Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم عزت اندراوس

علم الآثار يؤيد الكتاب المقدس

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
قبائل عربية بالشام إعتنقت المسيحية
قبائل عربية مسيحية بشبه الجزيرة العربية

مصادر معلومات هذه الصفحة :

(1) القبائل العربية المسيحيّة في بلاد الشام في عهد صدر الإسلام -  بقلم: الأرشمندريت اغناطيو

(2) دراسة الدكتورة سلوى الحاج صالح – العائب "المسيحيّة العربيّة وتطوّراتها من نشأتها إلى القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي" التي ظهرت في بيروت عام 1997.

(3) كتاب "تاريخ الإسلام المبكر" مؤلف الكتاب الدكتور : محمد آل عيسى - نقلت بتصرف

****************************

التاريخ الحقيقى: نشأ الإسلام بالشام وليس بمكة فى شبه الجزيرة العربية (السعودية الآن)

حرب مهدت لنشأة الإسلام بالشام

استقلال المشرق العربي


غلبت الروم في أدنى الأرض

 منطقة الشام، أو بلاد الشام هي اليوم إقليم جغرافي تاريخي يقع على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، يشمل حالياً سوريا ولبنان والأردن وفلسطين التاريخية، ويتضمن أيضاً أجزاءً من جنوب تركيا وشمال السعودية وشبه جزيرة سيناء في مصر وتقع هذه المنطقة بين بلاد الفرس (إيران حاليا) والإمبراطورية البيزنطية الروم (تركيا اليونان حاليا)

 

القبائل العربية فى الشام

 

ديانة القبائل العربية في بلاد الشام وبلاد فارس في القرن السابع الميلادى فى عهد ظهور الإسلام

لا يعرف الكثيريين أن قبائل عربية سكنت منطقة الشام وفارس وأنها ساهمت فى تأسيس الإسلام فى القرن السابع الميلادى فى القرن السابع الميلادى

 إنتشرت قبائل عربية فى بلاد فارس (إيران وكاخستان وغيرها يمكن البحث عنها فى شبكة الإنترنت )

وفى الشام : أسماء بعض القبائل العربية فى سوريا (راجع 1 اسفل الصفحة) والأردن (راجع 2 اسفل الصفحة) والعراق (راجع 3 اسفل الصفحة)

قبائل عربية بالشام إعتنقت المسيحية : أولا : تاريخ القبائل العربية التى إعتنقت المسيحية فى الشاىم قبل نشأة الإسلام فى القرن السابع الميلادى
 

هذه القبائل كانت تسكن فى الأراضى بين الإمبراطوريتين المتحاربتين الفارسية والبيزنطية .. وكانت قبيلة المناذرة بالعراق تدين بالولاء للإمبراطورية الساسانية فى بلاد فارس وقبيلة الغساسنة بشوريا تدين بالولاء للإمبراطورية البيزنطية المسيحية وتمكنت هذه القبائل مع قبائل عربية أخرى بالشام من إنشاء إمارات وممالك شبه مستقلة قبل القرن السابع ثم إتحدت وأسست الإسلام ما يعرف بالأسرة الأموية الذين قاموا بجمع وتطوير القرآن ومن بعدهم الخلافة العباسية الذين إبتدعوا الأحاديث حتى وصل  القرآن والأحاديث إلى شكله الحالى فى حقبة زمنية مدتها 200 سنة

 فى القرن الأول الميلادى كانت هذة المناطق بها اليهودية كدين سماوى ينتظرون ولادة مسيا أى "المسيح المنتظر " يقودهم ويخلصهم من المحتلين الرومان ليبنون الهيكل ولما ولد يسوع وهو يهودى تآمروا ضده وصلب ومات وقام من الأموات ولك يعترفوا به مسيحا ولكن نشأت فرقتين من اليهود

الفرقة الأولى: آمنوا به مسيحا ألأولى آمنوا بالمسيح ربا ومخلصا وإبتعدوا عن اليهودية والشريعة الموسوية وهم المسيحية الهيلينية التابعة للإمبراطورية الرومانية البيزنطية

والفرقة الثانية : وهم يهود أيضا بعضهم من دماعة النصارى الذين آمنوا بعيسى المسيح نبيا له تعاليم سامية وهدفهم إننشاء الهيكل اليهودى وهم المعروفون تاريخيا بالأبيونيين 

والفرقة الثالثة : وهم الذين إنشقوا عن المسيحية في هذه البلاد الشرقية سادت الهرطقات الأريوسية والنسطورية وغيرها . .

 

 

***************

المراجع

1) القبائل فى سوريا ولبنان مثل الغساسنة وال تنوخ، جذام ولخم وطّيء، إضافةً إلى قبائل أخرى مثل مذحج والأزد، وكان أشهرهم الغساسنة : كانت قبيلة من سلالة عربية إعتنقوا المسيحية بارزة حكمت أجزاءً من بلاد الشام ومنها دمشق ، وكان مقرهم في مرتفعات الجولان.
التنوخ: قبائل عربية أخرى استوطنت الشام، ولها حاكمة مشهورة هي الملكة ماوية في حلب.
الجذام و لخم و عاملة: من قبائل قحطان التي كان لها تواجد في بلاد الشام قبل القرن السابع الميلادي، . جذام ولخم وعاملة: هاجروا من شبه الجزيرة العربية وسكنوا في مناطق الشام. الأوس والخزرج: قبائل من الأزد انتقلت واستقرت في الشام. مذحج وكندة: و قبائل أخرى هاجرت إلى بلاد الشام، بحسب المصادر.

