Home Up مرسوم الإمبراطور قسطنطين لبناء الكنائس قسطنطين وهيلانة واكتشاف الصليب قسطنطين يدمر معابد الأوثان قسطنطين وأسباب إنتشار المسيحية قسطنطين الكبير وعلامة الصليب والمسيحية قسطنطين وحرية العبادة وبناء الكنائس معترفين وقديسيين بافنوتيوس ومكسيموس New Page 7943 New Page 7944 | | فيما يلى الجزء التالى من كتاب التاريخ الكنسى لسوزمينوس THE ECCLESIASTICAL HISTORY - OF Sozomen .. ترجمه من اليونانية : Chester d. Hartranft .. ونقله الى العربية : الدكتور/ بولا سـاويرس نقلا عن : NPNF, II, 1890 A.D. *************************************************الكتاب الثانى: الفصل الأول (اكتشاف الصليب المُحيِى والمسامير المقدسة)
(2/1/1) عندما انتهت أعمال نيقية كما ذُكِر عاليه، عاد الكهنة إلى أوطانهم. وابتهج الامبراطور للغاية بعودة الاتحاد فى الرأى إلى الكنيسة الجامعة، فرغب فى التعبير عن امتنانه، بالنيابة عن نفسه وعن أبنائه، وعن الامبراطورية، إلى الله الذى ألهم الأساقفة وحدانية الرأى وذلك بإقامة بيت للصلاة فى أورشليم بالقرب من المكان الذى يُدعَى الجلجثة. فرحلت هيلانه Helena الأم، فى نفس هذا الوقت، إلى المدينة لرفع صلاة هناك وزيارة المواضع المقدسة. وقد جعلتها غيرتها للمسيحية تهتم بالكشف عن الخشبة التى شكلت الصليب الممجد. (2/1/2) ولكن لم يكن الكشف عن هذا الأثر أو عن قبر الرب، بالأمر الهيّن. لأن الوثنيين الذين اضطهدوا الكنيسة فى الأزمنة السابقة، والذين لجأوا فى بداية انتشار المسيحية إلى كل حيلة لمحوها، قد اخفوا تلك البقعة تحت كوم ضخم من التراب ورفعوا ما كان قبلا منخفضا، كما يظهر الآن. ولكى يخفوها على نحو أكثر، زينوا الموقع كله ورصفوه بالحجارة. وشيَّدوا أيضا معبدا لأفروديت وأقاموا تمثالا صغيرا لكى يبدو مَن يريد السجود للمسيح أنه يركع لأفروديت. وبذلك تُنسَى مع مرور الزمن، العلة الحقيقية لتقديم العبادة فى ذلك المكان، وأنهم كمسيحيين لن يجرأوا على التردد على هذا الموقع بدون خوف أو أن يشيروا به للآخرين. وصار المعبد والتمثال محل توقير شديد من قِبل الوثنيين. (2/1/3) وبإختصار، أُكتُشِف المكان مع ذلك وأمكن صيانته بحماس. وقد ذكر البعض أن الحقائق الخاصة به قد أُعلِنت أولا من عبرانى سكن فى الشرق، وقد استقى معلوماته من مستندات وصلته من ميراث عائلى. ولكن ما هو أكثر اتساقا كما يبدو مع الحقيقة هو افتراض أن الله قد كشف الحقيقة بواسطة علامات واحلام، لأنه لا اظن أن المعلومات البشرية تكون مطلوبة عندما يفكر الله فى إعلانه الأمر. (2/1/4) وبأمر من الامبراطور تم التنقيب فى المكان بعمق، وأُكتُشِفت المغارة التى قام منها الرب من بين الأموات. وعلى مسافة ليست بعيدة عنها عُثِر على ثلاثة صلبان، وعلى قطعة من خشب أخرى منفصلة منقوش عليها بحروف بيضاء عبرية ويونانية ولاتينية الكلمات التالية: يسوع الناصرى ملك اليهود. وهذه الكلمات كما تسجل الأناجيل المقدسة قد عُلِقَت بأمر من بيلاطس حاكم اليهودية فوق رأس يسوع. ومن ثمة ثارت صعوبة فرز الصليب المقدس عن الآخرين لأن القطعة المنقوشة نُزِعت منه وأُلقِيت بعيدا. والصليب ذاته طرح جانبا مع الآخرين بدون تمييز عندما أُنزِلت أجساد المصلوبين. لأنه طبقا للتاريخ وجد الجنود يسوع قد مات على الصليب فأنزلوه وسلموه للدفن، بينما لكى يعجّلوا بموت اللصيَن اللذين صُلِبا على جانبى يسوع، كسروا ساقيهما ثم قلعوا الصلبان وطرحوها بعيدا عن الطريق، ولم يكن يعنيهم أن يدَعوا الصلبان فى مكانها الأول لأن الوقت كان متأخرا، وبما أن الرجال كانوا قد ماتوا، لم يفكروا أن يبقوا لحظة لمعاينة الصلبان. وكان لابد من معلومات إلهية أكثر يتزود بها الانسان لمعرفة كيفية تمييز الصليب المقدس عن الآخرين.
