تاريخ كنيستي (225)
مملكة بيزنطة تترنح ونهاية المأمون
منقول من مقالات القمص أنجيلوس جرجس ـ
التغيرات التي حدثت في أوروبا في القرن التاسع، وانتشار المسيحية وسط القبائل الوثنية بعد توحدهم تحت إمبراطورية شارل الكبير، ولكن كانت القسطنطينية في ذلك الوقت مملكة غارقة في الصراعات والهرطقات.
فبعدما قُتل ليون الخامس عام 820م على يد صديقه السابق وقائد الجيش ميخائيل الثاني في ليلة عيد الميلاد بخنجر داخل الكنيسة وأصبح هو إمبراطور بيزنطة حاول في البداية ألا يصطدم بمحبي الأيقونات فأفرج عن الرهبان الذين سجنوا لأجل تمسكهم بالأيقونات، وقد أعلن أنه لا مانع من الاحتفاظ بالأيقونات في البيوت، ولكن بغرض الزينة وليس العبادة.
وأثار هذا القرار ضيق محبي ومؤيدي الأيقونات لأنه أظهر أن الأيقونة مجرد خطوط ورسوم للزينة، فثار الراهب "ثيؤدور" رئيس دير "ستوديون" الذي أسسه الراهب "ستوديون" في القرن الخامس بالقسطنطينية، وأرسل إلى بابا روما "بسكالس" وطلب منه التدخل ليعيد قدسية الأيقونة وأنها ليست للزينة، بل هي مقدسة في كنائس القسطنطينية.
وعلم ميخائيل الثاني بهذه الرسائل حين أرسل له "بسكالس" رسائل يطالبه فيها بإعادة النظر في موضوع الأيقونات فقبض على رئيس الدير "ثيؤدور" وجلده في ميدان عام.
وكان إمبراطور الغرب بعد شارل الكبير هو ابنه لويس الطيب فأرسل أيضاً إلى ميخائيل الثاني عام 824م يطلب منه أن يعيد الأيقونات إلى الكنائس وأن يعلن أنها مقدسة، ولكن ميخائيل رد عليه برسالة قال فيها: "موضوع الأيقونات هذه خرافة ونحن لا نؤمن بها".
وفي هذه الأوقات مات "بسكالس" بابا روما وجلس بعده "يوجينوس"، فأرسل الإمبراطور لويس الطيب يخبره بأن ميخائيل الثاني قيصر بيزنطة لا يؤمن بالأيقونات ويعتبرها خرافة فلابد من عقد مجمعاً للرد عليه. وبالفعل عقد "يوجينوس" مجمعاً عام 825م وأرسل إلى ميخائيل الثاني آيات من الكتاب المقدس ترد على أفكاره وأن الأيقونات ليست للعبادة، ولكن للشفاعة.
ولكن كان ميخائيل الثاني في هذه الفترة قد اصطدم بالكنيسة في القسطنطينية لأنه كان متزوجاً من زوجة فطلقها وأرسل إلى أفروسيا ابنة الإمبراطور السابق قسطنطين السادس وكانت قد ترهبت في الدير وعرض عليها أن تترك الدير وتتزوجه فوافقت وتزوجها، ولكن كان يجلس على كرسي القسطنطينية البطريرك أنطونيوس وهو كان ضد وجود الأيقونات ومن اختيار ميخائيل الثاني عام 821م لذلك بينما رفض الأساقفة للزواج من راهبة وطلاق القيصر من زوجته الأولى إلا أن البطريرك أنطونيوس لم يأخذ أي موقف ضد القيصر فقد كانت الكنيسة تخاف القيصر والبطريرك يخاف على كرسيه أكثر من خوفه من اللـه.
وفي نفس هذا الوقت اندلعت ثورة ضد بيزنطة في صقلية التي كانت تحكمها، وقاد الثورة من عام820م حتى 823م القائد العسكري توماس الصقلي من أصل سلافي (أوكرانيا). وكانت بيزنطة تتعامل مع الصقليين بنظرة دونية فانضم إلى الثورة الشعب ومعهم بعض العبيد.
