****************************************************************************************
الجزء التالى من مرجع عن الولاة الذين
حكموا مصر وهى تحت إستعمار الأسرة السنية العباسية الإسلامية -
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - جمال
الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي - منذ غزو مصر على يد جيش المسلمين بقيادة
عمرو بن العاص ومن تولوا إمارة مصر قبل الإسلام وبعد الإسلام إلى نهاية سنة إحدى
وسبعين وثمانمائة
****************************************************************************************
122
- ولاية هارون بن خمارويه سنة 284 - 291
وكان أبوجعفر عنده دهاء ومكر فبقي في قلبه أثر مما فعله برمش من يوم خلع جيش وقتل
علي بن أحمد وكان من القواد رجل يعرف بسمجور قد قلد حجابة هارون فبسط لسانه في ابن
أبى المذكور وحرك عليه القواد وبلغ ذلك ابن ابى فقال لهارون: احفر سمجور هذا
وهارون صبي فلم يتحمل ذلك ودخل القواد في شهر رمضان يفطرون عنده وكان سمجور فيهم
فلما نجز أمرهم وخرجوا استقعد سمجور وقال له: يا سمجور أنت مدسوس إلي وأنا مدسوس
إليك وتريد كيت وكيت وغمز غلمانه عليه فقبضوا عليه واعتقله في خزانة من خزائنه فكان
ذلك اخر العهد به.
وأما برمش فإن أبا جعفربن أبى خلا به وقال له: ويحك ألاترى ما نحن فيه مع هؤلاء
القوم انقلبت الدولة رومية ما لنا معهم أمر ولانهي.
ثم أمر الخليفة محمد بن سليمان بالتوجه إلى مصر لقتال هارون بن خمارويه صاحب
الترجمة فسار محمد بن سليمان بمن معه في شهر رجب وكتب إلى دميانة غلام يا زمان وهو
يومئذ أمير البحرأن يقفل بمراكبه إلى مصر وسار الجيش قاصدا دمشق فلما قربوا منها
تلقاهم بدر وفائق في جميع جيشهما لما في نفوسهما من هارون حسبما قدمناه من تقديم من
تقدم ذكره عليهما وصاروا مع محمد بن سليمان جيشا واحدا وساروا نحو مصر فآتصلت
أخبارهم بهارون بن خمارويه هذا فتهيأ لقتالهم وجمع العساكر وأمر بمضربه فضرب بباب
المدينة بعد ان نعق في جنده وأمرهم بالتأهب للرحيل فاستعدوا ثم رحلوا إلى العباسة
يريدون الشأم وتربص هارون بالعباسة أياما وكتب لبدروفائق يستعطفهما ويذكر لهما
الحرمة وما يجب عليهما من حفظ ذمام الماضين من أبيه وجده وصارت كتبه صادرة إليهم
وإلى القواد بذلك فبينما هو ذات ليلة بالعباسة وقد شرب وثمل ونام امنا في مضربه إذ
وثب عليه بعض غلمانه فذبحه وقيل إن ذلك كان بمساعدة بعض عمومته في ذلك وأصبح الناس
وأميرهم مذبوح وقد تفرقت الظنون في قاتله فنهض عمه شيبان بن أحمد بن طولون ودعا
لنفسه وضمن للناس حسن القيام بأمر الدولة والإحسان لمن ساعده فبايعه الناس على ذلك
انتهى.