(2/1/5) وهذا الإعلان تم كما يلى: كانت هناك سيدة شريفة فى أورشليم تعانى من مرض خطير جدا لا شفاء له، فاصطحبها مكاريوس اسقف اورشليم على محفة، مع أم الإمبراطور ومرافقيها. وبعد الصلاة اشار مكاريوس إلى المشاهدين، أن الصليب المقدس سيكون ذاك الذى عندما يوضع عليها يزول منها المرض. فقدَّمها بدوره إلى كل مِن الصلبان. ولكن عندما وُضِع الاثنان عليها كان الأمر يبدو سخيفا لأنها كانت على أبواب الموت. ووُضِع الثالث بدوره عليها، ففتحت عينيها فجأة واستردت قوتها وقفزت فى الحال من فراشها. وقد قيل أن ميتا قد استرد الحياة بنفس الطريقة. وبهذا أمكن تمييز الصليب المُكرَّم. (2/1/6) ووُضِع الجزء الأكبر منه داخل صندوق من الفضة مازال محفوظا فى أورشليم. وأرسلت الإمبراطورة جزءً منه إلى ابنها قنسطنطين مع المسامير التى سُمِّر بها جسد المسيح. ويُروَى عن ذلك أن الإمبراطور كان لديه غطاء رأس وأجراس لحصانه طبقا لنبوة زكريا الذى أشار إلى هذه الفترة عندما قال: أنه سيكون اجراس للخيول قُدسٌ للرب ضابط الكل([1]). هذه الأمور فى الحقيقة قد عرفها سابقا الأنبياء المقدسين وتنبأوا بها. وبإختصار عندما بدا لله أنه يجب اظهارها تأيدت بالعجائب. (2/1/7) ولا يبدو ذلك مدهشا عندما نتذكر أنه حتى من بين الوثنيين اعترفت سيبل Sibyl وتنبأت أن ذلك سيكون.[ حيث جاء بها ما يلى]: آه، ايتها الشجرة المُكرَّمة بالأكثر التى عُلِّق عليها ربنا، إن مقاومنا الغيور لن يقدر أن يُنكِر صدق هذه الحقيقة. ومن ثمة من الثابت أن اعلانا سابقا قد حدث عن خشبة الصليب والإكرام التى تلاقيه. (2/1/8) لقد روينا الأحداث عاليه بإختصار كما تسلمناها من أناس دقيقين للغاية، قد تلقوا المعلومات بالتسليم ابنا عن أبٍ، وأخرى مسجلة كتابة لمنفعة الأجيال([2]).
