أحمد مرزوق أفندي‏,‏ ونظن أن ضغوط الرأي العام الذي أبدي إعجابه الشديد بالرجل كانت وراء هذه الخطوة‏.‏
في‏18‏ سبتمبر تم تأليف المجلس العسكري العالي الذي سيحاكم أمامه الرجل من سبعة ضباط برئاسة اللواء عبد الحميد حافظ باشا رئيس الإمداد والتموين‏,‏ بعد أن تم تجاوز النص القانوني بأنه لا يجوز محاكمة الرجل من ضباط أقل منه رتبة‏,‏ فقد كان يحمل رتبة الفريق التي لم يكن يحملها معه سوي إبراهيم عطا الله باشا رئيس الأركان وعمر فتحي باشا كبر الياوران‏,‏ وتقرر أن تكون جلسات المحاكمة علنية في إحدي قاعات الكلية الحربية الملكية‏,‏ مما أتاح الفرصة لمراسل الأهرام وغيره من مراسلي الصحف أن يتابعوها‏,‏ وقدموا لنا تقريرا وافيا عنها‏..‏
وفي تلك الأثناء كان قد تم إعادة التكييف القانوني للاتهامات الموجهة لعزيز باشا بحيث خفت كثيرا عما كان متوقعا‏;‏ استمالته للضابط عبد المنعم عبد الرؤوف أفندي‏-‏ وهو من الأشخاص الخاضعين للأحكام العسكرية‏-‏ إلي الفرار من الخدمة‏,‏ إغراؤه الضابط حسين ذو الفقار صبري‏-‏ وهو من الخاضعين للأحكام العسكرية‏-‏ باستخدام إحدي الطائرت بغير حق‏,‏ إغراؤه الضابط المذكور بسرقة الطائرة‏,‏ إغراؤه الضابط نفسه بمغادرة المطار المكلف القيام بخدمته‏,‏ ولم يأت ذكر الخيانة العظمي وما إلي ذلك من اتهامات سبق ترديدها أثناء البحث عن الرجل‏.‏
غير أن أهم ما جاء في هذا التقرير أنه نفي ما رددته بعض الكتابات التي أشرنا إليها من قبل بأن عزيز المصري كان قد تآمر مع جاسوس ألماني في عوامة حكمت فهمي‏,‏ وأن هذا الجاسوس كان في انتظار الطائرة في مكان معين قرب الخطوط الألمانية ليقود الرجل ورفيقيه إلي الجنرال روميل‏,‏ ففد اتفقت الشهادات علي غير تلك القصة‏,‏ وهي الشهادات التي أدلي بها كل واحد من الثلاثة بعيدا عن الآخر‏!‏
اتفقت هذه الشهادات أن مقصد الرحلة كان إلي بيروت ومنها إلي بغداد حيث يلحق عزيز المصري برشيد عالي الكيلاني الذي كانت قد تعقدت علاقته وقتئذ مع البريطانيين‏,‏ وأنه كان من الصعب أن تقصد الطائرة إلي العاصمة العراقية مباشرة لاحتياجها إلي التموين بالوقود‏,‏ وأن الثلاثة كان في نيتهم في نهاية الأمر تسليم الطائرة للقنصل المصري في بغداد ليعيدها إلي القاهرة‏.‏
اتفقوا أيضا علي أن ما جعل الطائرة تحط علي الأرض بعد فترة قصيرة من إقلاعها ما حدث من تسليط الأنوار الكاشفة عليها مما جعل الطيار يحاول التهرب منها بواسطة الذهاب يمينا ويسارا حتي تم سماع صوت انفجارين متواليين اعتقد أنهما من المدافع المضادة للطائرات‏,‏ فظن أحدهما أن محرك الطائرة يحترق وأخذا في الهبوط وقد سهل عليهما القمر المسئولية وحطموا نافذة الطائرة الصغيرة وخرجوا منها‏,‏ ووجدوا أنفسهم في الجيزة فقصدوا منزل الأستاذ شوكت التوني المحامي الذي نصحهم بتسليم أنفسهم للسلطات‏,‏ غير أنهم خرجوا بسيارة الأستاذ التي أوصلتهم إلي كوبري امبابة وذهبوا منه إلي منزل عبد القادر رزق أفندي حتي قبض عليهم فيه‏.‏