وقد ذكر بعضهم قصة هارون هذا بطريق آخرقال واستمر هارون هذا في إمرة مصر من غير
منازع لكن أحوال مصر كانت في أيامه مضطربة إلىأن ورد عليه الخبر بموت الخليفة
المعتضد بالله في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين وبويع لابنه محمد المكتفي
بالخلافة ثم خرج القرمطي بالشأم في سنة تسعين فجهز هارون لحربه القواد في جيش كبير
فهزمهم القرمطي ثم وقع بين هارون وبين الخليفة المكتفي وحشة وتزايدت إلى أن أرسل
المكتفي لحربه محمد بن سليمان الكاتب فسار محمد بن سليمان من بغداد إلى أن نزل حمص
وبعث بالمراكب من الثغور إلى سواحل مصر وسار هو حتى نزل بفلسطين فتجهز هارون أيضًا
لقتال محمد بن سليمان المذكور وسير المراكب في البحر لحربه وفيها المقاتلة حتى
التقوا بمراكب محمد بن سليمان وقاتلوهم فآنهزموا وكان القتال في تنيس وملك أصحاب
محمد بن سليمان تنيس ودمياط وكان هارون قد خرج من مصر يوم التروية لقتال محمد بن
سليمان فلما بلغه الخبر توجه إلى العباسة ومعه أهله وأعمامه في ضيق وجهد فتفرق عنه
كثير من أصحابه وبقي في نفر يسير وهو مع ذلك متشاغل باللهو والسكر فاجتمع عماه
شيبان وعدي آبنا أحمد بن طولون على قتله فدخلا عليه وهو ثمل فقتلاه ليلة الأحد
لإحدى عشرة بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين وسنه يومئذ آثنتان وعشرون سنة
وكانت ولايته على مصر ثماني سنين وثمانية أشهر وأيامأ وتولى عمه شيبان مصر بعده
وقال سبط ابن الجوزي في تاريخه وفيها يعني سنة آثنتين وتسعين ومائتين في صفر سار
محمد بن سليمان إلى مصر لحرب هارون بن خمارويه وخرج إليه هارون في القواد فجرت
بينهم وقعات ثم وقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام عصبية فاقتتلوا فخرج هارون
ليسكتهم فرماه بعض المغاربة بسهم فقتله وتفرقوا فدخل محمد بن سليمان مصر وملكها
وآحتوى على دورآل طولون وأسبابهم وأخذهم جميعًا وكانوا بضعة عشر رجلا فقيدهم وحبسهم
واستصفى أموالهم وكتب بالفتح إلى المكتفي.
وقيل إن محمد بن سليمان لما قرب من مصر أرسل إلى هارون يقول إن الخليفة قد ولاني
مصر ورسم أن تسير بأهلك وحشمك إلى بابه إن كنت مطيعا وبعث بكتاب الخليفة إلى هارون
فعرضه هارون على القواد فأبوا عليه فخرج هارون فلما وقع المصاف صاح هارون يا منصور
فقال القواد هذا يريد هلاكنا فدسوا عليه خادما فقتله على فراشه وولوا مكانه شيبان
بن أحمد بن طولون ثم خرج شيبان إلى محمد مستأمنا وكتب الخليفة إلى محمد بن سليمان
في إشخاص آل طولون وأسبابهم والقواد وألا يترك أحدا منهم بمصر والشأم فبعث بهم إلى
بغداد فحبسوا في دار صاعد.
انتهى ما أوردناه من ترجمة هارون من عدة أقوال بخلف وقع بينهم في أشياء كثيرة.
السنة الأولى من ولاية هارون بن خمارويه
وهي سنة أربع وثمانين ومائتين: فيها كانت وقعة بين الأمير عيسى النوشري الآتي
ذكره في أمراء مصر وبين بكر بن عبد العزيزبن أبي دلف وكان قد أظهر العصيان فهزمه
النوشري بقرب أصبهان وآستباح عسكره.
وفيها ظهرت بمصر حمرة عظيمة في الجو حتى إنه كان الرجل إذا نظر في وجه الرجل يراه
أحمر وكذا الحيطان فتضرع الناس بالدعاء إلى الله وكانت من العصر إلى الليل وفيها
بعث عمرو بن الليث بألف ألف درهم لتنفق على إصلاح درب مكة من العراق قاله ابن جرير
الطبري وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر فخوفه عبيد الله الوزير
بآضطراب العامة فلم يلتفت وتقدم إلى العامة بلزوم أشغالهم وترك الاجتماع بالناس
ومنع القصاص من القعود في الأماكن ثم منع من اجتماع الحلق في الجوامع وكتب المعتضد
كتابا في ذلك واجتمع الناس يوم الجمعة بناء على أن الخطيب يقرؤه فما قرىء.