الكتاب الثانى: الفصل الثانى (بشأن هيلانه أم الإمبراطور وزيارتها لأورشليم، وبنائها لهيكل هناك، وأعمالها التقوية الأخرى، ووفاتها) (2/2/1) وفى نفس الفترة عزم الإمبراطور على إقامة هيكل تكريما للرب، فأمر الحُكام أن يتم العمل بأقصى ما يمكن من العظمة والتكلفة. فأقامت أمه هيلانه([3])، هيكلين: واحد فى بيت لحم بالقرب من المغارة التى وُلِد فيها المسيح، والثانى على منحدرات جبل الزيتون حيث أُخِذ من هناك إلى السماء. (2/2/2) وتُظهِر أعمال كثيرة تقواها وتدينها من بينها ما يلى، والتى لا تقل اعتبارا، أنه اثناء اقامتها فى اورشليم، يُروَى أنها جمعت العذارى القديسات([4]) فى وليمة وقامت بخدمة العشاء وتقديم الطعام لهن، وسكبت المياه على أياديهن، وانجاز خدمات أخرى مماثلة معتادة لأولئك الذين ينتظرون ضيوفا. وعندما زارت مدن الشرق، مَنحَت هبات مناسبة للكنائس فى كل مدينة، وأغنت أولئك الذين جُرِّدوا من ممتلكاتهم، وزودت الفقراء بالضروريات بوفرة، وردت الحرية لأولئك الذين سُجِنوا طويلا، أو حُكِم عليهم بالنفى أو العمل فى المناجم. ويبدو لى أن هناك أعمالا مقدسة كثيرة تستحق المجازاة. (2/2/3) وفى الحقيقة حتى فى هذه الحياة، قد ارتفعت إلى ذروة العظمة والفخامة، فقد دُعِيَت أوجاسطا([5]) Augusta. وطُبِعت صُورتها على العملات الذهبية، ووَهَب لها ابنها سلطة على الخزانة الإمبراطورية لتُعطِى حسبما تراه. (2/2/4) وكانت وفاتها أيضا مجيدة إذ أنها عندما غادرت هذه الحياة عن عمر الثمانين، وتركت ابنها واحفادها (قياصرة مثلها) سادة العالم الرومانى. واذا كانت هناك أية ميزة لهذه الشهرة فإن النسيان لم يخفِها بوفاتها، وكانت الحياة الاتية عربون ذكراها الدائمة إذ دُعِيَت مدينتان بإسمها واحدة فى بثينيا، والأخرى فى فلسطين. هكذا كان تاريخ هيلانه.
الكتاب الثانى: الفصل الثالث (هياكل تُبنَى بواسطة قنسطنطين الكبير. تأسيس مدينة بإسمه، وكنيسة رئيس الجنود ميخائيل فى سوثينيوم، والمعجزات التى جرت هناك). (2/3/1) وكان الإمبراطور مصمما دائما على تقدم الديانة، فشيَّد لله أفخم المعابد فى كل مكان وبصفة خاصة فى المتروبوليات([6]) مثل نيقوميديا([7]) Nicomedia فى بثينية Bithynia، وأنطاكية على نهر أورنتس([8]) Orontes، وبيزنطة. وقد حسَّن الأخيرة بشدة وجعلها معادلة لروما فى القوة وفى السلطة لأنه بعدما سوَّى شؤون الإمبراطورية حسبْ ذهنه، وعالج الشؤن الخارجية بالحروب والمعاهدات، عزم على تأسيس مدينة تُدعَى بإسمه وتكون معادلة فى الكرامة لروما. وبهذا العزم لجأ إلى هضبة عند سفح تروى([9]) Troy بالقرب من هليسبونت([10]) Hellespont فوق مقبرة أجاكسAjax حيث قيل أنها كانت المحطة البحرية للآخائيين Achaians، ومحلة لخيامهم عند محاصرتهم لطروادة. وهنا وضع خطة مدينة كبيرة وجميلة وبنى بوابات على بقعة مرتفعة من الأرض ما زالت تُشاهَد([11]) من