وكان هذا الأخير من المعجبين بعزيز باشا المصري الأمر الذي بدا في أنه كان بنحت له تمثالا مما دعاه إلي التردد عليه بين وقت وآخر‏,‏ وعندما سئل عن الأسباب التي دعته إلي الامتناع عن التبليغ عنه‏,‏ ذكر أن تهاويل الصحف كانت توحي أنه ستصدر أحكام الإعدام بحق الثلاثة وأن ضميره أبي عليه أن يرتكب هذا الجرم رغم المكافأة المجزية المعروضة‏.‏
ولما كان معلوما وجود علاقة حميمة بين فتحي رضوان المحامي وعضو الحزب الوطني وبين عزيز المصري‏,‏ فقد تم القبض عليه‏,‏ ولكنه أثبت أنه ليست له علاقة بقضية هروب الفريق وإن لم ينكر علاقته به وأقره علي بعض أفكاره التي ظل يرددها في كل مناسبة‏,‏ فقد كان دائم السخط علي السياسة المصرية التي تنتهجها الأحزاب لأنها سياسة تقوم علي الارتجال وإن لم يعبر عن مشاعره بالعداء بالنسبة لاثنين من الزعماء المصريين‏;‏ محمد محمود باشا الذي عينه مديرا لمدرسة البوليس‏,‏ وعلي ماهر باشا وإن كان قد ظل يلومه في الشهور الأخيرة لمحاولة إبعاده عن الجيش‏.‏
وبدأت المحاكمة يوم‏22‏ نوفمبر‏1941‏ وكانت أول طلبات هيئة الدفاع استبعاد أحد القضاة‏,‏ علي حسنين الشريف باشا‏,‏ فاستجابت المحكمة وتم تأجيل القضية ليومين انعقدت بعدهما لتتقدم هيئة الدفاع بطلب الإفراج عن عزيز باشا لأنه ليس محبوسا بناء علي أمر قانوني صحيح لا من النيابة العامة ولا من السلطة العسكرية‏,‏ خاصة وأن نصوص الأحكام العسكرية تخول المجلس حق الإفراج عنه‏.‏
ودارت مرافعة الدفاع بعد ذلك حول تفنيد الادعاءات الموجهة لعزيز المصري والتي لا تستقيم مع تاريخه العسكري الطويل‏..‏ فند تهمة أنه أغري ضابطين شابين علي الهرب من خدمة صاحب الجلالة‏'‏ وهي تهمة لا يعرفها عزيز باشا لأن خدمة جلالة الملك شرف ما بعده شرف وفخر لا يعدله فخر‏',‏ ثم فند الاتهامات الثلاث الأخري بأن طلب من ممثلي الادعاء أن يسألوا أيا كان هل يصدق أن عزيز المصري باشا يرتكب جريمة من هذه الجرائم‏,‏ وانتهي الشوربجي بك إلي القول أن السياسة والعدل لا يتفقان‏,‏ وإذا جاءت السياسة من الباب خرج العدل من النافذة وأنه‏'‏ يجب أن نعلو بأنفسنا عن الخصومات وأن نرتفع عن الشخصيات والانتقامات‏'!‏
وفي تلك الأثناء كانت الأحداث تتالي علي نحو درامي أوقع الوجود العسكري البريطاني في مأزق‏;‏ فمن ناحية كان هناك تهديدات جيش روميل الذي يتقدم إلي العلمين ومنها كان يقصد الإسكندرية‏,‏ ومن ناحية أخري وجه البريطانيون للمك فاروق إنذارهم الشهير في‏4‏ فبراير‏1942‏ لدعوة النحاس باشا لتأليف الوزارة‏,‏ ولم يكن أي من الأطراف راغبا في استمرار محاكمة تلقي رفضا من الشارع المصري‏,‏ ومن ثم لم يكن غريبا الخبر الذي ساقته الأهرام في‏6‏ مارس من نفس السنة‏,‏ والذي جاء فيه‏:‏
‏'‏ استدعي صاحب المقام الرفيع مصطفي النحاس باشا رئيس الوزراء والحاكم العسكري العام حضرة صاحب السعادة عزيز المصري باشا والضابطين حسين ذو الفقار أفندي وعبد المنعم عبد الرؤوف أفندي فقابلوا رفعته حيث أعلنهم أنهم منذ الآن أحرار في الذهاب إلي منازلهم علي أن يكونوا تحت الرقابة المؤقتة لحين الانتهاء من اتخاذ ما يلزم من الإجراءات‏.‏ ومن الناحية الفعلية انتهت القضية عند ذلك الحد ولم تعد الصحف تذكرها إلا لماما‏,‏ ودخلت في أضابير التاريخ المصري الحافل بالقضايا‏!‏
 

This site was last updated 10/30/18