120 -
ولاية خمارويه على مصر سنة 270 - 283
ولاية خمارويه هو خمارويه وقيل خمار بن
أحمد بن طولون التركي السامري المولد المصري الدار والوفاة
ملك مصر والشأم والثغور بعد موت أبيه بمبايعة الجند له في يوم الأحد العاشر من ذي
القعده سنة سبعين ومائتين.
وعندما ولي إمرة مصر أمر بقتل أخيه العباس الذي كان في حبس أبيه أحمد بن طولون
لامتناع العباس من مبايعة خمارويه هذا فقتل.
وأم خمارويه أم ولد يقال لها مياس ولد بسرمن رأى في سنة خمس وخمسين ومائتين.
وأول ما ملك مصر عقد لأبي عبد الله أحمد بن محمد الواسطي على جيش إلى الشام لست
خلون من ذي الحجة سنة سبعين ومائتين المذكورة وعقد لسعد الأيسر على جيش آخر وبعث
بمراكب في البحر لتقيم بالسواحل الشامية فنزل الواسطي فلسطين وهو خائف من خمارويه
أن يوقع به لأنه كان أشار عليه بقتل أخيه العباس فكتب الواسطي إلى أبي أحمد الموفق
يصغر أمر خمارويه عنده ويحرضه على المسير إلى قتاله فأقبل ابن الموفق من بغداد وقد
انضم إليه إسحاق بن كنداج ومحمد بن ديوداد أبي السياج ونزل الرقة فتسلم قنسرين
والعواصم وكان خمارويه جميع الشام والثغور داخلة في سلطانه ثم سار آبن الموفق حتى
قاتل أصحاب خمارويه وهزمهم ودخل دمشق فخرج خمارويه في جيش عظيم لعشر خلون من صفر
سنة إحدى وسبعين ومائتين فالتقى مع آبن الموفق بنهر أبي فطرس " المعروف بالطواحين
من أرض فلسطين فاقتتلا فانهزم أصحاب خمارويه وكان خمارويه في سبعين ألفًا وآبن
الموفق في نحو أربعة آلاف وآحتوى على عسكر خمارويه بما فيه.
ومضى خمارويه عائدًا إلى مصر مهزوما فخرج كمين كان له مع سعد الأيسر ولم يعلم سعد
أن خمارويه انهزم فحارب سعد الأيسر ابن الموفق حتى هزمه وأزاله عن عسكره آثني عشر
ميلا.
ورجع أبو العباس إلى دمشق فلم تفتح له .
ثم مضى سعد الأيسر مع الواسطي إلى دمشق وطمع في البلاد الشامية وآستخف بخمارويه
وغيره ثم استولى على دمشق.
ووصل خمارويه إلى مصر في ثالث شهر ربيع الأؤل من السنة ولم يعلم ما وقع لسعد الأيسر
فلما بلغه خبره خرج ثانيا إلى دمشق لسبع بقين من شهر رمضان من السنة فوصل إلى
فلسطين ثم عاد بعساكره من غير حرب لأمور وقعت في ثامن عشر شوال واستمر بمصر إلى أن
خرج ثالثا إلى الشام في ذي القعدة سنة آثنتين وسبعين ومائتين وقد خرج سعد الأيسر عن
طاعته من يوم الواقعة فقاتل سعدا الأيسر المذكور وهزمه وظفر به وقتله ودخل دمشق
وملكها في سابع المحرم من سنة ثلاث وسبعين ومائتين وأقام بها أياما ثم سار لقتال
آبن كنداج فتقاتلا فكانت الهزيمة اولا على خمارويه وانهزم جميع أصحابه وثبت هو في
طائفة من حماته وقاتل آبن كنداج المذكور حتى هزمهم وتبعهم بأصحابه حتى وصلت أصحاب
خمارويه إلى سر من رأى بالعراق وعظم أمر خمارويه في هذه الواقعة وهابته الناس.
ثم كتب خمارويه إلى أبي أحمد الموفق طلحة في الصلح فأجابه أخو الخليفة الموفق لذلك
وكتب لخمارويه بولايته على مصر والشام جميعه والثغور ثلاثين سنة وقدم بالكتاب بعض
خدام الموفق إلى الشام في شهر رجب وعرفه الخادم أن الكتاب كتبه الخليفة المعتمد
وأخوه الموفق وابنه بأيديهم تعظيما لخمارويه فسر خمارويه بذلك وعاد إلى مصر في
أواخر رجب المذكور وأمر بالدعاء لأبي أحمد الموفق المذكور بعد الخليفة وترك الدعاء
عليه فإنه كان يدعى عليه بمصر من مدة سنين من أيام إمارة أبيه أحمد بن طولون من يوم
وقع بين الموفق وبين أحمد بن طولون وخلع ابن طولون الموفق من ولاية عهد الخلافة
وأمر القاضي بكاربن قتيبة بخلعه فلم يوافقه بكار على ذلك فحبسه أحمد بن طولون بهذا
المقتضى.
وقد ذكرنا ذلك كله في آخرترجمة أحمد بن طولون ولما أصطلح خمارويه مع الموفق عظم
أمره وسكنت الفتنة فإنه كان في كل قليل يخرج العساكر المصرية لقتال عسكر الموفق
فلما آصطلحا زال ذلك كله وأخذ ثم بلغ خمارويه مسير محمد بن أبي الساج إلى أعماله
بمصر فخرج بعساكره في ذي القعدة ولقيه بثنية العقاب في دمشق وقاتله واشتد الحرب بين
الفريقين وانكسر عساكر خمارويه فثبت هومع خاصته على عادته وقاتل ابن أبي الساج حتى
هزمه أقبح هزيمة وقتل في أصحابه مقتلة عظيمة وأسر وغنم وعاد إلى الديار المصرية
فدخلها في رابع عشرين جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين فأقام بمصر مدة يسيرة
وخرج إلى الإسكندرية في رابع شوال ثم عاد إلى مصر بعد مدة يسيرة فأقام بها
قليلًا.
ثم خرج إلى الشام في سنة سبع وسبعين ومائتين لأمر آقتضى ذلك وعاد بعد أيام إلى
الديار المصرية فورد عليه الخبر بها بموت الموفق في سنة ثمان وسبعين ومائتين ثم ورد
عليه الخبر في سنة تسع وسبعين ومائتين بموت الخليفة المعتمد وبويع بالخلافة المعتضد
أبوالعباس أحمد بن الموفق طلحة بعد عمه المعتمد فبعث خمارويه إلى المعتضد بهدايا
وتحف فسأله أن يزوج ابنته قطر الندى لولده المكتفي بالله فقال المعتضد: بل أنا
أتزوجها فتزوجها في سنة إحدى وثمانين ومائتين ودخل بها ببغداد في آخر العام وأصدقها
ألف ألف درهم.
يقال: إن المعتضد أراد بزواجها أن يفقر أباها خمارويه في جهازها وكذا وقع فإنه
جهزها بجهاز عظيم يتجاوز الوصف حتى قيل: إنه دخل معها فى جملة جهازها ألف هاون من
الذهب.
ولما تصاهر خمارويه مع المعتضد زالت الوحشة من بينهما وصار بينهما مودة كبيرة.
وولاه المعتضد من الفرات إلى برقة ثلاثين سنة وجعل إليه الصلاة والخراج والقضاء
بمصر وجميع الأعمال على أن خمارويه يحمل إلى المعتضد في العام مائتي ألف دينار عما
مضى وثلاثمائة ألف دينار عن المستقبل.
ثم قدم بعد ذلك رسول المعتضد إلى خمارويه بالخلع وكانت آثنتي عشرة خلعة وسيفا وتاجا
ووشاحا.
انتهى ما سقناه من وقائع خمارويه.
ولا بد من ذكر شيء من أحواله وما جدده في الديار المصرية من شعار الملك فى أيام
إمرته بها.
ولما ملك خمارويه الديار المصرية بعد موت أبيه أحمد بن طولون أقبل على عمارة قصر
أبيه وزاد فيه محاسن كثيرة وأخذ الميدان الذي كان لأبيه المجاور للجامع فجعله كله
بستانأ وزرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر وحمل إليه كل صنف من الشجر المطعم
وأنواع الورد وزرع فيه الزعفران وكسا أجسام النخل نحاسا مذهبا حسن الصنعة وجعل بين
النحاس وأجسام النخل مزاريب الرصاص وأجرى فيها الماء المدبر فكان يخرج من تضاعيف
قائم النخل عيون الماء فينحدر إلى فساقي معمولة ويفيض الماء منها إلى مجار تسقي
سائر البستان وغرس في أرض البستان من الريحان المزروع في زي نقوش معمولة وكتابات
مكتوبة يتعاهدها البستاني بالمقاريض حتى لا تزيد ورقة على ورقة لئلا يشكل ذلك على
القارىء وحمل إلى هذا البستان النخل من خراسان وغيرها ثم بنى.