البحر لأولئك البحارة [المارين] بها. (2/3/2) ولكنه بينما هو يتقدم هكذا، ظهر له الله ليلا وأمره أن يختار موضعا آخر، فوصل مُقادا بيد الله إلى بيزنطة فى تراقيا([12]) Thrace وراء خلقيدون([13]) فى بيثنية([14]) bithynia، وهنا رغب فى بناء مدينته وأن يجعلها جديرة بإسم قنسطنطين. وطاعة لكلام الله، وسَّع لذلك المدينة التى كانت تُدعَى سابقا بيزنطة([15]) وأحاطها بأسوار عالية، وأقام بها أيضا منازل فخمة فى الأقاليم جنوبا. وإذ كان يعى أن السكان السابقين غير كافين لمدينة عظيمة كهذه، فقد أسكن فيها أناسا ذوى رتب بعائلاتهم من روما القديمة ومن الأقطار الأخرى. وفرض ضرائب لتغطية نفقات البناء وتزيين المدينة، وتزويد سكانها بالطعام، وإمداد المدينة بكافة المستلزمات الأخرى. وقد زينها بملاعب فسيحة لسباق الخيل hippodrome، وبالينابيع والأروقة، والمبانى الأخرى. ودعاها القنسطنطينية، روما الجديدة، وجعلها العاصمة الإمبراطورية لكل سكان الشمال والجنوب والشرق وشواطىء البحر المتوسط من مدن استر([16])Ister وابيدامنوس Epidamnus وخليج ايجة Ionian إلى القيراون([17]) Cyreneوذلك الجزء من ليبيا المدعو بوريوم Borium([18]). وشيَّد مجلسا آخر، دعوه سينات senate، ورسم أياما مكرَّمة وأيام احتفال مثل تلك المعتادة للرومان الآخرين، ولم يخفق فى أن يجعل المدينة التى تحمل اسمه، معادلة فى كل شىء لروما فى ايطاليا، ولا خابت رغباته، لأنه بمعونة الله قد صارت عظيمة فى السكان والثروة. (2/3/3) واننى لا أعرف سببا لهذا التضخم غير العادى خلاف تقوى الذين شيدوها والذين سكنوها وشفقتهم وكرمهم للفقراء. إن الغيرة التى اظهروها للإيمان المسيحى كانت عظيمة جدا لدرجة أن كثيرين من السكان اليهود ومعظم اليونانيين قد اهتدوا. ولما كانت هذه المدينة قد صارت عاصمة الإمبراطورية خلال فترة الإزدهار الدينى، لذا لم تتدنس بمذابح ومعابد يونانية ولا بالذبائح. وعلى الرغم من أن يوليانوس([19])Julian قد سمح بدخول الوثنية لفسحة قصيرة من الزمن، إلا أنها سرعان ما انقرضت بعد ذلك. (2/3/4) ثم شرَّف قنسطنطين هذه المدينة الوليدة للمسيح التى دعاها بإسمه أكثر من ذلك بتشييد بيوت صلاة فخمة وعديدة. وقد آزرتْ أيضا الألوهية روح الإمبراطور بإعلانات إلهية اقنعت الناس أن بيوت الصلاة فى هذه المدينة مُقدَّسة ومُخلِّصة. فحسب الرأى العام للمواطنين والأجانب كانت أكثر الكنائس جديرة بالاعتبار تلك التى بُنيت فى الموضع الذى كان يُدعَى سابقا هستيا Hestiæ. فهذا المكان الذى يُدعَى الآن ميخائليوم Michaelium، يقع إلى اليمين لأولئك الذين يُبحِرون من بونطس Pontus إلى القنسطنطينية وعلى مسافة خمسة وثلاثين استاديا([20]) stadia من المدينة الأخيرة بحرا. ولكنك إذا اتخذت دائرة الميناء فإن الرحلة عندئذ تستغرق سبعين استاديا فصاعدا. (2/3/5) وقد حصل هذا المكان على الاسم