وفيها ظهر في دار الخليفة المعتضد شخص في يده سيف مسلول فقصده بعض الخدام فضربه
بالسيف فجرحه واختفى في البستان فطلب فلم يوجد له أثر فعظم ذلك على المعتضد وآحترز
على نفسه وساءت الظنون فيه فقيل هو من الجن وقيل غير ذلك وأقام الشخص يظهر مرارا ثم
يختفي ولم يظهر خبره حتى مات المعتضد والمكتفي فإذا هو خادم كان يميل إلى بعض
الجواري التي في الدور وكانت عادة المعتضد أنه من بلغ الحلم من الخدام منعه من
الدخول إلى الحرم وكان خارج دور الحرم بستان كبير فآتخذ هذا الخادم لحية بيضاء وبقي
تارة يظهر في صورة راهب وتارة يظهر بزي جندي بيده سيف وآتخذ عدة لحى مختلفة الهيئات
والألوان فإذا ظهر خرجت الجارية مع الجواري لتراه فيخلو بها بين الشجر فإذا طلب دخل
بين الشجر ونزع اللحية والبرنس ونحو ذلك وخبأها وترك السيف في يدى مسلولا كأنه من
جملة الطالبين لذلك الشخص وبقي كذلك إلى أن ولي المقتدر الخلافة وأخرج الخادم إلى
طرسوس فتحدثت الجارية بحديثه بعد ذلك وفيها في يوم الخميس رابع المحرم قدم رسول
عمرو بن الليث الصفارعلى المعتضد برأس رافع بن هرثمة فخلع على الرسول ونصب الرأس في
جا نبي بغداد.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعًا مبلغ الزيادة ست
عشرة ذراعًا ونصف إصبع.
أمر النيل في هذه السنة الماء القديم سبع أذرع وست عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ست عشرة
ذراعًا وتسع عشرة إصبعًا.
على مصر وهي سنة ست وثمانين ومائتين: فيها أرسل هارون بن خمارويه صاحب الترجمة
إلى الخليفة المعتضد يعلمه أنه نزل عن أعمال قنسرين والعواصم وأنه يحمل إلى المعتضد
في كل سنة أربعمائة ألف دينار وخمسين ألف دينار وسأله تجديد الولاية له على مصر
والشأم فأجابه المعتضد إلى ذلك وكتب تقليدا بهما وفيها في شهر ربيع الآخر نازل
المعتضد آمد وبها محمد بن أحمد بن عيسى بن الشيخ فحاصرها أربعين يوما حتى ضعف محمد
وطلب الأمان لنفسه وأهل البلد فأجابه إلى ذلك فخرج إليه محمد ومعه أصحابه وأولياؤه
فوصلوا إلى المعتضد فخلع عليه المعتضد.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع ا ذرع وخمس عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وثماني أصابع.
السنة الرابعة من ولاية هارون فيها في المحرم واقع صالح بن مدرك كبير عرب طيىء
الحاج العراقي كما فعل بهم في العام الماضي وكان في ثلاثة آلاف من عرب طيىء وغيرهم
ما بين فارس وراجل وكان أمير الحاج أبا الأغر فأقاموا يقاتلونهم يوما وليلة حتى هزم
صالح بن مدرك وقتل معه أعيان طيىء ودخل الركب بغداد بالرؤوس على الرماح و با لا
سرى.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وخمس وعشرون إصبعًا مبلغ الزيادة
سبع عشرة ذراعًا وعشر أصابع.
السنة الخامسة من ولاية هارون وهي سنة ثمان وثمانين ومائتين:
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع سواء.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وأربع أصابع.
السنة السادسسة من ولاية هارون فيها فاض البحر على الساحل فأخرب البلاد والحصون
التي عليه وفيها في شهر ربيع الآخر آعتل الخليفة المعتضد بالله علة صعبة وهي العلة
التي مات بها فقال عبد الله بن المعتز في ذلك: طار قلبي بجناح الوجيب جزعًا من
حادثات الخطوب وحذارًا أن يشاك بسوء أسد الملك وسيف الحروب ثم آنتكس ومات في الشهر
وتخلف بعده ولده المكتفي بالله أبو محمد علي.
قال إبراهيم بن محمد بن عرفة: وتوفي المعتضد في يوم الاثنين لثمان بقين من شهر
ربيع الأخر سنة تسع وثمانين ومائتين ودفن في حجرة الرخام وصلى عليه يوسف بن يعقوب
القاضي وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر ونصفا قلت: وبويع بالخلافة بعده ولده
علي بعهد منه ولقب بالمكتفي وكان المعتضد شجاعًا مهيبًا أسمر نحيفا معتدل الخلق
ظاهر الجبروت وافر العقل شديد الوطأة من أفراد خلفاء بني العباس وشجعانهم كاد يتقدم
على الأسد وحده لشجاعته.