في البستان برجا من الخشب الساج المنقوش بالنقر النافذ وطعمه ليقوم هذا البرج مقام
الأقفاص وبلط أرضه وجعل فيه أنهارا لطافا يجري فيها الماء المدبر من السواقي وسرح
في البرج من أصناف القماري والدباسي والنوبيات وما أشبهها من كل طائر يستحسن صوته
وأطلقها بالبرج المذكور فكانت تشرب وتغتسل من تلك الأنهار وجعل في البرج أوكارا في
قواديس لطيفة ممكنة في جوف الحيطان ليفرخ الطيور فيها وعارض لها فيه عيدانا ممكنة
في جوانبه لتقف عليها إذا تطايرت حتى يجاوب بعضها بعضا بالصياح وسرح في البستان من
الطير العجيب كالطواويس ودجاج الحبش ونحو ذلك شيئًا كثيرًا.
وعمل في هذا البستان مجلسًا له سماه دار الذهب طلى حيطانه كلها بالذهب واللازورد في
أحسن نقش وجعل في حيطانه مقدار قامة ونصف صورا بارزة من خشب معمول على صورته وصور
حظاياه والمغنيات اللاتي تغنيه في أحسن تصوير وأبهج تزويق وجعل على رؤوسهن الأكاليل
من الذهب والجواهر المرصعة وفي آذانها الأخراص الثقال ولونت أجسامها بأصناف تشبه
الثياب من الأصباغ العجيبة فكان هذا القصر من أعجب ما بني في الدنيا.
وجعل بين يدي هذا القصر فسقية ملأها زئبقأ.
وسبب ذلك أنه اشتكى إلى طبيبه كثرة السهر وعدم النوم فأشار عليه بالتكبيس فأنف من
ذلك وقال: لا أقدر على وضع يد أحد علي فقال له الطبيب: تأمر بعمل بركة من زئبق
فعمل البركة المذكورة وطولها خمسون ذراعًا في خمسين ذراعا عرضا وملأها من الزئبق
فأنفق في ذلك أموالا عظيمة وجعل في أركان البركة سككا من فضة وجعل في السكك زنانير
من حرير محكمة الصنعة في حلق من فضة وعمل فرشًا من آدم يحشى بالريح حتى ينتفخ فيحكم
حينئذ شده ويلقى على تلك البركة الزئبق ويشد بالزنانير الحرير التي في حلق الفضة
المقدم ذكرها وينزل خمارويه فينام على هذا الفرش فلا يزال الفرش يرتج ويتحرك بحركة
الزئبق مادام عليه.
وكانت هذه البركة من أعظم الهمم الملوكية العالية وكان يرى لها في الليالي المقمرة
منظر عجيب إذا تألف نور القمر بنور الزئبق.
قال القضاعي: ولقد أقام الناس مدة طويلة بعد خراب هذا القصر يحفرون لأخذ الزئبق
من شقوق البركة.
ثم بنى خمارويه في القصر أيضًا قبة تضاهي قبة الهواء سماها الدكة وجعل لها الستر
الذي يقي الحر والبرد فيسدل حيث شاء ويرفع متى أحب وكان كثيرا ما يجلس في هذه القبة
ليشرف منها على جميع ما في داره من البستان والصحراء والنيل والجبل وجميع
المدينة.
ثم بنى ميدانا آخر أكبر من ميدان أبيه.
وبنى أيضًا في داره المذكورة دارا للسباع وعمل فيها بيوتا كل بيت لسبع لم يسع البيت
غير السبع ولبؤته وعمل لتلك البيوت أبوابا تفتح من أعلاها بحركات ولكل بيت منها
طاقة صغيرة يدخل منها الرجل الموكل بخدمة ذلك البيت لفرشه بالرمل وفي جانب كل بيت
حوض من الرخام بميزاب من نحاس يصب فيه الماء وبين يدي هذه البيوت رحبة فسيحة
كالقاعة فيها رمل مفروش وفي جانبها حوض كبير من رخام يصب فيه ماء من ميزاب كبير
فإذا أراد سائس من سواس بعض السباع المذكورة أن ينظف بيت ذلك السبع أويضع له غذاءه
من اللحم رفع الباب بحيلة من أعلى البيت وصاح على السبع يخرج إلى الرحبة المذكورة
ثم يرد الرجل الباب وينزل إلى البيت من الطاقة ويكنسه ويبدل الرمل بغيره من الرمل
النظيف ويضع غذاءه من اللحم في مكانه بعدما يقطع اللحم قطعا ويغسل الحوض ويملؤه ماء
ثم يخرج الرجل ويرفع الباب من أعلاه كما فعل أولا وقد عرف السبع ذلك فحالما يرفع
الباب دخل السبع إلى بيته وأكل ما هيىء له من اللحم فكانت هذه الرحبة فيها عدة سباع
ولهم أوقات يفتح فيها سائر بيوت السباع فتخرج إلى الرحبة المذكورة وتتشمس فيها
ويهارش بعضها بعضا فتقيم يوما
كاملا إلى العشي وخمارويه وعساكره تنظر إليها فإذا
كان العشي يصيح عليها السواس فيدخل كل سبع إلى بيته لايتعداه إلى غيره.
وكان من جملة هذه السباع سبع أزرق العينين يقال له: زريق! قد أنس بخمارويه وصار
مطلقا في الدار لا يؤذي أحدا وراتبه على عادة السباع فلا يلتفت إلى غذائه بل ينتظر
سماط خمارويه فإذا نصبت المائدة أقبل زريق معها وربض بين يدي خمارويه فيبقى خمارويه
يرمي إليه بيده الدجاجة بعد الدجاجة والقطعة الكبيرة من اللحم ونحو ذلك مما على
المائدة وكانت له لبؤة لم تأنس بالناس كما أنس هو فكانت محبوسة في بيت وله وقت
معروف يجتمع بها فيه.
وكان إذا نام خمارويه جاء زريق وقعد ليحرسه فإن كان قد نام على سريره ربض بين يدي
السرير وجعل يراعيه ما دام نائما وإن نام خمارويه على الأرض قعد قريبا منه وتفطن
لمن يدخل أو يقصد خمارويه لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة وكان في عنق زريق طوق من ذهب
فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه ما دام نائما لمراعاة زريق له وحراسته إياه حتى
أراد الله إنفاذ قضائه في خمارويه: كان بدمشق وزريق بمصر ولو كان زريق حاضرًا لما
كان يصل إلى خمارويه أحد.
فما شاء الله كان.
وكان خمارويه أيضًا قد بنى دارا جديدة للحرم من أمهات أولاد أبيه مع أولادهن وجعل
معهن المعزولات من أمهات أولاده وجعل فيها لكل واحدة حجرة واسعة لتكون لهم بعد زوال
دولتهم وأقام لكل حجرة من الخدم والأسمطة الواسعة ما كان يفضل عن أهلها منه شيء
كثير وكان الخدم الموكلون بالحرم من الطباخين وغيرهم يفضل لكل منهم مع كثرة عددهم
الشيء الكثير من الدجاج ولحم الضأن والحلوى والقطع الكبار من الفالوذج والكثير من
اللوزينج والقطائف والهبرات من العصيدة التي تعرف اليوم بالمأمونية وأشباه ذلك مع
الأرغفة الكبار وآشتهر بمصر بيع الخدم لذلك فكان الناس يأتونهم لذلك من البعد
ويشترون منهم ما يتفكهون به من الأنواع الغريبة من المأكل وكان هذا دواما في كل وقت
بحيث إن الرجل إذا طرقه ضيف خرج من فوره إلى باب دار الحرم فيجد مايشتريه ليتجمل به
لضيفه مما لايقدر على عمل مثله.
ثم أوسع خمارويه آصطبلاته لكثرة دوابه فعمل لكل صنف من الدواب إصطبلأ حتى للجمال ثم
جعل للفهود دارا مفردة ثم للنمورة دارا مفردة وللفيلة كذلك وللزرافات كذلك وهذا كان
سوى الاصطبلات التي كانت في الجيزة ومثلها في نهيا ووسيم وسفط وطهرمس وكانت هذه
لضياع لاتزرع إلا القرط برسم الدواب وكان للخليفة أيضًا إصطبلات بمصر سوى ذلك فيها
الخيل لحلبة السباق وللرباط في سبيل الله برسم الغزو وعلى كل إصطبل وكلاء لهم الرزق
السني والأموال لمتسعة.