الذى يحمله الآن لأنه يُعتقَد أن ميخائيل رئيس الملائكة قد ظهر ذات مرة هناك. وأنا أيضا أوكد أن هذا حقيقىٌ لأننى أنا نفسى تلقيتُ منافعا عظيمة وخبرة أعمال معاونة حقيقية، إلى جانب أدلة أخرى كثيرة تثبت أن البعض الذين سقطوا فى أخطار لا يمكن تجنبها أو انتكاسات مخيفة، وآخرون فى أمراض وآلام غير معروفة، وصَلَّوا هناك إلى الله، وجدوا تغيرا فى قدَرِهم. (2/3/6) وإننى لفى حيرة إن كنتُ أعطى تفصيلا للظروف والأشخاص أم لا. ولكننى لا استطيع أن احذف حالة اكويلينوس Aquilinus الذى يُقيم فى الوقت الحالى معنا، وهو محام فى نفس بلاط العدالة الذى ننتمى إليه. اننى سأروى ما سمعته منه بخصوص هذا الحدث وما رأيته. (2/3/7) فعندما هوجم بحمى شديدة انبعثت من المرارة الصفراء، اعطاه الأطباء شرابا غريبا كدواء فتقيأه وبفعل القىء انتشرت الصفراء على نحو غيَّرت محياه إلى اللون الأصفر. واضطر إلى أن يتقيأ كل طعامه وشرابه. وظل على هذه الحالة مدة طويلة. ولما كان غذاءه لا يبقى فيه فقد فشلت مهارة الأطباء فى [تخفيف] المعاناة. وإذ صار بين الحياة والموت أمر خادمه بأن يحمله إلى بيت الصلاة، إذ تأكد بشدة أنه هناك إما أن يموت وإما أن يتحرر من هذا المرض. وبينما كان هناك، ظهرت له قوة إلهية ليلا وأمرته أن يغمس قدمه فى مربى من العسل والنبيذ والفلفل. ففعل الرجل كذلك، فتحرر من شكواه، على الرغم من أن الوصفة كانت ضد القواعد المهنية للأطباء حيث أن مخلوطا من أشياء شديدة الحرارة كهذه هو ضد مرض الصفراء([21]). (2/3/8) وقد سمعتُ أيضا أن بروبيانوس Probianusأحد أطباء القصر كان يشكو بشدة من مرض فى القَدم قد نال بالمثل الخلاص من مرضه فى هذا الموضع، وحُسِب مستحقا أن يعاين رؤية إلهية عجيبة. فقد كان يلتصق فيما سبق بخرافات وثنية، ولكنه صار فيما بعد مسيحيا. وبينما كان يُسلِّم على نحو أو آخر ببقية عقائدنا، إلاَّ أنه لم يستطع أن يفهم كيف أنه بالصليب المقدس تم خلاص الجميع. وبينما كان ذهنه فى شك من جهة هذا الموضوع، إذا بعلامة الصليب الموضوع فوق المذبح بهذه الكنيسة تكشف له فى رؤية إلهية، وسمع صوتا بوضوح يعلن أنه عندما صُلِب المسيح على الصليب فإن إحتياجات الجنس البشرى أو الأفراد أيا كانت لا يمكن أن تفى بها خدمة ملائكة أو رجال أبرار وصالحين، لأنه ليست هناك قوة يمكنها أن تقوِّم بعيدا عن الصليب المكرَّم([22]). (2/3/9) لقد سجلتُ فقط بضعة أحداث أعرف أنها قد حدثت فى هذا المعبد لأنه ليس هناك وقت لأرويها كلها.