وثار أيضاً في ذات الوقت على بيزنطة الكبادوك والشعوب السلافية (روسيا- أوكرانيا- بيلاروسيا) و(رافينا). وقد أعلن توماس أنه إمبراطور بيزنطة وحصل على تأييد بلاد كثيرة وخاصة أنه أعلن أنه مع قدسية الأيقونات، وطلب أن يتوجه البطريرك أنطونيوس، فرفض. وأرسل إلى الخليفة العباسي المأمون يطلب منه تأييده ومساعدته، فأرسل له سفن من الأسطول العربي وجنوداً لمساعدته، فسار في البحر وحاصر القسطنطينية، ولكنه هُزم وأُسر وأُعدم عام 823م.
وأرسل ميخائيل الثاني إلى المأمون يخبره بأن حليفه توماس قد أُعدم ويطلب منه معاهدة صلح، فرد عليه المأمون أنه حتى يتم الصلح لابد أن يدفع ثمن السفن العربية التي أُحرقت، فدفع ثمنها ميخائيل حتى يتم الصلح.
ومات ميخائيل الثاني عام 829م عن عمر 59 عاماً وجلس ابنه ثيؤفيلس وهو في سن الخامسة والعشرين وكان أكثر تشدداً من أبوه في موضوع الأيقونات فقد أعلن أنه لا يوجد لقب "قديس" لأي شخص حتى العذراء أو الشهداء، ورفض أي وجود للأيقونات في الكنائس أو البيوت حتى للزينة. وأمر بأن يُعزل أي أسقف يضع أيقونة في كنائسه.
وبعد جلوس ثيؤفيلس هاجم المأمون حدود بيزنطة من ناحية الأناضول وبدأت حروب بينه وبين المأمون وسقطت صقلية في أيدي العرب تدريجياً. وفي أثناء الحرب التي كان المأمون وأخيه المعتصم يقودونها وقرب مدينة طرسوس مات المأمون بالحمى عام 833م، وقبل موته أوصى بالخلافة إلى أخيه المعتصم الذي أوقف الحملة مؤقتاً على بيزنطة، وأمر بأن يوضع المأمون على سرير مغطى ويسير في موكب كبير حتى وصلوا طرسوس ودفن فيها.
ثم عاد المعتصم إلى بغداد ليجلس على عرش الخلافة العباسية بعد أخيه المأمون. وانتهى عصر المأمون الذي سفك دماء عشرات الآلاف من الأقباط البشموريين وبدأ عصر المعتصم.
لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين
*****************
تاريخ كنيستي (226)
صراعات فكرية وثورات في نهاية عصر المأمون
منقول من مقالات القمص أنجيلوس جرجس ـ
مات المأمون الخليفة العباسي عام 833م أثناء قيادته للجيش في حربه ضد بيزنطة بالقرب من مدينة طرسوس، وقد حمله شقيقه المعتصم ودفُن هناك وصار المعتصم هو الخليفة العباسي. وهو شقيق المأمون من أبناء هارون الرشيد، ولكن ليس من نفس الأم، وكان أصغر منه بثلاث سنوات، ولكنه كان مختلفاً عن المأمون وأبيه هارون الرشيد فقد كان عسكرياً لا يميل إلى الأمور الأدبية والعلم حتى أن بعض المؤرخين يقولون إنه كان لا يجيد القراءة والكتابة بالقدر الكبير.
وقد تراجع في عصره مجالس المناظرات العلمية والأدبية والفلسفية ولم تعد بالصورة التي كانت في عصر المأمون، ولكنه ورث عصراً كله مشاحنات وصراعات أدبية ودينية أحدثها تبني المأمون فكر المعتزلة كمنهج عام للدولة العباسية والذي كان ينادي بالعقل فوق النص الديني.
ووصل الصراع إلى حدته حين نادى المعتزلة بفكرة خلقة القرآن وتصدى له الفقيه أحمد بن حنبل فتعرض للضرب والتعذيب في عصر المعتصم، فقد استمر المعتصم في سند تيار المعتزلة. وكان عصره هو أخر عصر الحكمة والعلم في بغداد الذي بدأ منذ تولي جده المنصور (754- 775م) حيث أنشأ دار الحكمة وبدأت نهضة ترجمة العلوم والحضارات المصرية واليونانية والفارسية والهندية إلى العربية.
وقد كانت الحضارة المصرية قد نُقلت إلى اليونان منذ عصر أفلاطون وتُرجمت كثير من البرديات في عصر الإسكندر. وقد أحضر المنصور العلماء الذين طردوا من اليونان ومصر ولم يهتم بديانتهم فقد كان دار الحكمة فيه كل الديانات ومترجمين من كل اللغات.