وبلغ رزق الجيش المصري في أيام خمارويه في السنة تسعمائة ألف دينار وكان مصروف مطبخ
خمارويه في كل شهر ثلاثة وعشرين ألف دينار وهذا سوى مصروف حرمه وجواريه وما يتعلق
بهن.
وكان خمارويه قد آتخذ لنفسه من مولدي الحوف وسائر الضياع قومًا معروفين بالشجاعة
وشدة البأس لهم خلق تام وعظم أجسام وأجرى عليهم الأرزاق ووسع لهم في العطاء وشغلهم
عما كانوا فيه من قطع الطريق وأذية الناس بخدمته وألبسهم الأقبية من الحرير
والديباج وصاغ لهم المناطق وقلدهم بالسيوف المحلاة يضعونها على أكتافهم إذا مشوا
بين يديه وسماهم أ المختارة " فكان هؤلاء يقاتلون أمام جند خمارويه أضعاف ما
يقاتله الجند.
وكان إذا ركب خمارويه ومضى الحجاب بين يديه ومشى موكبه على ترتيبه ومضت أصناف
العسكر وطوائفه تلاهم السودان وعدتهم ألف أسود لهم درق من حديد محكمة الصنعة وعليهم
أقبية سود وعمائم سود فيخالهم الناظر إليهم بحرا أسود يسير على وجه الأرض لسواد
ألوانهم وسواد ثيابهم ويصير لبريق درقهم وحلي سيوفهم والخوذ التي على رؤوسهم من تحت
العمائم زي بهج إلى الغاية فإذا مضى السودان قدم خمارويه وقد آنفرد عن موكبه وصار
بينه وبين الموكب نحو نصف غلوة سهم وخواصه تحف به.
وكان خمارويه طويل القامة ويركب فرسا تاما فيصير كالكوكب إذا أقبل لا يخفى على أحد
كأنه قطعة جبل.
وكان خمارويه مهيبا ذا سطوة قد وقع في قلوب الناس أنه متى أشار إليه أحد بيده أو
تكلم أو قرب منه لحقه ما يكره وكان إذا سار في موكبه لا يسمع من أحد كلمة ولا سعلة
ولا عطس ولا نحنحة البتة كأنما على رؤوسهم الطير وكان يتقلد في يوم العيد سيفا
بخمائل ولا يزال يتفرج ويتنزه ويخرج إلى المواضع التي لم يكن أبوه يخرج إليها
كالأهرام ومدينة العقاب ونحو ذلك لأجل الصيد فإنه كان مشغوفا به لا يكاد يسمع بسبع
إلا قصده ومعه رجال عليهم بود فيدخلون إلى الأسد ويتناولونه بأيديهم من غابته عنوة
وهو سليم فيضعونه في أقفاص من خشب محكمة الصنعة تسع الواحد من السباع وهو قائم فإذا
قدم خمارويه من الصيد سار القفص وفيه السبع أ بين يديه.
وكانت حلبة السباق في أيامه تقوم عند الناس مقام الأعياد لكثرة الزينة وركوب سائر
الجند والعساكر بالسلاح التام والعدد الكاملة ويجلس الناس لرؤية ذلك كما يجلسون في
الأعياد.
قلت: والتشبيه أيضًا بتلك الأعياد لا بأعياد زماننا هذا فإن أعيادنا الآن كالمآتم
بالنسبة لتلك الأعياد السالفة.
انتهى.
وقال القض اعي: وكان أحمد بن تطولون بنى المنظر لعرض الخيل.
قال: وكان عرض الخيل من عجائب الإسلام الأربع والأربع العجائب: منها كان عرض
الخيل بمصر ورمضان بمكة والعيد بطر سوس والجمعة ببغداد.
ثم قال القض اعي: وقد ذهب أثنتا من الأربع: عرض الخيل بمصر والعيد بطرسوس.
انتهى.
وقال المقريزي: وقد ذهبت الجمعة ببغداد بعد القضاعي بقتل هولاكو للخليفة المستعصم
ببغداد وزالت شعائر الإسلام من العراق وبقيت مكة شرفها الله تعالى وليس في شهر
رمضان الآن بها ما يقال فيه: إنه من عجائب الإسلام ".
انتهى كلام المقريزي رضي الله عنه
وقال المقريزى عن
المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار الجزء الأول 37 / 167 :
"
وفي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وصل إلى
تنيس من شواني صقلية نحو أربعين مركبًا فحصروها يومين وأقلعوا ثم وصل إليها من
صقلية أيضًا في سنة ثلاث وسبعين نحو أربعين مركبًا فقاتلوا أهل تنيس حتى ملكوها.
وكان محمد بن إسحاق صاحب الأسطول قد حيل بينه وبين مراكبه فتحيز في طائفة من
المسلمين إلى مصلى تنيس فلما اجنهم الليل هجم بمن معه البلد على الفرنج وهم في غفلة
فأخذ منهم مائة وعشرين فقطع رؤوسهم فأصبح الفرنج إلى المصلى وقاتلوا من بها من
المسلمين فقتل من المسلمين نحو السبعين وسار من بقي منهم إلى دمياط فمال الفرنج على
تنيس وألقوا فيها النار فأحرقوها وساروا وقد امتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى إلى
جهة الإسكندرية بعدما أقاموا بتنيس أربعة أيام. " أنتهى
ثم لما كانت سنة ست وسبعين وخمسمائة نزل
فرنج عسقلان في عشر حراريق على أعمال تنيس وعليها رجل منهم يقال له: المعز فأسر
جماعة وكان على مصر الملك العادل من قبل أخيه الملك الناصر صلاح الدين يوسف عندما
سار إلى بلاد الشام ثم مضى المعز وعاد فأسر ونهب فثار به المسلمون وقاتلوه فظفرهم
الله به وقبضوا عليه وقطعوا يديه ورجليه وصلبوه.
وفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة انتدب السلطان
لعمارة قلعة تنيس وتجديد الآلات بها عندما اشتدّ خوف أهل تنيس من الإقامة بها فقدّر
لعمارة سورها القديم على أساساته الباقية مبلغ ثلاثة آلاف دينار عن ثمن أصناف
وآجر.
وفي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة كتب بإخلاء تنيس ونقل أهلها إلى دمياط فأخليت في صفر
من الفراري والأثقال ولم يبق بها سوى المقاتلة في قلعتها.
**************************
القصر
العجيب الذى بناة خماروية لخطيبته بوران وماتت قبل ان يتزوجها
يذكر
المقريزى فى المواعظ والاعتبار في ذكر
الخطب والآثار الجزء الثاني (
63 من 167 ) أن خماروية بنى قصراً عجيباً لخطيبته
بوران فقال : " فلما مات أحمد بن طولون وقام من بعده ابنه خمارويه أقبل على قصر
أبيه وزاد فيه وأخذ الميدان الذي كان لأبيه فجعله كله بستانًا وزرع فيه أنواع
الرياحين وأصناف الشجر ونقل إليه الودى اللطيف الذي ينال ثمره القائم ومنه ما
يتناوله الجالس من أصناف خيار النخل وحمل إليه كل صيف من الشجر المطعم العجيب
وأنواع الورد وزرع فيه الزعفران وكسا أجسام النخل نحاسًا مذهبًا حسن الصنعة وجعل
بين النحاس وأجساد النخل مزاريب الرصاص وأجرى فيها الماء المدبر فكان يخرج من
تضاعيف قائم النخل عيون الماء فتنحدر إلى فساقي معمولة ويفيض منها الماء إلى مجار
تسقي سائر البستان وغرس فيه من الريحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة
بتعاهدها البستاني بالمقراض حتى لا تزيد ورقة على ورقة وزرع فيه النيلوفر الأحمر
والأزرق والأصفر والجنوى العجيب وأهدى إليه من خراسان وغيرها كل أصل عجيب وطعموا له
شجر المشمش باللوز وأشباه ذلك من كل ما يستظرف ويستحسن وبنى فيه برجًا من خشب الساج
المنقوش بالنقر النافذ ليقوم مقام الأقفاص وزوقه بأصناف الأصباغ وبلط أرضه وجعل في
تضاعيفه أنهارًا لطافًا جدًا ولها يجري فيها الماء مدبرًا من السواقي التي تدور على
الآبار العذبة ويسقي منها الأشجار وغيرها وسرح في هذا البرج من أصناف القماري
والدباسي والنونيات وكل طائر مستحسن حسن الصوت فكانت الطير تشرب وتغتسل من تلك
الأنهار الجارية في البرج وجعل فيه أوكارًا في قواديس لطيفة ممكنة في جوف الحيطان
لتفرخ الطيور فيها وعارض لها فيه عيدانًا ممكنة في
جوانبه لتقف عليها إذا تطايرت حتى يجاوب بعضها بعضًا
بالصياح وسرح في البستان من الطير العجيب كالطواويس ودجاج الحبش ونحوها شيئًا
كثيرًا.
وعمل في داره مجلسًا برواقة سماه بيت الذهب طلى
حيطانه كلها بالذهب المجاول باللازورد المعمول في أحسن نقش وأظرف تفصيل وجعل فيه
على مقدار قامة ونصف صورًا في حيطانه بارزة من خشب معمول على صورته وصور حظاياه
والمغنيات اللاتي تغنينه بأحسن تصوير وأبهج تزويق وجعل على رؤوسهن الأكاليل من
الذهب الخالص الإبريز الرزين والكوادن المرصعة بأصناف الجواهر وفي آذانها الأجراس
الثقال الوزن المحكمة الصنعة وهي مسمرة في الحيطان ولونت أجسامها بأصناف أشباه
الثياب من الأصباغ العجيبة.
فكان هذا البيت من أعجب مباني الدنيا وجعل بين يدي هذا البيت فسقية مقدرة وملأها
زئبقًا وذلك أنه شكا إلى طبيبه كثرة السهر فأشار عليه بالتغمير فأنف من ذلك وقال:
لا أقدر على وضع يد أحد علي فقال له: تأمر بعمل بركة من زئبق فأنفق في ذلك
أموالًا عظيمة وجعل في أركان البركة سككًا من الفضة الخالصة وجعل في السكك زنانير
من حرير محكمة الصنعة في حلق من الفضة وعمل فرشًا من أدم يحشى بالريح حتى ينتفخ
فيحكم حينئذ شده ويلقي على تلك البركة الزئبق وتشد زنانير الحرير التي في حلق الفضة
بسكك الفضة وينام علىهذا الفرش فلا يزال الفرش يرتج ويتحرك بحركة الزئبق ما دام
عليه وكانت هذه البركة من أعظم ما سمع به من الهمم الملوكية فكان يرى لها في
الليلالي المقمرة منظر عجيب إذا تألف نور القمر بنور الزئبق ولقد أقام الناس بعد
خراب القصر مدة يحفرون لأخذ الزئبق من شقوق البركة وما عرف ملك قط تقدم خمارويه في
عمل مثل هذه البركة.
وبنى أيضًا في القصر قبة تضاهي قبة الهواء سماها
الدكة فكانت أحسن شيء بني وجعل لها الستر التي تقي الحر والبرد فتسبل إذا شاء وترفع
إذا أحب وفرش أرضها بالفرش السرية وعمل لكل فصل فرشًا يليق به وكان كثيرًا ما يجلس
في هذه القبة ليشرف منها على جميع ما في داره من البستان وغيره ويرى الصحراء والنيل
والجبل وجميع المدينة وبنى ميدانًا آخر أكبر من ميدان أبيه وكان أحمد بن طولون قد
اتخذ حجرة بقربه فيها رجال سماهم بالمكبرين عدتهم اثنا عشر رجلًا يبيت منهم في كل
ليلة أربعة يتعاقبون الليل نوبًا يكبرون ويسبحون ويحمدون ويهللون ويقرأون القرآن
تطريبًا بألحان ويتوسلون بقصائد زهدية ويؤذنون أوقات الأذان فلما ولي خمارويه:
أقرهم على حالهم وأجراهم على رسمهم وكان يجلس للشرب مع حظاياه في الليل وقيناته
تغنين فإذا سمع أصوات هؤلاء يسكت القوم لا يضجره ذلكن ولا يغيظه أن يعطع عليه ما
كان فيه من لذته بالسماع.
وبنى أيضًا في داره: دارًا للسباع عمل فيها بيوتًا بآزاج كل بيت يسع سبعًا ولبوته
وعلى تلك البيوت أبواب تفتح من أعلاها بحركات ولكل بيت منها طاق صغير يدخل منه
الرجل الموكل بخدمة ذلك البيت يفرشه بالزبل وفي جانب كل بيت حوض من رخام بميزاب من
نحاس يصب فيه المال وبين يدي هذه البيوت قاعة فسيحة متسعة فيها رمل مفروش بها وفي
جانبها حوض كبير من رخام يصب فيه ماء من ميزاب كبير فإذا أراد سائس سبع من تلك
السباع تنظيف بيته أو وضع وظيفة اللحم التي لغذائه رفع الباب بحيلة من أعلى البيت
وصاح بالسبع فيخرج إلى القاعة المذكورة ويرد الباب ثم ينزل إلى البيت من الطاق
فيكنس الزبل ويبدل الرمل بغيره مما هو نظيف ويضع الوظيفة من اللحم في مكان معد لذلك
بعدما يخلص ما فيه من الغدد ويقطعها لهما ويغسل الحوض ويملأه ماء ثم يخرج ويرفع
الباب من أعلاه وقد عرف السبع ذاك فحال ما يرفع السائس باب البيت دخل إليه الأسد
فأكل ما هيئ له من اللحم حتى يستوفيه ويشرب منالماء كفايته فكانت هذه مملوءة من
السباع ولهم أوقات يفتح فيها سائر بيوت السباع فتخرج إلى القاعة وتتمشى فيها وتمرح
وتلعب ويهائش بعضها بعضًا فتقيم يومًا كاملًا إلى العشي فيصبح بها السواس فيدخل كل
سبع إلى بيته لا يتخطاه إلى غيره.
وكان من جملة هذه السباع: سبع أرزق العينين يقال
له: زريق قد أنس بخمارويه وصار مطلقًا في الدار لا يؤذي أحدًا ويقام له بوظيفته
من الغذاء في كل يوم فإذا نصبت مائدة خمارويه أقبل زريق معها وربض بين يديه فرمى
إليه بيده الدجاجة بعد الدجاجة والفضلة الصالحة من الجدي ونحو ذلك مما على المائدة
فيتفكه به.
وكانت له لبوى لم تستأنس كما أنس فكانت مقصورة في بيت
ولها وقت معروف يجتمع معها فيه فإذا نام خمارويه جاء زريق ليحرسه فإن كان قد نام
على سرير ربض بين يدي السرير وجعل يراعيه ما دام نائمًا وإن كان إنما نام على الأرض
بقي قريبًا منه وفطن لمن يدخل ويقصد خمارويه لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة وكان على
ذلك دهره قد ألف ذلك ودرب عليه وكان في عنقه طوق من ذهب فلا يقدر أحد من أن يدنو من
خمارويه ما دام نائمًا لمراعاة زريق له وحراسته إياه حتى إذا شاء الله إنفاذ قضائه
في خمارويه كان بدمشق وزريق غائب عنه بمصر ليعلم أنه لا يغني حذر من قدر وبنى أيضًا
دار الحرم ونقل إليها أمهات أولاد أبيه مع أولادهن وجعل معهن المعزولات من أمهات
أولاده وأفرد لكل واحدة حجرة واسعة نزل في كل حجرة منها بعد زوال دولتهم قائد جليل
فوسعته وفضل عنه منها شيء وأقام لكل حجرة من الأنزال والوظائف الواسعة ما كان يفضل
عن أهلها منه شيء كثير فكان الخدم الموكلون بالحرم من الطباخين وغيرهم يفضل لكل
منهم مع كثرة عددهم بعد التوسع في قوته الزلة الكبيرة والتي فيها العدة من الدجاج
فمنها ما قلع فخذها ومنها ما قد بشعب صدرها ومن الفراخ مثل ذلك مع القطع الكبار من
الجدي ولحوم الضأن والعدة من ألوان عديدة والقطع الصالحة من الفالوذج والكثير من
اللوزينج والقطائف والهرائس من العصيدة التي تعرف اليوم في وقتنا هذا بالمامونية
وأشباه ذلك مع الأرغفة الكبار واشتهر بمصر بيعهم لذلك وعرفوا به فكان الناس
يتناوبونهم لذلك وأكثر ما تباع الزلة الكبيرة منها بدرهمين ومنها ما يباع بدرهم
فكان كثير من الناس يتفكهون من هذه الزلات وكان شيئًا موجودًا في كل وقت لكثرته
واتساعه بحيث إن الرجل إذا طرقه ضيف خرج من فوره إلى باب دار الحرم فيجد ما يشتريه
ليتجمل به لضيفه مما لا يقدر على عمل مثله ولا يتهيأ له من اللحوم والفراخ والدجاج
والحلوى مثل ذلك.
واتسعت أيضًا اصطبلات خمارويه فعمل لكل صنف من الدواب اصطبلًا مفردًا لكان للخيل
الخاص اصطبل مفرد ولدواب الغلمان اصطبلات عدة ولبغال القباب اصطبلات ولبغال النقل
غير بغال القباب اصطبلات وللنجائب والبخاتي اصطبلات لكل صنف اصطبل مفرد للاتساع في
المواضع والتفنن في الأثقال وعمل للنمور دارًا مفردة وللفهود دارًا مفردة وللفيلة
دارًا وللزرافات دارًا كل ذلك سوى الاصطبلات التي بالجيزة فإنه كان له عدة ضياع من
الجيزة اصطبلات مثل: نهيا ووسيم وسفط وطهرمس وغيرها وكانت هذه الضياع لا تزرع إلا
القرط برسم الدواب وكان للخليفة أيضًا بمصر اصطبلات سوى ما ذكر تنتج فيها الخيل:
لحلبة السباق وللرباط في سبيل الله تعالى برسم الغزو وكان لكل دار من الدور
المذكورة ولكل اصطبل وكلاء لهم الرزق السني والوظائف الكثيرة والأموال المتسعة وبلغ
رزق الجيش في أيام خمارويه تسعمائة ألف دينار في كل سنة وقام مطبخه المعروف بمطبخ
العامة بثلاثة وعشرين ألف دينار في كل شهر سوى ما هو موظف لجواريه وأرزاق من يخدمهن
ويتصرف في حوائجهن.
يذكر
المقريزى فى المواعظ والاعتبار في ذكر
الخطب والآثار الجزء الثاني (
63 من 167 ) : "
ما
تكامل عز خمارويه وانتهى أمره بدأ يسترجع منه الدهر ما أعطاه فأول ما طرقه موت
خطيبته بوران التي من أجلها بنى بيت الذهب وصور فيه صورتها وصورته كما تقدم وكان
يرى الدنيا لا تطيب له إلا بسلامتها وبنظره إليها وتمتعه بها فكدر موتها عيشه
وانكسر انكسارًا بان عليهل
زواج قطر الندى الذى أشتهر بالأسطورة فى التاريخ
قلت: وما زال أمر خمارويه في تزايد إلى أن ماتت
حظيته بوران التي بنى لها القصر المعروف ببيت الذهب المقدم ذكره فكدر موتها عيشه
وآنكسر انكسار بان عليه.
ثم إنه أخذ في تجهيز أبنته قطر الندى لما تزوجها الخليفة المعتضد فجهزها جهازا ضاهى
به نعمة الخلافة.
وقد ذكرنا سبب زواج الخليفة بأبنيته قطر الندى المذكور في أوائل ترجمته ووعدنا بذكر
جهازها في آخر الترجمة في هذا المحل.
وكان من جملة جهازها دكة أربع قطع من ذهب عليها قبة من ذهب مشبك في كل عين من
التشبيك قرط معلق فيه حبة من جوهر لا يعرف لها قيمة ومائة هاون من الذهب.
وقال الذهبي: وألف هاون من ذهب.
قال القضاعي: وعقد المعتضد النكاح على أبنته قطر الندى فحملها أبو الجيش خمارويه
إلى المعتضد مع أبي عبد الله بن الجصاص وحمل معها من الجهاز ما لم ير مثله ولا يسمع
به.
ولما دخل إلى خمارويه ابن الجصاص يودعه قال له خمارويه: هل بقي بيني وبينك حساب
قال: لا فقال خمارويه: انظر حسنا فقال: كسر بقي من الجهاز فقال خمارويه:
أحضروه فأخرج ربع طومار فيه ثبت ذكر نفقة الجهاز فإذا فيه أربعمائة ألف دينار
فوهبها له خمارويه.
قال محمد بن علي الماذرائي: فنظرت في الطومار فإذا في ه: ألف تكة الثمن عنها
عشرة آلاف دينار ".
قال القضاعي: وإنما ذكرت هذا الخبر ليستدل به على أشياء: منها سعة نفس أبي
الجيش خمارويه ومنها كثرة مال آبن الجصاص حتى إنه قال: كسر بقي من الجهاز وهو
أربعمائة ألف دينار لو لم يذكره بذلك لم يذكره ومنها: عمارة مصر في ذلك الزمان
لما طلب فيها ألف تكة من أثمان عشرة دنانير قدر عليها في أيسر وقت بأهون سعي ولو
طلب اليوم خمسون لم يقدر عليها.
انتهى كلام القضاعي.
قال المقريزي: ولا يعرف اليوم في أسواق القاهرة تكة بعشرة دنانير إذا طلبت توجد
في الحال ولا بعد شهر إلا أن يعتنى بعملها.
انتهى كلام المقريزي.
ولفا فرغ خمارويه من جهاز آبنته قطر الندى أمر فبني لها على كل منزلة تنزل فيها قصر
فيما بين مصر وبغداد وأخرج معها خمارويه أخاه خزرج بن أحمد بن طولون في جماعة مع
ابن الجصاص فكانوا يسيرون بها سير الطفل في المهد وكانت إذا وافت المنزلة وجدت قصرا
قد فرش فيه جميع ما تحتاج إليه.
وقد علقت فيه الستور وأعد فيه كل مايصلح لمثلها.
وكانت في مسيرها من مصر إلى بغداد على بعد الشقة كأنها في قصر أبيها حتى قدمت بغداد
في أول المحرم سنة آثنتين وثمانين ومائتين وهي سنة قتل فيها خمارويه المذكور على ما
سيأتي ذكره.
ولما دخل بها الخليفة المعتضد أحبها حبا شديدا لجمال صورتها وكثرة آدابها.
قيل: إنه خلا بها في بعض الأيام فوضع رأسه على ركبتها ونام وكان المعتضد كثير
التحرز على نفسه فلما نام تلطفت به وأزالت رأسه عن ركبتها ووضعتها على وسادة ثم
تنحت عن مكانها وجلست بالقرب منه في مكان آخر فأنتبه المعتضد فزعًا ولم يجدها فصاح
بها فكلمته في الحال فعتبها على ما فعلت من إزالة رأسه عن ركبتها وقال له ا: أسلمت
نفسي لك فتركتني وحيدًا وأنا في النوم لا أدري ما يفعل بي ! فقالت: يا أمير
المؤمنين ما جهلت قدر ما أنعمت به علي ولكن فيما أدبني به والدي خمارويه : أني لا
أجلس مع النيام ولا أنام مع الجلوس فأعجبه ذلك منها إلى الغاية.
قلت: لله درها من جواب أجابته به.
ولما فرغ خمارويه من جهاز ابنته قطر الندى المذكورة وأرسلها إلى زوجها المعتضد
بالله تجهز وخرج إلى دمشق بعساكره وأقام بها إلى أن قتل على فراشه في السنة
المذكورة.
قال القضاعي: وعقد المعتضد النكاح على ابنته
يعنى ابنة خمارويه: قطر الندى فحملها أبو الجيش خمارويه مع عبد الله بن الخصاص
وحمل معها ما لي ير مثله ولا يسمع به ولما دخل إليه ابن الخصاص يودعه قال له
خمارويه: هل بقي بيني وبينك حساب فقال: لا فقال: انظر حسابك فقال: كسر بقي
من الجهاز فقال: أحضروه فأخرج ربع طومار فيه سبت ذكر النفقة فإذا هي أربعمائة ألف
دينار قال محمد بن علي المادراني فنظرت في الطومار فإذا فيه وألف تكة الثمن عنها
عشرة آلاف دينار فأطلق له الكل
*******************
يذكر
المقريزى فى المواعظ والاعتبار في ذكر
الخطب والآثار الجزء الثاني (
63 من 167 ) : "
ثم إنه أخذ في تجهيز ابنته فجهزها جهازًا ضاهى
به نعم الخلافة فلم يبق خطيرة ولا طرفة من كل لون وجنس إلا حمله معها فكان من
جملته: دكة أربع قطع من ذهب عليها قبة من ذهب مشبك في كل عين من التشبيك قرط معلق
فيه حبة جوهر لا يعرف لها قيمة ومائة هون من ذهب
يذكر
المقريزى فى المواعظ والاعتبار في ذكر
الخطب والآثار الجزء الثاني (
64 من 167 ) : "
قال القضاعي: وإنما ذكرت هذا الخبر لتستدل به
على أشياء منها سعة نفس أبي الجيش ومنها كثرة ما كان يملكه ابن الخصاص حتى أنه
قال: كسر بقي من الجهاز وهو أربعمائة ألف دينار لو لم يقتضه ذلك لم يذكره ومنها
ميسور ذلك الزمان لما طلب فيه ألف تكة من أثمان عشرة دنانير قدر عليها في أيسر وقت
وبأهون سعي ولو طلب اليوم خمسون لي يقدر عليها قال كاتبه: ولا يعرف اليوم في
أسواق القاهرة ومصر تكة بعشرة دنانير إذا طلبت توجد في الحال ولا بعد شهر إلا أن
يتعنى بعملها فتعمل ولما فرغ خمارويه من جهاز ابنته أمر فبنى لها على رأس كل مرحلة
تنزل بها قصر فيما بين مصر وبغداد وأخرج معها أخاه شيبان بن أحمد بن طولون في جماعة
مع ابن الخصاص فكانوا يسيرون بها سير الطفل في المهد فإذا وافت المنزل وجدت قصرًا
قد فرش فيه جميع ما يحتاج إليه وعلقت فيه الستور وأعد فيه كل ما يصلح لمثلها في حال
الإقامة فكانت في مسيرها من مصر إلى بغداد على بعد الشقة كأنها في قصر أبيها تنتقل
من مجلس إلى مجلس حتى قدمت بغداد أول المحرم سنة اثنتين وثمانين ومائتين فزفت على
الخليفة المعتضد
كيف قتـــــل خمارويه
قال العلامة شمس الدين في تاريخه مرآة الزمان:
كان خمارويه كثير الفساد بالخدم
دخل الحمام مع جماعة منهم فطلب من بعضهم الفاحشة فامتنع الخادم حياء من الخدم فأمر
خمارويه أن يضرب فلم يزل يصيح حتى مات في الحمام فأبغضه الخدم.