الكتاب الثانى: الفصل الرابع (قنسطنطين وبلوطة ممرا) (2/4/1) إننى اعتبر أنه من الضرورى أن أروى بالتفصيل اجراءات قنسطنطين بالنسبة لما يُدعَى بلوطة ممرا Mamre. فهذا المكان يُدعَى الآن تربنثوس Terebinthus وهو على مسافة حوالى خمسة عشر استاديا من حبرون([23]) Hebron التى تقع إلى الجنوب من أورشليم على مسافة 250 استاديا. فلقد قيل أنه هنا قد ظهر ابن الله لإبراهيم، مع ملاكين قد أرسلهما ضد سدوم وأعلن له ولادة ابنه. (2/4/2) وهنا يجتمع سنويا، كل سكان البلد والأقاليم التى حول فلسطين، والفينيقيون والعرب، خلال موسم الصيف لإحتفال شهير. وكذلك يقيم هناك كثيرون آخرون، مشترون وبائعون لحساب شؤونهم. (2/4/3) وفى الحقيقة هذا الاحتفال يتكرر بإجتهاد من قِبل جميع الأمم: اليهود لأنهم يفتخرون بأنهم من نسل أب الآباء ابراهيم. والوثنيون لأن الملائكة ظهروا هنا للبشر. والمسيحيون لأن مخلّص جنس البشر الذى وُلِد من عذراء فيما بعد قد أظهر ذاته لرجل تقى. وهذا المكان قد كُرَّم أكثر من ذلك لأنه مناسب للتداريب الدينية. فهنا يُصلى البعض الى رب الكل، ويدعو آخرون الملائكة ويسكبون نبيذا ويحرقون بخورا أو يقدمون ثورا، أو ذكر ماعز، أو خروفا، أو ديكا. وكل واحد يُقدِّم بعض منتجات عمله الجيدة، وبعد حصاد بعناية خلال كل العام، يُقدّمها حسب وعده كمادة للعيد، عن نفسه وعن تابعيه. (2/4/4) وسواء أكان بسبب كرامة المكان أو خوفا من السخط الإلهى، فإن جميعهم يُحجِمون عن معاشرة زوجاتهم على الرغم من أنهن خلال هذا العيد يكونون أكثر جمالا وتزينا عن المعتاد. غير أنهن إذا حدث وظهرن واشتركن فى الموكب العام لا يسلكن على الاطلاق بخلاعة ولا يتصرفن بنجاسة فى أى شىء آخر، على الرغم من أن الخيام تكون متلاصقة لبعضها البعض، ويرقدون جميعا معا. (2/4/5) والمكان بلد مفتوح وبلا منازل وصالح للزراعة، فيما عدا المبانى حول بلوطة ابراهيم القديمة والبئر الذى أعده. ولا يستقى أحد من البئر خلال العيد، لأنه حسب العادة الوثنية يضع البعض مصابيح موقدة بالقرب منه، والبعض يسكب نبيذا أو يطرح كعكا أو عملات معدنية، أو مرا أو بخورا. ومن ثمة فإننى أفترض أن المياه تكون بلا نفعٍ نتيجة للخليط الملقى فيها. ولما كانت هذه العادات تتم بواسطة الوثنيين بالمنوال السابق ذكره، وكانت حماة قنسطنطين حاضرة للصلاة هناك، فقد أعلَمت الإمبراطور بما يحدث. (2/4/6) وعندما تَلَّقى هذه المعلومات وبخ أساقفة فلسطين بشدة لأنهم أهملوا واجباتهم وسمحوا لمكان مقدس أن يتدنس بذبائح وتقدمات نجسة، وعبَّر عن احساسه التقوى فى رسالة كتبها إلى مكاريوس اسقف اورشليم ويوسبيوس بامفيلوس([24]) وإلى اساقفة فلسطين. وأمر هؤلاء الاساقفة بعقد مؤتمر من اساقفة الفينيقيين بشأن هذا الموضوع، واصدار التوجيهات لإزالة المعبد من أساساته الذى كان قد شُيِّد سابقا، وتدمير التماثيل المنحوتة بالنار وإقامة كنيسة جديرة بمكان قديم ومقدس كهذا. وأخيرا أمر الإمبراطور بألا تُقدَّم ذبائح وتقدمات([25]) فى هذا المكان، ولكن يُكرَّس بالتمام لعبادة الله حصريا بحسب شريعة الكنيسة، وأن أية محاولة لاسترداد الطقوس القديمة([26]) فإن الاساقفة سيكونون مجرمين وسيخضعون لأشد العقوبات. واضطر الحُكام والكهنة إلى تنفيذ رسالة الإمبراطور.