وقال المسعودي: كان المعتضد قليل الرحمة قيل: إنه كان إذا غضب على قائد أمر أن
تحفر له حفيرة ويلقى فيها وتطم عليه قال: شكوا في موت المعتضد فتقدم الطبيب فجس
نبضه ففتح عينه ورفس الطبيب برجله فدحاه أذرعا فمات الطبيب ثم مات المعتضد أيضًا من
ساعته هكذا نقل المسعودي ورثا الأمير عبد الله بن المعتز العباسي فقال البسيط يا
ساكن القبر في غبراء مظلمة بالظاهرية مقصى الدار منفردًا أين السرير الذي قد كنت
تملؤه مهابة من رأته عينه آرتعدا أين الأعادي الألى ذللت مصعبهم أين الليوث التي
صيرتها بعدا أين الجياد التي حجلتها بدم وكن يحملن منك الضيغم الأسدا أين الرماح
التي غذيتها مهجًا مذ مت ما وردت قلبًا ولا كبدا أين الجنان التي تجري جداولها
وتستجيب إليها الطائر الغردا أين الوصائف كالغزلان رائحة يسحبن من حلل موشية جددا
أين الملاهي وأين الراح تحسبها ياقوتة كسيت من فضة زردا أين الوثوب إلى الأعداء
مبتغيًا صلاح ملك بني العباس إذ فسدا ما زلت تقسر منهم كل قسورة وتخبط العالي
الجبار معتمدا ثم آنقضيت فلا عين ولا أثر حتى كأنك يومًا لم تكن أحدا وفيها خرج
يحيى بن زكرويه بن مهرويه داعية قرمط وجمع جموعا كثيرة من الأعراب وكانت بينه وبين
طغج بن جف نائب هارون بن خمارويه على الشام وقعات عديدة تقدم ذكر ذلك كله في أول
ترجمة هارون المذكور.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وثلاث وعشرون إصبعًا ,
مبلغ الزيادة ثلاث عشرة ذراعا وأربع أصابع.
السنة الثامنة من ولاية هارون وهي سنة إحدى وتسعين ومائتين:
وفيها خلع المكتفي على محمد بن سليمان الكاتب وعلى محمد بن إسحاق بن كنداج وعلى أبي
الأغر وعلى جماعة من القواد وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان المذكور وندب
الجميع بالمسير إلى دمشق لقبض ما كان بيد هارون بن خمارويه صاحب الترجمة من الأعمال
لأنه كانت الوحشة قد وقعت بينهما وفيها حج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي
العباسي وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الشيخ أبو إسحاق الخواص البغدادي
كان أوحد أهل زمانه في التوكل صحب أبا عبد الله المغربي وكان من أقران الجنيد وله
في الرياضات والسياحات مقامات وفيها توفي أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار أبوالعباس
الشيباني مولاهم ثعلب النحوي إمام أهل الكوفة مولده في سنة مائتين
أمر النيل في هذه السنة الماء
القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعاوإصبع واحدة ونصف
إصبع
كنوز وثروة
مصر تذهب إلى بغداد
وهارون صاحب مصر إلى أن ملك الديار المصرية وأمسك الطولونية وخرب منازلهم وهدم
القصر المسمى بالميدان الذي كان سكن أحمد بن طولون وتتبع أساسه حتى أخرب الديار
ومحا الآثار ونقل ما كان بمصر من ذخائر بني طولون إلى العراق وقال صاحب كتاب
الذخائر إن محمد بن سليمان المذكور رجع إلى العراق في سنة اثنتين وتسعين ومائتين
ومعه من ذخائر بني طولون أموال عظيمة يقال إنه كان معه أكثر من ألف ألف دينار عينأ
وأنه حمل إلى الخليفة الإمام المكتفي من الذخائر والحلي والفرش أربعة وعشرين ألف
حمل جمل وحمل آل طولون معه إلى بغداد وأخذ محمد بن سليمان لنفسه وأصحابه غير ذلك
مالا يحصى كثرة ولما وصل محمد بن سليمان إلى حلب متوجهًا إلى العراق كتب الخليفة
المكتفي إلى وصيف مولى المعتضد أن يتوكل بإشخاص محمد بن سليمان المذكور فأشخصه وصيف
المذكور إلى الحضرة فأخذه المكتفي وقيده وصادره وطالبه بالأموال التي أخذها من مصر
ولم يزل محمد بن سليمان معتقلا إلى أن تولى آبن الفرات للخليفة المقتدر جعفر فأخرجه
إلى قزوين واليًا على الضياع والأعشار بها.