وزاد النشاط العلمي والثقافي في عصر هارون الرشيد ولم يعد دار الحكمة دار للترجمة فقط، بل أصبح أكاديمية علمية متطورة فيها مرصد فلكي ومدرسة فلسفية كبيرة ومناظرات بين العلماء والفلاسفة والفقهاء. ولكن الذروة الكبرى كانت في عصر المأمون حيث نُقلت دار الحكمة من مجرد دار للترجمة ونشر العلوم إلى إنتاج علماء وأدباء وفلاسفة نسبوا إلى الدولة العباسية وإلى الفكر العربي وفلاسفة عظام مثل الكندي، وعلماء مثل الخوارزمي.
ولكن كان من نتاج هذا تيارات فلسفية ودينية اصطدمت بالتيار السلفي فظهرت جماعة المعتزلة التي كما قلنا إنها كانت تضع العقل فوق النص الديني، وظهر أيضاً التيارات الصوفية بشقيها الفلسفي والشعبي ومنهم ذو النون المصري والبسطامي الفارسي.
ووسط هذا العصر المتناحر فكرياً والنشط علمياً صار المعتصم الخليفة الثامن للدولة العباسية وهو أخر الخلفاء العباسيين الأقوياء. وقد كان نهاية عصر المأمون قد شهد مذبحة البشموريين والتي قادها المأمون والمعتصم والأفشين، ولكن كانت هناك ثورة أخرى مشابهة لهم في العراق وهي مشكلة جماعة الزط وهي كلمة هندية قديمة أُطلقت على قبائل احترفوا الزراعة من منطقة تركستان ودول البلقان والهند. وقد انتقلوا إلى العراق على مراحل وعُرفوا في المجتمع العربي "بالغجر" واستوطنوا جنوب العراق. وفي عصر المأمون صاروا جماعة مسلحة رفضوا دفع الضرائب والخضوع للدولة. وكان هذا في نفس زمن ثورة البشموريين في مصر وكانت قمة ثورتهم مع بداية عهد المعتصم وكانوا يعيشون وسط المستنقعات في الأهوار جنوب العراق المليئة بالقصب والغاب فلم يستطع جيش المعتصم هزيمتهم.
ويقول بطريرك أنطاكية ديونسيوس في كتابه "تاريخ الأزمان": "بعدما أعلن هؤلاء الغجر ثورتهم على المعتصم ـ وكان المعتصم مشهور بقساوته ـ أرسل لمحاربتهم، وكانوا يعيشون وسط المياه في دجلة والفرات، ولم يستطع جيش المعتصم هزيمتهم، فأرسل الأقباط الذين كان قد سباهم من البشموريين ليحاربوهم، لأنهم كانوا متمرسين على تلك الطريقة من الحروب، واستطاع الأقباط هزيمتهم، وبعد الانتصار قدر المعتصم الأقباط حقهم، وأخذ منهم جماعة يعملوا في الحدائق، وآخرون في نسج الأقمشة، وقال لهم من يريد العودة إلى مصر فليعود، ولكن عاد البعض، وقامت زوبعة في البحر أغرقت العائدين".
وفي أخر عصر المأمون، تمرد أيضاً زخاري ملك النوبة والسودان (منطقة كوش) ورفض أن يعطي الجزية التي فرضت عليهم منذ عصر عمرو بن العاص، فأرسل المأمون "المعتصم" على رأس جيشاً إلى كوش ليخضعهم، ويجبرهم على دفع الجزية، ولكنه قبل أن يُحرك جيشه أرسل المعتصم إلى البابا يوساب رسالة وقال له: "نظراً لأنك بطريركهم، ولك دالة عليهم، أقنع ملك النوبة أن يمتنع عن الحروب، ويرسل الجزية المتأخرة عليهم منذ 14 عاماً، وإلا فإني سأتي وما فعلته في البشموريين، سأفعله بهم".
فأرسل لهم البابا يوساب رسالة المعتصم، ونصح زخاري وابنه المشارك في الحكم جرجس بأن يدفع الجزية، وأخبرهم بما حدث للبشموريين وحذرهم من قساوة ما سيحدث.
فأرسل زخاري رسالة إلى البابا يوساب يخبره بإنه على استعداد للتفاوض مع المعتصم. وبالفعل أستقبل المعتصم جرجس بن زخاري استقبال جيد، واتفقوا على دفع الجزية، وانتهت هذه الأزمة بتدخل بابا الأقباط.
لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين