مؤرخ التاريخ الكنسى سوزمينوس والمؤرخ ايوسابيوس القيصري، يذكران أن الإمبراطور قسطنطين الكبير رافعاً علاقة الصليب في معركته الفاصلة ضد منافسه مكسينتيوس عند جسر ملفيان عام 312م.
ذكر المؤرخون أن قسطنطين رأى في وضوح النهار (أو في حلم بحسب بعض الروايات) في السماء علامة
لصليب المضيئة فوق الشمس، ومكتوباً تحتها باليونانية "Ἐν τούτῳ νίκα" وتُرجمت لاتينياً إلى والتي تعني "بهذا تغلب"
إلا أن الأبحاث العديدة الحديثة أكدت أن هذه القصة هى بربوجاندا سياسية لم تحدث لأن الذى عمد قسطنطسن هو يوسابيوس القيصرى وهو هرطوقى أريوسى (1) عمده قبل أن يموت أى أن قسطنطين لم يكن مسيحيا قبل عماده أى قبل موته والبرهان أن قوس النصر الذى بناه قيطنطين فى روما تذكارا لإنتصاره لا يوجد عليه صليب أو أى إشارة للمسيحية عليه
وفيما يلى ما قاله مؤرخ التاريخ الكنسى سوزمينوس عن الإمبراطورقسطنطين والصليب والمسيحية كسرد لجميع وجهات النظر التاريخية
***************
(1) المؤرخ يوسابيوس أسقف قيصرية فلسطين *
(العلَّامة يوسابيوس القيصري | أوسابيوس بامفيلوس | أبو التاريخ الكنسي | يوسابيوس البامفيلي) (260/265 - 339/340 م.)
********************************************************
فيما يلى الجزء التالى من كتاب التاريخ الكنسى لسوزمينوس THE ECCLESIASTICAL HISTORY - OF Sozomen .. ترجمه من اليونانية : Chester d. Hartranft .. ونقله الى العربية : الدكتور/ بولا سـاويرس نقلا عن : NPNF, II, 1890 A.D.
*************************************************
الكتاب الأول: الفصل الثالث
(اعتناق قنسطنطين للمسيحية، عقب ظهور المسيح له، ورؤيا الصليب. وتلقيه للتعليم الدينى من اخوتنا)
(1/3/1) لقد علِمنا أن قنسطنطين قد أُقتِيد إلى شرف الديانة المسيحية بتوالى أحداث عديدة مختلفة، وعلى وجه الخصوص ظهور علامة من السماء. فعندما عَقد الأول العزم على شن الحرب ضد ماكسنتيوس Maxentius، ساورته الشكوك بالنسبة لوسائل تنفيذ عملياته الحربية ومن أين يمكنه طلب المعونة.
(1/3/2) وفى وسط حِيرته رأى فى رؤيا علامة الصليب تلمع فى السماء، فإندهش من المشهد ولكن بعض الملائكة الذين كانوا يقفون إلى جوار هذه العلامة صاحوا يا قنسطنطين بهذه العلامة تغلب([20]). وقد قيل أن السيد المسيح نفسه قد ظهر له وأراه علامة الصليب وأمره أن يصنع واحدة مثلها، ويجعلها عونا له فى المعركة فيضمن النصرة بصفة مؤكدة. ويؤكد يوسيبيوس المُلقب بامفيلوس أنه قد سمع الامبراطور وهو يُصرّح بقسَم أنه عندما كانت الشمس على شفا الانحدار فى حوالى منتصف النهار، رأى هو والجنود الذين كانوا معه علامة النصر التى للصليب مكونة من نور ومحاطة بهذه الكلمات: بهذه العلامة تغلب. وهذه الرؤيا صادفته بمناسبة حيرته فيما إذا كان يتعين عليه قيادة جيشه أم لا. وبينما كان يفكر فيما يمكن أن تعنيه هذه الرؤيا حل الليل. وعندما نام ظهر له المسيح بالعلامة التى رآها فى السماء وأمره أن يُشيِّد مثالا للشعار ويستخدمه كعون له فى المواجهات الضارية ولم يكن هناك توضيح أكثر من ذلك، إذ أدرك الإمبراطور بوضوح ضرورة خدمة الله.
(1/3/3) وعند طلوع النهار أَحضر سائر كهنة المسيح واستعلم منهم عن تعاليمهم. ففتحوا الاسفار المقدسة وشرحوا الحقائق الخاصة بالمسيح، وأظهروا له من الانبياء كيف أن العلامات التى تنبأوا بها قد تحققت فيه. وقالوا أن العلامة التى ظهرت له كانت علامة الانتصار على الجحيم لأن المسيح أتى بين البشر، وعُلِّق على الصليب ومات، وعاد إلى الحياة فى ثالث يوم. وقالوا فى هذا الصدد هناك رجاءٌ أنه فى نهاية التدبير الحالى ستكون هناك إقامة عامة من الأموات ودخول إلى الأبدية حيث يُكافأ أولئك الذين قادوا حياة صالحة، ويُعاقَب أولئك الذين عاشوا حياة طالحة. ولكنهم استطردوا قائلين غير أن وسائط الخلاص والنقاوة من الخطية مشروطة. أى العماد للشخص غير المُعمَّد وفقا لقوانين الكنيسة، وامتناع الشخص المُعمَّد عن خطايا جديدة. ولكن لما كان قلة، حتى بين الرجال القديسين، هم القادرين على حفظ هذا التقليد فإن هناك طريقة أخرى للتطهير تُدعَى التوبة، لأن الله فى محبته للإنسان يهب الغفران للذين سقطوا فى الخطية، عند توبتهم وتأكيد توبتهم بالأعمال الصالحة.
الكتاب الأول: الفصل الرابع
(قنسطنطين يأمر بحمل علامة الصليب أمامه فى المعركة، ورواية غير عادية عن حَمَلَة الصليب).
(1/4/1) واستدعى الإمبراطور- المندهش من النبوات المتعلقة بالمسيح التى شُرِحت له من
الكهنة- بعض الفنيين المهرة وأمرهم فى إعادة رسم الشعار المعروف من الرومان بإسم لاباروم Labarum([21])، ويحولوه إلى مثال الصليب ويزينوه بالذهب والأحجار الكريمة. وفاقت علامة الانتصار الحربية هذه كل شىء آخر إذ كانت تُحمَل دائما أمام الإمبراطور، وتُعبَد من الجنود.
(1/4/2) وأظن أن قنسطنطين قد غيَّر أقوى شعار للقوة الرومانية إلى علامة الصليب حتى ما يميل الجنود بصفة رئيسية عن طريق التعود على رؤيتها دائما أمامهم إلى هجر خرافاتهم القديمة والاعتراف بالإله الحقيقى الذى يعبده الإمبراطور، كقائد لهم، ومُعينهم فى المعركة، إذ أن هذا الشعار كان يُحمَل دائما أمام كتائبه، وكان يُحمَل بأمر الإمبراطور بين الكتائب العسكرية فى وسط المعارك الضارية بواسطة فرقة ممتازة من رماة الرماح الذين كان كل واحد منهم يحمل فى دوره، الشعار على كتفيه ويتقدم به بين الصفوف.
(1/4/3) وقد قيل أنه فى إحدى المناسبات عند حركة غير متوقعة من القوات المعادية، وضعه حامل هذا الشعار من رعبه فى يد آخر وهرب سرا من المعركة. وعندما صار بعيدا عن متناول أسلحة العدو تلقى فجأة جرحا وسقط، بينما الرجل الذى ظل حاملا للعلامة الإلهية، ظل بلا ضرر على الرغم من أن أسلحة كثيرة قد صُوِّبت ضده لأن قذائف العدو المصوبة ضد حامل الراية قد وُجِهت بالعناية الإلهية على نحو عجيب بعيدا عنه، على الرغم من أنه كان فى وسط الخطر.
(1/4/4) وأيضا من المؤكد أنه لم يسقط قط أى جندى حمل هذه العلامة فى المعركة خلال أية مصيبة حالكة، أو أُخِذ أسيرا، أو جُرِح.