2) فى الأردن كانت القبائل العربية  في القرون الميلادية الأولى سكنت القبائل العربية القحطانية المناطق الممتدة من آيلة على ساحل البحر الأحمر حتى سهول حوران في الشمال ، وكانت تمتد على طول شرق الأردن ،

فى شرق الأردن : قبيلة سليح القحطانية والتي استقرت بالبلقاء ، ثم تبعتها قبيلة لخم وقبيلة بني كلب التي امتد نفوذهما من الشمال الجزيرة العربية حتى البحر الميت ، كذلك قبيلة قضاعة التي استولت على مساحات واسعة من شرق الأردن تلاها هجرة قبيلة غسان التي كانت أقوى قبائل العرب في الشرق الأردن إضافة إلى قبائل تنوخ وبني عذرة وقبائل جذام وطيء وبهراء وبلي ؛ هذه القبائل التي كانت عماد الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام في القرن السابع الميلادي ،

3) في القرن السابع الميلادي، تركزت القبائل العربية في العراق على ثلاث قبائل رئيسية هي
تغلب: استوطنت الجزء الشمالي من العراق.
إياد: سكنت المناطق الوسطى من العراق.
بكر: تواجدت بكثافة في المناطق الوسطى والجنوبية من العراق

 وتواجدت قبائل أخرى مثل بني شيبان، بني عجل، تغلب و،بائل الأزد وطي وجعفي وتميم وغسان وكندة وغيرهم وكانت مواطن تنوخ تنتشر بين الحيرة والأنبار، وعبد القيس في العراق.

 

 

 

الصراع بين الشرق "فارس" من ناحية والغرب "اليونانيين ثم الرومان ثم البيزنطيين" من ناحية أخرى

التاريخ يسجل الحروب بين الروم والفرس إستمرت لمدة 40 سنة فقط، بل كانت صراعًا طويلًا جدًا امتد لحوالي 700 عام من النزاع المتقطع ، بدءًا من أواخر العصر الجمهوري الروماني في عام 92 قبل الميلاد، وحتى انتهاء آخر حروبها الكبرى في عام 628 ميلادي. هذا الصراع أنهك الجانبين. وكان هذا الإنهاك سببا في ظهور الإسلام فى منطقة الشام الواقعة بين الإمبراطوريتين


بدأ الصراع أيام الإسكندر الأكبر وكان صراعا يونانيا فارسيا . وكان صراعا بين آلهة وثنية ثم  صار صراعا دينيا بعد انتصار المسيحية في الغرب وتبنيها من قبل الإمبراطورية الرومانية وبعدها البيزنطية. وقد استخدم كل من الفرس والروم العشائر العربية في العراق والشام كحاجز صد بينهما وحلفاء لهما يقومون أحيانا بالحروب وكالة عن الدولتين الكبيرتين.
انقسم عرب المشرق إلى قبيلة غساسنة في الشام وقبيلة مناذرة في العراق. كان الغساسنة حلفاء لبيزنطة وكان المناذرة حلفاء للفرس. و كانت تلك العشائر تزود جيوش الإمبراطوريتين بالرجال في الحروب الخارجية إن لزم الأمر. كان الرومان يستعينون بالعشائر العربية لقطع دابر الصعاليك وقطاع الطرق. فحالف الروم شيوخ العشائر ودفعوا لبعضهم قسما من السلطة على بادية الشام بصفة شيوخ وملوك (لويس شيخو، كتاب النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية، نسخة الكترونية) 

 

تحالف المدن العشرة من الإمبراطورية البيزنطية المسيحية

ويروى لنا الإنجيل عن رحلات يسوع المسيح التبشيرية عابرا نهر الأردن يكرز فى حلف المدن العشرة الديكابولس  تعني كلمة “ديكا” العشر أما بوليس فتعني “المدن” ومجتمعة تعني المدن العشرة.هو تحالف روماني أنشأه الجنرال بومبيوس الكبير عام 64 ق.م. ضم الحلف عشرة من أهم مدن منطقة بلاد الشام وكان كحائط دفاعى لصد هجمات الأنباط في الجنوب والفرس فى الشرق . كانت هذه المدن تقع على الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية في جنوب شرق بلاد الشام في القرنين الأول قبل الميلاد والأول بعد الميلاد.

 وقام الروم بمحاولة توطين بدو الشام إدراجهم كمرتزقة في جيوشهم. فقد كانت لدى هؤلاء العرب القدرة على حروب الصحراء وضبط المنطقة كما كانت بيزنطة متفهمة للعلاقات العشائرية. كانت القبائل العربية دوما حاجز ا بين الروم والفرس وكانوا ينفذون إرادة البيزنطيين في المنطقة مقابل رواتب يحصلون عليها. وعمل العرب كوكلاء للروم على طول الجبهة الشرقية.
كانت بادية الشام بعد تملك الرومان عليها في أوائل التاريخ المسيحي روضة غناء شيد فيها أصحابها المدن العامرة لسكنى الآهلين وابتنوا الحصون لتأمين الطرق والآثار الباقية تنطق بعمران تلك األصقاع وحضارتها الراقية (لويس شيخو، كتاب النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية، نسخة الكترونية)
حروب الفرس والروم فى القرن السادس والسابع
منذ أوائل القرن السابع كانت الحرب سجالا بين الفرس والروم. انتصر الفرس مرارا وكذلك الروم. وصل الفرس إلى مدينة القدس وتوغلوا غربا حتى بلاد مصر. ونهبوا الصليب المقدس وأخذوه إلى ديارهم. يخبرنا التاريخ أن الروم غلبت في أدنى الأرض. وتوج الصراع الفارسي البيزنطي بانتصار خسرو الثاني واحتلال سوريا سنة 614 م ومصر سنة 618 وتدمير كنائس الأرض المقدسة وكنيسة القيامة إلا أنهم تركوا كنيسة المهد فى بيت لحم . وأسرالصليب المقدس.

لكن الروم بعد غلبهم غلبوا الفرس وسحقوهم واستعادوا الصليب وفرضوا عليهم الصلح. بدأت الإنتصارات البيزنطية ما بين عامي 622- 626 م تحول الفرس بعدها إلى الدفاع. في عام 626 م كانت آخر هزيمة كبرى للفرس عندما حاولوا اٌلإستيلاء على القسطنطينية. انتصر هرقل واستعاد الصليب وفرح المؤمنون.
وفي عام 627 م وصلت قوات هرقل إلى قلب بلاد الفرس واجبرهم على طلب الإستسلام. وفي العام التالي أي في العام 628م تم الصلح بين الجانبين لكن كلا منهما كان منهكا تعبا يائسا من القتال ساعيا إلى فسحة سلام وهدوء.

 

منطقة الشام (العراق وسوريا ولبنان) فى حالة شبه إستقلال عن فارس والروم
أنهكت الحروب الدولتين وسعت كل منهما لإنكفاء والإبتعاد عن ساحة المشرق العربي.
لقد ترك الفرس العراق للمناذرة بسبب هزيمتهم الكبيرة أمام البيزنطيين.
وترك البيزنطيون بلاد الشام بسبب تعبهم من الحروب ورغبتهم للتفرغ لحروب جديدة في منطقة أرمينيا. لم يخرج البيزنطيون من سوريا بسبب غزو عربي أو فتح إسلامي و لم تكن هناك أي مواجهات.
مع الهزيمة القاسية التي تعرض لها الفرس عام 622 م وما تالها من إحراق معبد النار األكبر سنة 623 م بمساعدة القبائل العربية النصرانية حتى نهاية الحرب ومقتل كسرى أبرويز عام 628 م دخل هرقل عاصمة الفرس وقلب حكم خسرو الثاني وكان مطلبه استعادة خشبة الصليب فاستعادها وأعادها إلى القدس.
وبمعركة نينوى آخر معارك هرقل مع الفرس تم دمار الإمبراطورية الساسانية ومعها كذلك النخبة الزرادشتية.

 

 الصلح بين الفرس والروم أدى إلى إستقلال قبيلة المناذرة بقيادة على بالعراق  وقبيلة الغساسنة بالشام

لا أحد يعرف على وجه الدقة تفاصيل معاهدة الصلح بين الفرس والروم عام 628 م التي توجت انتصارات هرقل وتدمير مملكة الفرس، وربما لو قر أنا تفاصيل صلح الحديبية لتلمسنا بعض خيوط الفهم لهذه المعاهدة. و لكن باستقراء أحداث التاريخ التي تلت يبدو أن أهم بنود الصلح كانت ترك الإقليم العربي (الشام العراق وسوريا ولبنان حاليا) من قبل الفريقين. انسحاب الفرس وكذلك انسحاب الروم من المشرق العربي ترك البلاد في فراغ سياسي وأمني قام العرب بملئه. فأقاموا فيها الحكم الذي يريدون والشريعة التي يرتضون.

لقد منح هذا الصلح الذي جاء نتيجة انتصار الروم عرب سوريا وعرب العراق الحكم الذاتي الذي سعوا إليه ولنتدبر هنا دولة المدينة. وفي عام 636 م أتمت قوات بيزنطة انسحابها الكامل من بلاد الشام. لم تبق في البلاد سوى بضع حاميات من رجال القبائل المحلية. فتلاشت سلطة الإحتلال وشجع شيوخ القبائل على الإستقلال واستلام الحكم بعد مخاض طويل. بانسحاب البيزنطيين اتباع المسيحية الهيللينية فسح المجال أمام العقائد النصرانية الشرقية لللإنتعاش ولإلنتشار. وفتح المجال لزعماء القبائل ألخذ زمام الحكم مباشرة. فانفرد الغساسنة (بقيادة معاوية؟( بحكم الشام "سوريا وما حولها") وانفرد المناذرة بقيادة علي؟ (بحكم العراق.)

 هذه الظروف أعطت دفعة قوية للزعماء المحليين في المنطقتين العربيتين سوريا والعراق للإستقواء وانتزاع الإستقلال المنشود.

 

إعتاد الأباطرة تعيين حكام على الأقاليم التابعه لهم البعض منهم يعطونه لقب ملك وآخرين رؤساء أوأمراء   وكان احيانا يحدث خلاف بين حكام الأقاليم ينتهى بحرب محلية مثل الذى حدث بين هيرودس أنتيباس  ملك الجليل وبيرية.المعين من روما وملك  الحارث الرابع (9 ق.م. -40 م. )وهو حاكم عربى لمدينة بترا بالأردن ذكر في العهد الجديد (2كور 11: 32؛ أع 9: 24). والحارث هو حمو هيرودس أنتيباس رئيس الربع (حماه). وعندما طلق هيرودس ابنته لكي يتزوج هيروديا امرأة أخيه فيلبس (مت 14: 3؛ مرقس 6: 17؛ لو 3: 19)، أعلن الحارث عليه حربًا وهزم جيشه هزيمة ساحقة في 36 م. وانحاز الرومان إلى هيرودس، وأرسلوا فايتيليوس لتأديب الحارث، لكن موت الإمبراطور طيباريوس أنهَى الحملة. وكان نحو 39 أو 40 م. أثناء حكم كاليجولا ، أو ربما في 36 م. إن الحارث استولى على دمشق، وأقام فيها نائبًا من قبله

الظروف الجغرافية والسياسية التي سادت الشام (العراق وسوريا حاليا) بعد معاهدة الصلح بين الفرس والروم لا تترك مجالا ألي معارك أو غزوات عربية أو إسلامية قدمت من الجزيرة العربية. فلا يمكن لقائد مثل هرقل أن يهزم وأن يستسلم الروم بتلك السهولة التي ترويها المصادرالعربية الإسلامية.. ولو هزم في معر كة فلا يمكن إلا أن يعود بهجوم مضاد ويستعيد البالد كما حدث فى المعارك مع الفرس وهل يترك المدينة المقدس أورشليم فى ايدى غريبه . فكيف يتركها بسهولة لغزاة من البدو جاءوا من الفيافي يحاربوه بسيوفهم بعد أن كان يستعملهم مرتزقة في جيوشه؟

مما سبق يتضح معاوية وأسرته الأموية عندما حكم دمشق كان بموافقة الإمبراطورية  المسيحية البيزنطية

 


هناك الكثير من علامات الإستفهام تحيط بالمعارك التي تحدثت عنها المصادر اإلإسلامية. كما أن نظرة متفحصة لخريطة المعارك المفترضة تثير العديد من التساؤالت. وعلى افتراض أن الغزاة المسلمين جاءوا من الحجاز ليواجهوا الروم فهل يعقل أن يستولى الغزاة على دمشق سنة 586 بينما معركة اليرموك على بعد مئة وخمسين كيلومترا جنوبي دمشق التي أجبرت هرقل على مغادرة سوريا وقعت عام 585؟ وبعدها تسقط القدس عام 583؟ المنطق يقول أن يحدث العكس. أن تقع معركة اليرموك وينهزم الروم ثم يزحف الغزاة على دمشق. أما أن يحدث العكس فإن في هذا شبهات كثيرة ويلقي كثيرا من ظلال الشك على الرواية الرسمية.
كما أن المنطقة المفترضة على أنها ساحة معركة اليرموك لا يمكن أن تكون ساحة معركة حاسمة خاصة أنها منطقة جبلية ومنحدرة وبعيدة نسبيا عن

قلب الشام. حقائق التاريخ التي لم تكشف بالتفصيل بعد تشير إلى أن كل تلك المعارك قام بها الحكام الجدد ضد مراكز قوى محلية عارضت حكمهم وربما كانت توالي الروم أو ربما كانت تعارض عقيدتهم النصرانية فأخضعوها بالقوة.
لكن الرواية الإسلامية فيما بعد وعند نسج ملامح التاريخ بأثر رجعي صورت تلك المعارك الصغيرة على أنها معارك كبرى وانتصارات حاسمة.