مسلم يدعى
للشيعة فى مصر
المقريزى المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار
الجزء الرابع ( 841من 761 ) : "
وفي إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون أنكر
رجل من أهل مصر أن يكون أحد خيّرًا من أهل البيت فوثبت إليه العامّة فضرب بالسياط
يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ومائتين.
123
- ولاية
شيبان بن أحمد بن طولون على مصر سنة 292
هو شيبان بن أحمد بن طولون الأمير أبو المقانب التركي المصري ولي إمرة مصر بعد
قتل آبن أخيه هارون بن خمارويه لإحدىعشرة بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين مائتين قال
صاحب البغية ولما تم أمره أقر شيبان المذكور موسى بن طونيق على شرطة مصروخرج من
الفسطاط ليلة الخميس لليلة خلت من أشهر ربيع الأول سنة آثنتين وتسعين ومائتين فكانت
ولايته آثني عشر يومًا انتهى
قلت ونذكر أمر شيبان هذا بأوسع مما ذكره صاحب البغية
فنقول ولما قتل هارون بن خمارويه ورجع الناس إلى مصر وهم بغير أمير نهض شيبان هذا
ودعا لنفسه وضمن لهم حسن القيام بأمر الدولة والإحسان إليهم فبايعه الناس وهو لا
يدري بأن الدولة الطولونية قد انتهى أمرها وما أحسن قول من قال في هذا المعنى:
أصبحت تطلب أمرًا عز مطلبه هيهات صاع زجاج ليس ينجبر وقام شيبان بالأمر ودخل
المدينة وطاف بها حتى وصل إلى الموضع المعروف بمسجد الرمح فصدم الرمح الذي فيه
لواؤه سقف المرب فانكسر فتطير الناس من ذلك وقالوا أمر لا يتم وقيل إن شيبان
المذكور كان أسر في نفسه قتل آبن أخيه هارون المقدم ذكره فتهيأ لذلك فى واطأ عليه
بعض خاصة هارون فكان شيبان ينتظر الفرصة وبينما شيبان على ذلك إذ صار إليه بعض
الخدم الذين واطأهم على أمر هارون وبايعوه على قتله وأعلموه أن هارون قد غط في نومه
من شدة السكر وأنه لم ير في مثل حالته تلك قط من شدة السكرالذي به وقالوا له إن
أردت شيئا فقد أمكنك ما تريد فقام شيبان ودخل من وقته على ابن أخيه هارون بن
خمارويه فوافاه في مرقده غاطًا مثقلًا من سكره فذبحه بسكين كان معه في مرقمه
بالعباسة وكان ذلك في ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين
ومائتين وعرف الناس بقتله في غد ليلته وآستولى شيبان على الملك كما ذكرناه وبويع في
يوم الاثنين لعشر ليال بقين من صفر من السنة المذكورة وعلم أبو جعفر بن أبى ونجيح
الرومي القائد ما كان من أمر هارون وقتله فرحلا من موضعهما من العباسة مع نفر من
خاصة أصحابهما وتركا بقية عسكرهما ولحقا بعسكر طغج بن جص الني كان نائب دمشق وقد
وصل محمد بن سليمان الكاتب وفائق ويمن وغيرهم من موالي خمارويه وأخبروهم بذلك ثم
جاءهم الخبر بأن الحسين بن حمدان قد دخل الفرما يريد جرجير وكانوا بها فرحلوا
بعساكرهم حتى نزلوا العباسة وذلك بعد رحيل شيبان بن أحمد بن طولون المذكور عنها إلى
مدينة مصر.