الكتاب الأول: الفصل الخامس
(دحض تأكيد أن قنسطنطين قد صار مسيحيا نتيجة لقتل ابنه كريسبوس)
(1/5/1) إننى أعى جيدا أنه قد قيل من قِبل الوثنيين أن قنسطنطين بعد قتله لبعض أقاربه المقربين، وبصفة خاصة بعد قتل إبنه كريسبوس Crispus، ندم على أعماله الشريرة فاستعلم من سوباتير Sopater الفيلسوف الذى كان آنذاك معلم مدرسة بلوتينُس Plotinus بشأن وسائل التطهر([22]) من هذا الذنب. ولكن الفيلسوف، حسبما تقول القصة، أجاب أن مثل هذه الرذائل الأخلاقية لا تسمح بأية وسيلة للتطهُر. فحزن الإمبراطور من هذه الاجابة وتصادف أن قابل بعض الاساقفة الذين قالوا له أنه يمكنه التطهُر من الخطية بالتوبة والمعمودية. فسُرَّ بإنعاشهم وتبنى تعاليمهم وصار مسيحيا وقاد تابعيه لنفس الايمان.
(1/5/2) ويظهر لى أن هذه القصة هى من اختراع أشخاص يرغبون فى الافتراء على الديانة المسيحية. فكريسبوس الذى بسببه قيل أن قنسطنطين قد طلب التطهُر لم يمت حتى السنة العشرين من حكم والده، وحاز الموضع الثانى فى الإمبراطورية، وحمل لقب قيصر، وصِيغت قوانين كثيرة برضائه فى صالح المسيحية وما زالت قائمة. وهذه الحالة يمكن البرهنة عليها بالإشارة إلى التواريخ المحددة لهذه القوانين، والى قوائم المشرعين. ولا يبدو من المقبول أن سوباتير كان له أية علاقة بقنسطنطين الذى كان حكمه آنذاك يتركز فى الأقاليم المجاورة للمحيط والراين Rhine لأن منازعته مع ماكسنتيوس حاكم ايطاليا خلقت انشقاقا فى السيادة الرومانية حتى أنه لم يكن بالأمر الهين الاقامة فى الغال وبريطانيا أو البلاد المجاورة التى كان مسلَّما فيها على نطاق واسع بأن قنسطنطين قد اعتنق الديانة المسيحية قبل حربه مع ماكسنتيوس، وقبل عودته إلى روما وايطاليا. وهذا ثابت من تواريخ القوانين التى فى صالح الديانة.
(1/5/3) ولكن حتى مع التسليم جدلا بأن سوباتير قد التقى بالإمبراطور أو كانت له مراسلات معه فإنه لا يمكن تصُور أن الفيلسوف كان يجهل أن هيراكلس ابن الكمينا قد حصل على التطهير فى أثينا بالاحتفال بسرائر سيرس Ceres بعد قتله لإبنه وايفيتس ضيفه وصديقه. وكون أن اليونانيين قد نالوا التطهير من ذنب من هذا النوع، فهذا واضح من المِثال الذى أشرتُ إليه توا، ومن ثمة فهو مفترِى وزائف مَن يظن أن سوباتير قد علَّم بعكس ذلك. وإننى لا يمكن أن أقبل إمكانية أن يكون هذا الفيلسوف جاهلا لهذه الحقائق لأنه كان فى ذلك الوقت يُعتبَر الأكثر علما بين رجال اليونان.
*********************
مراجع
[20] - انظر "ابصالية" يوم الجمعة بتسبحة نصف الليل اليومية بالكنيسة القبطية الأسكندرية، فى كتاب "الابصلمودية السنوية".
[21] - وهو "الراية" الحربية التى كانت تُحمَل فى طليعة القوات. وقد صارت منذ عهد قنسطنطين الأول أو الكبير، يُرسَم عليها الحرفان الأولان من اسم السيد المسيح، باليونانية كما فى الصورة المرفقة.
[22] - يقصد وسائل التكفير عن الذنب، وهو ما عبَّر عنه كاسيان فى محاوراته بوسائل "الترضية" أى إكتساب رضاء الله. أنظر المحاورة رقم 20 لكسيان، ترجمة المعرب.