****** المراجع [1] - زك20:14 [2] - يوضح سوزمينوس هنا أن من ضمن مصادره، "التقليد" الصحيح السند، والسجلات المدونة سلفا. [3] - أو هيلينا، كما لفظها البعض. [4] - من الواضح أنه فى القرون الأولى كان يُطلَّق على المتبتلات أو المكرسات أو الراهبات إسم "العذارى". فنسمع عن القديس انطونيوس أنه قد أودع أخته "بيت" [أى دير، بالمعنى الحالى] للعذارى. وأن القديس آمون أودع زوجته لدى "العذارى".. وهكذا. [5] - ويلفظها البعض أيضا أوغسطا. [6] - أى المدن الكبيرة. [7] - مدينة إزميت الآن بتركيا. [8] - العاصى الآن. [9] - "تُرُوى" هى المعروفة بالعربية بمدينة طروادة. وقد اكتشفت بعثة المانية أطلالها حديثا، وكانت تقع فى جنوب غرب اناتوليا بتركيا حاليا وفى شمال غرب الدردنيل (الذى كان يُعرف بإسم هيلسبونت). [10] - هيلسبونت مضيق بحرى يربط بحر إيجة ببحر مرمرة، ويفصل المضيق ما بين شاطئ آسيا الصغرى وشبه جزيرة جاليبولي في الجانب الأوروبى، وهما من الأراضي التركية. ويُعرف حاليا بالدردنيل. وكان هذا المضيق مسرحا لمعركتين حربيتين أولاهما بين قنسطنطين وابنه الأكبر سنة 324م. [11] - أى فى زمن سوزمينوس. [12] - ويكتبها البعض أيضا، "تيراس". وهي منطقة تاريخية وجغرافية في جنوب شرق البلقان تضم شمال شرق اليونان وجنوب بلغاريا وتركيا الأوروبية. وتطل تراقيا على ثلاث بحار: البحر الأسود، وبحر إيجة، وبحر مرمرة، وهناك تداخل في حدود تراقيا التاريخية وحدود مقدونيا التاريخية. [13] - ترِد فى الكتابات العربية المصرية بالشكل "خلقيدونية"، و"خلقيدونيا". كما ترد فى مواقع البحث أيضا بالشكل خلقدون. كما تنوع لفظها أيضا فى اللغة الانجليزية (أنظر مواقع البحث تحت كلمة خلقدون) وهى الآن ضاحية من مدينة اسطامبول بإسم (قاضى كوي) Kadıköy [14] - بيثينيا هي منطقة قديمة في شمال غرب آسيا الصغرى، تجاور بحر مرمرة والبسفور والبحر الأسود. [15] - بيزنطة، أو بيزنطية، أو بيزنطا، بالانجليزية Byzantium. هي مدينة إغريقية قديمة كانت تقع علي مضيق البوسفور بتركيا. أُسسها بيزاس ابن نيسوس ملك ميغارا عام 658 ق.م.، فدُعِيَّت بإسمه. وفي عام 335م جعلها الإمبراطور قنسطنطين عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية، فأصبح يُطلَق عليها القنسطنطينية. وعندما غزا العثمانيون هذه البلاد أطلقوا عليها (إسلام بول). ثم دُعِيَت الآستانة. وحاليا تُعرف بإسم إسطنبول أو اسطمبول. [16] - وتكتب أيضا فى الكتب العربية القديمة "اسطر". وهو نهر الداونب حاليا. [17] - أو قورين، أو قوريني، أو قورينا. هى مدينة تاريخية قديمة يونانية ورومانية بالقرب من المدينة الحالية "الشحات" في الجبل الأخضر بأقصى شمال شرق ليبيا، وتبعد عن مدينة البيضاء بحوالي عشرة كيلومترات. [18] - "بوريوم" هى المدينة المندثرة "البوريقة" بالقرب من "بنغازى" الحالية بليبيا. [19] - أو جوليان أو يوليان. [20] - استاديا، معربة لفظا للكلمة الانجليزية stadeعن اللاتينية stadiumعن اليونانيةstadion ، هى أساسا وحدة قياس اغريقية قديمة للمسافات، وعرَّفها هيرودوت بأنها تساوى 600 قَدم. ولما كانت هناك أطوال مختلفة للقَدم تبعا للدول، فإن طولها بالضبط قد اختلف أيضا على الصعيد المكانى تبعا للدول، وعلى الصعيد الزمنى من حقبة لأخرى للبلد الواحد . أنظر عن ذلك : Gulbekian, Edward (1987). "The Origin and Value of the Stadion Unit used by Eratosthenes in the Third Century BC". Archive for History of Exact Sciences 37: 359–363 [21] - طبعا ذلك لحكمة إلهية حتى لا يُنسَب الشفاء إلى المادة المستخدمة لإظهار الفعل الإلهى. [22] - انظر عن ذلك "صلاة الصلح" بالقداس الغريغورى، للكنيسة القبطية، "لا ملاك ولا رئيس ملائكة إتمنته على خلاص جنس البشر...". [23] - هى مدينة الخليل الآن بالضفة الغربية. [24] - اسقف قيصرية، وهو كما قلنا سابقا شبه اريوسى. [25] - وثنية من الوثنيين. [26] - التى للوثنيين. |