وأما شيبان فإنه لما دخل مصر مع جميع إخوته وبني عمه والعسكر الذي كان بقي من عسكر
آبن أخيه هارون تهيأ لقتال القوم وكان شيبان أهوج جسورآ جسيما جلدا شديد البدن في
عنفوان شبابه فصار يسرع في أموره وذلك بعد أن تم أمره وخطب له يوم الجمعة على
سائرمنابرمصر ثم أخذ في العطاء للجند فلم يجد من المال سعة فقلق فسعى إليه ساع بأن
أم هارون المقتول أودعت ودائع لها في بعض الدورالتي للتجار بمدينة الفسطاط أعني مصر
فوجه شيبان بأبي جيشون أحد إخوته إلى هذه الدورحتى آستخرج منها خبايا كانت لأم
هارون وحمل ذلك إلى أخيه شيبان في أعدال محزومة لايدرى مافيها وآنتهى الخبر إلى
الحسين بن حمدان بأن هارون صاحب مصر قد قتل وكان على مقدمة عسكر محمد بن سليمان
الكاتب وهوبجرجيرفرحل عنها يريد العباسة فلقيه في طريقه محمد بن أبى مع جميع
الرؤساء الذين كانوا معه فصار الحسين في عسكر كبير وبلغ ذلك أيضًا محمد بن سليمان
الكاتب فحث في مسيره حتى لحق بمقدمة الحسين بن حمدان المذكور وقد آنضاف إليه غالب
عسكر مصر الذي وصل مع أبي جعفر بن أبى وغيره وعندما آجتمع الجميع وصل إليهم أيضًا
دميانة البحري في ثمانية عشر مركبًا حربيًا مشحونة بالرجال والسلاح وذلك في يوم
الثلاثاء ثامن عشرين صفر فضرب جسر مصر الشرقي بالنار وأحرقه عن آخره وأحرق بعض
الجسر الغربي ثم وافى محمد بن سليمان الكاتب بعسكره حتى نزل بباب مصر فضرب خيامه
بها في يوبم الأربعاء تاسع عشرين صفر كل ذلك في سنة آثنتين وتسعين ومائتين ولما بلغ
ذلك شيبان خرج بعساكره من مدينة مصر وقد آجتمع معه من الفرسان والرجالة عدة كثيرة
ووقف بهم لممانعة محمد بن سليمان من دخول المدينة وعبأ أيضًا محمد بن سليمان عسكره
للمصاف لمحاربة شيبان والتقى الجمعان وكانت بينهم مناوشة ساعة ثم كتب محمد بن
سليمان إلى شيبان والحرب قائمة يؤمنه على نفسه وجميع أهله وماله وولده وإخوته وبني
عمه جميعا ونظر شيبان عند وصول الكتاب إليه قلة من معه من الرجال وكثرة جيوش محمد
بن سليمان مع ماظن من وفاء محمد بن سليمان له فاستأمن إلى محمد بن سليمان وجمع
إخوته وبني عمه في الليل وتوجهوا إلى محمد بن سليمان وصاروا في قبضته ومصاف شيبان
على حاله لكن الفرسان علموا بما فعل شيبان فكفوا عن القتال وبقيت الرجالة على
مصافها ولم تعلم بما أحدثه شيبان وأصبحت الرجالة غداة يوم الخميس وليس معهم حام
ولارئيس فالتقوا مع عسكر محمد بن سليمان فآنكسروا وانكبت خيل محمد بن سليمان على
الرجالة فأزالتهم عن مواقفهم ثم انحرفت الفرسان إلى قطائع السودان الطولونية وصاروا
يأخذون من قدرواعليه منهم فيصيرون بهم إلى محمد بن سليمان
وهوراكب على فرسه في
مصافه فيأمر بذبحهم فيذبحون بين يديه كما تذبح الشاة.