وكان قد بنى قصرا بسفح قاسيون أسفل من دير مران يشرب فيه الخمر فدخل تلك الليلة
الحمام فذبحه خدمه.
وقيل: ذبحوه على فراشه وهربوا وقيل غير ذلك: إن بعض خدمه يولع بجارية له
فتهددها خمارويه بالقتل فاتفقت مع الخادم على قتله.
وكان ذبحه في منتصف ذي الحجة وقيل: لثلاث خلون منه من سنة أثنين وثمانين
ومائتين.
وكان الأمير طغج بن جف معه في القصر في تلك الليلة فبلغه الخبر فركب في الحال وتتبع
الخدم وكانوا نيفا وعشرين خادما فأدركهم وقبض عليهم وذبحهم وصلبهم وحمل أبا الجيش
خمارويه في تابوت من دمشق إلى مصر وصلى عليه ابنه جيش ودفن.
ويقال: إنه دفن بالقصر إلى جانب أبي عبيدة البراني فرآه بعض أصحابه في المنام
فقال له: ما فعل الله بك فقال: غفر لي بالقرب من أبي عبيدة ومجاورته.
انتهى كلام صاحب المرآة.
وقال غيره: قتل على فراشه ذبحه جواريه وخدمه وحمل في صندوق إلى مصر.
وكان لدخول تابوته إلى مصر يوم عظيم استقبله جواريه وجواري غلمانه ونساء قواده
بالصياح وما تصنع النساء في المآتم وخرج الغلمان وقد حلوا أقبيتهم وفيهم من سود
ثيابه وشقها فكانت في البلد ضجة وصرخة حتى دفن.
وكانت مدة ملكه على مصر والشام أثني عشرة سنة وثمانية عشر يومًا.
وتولى مصر بعده ابنه أبو العساكر جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون ,
انتهى
السنة الأولى من ولاية خمارويه
وهي سنة إحدى وسبعين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعًا ,
مبلغ الزيادة في السنة المذكورة خمس عشرة ذراعًا واثنتان وعشرون إصبعًا.
السنة الثانية من ولاية خمارويه وهي سنة اثنتين وسبعين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وتسع أصابع ,
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وأربع عشرة إصبعًا:
السنة الثالثة من ولاية خمارويه وهي سنة ثلاث
وسبعين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثلاث وعشرون إصبعًا ,
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وخمس أصابع ونصف.
السنة الرابعة من ولاية خمارويه وهي سنة أربع وسبعين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وسبع وعشرون إصبعًا ,
مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعًا وسبع أصابع.
السنة الخامسة من ولاية خمارويه وهي سنة خمس وسبعين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعًا ,
مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعًا وثماني أصابع
السنة السادسة من ولاية خمارويه وهي سنة ست
وسبعين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وتسع أصابع ,
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وأربع عشرة إصبعًا.
السنة السابعة من ولاية خمارويه وهي سنة سبع وسبعين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وإصبعان ,
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعًا.
السنة الثامنة من ولاية خمارويه وهي سنة ثمان وسبعين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعًا ,
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وثماني عشرة إصبعًا.
السنة التاسعة من ولاية خارويه وهي سنة تسع وسبعين ومائتين:
ومات الخليفة المعتمد وتولى المعتضد الخلافة بعد عمه المعتمد في صبيحة يوم الاثنين
لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب.
وفيها أرسل خمارويه إلى المعتضد مع أبن الجصاص هدايا وتحفا وأموالا كثيرة وسأله أن
يزوج ابنه المكتفي ببنته قطر الندى فقال المعتضد: بل أنا أتزوجها فتزوجها ,وقد سقنا حكاية زواجها في ترجمة أبيها خمارويه.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وإصبع ونصف ,
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وست عشرة إصبعًا.
السنة العاشرة من ولاية خمارويه وهي سنة ثمانين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وثماني أصابع مبلغ الزيادة سبع
عشرة ذراعًا وعشر أصابع
السنة الحادية عشرة من ولاية خمارويه
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء مبلغ الزيادة خمس عشرة
ذراعًا وعشر أصابع.
السنة الثانية عشرة من ولاية خمارويه على مصر فيها مات فيها في المحرم أمر المعتضد
بتغيير نوروز العجم الذي هو افتتاح الخراج وأخره إلى حادي عشر حزيران وسماه النوروز
المعتضدي وقصد بذلك الرفق بالرغية ومنع الناس ما كانوا يعملونه في كل سنة من إيقاد
النيران وصب الماء على الناس فكان ذلك من أحسن أفعال المعتضد.
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء مثل الماضية مبلغ الزيادة
أربع عشرة ذراعًا واثنتان وعشرون إصبعًا.
121 - ولاية أبي العساكر جيش على مصر 282 -
ولاية أبي العساكر جيش هو أبو العساكر جيش بن أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون
ولي مصر والشأم بعد قتل أبيه خمارويه بدمشق في يوم سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين
وثمانين ومائتين فأقام بدمشق أياما ثم عاد إلى ديار مصر ودام بها إلى أن وقع منه
أمور أنكرت عليه فاستوحش الناس منه وكان لما مات أبوه تقاعد عن مبايعته جماعة من
كبار القواد لقلة المال وعجزه عن أن ينعم عليهم لأن أبا الجيش خمارويه كان أنفق في
جهاز ابنته قطر الندى لما زوجها للخليفة المعتضد جميع ما كان في خزائنه ومات بعد
ذلك بمدة يسيرة قال بعضهم فمات حقا حين حاجته إلى الموت لأنه لو عاش أكثر من هذا
حتى يلتمس ما كانت جرت عادته به لاستصعب ذلك عليه ولو نزلت به ملمة ولما تقاعد كبار
القواد عن بيعة جيش تلطف بعض القواد في أمره حتى تمت البيعة وبايعوه وهو صبي لم
يؤدبه الزمان ولا محنه التجارب والعرفان وقد قيل بعيد نجيب ابن نجيب من نجيب
فلما
تم أمر جيش المذكور أقبل على الشرب واللهو مع عامة أوباش منهم غلام رومي لا وزن له
ولا قيمة يعرف ببندقوش ورجلان من عامة العيارين الذين يحملون الحجارة الثقال والعمد
الحديد ويعانون الصراع أحدهما يعرف بخضر والثاني يعرف بابن البواش وغير هؤلاء من
غلمان لم يكن لهم حال جعلهم بطانته فأول شيء حسنوه له أن وثبوه على عمه أبي العشائر
فقالوا له: هذا يرى نفسه أنه هو الذي رد الدولة يوم الطواحين لما انهزم أبوك وكان
يقرع أباك بهزيمته يومئذ ويذيع ذلك عند خاصته ويقولون أيضًا إنه هو الذي هم بالوثوب
حتى صنع أهل برقة فيه ماصنعوا ويتلفت إلى أهل برقة ويرى أنهم أعداؤه ويتربص بهم أن
تدول له دولة فيأخذ بثأره منهم فهو يتلمظ إلى الدولة وإلى ما في نفسه مما ذكرناه
والمنايا تتلمظ إليه كما قال الشاعر: تلمظ السيف من شوق إلى أنس والموت يلحظ
والأقدار تنتظر فعند ذلك قبض عليه جيش هذا ودس إليه من قتله ثم قال عنه إنه مات حتف
أنفه وتحقق الناس قتله فنفرت القلوب عنه أيضًا لكونه قتله بغيا عليه وتعديا ثم
آشتغل بعد ذلك جيش بهذه الطائفة المذكورة عن حقوق قواد أبيه وعن أحوال الرعية
وكانت
القواد أمراء شدادا يرون أنفسهم بعينها في التقديم والرياسة والشجاعة وإنما كان
قبضهم أبوه خمارويه بجميل أفعاله وكريم مقدماته إليهم ولسعة الإفضال عليهم وهم مثل
خاقان المفلحي ومحمد بن إسحاق بن كنداج ووصيف بن سوارتكين وبندقة بن لمجور وأخيه
محمد بن لمجور وابن قراطغان ومن أشبههم ثم آنتقل من هذا إلى أن صار إذا أخذ منه
النبيذ يقول لطائفته التي ذكرناها واحدا بعد واحد : غدا أقلدك موضع فلان وأهب لك
داره وأسوغك نعمته فأنت أحق من هؤلاء الكلاب كل ذلك ومجالسه تنقل إليهم فعند ذلك
بسط القواد ألسنتهم فيه وشكا القواد بعضهم إلى بعض مايلقونه منه فقالوا نفتك به
ولانصبر له على مثل هذا وبلغه الخبر فلم يكتمه ولم يتلاف القضية ولا شاور من يدله
على مداواة أمره بل أعلن بما بلغه عنهم وتوعدهم وقال: لاطلقن الرجالة عليهم
ولأفعلن بهم فاتصلت بهم مقالته فآعتزل من عسكره كبار القواد من الذين سميناهم مثل
ابن كنداج وطبقته وخرجوا في خاصة غلمانهم وهي زهاء ثلاثماْئة غلام وساروا على طريق
أيلة وركبوا جبل الشراة حتى وصلوا إلى الكوفة بعد أن نالهم في طريقهم كد شديد ومشقة
وكادوا أن يهلكوا عطشا واتصلت أخبارهم بالخليفة المعتضد ببغداد فوجه إليهم بالزاد
والميرة والدواب وبعث إليهم من يتلقاهم وقبلهم أحسن قبول وأجزل جوائزهم وضاعف
أرزاقهم وخلع عليهم وصنع في أمرهم كل جميل والمعتضد هذا هو صهر جيش صاحب الترجمة
وزوج أخته قطر الندى المقدم ذكرها في ترجمة أبيها خمارويه
وآستمر جيش هذا مع أوباشه
بمصر وبينما هوفي ذلك ورد عليه الخبر بخروج طغج بن جص أمير دمشق عن طاعته وخروج آبن
طغان أمير الثغور أيضًا وأنهما خلعاه جميعا وأسقطا آسمه من الدعوة والخطبة على
منابر أعمالهم فلم يكربه ذلك ولا آستشنعه ولارئي له على وجهه أثر فلما رأى ذلك من
بقي من غلمان أبيه بمصر مشى بعضهم إلى بعض وتشاوروا في أمره فاجتمعوا على خلعه وركب
بعضهم وهجم عليه غلام لأبيه خزري يقال له برمش فقبض عليه وهم بقتله ثم كف عنه فلما
كان من الغد آجتمع القواد في مجلس من مجالس دار أبيه وتذاكروا أفعلاله وأحضروا معهم
عمول البلد وأعادوا لهم أخباره وقالوا لهم: ما مثل هذا يقلد شيئا من أمور
المسلمين وأحضروه لأن جماعة من غلمان أبيه يعني ممالكيه قالوا : لانقفد غيره حتى
يحضر ونسمع قوله فإن وعد برجوع وتاب من فعله أمهلناه وجربناه وإن أقر بعجزه عن حمل
ما حمل وجعلنا في حل من بيعته بايعنا غيره على يقين وعلى غير إثم فأحضروه فاعترف
أنه يعجز عن القيام بتدبير الدولة وأنه قد جعل من له في عنقه بيعة في حل وعمل بذلك
محضر شهد فيه عدول البلد ووجوهه ومن حضر من القواد والغلمان أعني المماليك وصرفوه
وكان قبل القبض عليه ركبوا إلى أبي جعفر بن أبى وقالوا له: أنت خليفة أبيه وكان
ينبغي لك أن تودبه وتسدده فقال لهم: قد تكلمت جهدي ولكن لم يسمع مني وبعد
فتقدموني إليه فتسمعون ما أخاطبه به فتقدموه وركب من داره فلما جاوز داره قليلا
لقيه برمش فضرب بيده على شكيمة فرسه وقال له: أنت خليفة أبيه وخليفته ونصف ذنبه
لك وجره جرًا وبينما هو في ذلك إذ أقبل علي بن أحمد فقبض على الآخر وقال له: أنت
وزيره وكاتبه وعليك ذنبه لأنه كان يجب عليك تقويمه وتعريفه ما يجب عليه فصعد
بالاثنين جميعا إلى المنظر وقعد معهما كالملازم وبينما هوعلى ذلك إذ خطر على قلبه
شيء فقام إلى دابته وتركهما ومضى نحو باب المدينة فوثب من فوره آبن أبى إلى دابته
وركبها وقال لعلي بن أحمد: آركب وآلحقني وحرك دابته فإنه كان أحس الموت ثم جاءه
الخلاص من الله وركب بعده علي بن أحمد فلم يتجاوز المنظر حتى لحقه طائفة من الرجالة
فقتلوه ومر ابن أبى إلى نحو المعافر فتكفن هناك وآختفى وعاد برمش فلم يجد ابن أبى
فمضى من فوره وهجم على جيش وقبض عليه حسبما ذكرناه من خلعه وحبسه وورى جثة علي بن
أحمدة وسلم آبن أبى.
فقال بعضهم في علي بن أحمد: المجتث أحسن إلى الناس طرا فأنت فيهم معان وآعلم بأنك
يومًا كما تدين تدان وقيل في أمر جيش المذكور وجه آخر وهو أنه لما وقع من أمر
القواد ما وقع خرج أبو العساكر جيش إلى متنزه له بمنية الأصبغ غير مكترث بما وقع له
وبينما هو في ذلك ورد عليه الخبر بوثوب الجند عليه وقالوا له : لا نرضى بك أبدا
فتنح عنا حتى نولي عمك نصربن أحمد بن طولون فخرج إليهم كاتبه علي بن أحمد الماذرائي
الذي تقدم ذكر قتله وسألهم أن ينصرفوا عنه يومهم فآنصرفوا فقام جيش المذكور من وقته
ودخل على عمه نصر وكان في حبسه فضرب عنقه وعنق عمه الاخر ورمى برأسيهما إلى الجند
وقال: خذوا أميركم فلما رأوا ذلك هجموا عليه وقتلوه وقتلوا أمه معه ونهبوا داره
وأحرقوها وأقعدوا أخاه هارون بن خمارويه في الإمرة مكانه ثم طلب علي بن أحمد
الماذرائي كاتبه المقدم ذكره وقتلوه وقتلوا أيضًا بندقوش وابن البواش ونهبت دار جيش
فوقع في أيدي الجند من نهبها مايملأ قلوبهم وعيونهم حتى إن بعضهم من كثرة ماحصل له
ترك الجندية وسكن الريف وصار من مزارعيه وتجاره
وقال العلامة شمس الدين يوسف ابن
قزأوغلي في مرآة الزمان وجها آخر في قتل جيش هذا فقال ولي إمرة دمشق بعد موت أبيه
بمدة يسيرة ثم خرج إلى مصر في هذه السنة يعني سنة ثلاث وثمانين ومائتين واستعمل على
دمشق طغج بن جف فلما دخل إلى مصر لم يرض به أهلها وقالوا: نريد أبا العشائر هارون
فوثب عليه هارون فقتله في جمادى الأخرة وكانت ولايته خمسة أشهر واستولى على مصر قال
ربيعة بن أحمد بن طولون: لما قتل أخي خمارويه ودخل ابنه جيش مصر قبض علي وعلى
عميه نصر وشيبان ابني أحمد بن طولون وحبسهما في حجرة معي في الميدان وكان كل يوم
تأتينا المائدة عليها الطعام فكنا نجتمع عليها فجاءنا يوما خادم فأخذ أخانا نصرا
فأدخله بيتا فأقام خمسة أيام لا يطعم ولا يشرب والباب عليه مغلق فدخل علينا ثلاثة
من أصحاب جيش وقالوا أمات أخوكما فقلنا لا ندري فدخلوا عليه البيت فرماه كل واحد
منهم بسهم في مقتل فقتلوه وكانت ليلة الجمعة فأخرجوه ثم أغلقوا علينا الباب وبقينا
يوم الجمعة ويوم السبت لم يقدموا إلينا بطعام فظننا أنهم يسلكون بنا مسلك أخينا
فلما كان يوم الأحد سمعنا صراخا في الدار وفتح باب الحجرة علينا وأدخل علينا جيش بن
خمارويه فقلنا: ما حالك فقال: غلبني أخي هارون على البلد وتولى الإمارة فقلنا
الحمد لله الذي قبض يدك وأضرع خدك فقال ما كان عزمي إلا أن ألحقكما بأخيكما ثم جاء
الرسول وقال: الأمير هارون قد بعث إليكما بهذه المائدة وكان في عزم جيش أن
يلحقكما بأخيكما نصر فقوما إليه فاقتلاه وخذا بثأركما منه وآنصرفا على أمان قال:
فلم نقتله وآنصرفنا إلى منازلنا وبعث هارون خدما فقتلوه وكفينا أمر عدونا انتهى
كلام أبي المظفر.
قلت: وكان خلع جيش لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وكانت ولايته ستة
أشهر واثني عشر يومًا وقتل في السجن بعد خلعه بأيام يسيرة.
بن خمارويه على مصر على أنه حكم من الماضية شهرًا وأيامًا وهذه السنة سنة ثلاث
وثمانين ومائتين: فيها قدم رسول عمرو بن الليث الصفار على الخليفة المعتضد
العباسي من خراسان بالهدايا والتحف وفيها مائتا جمل ومائتا حمارة ومن الطرائف شيء
كثير منها: صنم على خلقة آمرأة كان قوم من الهند في مدينة يقال لها : أيل شاه
كانوا يعبدونها وفيها خرج جماعة من قواد مصر إلى المعتضد منهم محمد بن إسحاق وخاقان
البلخي وبدر بن جف وسبب قدومهم إلى المعتضد أنهم كانوا أرادوا أن يقتلوا جيش بن
خمارويه المذكور فسعي بهم إليه وكان راكبا كانوا في موكبه وعلموا أنه قد علم بهم
فخرجوا من وقتهم وسلكوا البرية وتركوا أموالهم وأهاليهم فتاهوا أياما ومات منهم
جماعة من العطش ثم خرجوا على طريق الكوفة فبلغ أمرهم الخليفة المعتضد فأرسل إليهم
الأطعمة والدواب ثم وصلوا بغداد فأكرمهم المعتضد وقربهم وفيها توقي إبراهيم بن
إسحاق بن إبراهيم أبوإسحاق الثقفي السراج النيسابوري كان الإمام أحمد بن حنبل يزوره
في منزله لزهده وورعه.
أمر النيل في هذه السنة: ولاية هارون بن خمارويه هو الأمير أبو موسى هارون بن
خمارويه بن أحمد بن طولون التركي الأصل المصري المولد.
ولي مصر بعد قتل أخيه جيش بن خمارويه في اليوم العاشر من جمادى الاخرة سنة ثلاث
وثمانين ومائتين وتم أمره وكانت بيعته من غير عطاء للجند وهو من الغرائب وبايعوه
طوعا أرسالا ولم يمتنع عليه أحد وجعلوا أبا جعفر بن أبى خليفته والمؤيد لأمره
ولتدبيره وسكنت ثائرة الحرب وقر قرار الناس وقتل غالب أصحاب جيش ولم يسلم منهم إلا
عبد الله بن الفتح واستتر أبو عبد الله القاضي خوفا من مثل مصرع علي بن أحمد لأنه
يعلم ما كان له في نفوس الناس وماظهر إلافي اليوم الذي دخل فيه محمد بن سليمان
البلد وقلد القضاء بعده أبوزرعة محمد بن عثمان من أهل دمشق.
وأخرج جيش بعد أيام ميتا ثم بعد أيام أمر أبو جعفر بن أبى ربيعة بن أحمد بن طولون
أن يخرج إلى الإسكندرية فيسكنها هو وولده وحريمه ويبعد عن الحضرة فتوجه إلى
الإسكندرية وأقام بها على أجمل وجه إلى أن حركه أجله وكاتبه قوم ووثبوه وقالوا
له: أنت رجل كامل مكمل التدبير وقد تقلدت البلدان وأحسنت سياستها ولوكشفت وجهك
لتبعك أكثر الجيش فأطاعهم وأقبل ركضا فسبق من كان معه فلم يشعر الناس به إلا وهو
بالجبل المقطم وحلى ومعه غلام له نوبي وبيده مطرد ينشد الناس لنفسه ويدعوهم إلى ما
كاتبوه وآتصل خبره بآبن أبى فبعث النقباء الى الناس وأمرهم بالركوب فركب الناس
وأقبلوا يهرعون من كل جانب.
ونزل ربيعة مدلا بنفسه وكان من الفرسان طمعا فيمن بقي له ممن كاتبه فلم يأته أحد
وسار وحده وفر عنه من كان معه أيضًا وبقي كالليث يحمل على قطعة قطعة فينقضها وتنهزم
منه حتى برز له غلام أسود خصي يعرف بصندل المزاحمي مولى مزاحم بن خاقان الذي كان
أميرا على مصر وقد تقدم ذكره فحمل عليه ربيعة فرمى صندل بنفسه إلى الأرض وقال له:
بتربة الماضي فكف عنه وقال له: امض الى لعنة الله.
ثم برز إليه غلام آخر يعرف بأحمد غلام الكفتي والكفتي أيضًا كان من جملة قوادهم
فحمل عليه ربيعة فقتله.
جيش خماروية
يذكر
المقريزى فى المواعظ والاعتبار في
ذكر الخطب والآثار الجزء الثاني (
63 من 167 ) : "
وكان قد اتخذ لنفسه من ولد الحوف وشناترة
الضياع قومًا معروفين بالشجاعة والبأس لهم خلق عظيم تام وعظم أجسام وأدر عليهم
الأرزاق ووسع لهم في العطاء وشغلهم عما كانوا فيه من قطع الطريق وأذية الناس
بخدمته وألبسهم الأقبية وجواشن الديباج وصاغ لهم المناطق العراض الثقال وقلدهم
السيوف المحلاة يضعونها على أكتافهم فإذا مشوا بين يديه وموكبه على ترتيبه ومضت
أصناف العسكر وطوائفه تلاهم السودان وعدتهم ألف أسود لهم درق من حديد محكم
الصنعة وعليهم أقبية سود وعمائم سود فيخالهم الناظر إليهم بحرًا أسود يسير
لسواد ألوانهم وسواد قيابهم ويصير لبريق درقهم وحلي سيوفهم والبيض التي تلمع
على رؤوسهم من تحت العمائم زي بهج فإذا مضى السودان قدم خمارويه وقد انفرد عن
موكبه وصار بينه وبين الموكب نحو نصف غلوة سهم والمختارة تحف به وكان تام الظهر
ويركب فرسًا تامًا فيصير كالكوكب إذا أقبل لا يخفى على أحد كأنه قطعة جبل في
وسط المختارة وكان مهابًا ذا سطوة وقد وقع في قلوت الكافة أنه متى أشار إليه
أحد بإصبعه أو تكلم أو قرب من لحقه مكروه عظيم فكان إذا أقبل كما ذكرنا لا يسمع
من أحد كلمة ولا سعلة ولا عطسة ولا نحنحة ألبتة كأنما على رؤوسهم الطير وكان
يتقلد في يوم العيد سيفًا بحمائل ولا يزال يتفرج ويتنزه ويخرج إلى مواضع لم يكن
أبوه يهش إليها كالأهرام ومدينة العقاب ونحو ذلك لأجل الصيد فإن كان مشغوفًا به
لا يكاد يسمع بسبع إلا قصده ومعه رجال عليهم لبود فيدخلون إلى الأسد ويتناولونه
بأيديهم من غابه عنوة وهو سليم فيضعونه في أقفاص من خشب محكمة الصنعة يسع
الواحد منها السبع وهو قائم فإذا قدم خمارويه من الصيد سار القفص وفيه السبع
بين يديه وكانت حلبة السباق في أيامهم تقوم مقام الأعياد لكثرة الزينة وركوب
سائر الغلمان والعساكر على كثرتهم بالسلاح التام والعدد الكاملة فيجلس الناس
لمشاهدة ذلك كما يجلسون في الأعياد وتطلق الخيل من غايتها فتمر
متفاوتة