ثم دخل محمد بن سليمان بعساكره إلى مدينة مصر من غير أن يمنعه عنها مانع وكان ذلك
في يوم الخميس سلخ صفرالمذكور فطاف محمد بن سليمان وهوراكب بمدينة مصر ومعه محمد بن
أبى وجماعة من جند المصريين من الفرسان والرجالة إلامن هرب منهم وصار كل من أخذ من
المصريين ممن هرب أوقاتل ضربت عنقه وأحرقت القطائع التي كانت حول الميدان من مساكن
السودان بعد أن قتل فيها منهم خلق كثير حتى صارت خرابا يبابا وزالت دولة بني طولون
كأنها لم تكن وكانت مدة تغلب شيبان هذا على مصر تسعة أيام منها أربعةأيام كان
فيهاأمره ونهيه ثم دخلت الأعراب الخراسانية من عساكر محمد بن سليمان الكاتب إلى
مدينة مصر فكسروا جيوشها وأخرجوا من كان بها ثم هجمواعلى دور الناس فنهبوها وأخذوا
أموالهم وآستباحوا حريمهم وفتكوا في الرعية وآفتضوا الأبكار وأسروا المماليك
والأحرار من النساء والرجال وفعلوا في مصر ما لا يحله الله من ارتكاب المآثم ثم
تعدوا إلى أرباب الدولة وأخرجوهم من دورهم وسكنوها كرها وهرب غالب أهل مصر منها
وفعلوا في المصريين ما لا يفعلونه في الكفرة وأقاموا على ذلك أياما كثيرة مصرين على
هذه الأفعال القبيحة ثم ضربت خيام محمد بن سليمان على حافة النيل بالموضع المعروف
بالمقس ونزلت عساكره معه ومن آنضم إليه من عساكر المصريين بالعباسة ثم أمر محمد بن
سليمان أن تحمل الأسارى من المصريين من الذين كان دميانة أسرهم في قدومه من دمياط
على الجمال فحملوا عليها وعليهم القلانس الطوال وشهرهم وطيف بهم في عسكره من أوله
إلى آخرة ثم قلد محمد بن سليمان أصحابه الأعمال بمصر فكان الذي قلده شرطة العسكر
رجلا يقال له غليوس وقلد شرطة المدينة رجلا يقاد له وصيف البكتمري وقلد أباعبد الله
محمد بن عبدة قضاء مصر كل ذلك في يوم الخميس لسبع خلون من شهر ربيع الأول ثم قبض
أيضًا على جماعة من أهل مصر من الكتاب وغيرهم فصادرهم وغرمهم الأموال الجليلة بعد
العذاب والتهديد والوعيد ثم أمسك محمد بن أبى خليفة هارون بن خمارويه على مصر أعني
الذي كان توجه إليه من العباسة وصادره وأخذ منه خمسمائة ألف دينار من غير تجشيم
ومحمد بن أبى هذا هوالذي قدمنا ذكره في ترجمة جيش بن خمارويه
وماوقع له مع برمش
وكان محمد بن سليمان هذا لايسمى باسمه ولابكنيته وماكان يدعى إلا " بالأستاذ "
وكان حكمه في أهل مصر بضرب أعناقهم وبقطع أيديهم وأرجلهم جورا وتمزيق ظهورهم
بالسياط وصلبهم على جذوع النخل ونحو ذلك من أصناف النكال ولا زال على ذلك حتى رحل
عن مدينة مصر في يوم الخميس مستهل شهر رجب من سنة آثنتين وتسعين ومائتين وآستصحب
معه الأمير شيبان بن أحمد بن طولون صاحب الترجمة وبني عمه وأولادهم وأعوانهم حتى
إنه لم يدع من آل طولون أحدا والجميع في الحديد إلى العراق وهم عشرون إنسانا ثم
أخرج قوادهم إلى بغداد على أقبح وجه فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر وخلت منهم الديار
وعفت منهم الاثار وحل بهم الذل بعد العز والتطريد والتشريد بعد اللذ
ثم سيق جماعة
من أصحاب شيبان إلى محمد بن سليمان ممن كان أمنهم فذبحوا بين يديه وزالت الدولة
الطولونية وكانت من غرر المول وأيامهم من محاسن الأيام وخرب الميدان والقصور التي
كانت به التي مدحتها الشعراء
قال القاضي أبو عمرو عثمان النابلسي في كتاب حسن
السيرة في آتخاذ الحصن بالجزيرة " رأيت كتابا قدر آثنتي عشرة كراسة مضمونه فهرست
شعراء الميدان الذي كان لأحمدبن طولون قال فإذا كانت أسماء الشعراء في اثنتي عشرة
كراسة فكم يكون شعرهم انتهى وقال آبن دحية في كتابه وخربت القطائع التي لأحمد بن
طولون في الشدة العظمى زمن الخليفة المستنصر العبيدي أيام القحط والغلاء المفرط
الذي كان بالديار المصرية قال وهلك من كان فيها من السكان وكانت نيفا على مائة ألف
دار قلت هذا الذي ذكره آبن دحية هوالذي بقي بعد إتلاف محمد بن سليمان المذكورومما
قيل في ميدان أحمد بن طولون وفي قصوره من الشعر من المراثي على سبيل الاقتصار فمما
قاله إسماعيل بن أبي هاشم: قف وقفة بفناء باب الساج والقصر في الشرفات والأبراج
وربوع قوم أزعجوا عن دارهم بعد الإقامة أيما إزعاج كانوا مصابيحًا لدى ظلم الدجى
يسري بها السارون في الإدلاج ومنها: كانوا ليوثًا لا يرام حماهم في كل ملحمة وكل
هياج وقال سعيد القاص: جرى دمعه ما بين سحر إلى نحر ولم يجر حتى أسلمته يد الصبر
ومنها: وهل يستطيع الصبر من كان ذا أسى يبيت على جمر ويضحي على جمر تتابع أحداث
تحيفن صبره وغمر من الأيام والدهر ذو غدر أصاب على رغم الأنوف وجدعها ذوي الذين
والدنيا بقاصمة الظهر طوى زينة الدنيا ومصباح أهلها بفقد بني طولون والأنجم الزهر
ومنها: وكان أبو العباس أحمد ماجدًا جميل المحيا لا يبيت على وتر كأن ليالي الدهر
كانت لحسنها وإشراقها في عصره ليلة القدر يدل على فضل ابن طولون همة محلقة بين
السماكين والغفر فإن كنت تبغي شاهدا ذا عدالة يخبر عنه بالجلي من الأمر فبالجبل
الغربي خطة يشكر له مسجد يغني عن المنطق الهذر الميدان آبتدأ بهدمه في أول شهر
رمضان من سنة ثلاث وتسعين ومائتين وبيعت أنقاضه حتى دثر وزال مكانه كأنه لم يكن
فقال فيه محمد بن طشويه: من لم ير الهدم للميدان لم يره تبارك الله ما أعلاه
وآقدره لو أن عين الذي أنشاه تبصره والحادثات تعاديه لأكبره ومنها: وأين من كان
يحميه ويحرسه من كل ليث يهاب الليث منظره صاح الزمان بمن فيه ففرقهم وحط ريب البلى
فيه فدعثره ومنها: أين ابن طولون بانيه وساكنه أماته الملك الأعلى فأقبره ما أوضح
الأمر لو صحت لنا فكر طوبى لمن خصه رشد فذكره وقال أحمد بن إسحاق: الخفيف: وكأن
الميدان ثكلى أصيبت بحبيب صباح ليلة عرس تتغشى الرياح منه محلا كان للصون في ستور
الدمقس ومنها: كل كحلاء كالغزال ونجلا - - ءرداح من بين حور ولعس آل طولون كنتم
زينة الأر - - ض فأضحى الجديد اهدام لبس وقال ابن أبي هاشم: يا منزلًا لبني طولون
قد دثرا سقاك صوب الغوادي القطر والمطرا يا منزلًا صرت أجفوه وأهجره وكان يعدل عندي
السمع والبصرا بالله عندك علم من أحبتنا أم هل سمعت لهم من بعدنا خبرا فتح مصر ولى
عليها في الحال عيسى النوشري ولهذا لم نفتتح ترجمته بآفتتاح تراجم ملوك مصر على
عادة ترتيب هذا الكتاب ومن الناس من عدة من جملة أمراء مصر بواسطة تحكمه وتصرفه في
الديار المصرية.
أول من ولي مصر بعد بني طولون
وخراب القطائع إلى الدولة الفاطمية العبيدية وبناء القاهرة على الترتيب المقدم ذكره
فأول من حكحمها محمد بن سليمان الكاتب المقدم ذكره أرسله الخليفة المكتفي بالله علي
العباسي حسبما ذكرناه في غير موضع وملك محمد بن سليمان الديار المصرية بعد قتل
شيبان بن أحمد بن طولون في يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين
ومائتين ودعا على منابر مصر للخليفة المكتفي بالله وحده