 

العرب والروم ودولة الأمويين
لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون
 

تشير الرواية اإلسلامية الرسمية إلى أن العرب بعد اكتمال الإسلإم أخذوا يخضعون البلدان المجاورة باسم الدين الجديد. تتحدث كتب التاريخ العربي عن أسطورة ما يعرف بالإلنفجار اإلسلامي الذي يشبه التسونامي الذي اجتاح المنطقة فأسقط إمبراطوريتي الفرس والروم ومصر وأقام دولة ممتدة في غضون بضعة عقود من السنوات.
لكن سرا لا يزال بحاجة لتفسير: لماذا بقيت النصرانية في بلاد الشام تحت الحكم اإلسالمي مقابل الزوال السريع للزرادشتية في العراق وبلاد الفرس؟ لماذا ينسب لسكان الشام انهم رحبوا بالغزاة المسلمين؟ هل يعقل أن يقبل شعب ما غزو شعب آخر يفرض عليه دينه وعقيدته بكل تلك السهولة التي تروى عن الفتوحات اإلسالمية؟
يرى يهودا نيفو في كتابه "الإسالم على مفترق طرق" أن المؤلفين في القرن السابع لم يلحظوا أي غزو عربي لألراضي البيزنطية، في بلاد الشام. لم تقع أي معارك كبرى ولم يقع أي غزو أو فتوح أو استعمار. ويقول أسقف نسطوري سنة 564 "هؤلاء العرب الذين منحهم اهلا السلطة على البلاد لا يهاجمون المسيحية بل يحترمونها ويحمون كنائسنا وبيعنا ويحترمون قساوستنا".
المصادر السريانية أيضا التي دونت تاريخ تلك الفترة ليس فيها شيء يذكر عن الفتوحات العربية في أرض الشام. و كذلك المصادر السريانية التي دونت بعد تلك الفترة ليس فيها ما يعرف بالفتوحات.
35
و من الغريب أيضا أن تصمت المصادر البيزنطية تماما عن أي فتوحات أو غزوات إسالمية. وهذا بمنتهى الغرابة مع أن الرواية اإلسالمية تقول إن المسلمين طرقوا أبواب القسطنطينية وهددوها. وتغيب دالالت الفتح اإلسالمي في المصادر المسيحية الغربية. والموجود منها على قلته النادرة لا يزيد عن تلميحات سطحية ليوحنا الدمشقي. كما أن أزيدور اإلشبيلي لم يذكر شيئا عن
3 إسلام ذلك الوقت المبكر
.
كما أن ما يسمى فتح األندلس وغيرها من الأحداث المبكرة كالفتوح اللإسلامية وموقعة الجمل وصفين وكربلاء وغيرها ال تملك دليل حدوثها خارج رقع المدونات التاريخية اإلسلامية. فال أثار أركيولوجية تؤيدها وال عمالت وال
4 عمارة أو شواهد قبور تشهد عليها، ال شيء على اإلطالق
.
يفسر نادر قريط وهمية الفتوحات اإلسالمية على أنها مجرد ذاكرة ألحداث وقعت وليست أحداثا حقيقية بالمطلق. فالفتوحات في ر أيه فتوحات للغة كتابية عربية تمددت تاريخيا على حساب ثقافات شاخت. والحضارة اإلسالمية في

10 جوهرها حضارة عربية اللسان لكنها فارسية العقل
.

آراء مثيرة حول أصول اإلسالم والمسيحية، نادر قريط األوان، مارس 2004 3
- تاريخ إسبانيا وفتح األندلس، نادر قريط األوان 2003-2-4 4
- مقال في األوان 2007-5-14 10
36
بالتدقيق في تفاصيل التاريخ تبدو ما عرفت بالفتوحات اإلسالمية مجرد أساطير. فالفحوصات األركيولوجية لخط وادي اليرموك تشير إلى أن الروم تركوا المنطقة قبل ذلك بوقت طويل. وكان الغساسنة ينوبون عن الروم في الحكم إلى أن خرج الروم نهائيا وتسلم العرب زمام الحكم.
منذ أن كان الروم والفرس يحكمون المشرق العربي كانت البادية العربية فيما يعرف اآلن بجزيرة العرب هي المستودع البشري الذي يزودهم برجال الحرب. فرجال البادية مقاتلون أشداء يبذلون اشد البذل لمن يدفع. وكثير من أولئك المقاتلين استوطن بالد الشام والعراق بعد أن هدأت الحروب واستقرت األوضاع إثر خروج قوات الروم والفرس ومنح عرب المشرق نوعا من الحكم الذاتي.

 

الحكم العربى والعقيدة النصرانية بالقرن السابع الميلادى
في منتصف القرن السابع شهدت المنطقة نهوض الحكم العربي وبداية الحركة الدينية التي تبلورت اعتمادا على العقيدة النصرانية. في النصف الثاني من القرن الثامن اندمج االتجاهان السياسي والديني إذ سيطرت الدولة على الدين مما سهل ظهور اإلسالم العربي و أسلمة الحكم وتعريب الدين.
تشير الحفريات التي جرت في بالد الشام إلى أن أغلبية العرب الذين قدموا من الجزيرة العربية كانوا ال يزالون وثنيين أو على دين النصارى. والوثنيون منهم مالوا نحو النصرانية والتزموا بها. لكن هؤالء العرب لم يكونوا شديدي التدين. ولم يكن الدين بالنسبة لهم سوى طريقة حياة مثل أي طقوس وثنية أخرى.
37
لم يشكل وجود هؤالء العرب في الشام أي تهديد ألصحاب البالد. فهم كانوا عربا مثلهم من حيث العرق وكان بينهم من يؤمن باليهودية ومن يؤمن بالنصرانية ومنهم من كان وثنيا فمال إلى ديانة أهل البالد وصار كواحد منهم.
في القرن السابع كان هرقل أقوى وانجح حاكم في العالم. وكان يحكم إمبراطورية واسعة مترامية األطراف. وقد هزم اإلمبراطورية الفارسية ودمر ملكها وسحق عرشها. فهل يهزم في اليرموك بكل تلك السهولة التي ترويها المصادر العربية؟
الذين بحثوا في تفاصيل معركة اليرموك لم يجدوا أي سبب لهز يمة البيزنطيين. كيف ينهزم هرقل الذي خبر الحروب ثالثين عاما؟ وبحسب التاريخ المروي كان العرب مشغولين بجبهتين فكيف حققوا كل تلك االنتصارات؟ كما أن كتب التاريخ ال تحتوي أي مصدر ولو مصدر واحد يعود إلى القرن السابع يذكر فيه أن هرقل توجه إلى جنوب مدينة القدس أو مدينة مؤتة بالذات أو أنه توجه إلى صحراء العرب بجيوشه ليحارب ثالثة آالف عربي خرجوا عليه من . ولم تبين الرواية اإلسالمية أي سبب أو غرض يدفع هرقل 11 بطن الصحراء لمحاربة المسلمين بمئة ألف جندي في مؤتة.
****
- آل طالل م صمد، مقال في الحوار المتمدن، 2018-3-23 11
38
ما ال تذكره مصادر الرواية الرسمية اإلسالمية هو أن الروم والفرس انسحبوا بهدوء بعد أن أنهكتهم الحروب وتركوا العرب لمصيرهم يحكمون أنفسهم في حكم ذاتي مع بقاء بعض الحاميات الرومية الصغيرة التي لم يزد عدد أفرادها عن ألف وخمسمئة رجل في كل البالد السورية.
لم يكن عرب سوريا بدون زعيم يقودهم. وهذا الزعيم كان معاوية الذي عرف في المصادر العربية بأنه معاوية بن أبي سفيان الخليفة األموي األول.
تقدم كتب التاريخ هذا الزعيم على انه مسلم سوق نفسه بما يتوافق مع الرأي العام. وجعلوا منه أحد دهاة العرب بعد مسالة رفع المصاحف على الرماح في قصة صراعه مع علي.
لماذا سميت الدولة العربية الناشئة في بالد الشام بالدولة األموية؟ ال توجد إجابة وافية لهذا السؤال. المصادر العربية تنسب األمويين إلى أمية بن عبد شمس ولكن ال توجد تفصيالت تبين كيف انتقلت األسرة األموية إلى بالد الشام.
لماذا يستقل األمويون في سوريا ولماذا يذهب العلويون إلى العراق ولماذا يتركون مكة مهد اإلسالم المفترض بحسب المؤرخين؟ لماذا يصمت التاريخ عن بقية األمويين في الحجاز بعد تأسيس الخالفة في دمشق؟ فال يعقل أن جميع األسرة األموية قاطبة غادرت مكة.
على أي حال هل يكفي أن يكون معاوية ابنا ألبي سفيان ليعين حاكما في دمشق وبعد فترة ما يعرف بالخالفة الراشدة يستفرد بالحكم بكل تلك السهولة؟
39

معاوية يدفع الجزية للروم
على األغلب كان معاوية قائدا محليا قويا استطاع أن يجمع حوله العشائر العربية النصرانية التي عرفت باسم الغساسنة. وقد تسلم قيادة البالد عندما انسحبت منها جيوش الروم سنة 522 للميالد وهي السنة التي انتصر فيها هرقل على الفرس وقرر بعدها االنسحاب من البالد السورية وتركها ألهلها يحكمونها . وقبل معاوية أن يدفع الجزية للروم مقابل تثبيته في الحكم. كان 12 بطريقتهم
معاوية يدفع للروم جزية بمقدار ثلاثة آالف قطعة ذهبية باللإضافة إلى الخيول
. و لو صدقنا الرواية اإلسالمية أن معاوية كان خليفة المسلمين فهل 18 والعبيد يعقل أن يدفع الجزية للروم؟ على األغلب كان معاوية خليفة بمعنى نائب الحاكم البيزنطي أي أن حكمه ليس مطلقا في البالد وان حكم فهو باسم اإلمبر اطور.
 

 

الإستقلال العربى فى الشام مبايعة معاوية ملكا فى الجلجثة وذهب للجسمانية ونزل لقبر مريم 

 كان معاوية على ما يبدو زعيما محليا. تحول إلى ملك عند وفاة هرقل
.581 بوفاة هرقل تحقق الإستقلال العربي الكامل فضربت المسكوكات التي حملت عبارة أمير المؤمنين بمعنى مسؤول األمن أو راعي األرض. نصب معاوية نفسه أميرا للمؤمنين. وصفة أمير المؤمنين كانت عبارة مسيحية معروفة وهي لقب كان يطلق على األسقف في بعض األحيان. ويقول فلهاوزن "في بيت المقدس نصب معاوية نفسه خليفة وصلى بهذه المناسبة في الجلجلة وعند كنيسة
. كما أن يوسيبيوس في كتابه الكبير: تاريخ الكنيسة 18 الجسمانية وقبر مريم

- نادر قريط، غولدتسيهر اإلسالم وفارس، األوان 2012-6-8 12
- هشام حتاتة في الحوار المتمدن نقال عن كارل هاينز اوليغ ص 61 18
- الهاجريون، تأليف باتريشيا كرونة، ترجمة نبيل فياض 18
40
يقول: "تجمع كثير من العرب وبايعوا معاوية ملكا. فذهب إلى الجلجلة وجلس ". 16 هناك وصلى. ثم ذهب إلى الجسمانية ونزل إلى حيث قبر مريم وصلى فيه ويذكر كثيرون أن معاوية ترك نقشا باليونانية يتقدمه صليب وبعدها ظهر 15 الصليب على العمالت األموية
.
لقب السوريون معاوية بالمستنير وتعني حامل النور وهو لقب ألصحاب المراتب العليا. فهل كان مسيحيا؟ نسطوريا؟ نصرانيا؟ على األغلب كان كذلك.
كان نصرانيا يلتزم شيعة النصارى وهي المسيحية اليهودية التي تقيم التوراة واإلنجيل معا. إن لقب معاوية يعني في اآلرامية البكاء كثير البكاء وهي صفة تصبغ على رجال الدين الذين يخافون اهلل.
لكن بعض المصادر تشير إلى أن معاوية وأسرته ليست من الغساسنة بل من الساسانيين الفرس الذين كانوا يتبعون الكنيسة النسطورية التي سبق لها ولجأت إلى بالد الفرس وكان لها أتباع كثيرون هناك. أي أن أسرة معاوية التي تسميها المصادر العربية األسرة األموية ليس لها عالقة بصحاري الحجاز أو قريش بل هم فرس عرب تحدروا من حدود بالد الفرس الشرقية باتجاه فلسطين
والشام.

- يوسيبيوس، تاريخ الكنيسة بحسب ما ورد في كتاب: كيف نظر األولون إلى اإلسالم 16
- كاظم خضير القاضي الحسني، مقال في الحوار المتمدن، 2018-12-15 15
41
من خالل الحكم الذاتي للعرب في سوريا قامت الدولة العربية بزعامة "مع ـــــ ويه" الذي عرفته المصادر اإلسالمية باسم معاوية بن أبي سفيان. و نسج له المؤلفون العرب تاريخا ونسبا وجعلوا أسرته من قريش وجعلوا جده أمية بن عبد شمس ليكون ندا لهاشم جد علي بن أبي طالب الذي ربما كان زعيما لمناذرة العراق وكان نظيرا لمعاوية هناك.
ال يعرف عن هذا الزعيم أي شيء حقيقي، ال عن أسرته و ال عن أهله ووالديه و ال عن مكان والدته ونشاته. لم يعثر على أي دليل مادي يبين اإلسم الحقيقي له وما هي قوميته فهل هو عربي أم فارسي أم مولد من ساللة رومية مثال؟ وما هو دينه وعقيدته. ولكن مع بداية حكمه زالت فكرة أن الحكام من نسل اآللهة. فصار يطلق على الحاكم اسم عبد اهلل.
في العام 551 للميالد اعترف بمعاوية كحاكم مطلق في سوريا فاحكم قبضته في دمشق وما جاورها واخضع المناطق المحيطة بالشام وقام بتعيين والة في فلسطين والحجاز والعراق. ومن كان يعرف بحسب الرواية اإلسالمية بالخلفاء الراشدين قد يكونوا مجرد والة قام معاوية بتعيينهم. أبرزهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان الذي قتل وثارت بعده فتنة ابن الزبير الذي تحدى خلفاء معاوية وكانت معركته مع عبد الملك.
ذ
وا أصبح معاوية أول حاكم عربي بعد خروج الروم ثبت مركزه في دمشق وقام بإخضاع كل من حاول التمرد أو االحتجاج ضد حكمه. وربما كانت معاركه
42
ضد القوى المحلية التي عارضته في بداية حكمه هي المعارك التي ضخمتها الرواية الرسمية للمؤلفين العرب في معارك أسمتها اليرموك ومؤتة وفتح دمشق وسقوط القدس وغير ذلك من المعارك الوهمية التي تتحدث عنها المصادر العربية. وقد تكون المعارك التي عرفت باسم حروب الردة هي غزوات قامت بها قوات معاوية إلخضاع مختلف أنحاء الجزيرة العربية.
حكم معاوية وأوالده ثالثة وعشرين عاما انتهى بعدها حكم ما يعرف بالفرع السفياني من األسرة األموية انتقل بعدها الحكم إلى ما يعرف باسم الفرع المرواني الذي بدأ فعليا من عبد الملك بن مروان. ولكن ما هي عالقة معاوية بأبي سفيان صخر بن حرب الذي تتحدث عنه الروايات اإلسالمية؟ هناك رواية تقول إن أمية بعد صراع مع هاشم في الحجاز تم نفيه إلى الشام. لكنها رواية ضعيفة ال نما اختلقت إليجاد مبرر لوجود بني أمية في الشام.

يعتد بها وا يشكك البعض بنسبة معاوية إلى أبي سفيان ويقولون إنها مجرد اختراع إلعطاء معاوية نسبا قرشيا يضاهي به نسب علي الهاشمي الذي اختلقت له أيضا سيرة ونسب و ساللة شريفة. وجعلوا أم معاوية هند بنت عتبة التي بحسب المرويات اإلسالمية تلتقي أحد الكهان الذي يقول لها إن أحد أبنائك سيكون ملكا. وفي المقابل نسبت المرويات إلى هند أم معاوية قصة أكل كبد حمزة عم
النبي لإلساءة إليه.
43
لكن فضل معاوية الكبير كان إقامة الدولة العربية األولى المستقلة التي وصفت بانها دولة األمويين. فمن هم هؤالء؟ من أين جاء وصف األمويين؟
لماذا وصفت به أسرة معاوية ومن خلفه من أوالده وأوالد أعمامه؟ قد تكون الكلمة تصحيف من كلمة أميين. فاألميون أو األمم بحسب التعبير الكتابي هم الوثنيون من غير اليهود. وألن اللغة العربية لم تكن ناضجة بما يكفي في القرن السابع ربما اختلط األمر على المؤلفين العرب فنسبوا معاوية و أوالده إلى األمم أو األميين فكان أن صارت الكلمة أمويين. ولم يلتفت أحد للتصحيف وبخاصة أن ساللة األمويين نهض لها من الطرف اآلخر من البالد في الشرق أسرة آل هاشم
تنافحها وتحاول تقويضها ونجحت بإسقاطها في نهاية المطاف.
بعد أكثر من عقدين من حكم أسرة معاوية جاءت األسرة المروانية وأبرز حكامها كان عبد الملك بن مروان الذي حكم عشرين عاما كانت كافية ليقوم بكل ما قام به ويتغير مسار التاريخ إلى األبد.


https://www.fouadzadieke.de/showthread.php?t=15225



بقلم: الأرشمندريت اغناطيوس ديك

مقدّمة

ثانياً: المسيحيّة العربيّة في ظلّ الدعوة الإسلاميّة


1- الموقف القرآني من الديانة المسيحيّة
- تعرّض القرآن للمسيحيّة والمسيحيّين في حوالي 117 آية.
- عيسى هو المسيح ولكن لا يعطي القرآن كلمة "مسيح" المعنى المقصود في العهدين القديم والجديد. إنّه رسول ونبي مفضّل على الأنبياء جاء بالإنجيل "هدى وموعظة للمتقين" وللإنجيل شريعة خاصة به "لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (مائدة 8). لا يذكر القرآن صراحة أن الإنجيل المتداول لدى المسيحيّين قد حرّف كما يرى المفسرون للقرآن. إنما يتصدّى لأهم العقائد المسيحية. ينفي القرآن الثالوث (نساء171، المائدة73). يلتقي القرآن مع المسيحيّة بأن عيسى يولد بدون أب بشري وإن قال عنه كلمة الله وروح منه فإن هذا التشابه شكلي والقرآن لا يعطي العبارتين المدلول اللاهوتي الذي يعطيه المسيحيون. (مائدة 72، 116، 117) الروح القدس مذكور في القرآن إلاّ أنه لا يرد بالمعنى المسيحي (الأقنوم الثالث). الثالوث المقصود في القرآن هو الآب والابن والأم (الصاحبة). وهكذا نلاحظ بصدد ردّ القرآن على عقيدة التثليث أنه تناولها من زاوية اعتبار أنّ المقصود بالثالوث ثلاثة آلهة فضلا عن كونه اعتبر مريم لا الروح القدس عنصرا من عناصر ذلك الثالوث. وتقول سلوى بالحاح صالح: "إذا اعتبرنا أن عقيدة التثليث الرسمية للكنيسة المسيحية غير ذلك في عناصرها ومقصدها فإننا نجد أنفسنا مدفوعين إلى التساؤل إن لم يكن القرآن تعرض في نصه إلى الردّ على بعض المعتقدات المسيحية التي واجهت بها بعض الفرق المتواجدة في الجزيرة العربية الرسالة المحمديّة وليس على العقيدة المسيحيّة عامة وبشكل منهجي وكامل" (ص 115).
- يعتبر القرآن النصارى من أهل الكتاب ويتمتعون في بعض الآيات بمكانة أحسن من مكانة اليهود: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" (مائدة 82، 83 راجع أيضاً سورة القصص 52، 53 و آل عمران 113 – 114).
إنّ الخطاب الموجّه إلى النصارى ودعوتهم إلى الإسلام يتطور من اللين والحوار والترغيب إلى الشدّة والتحذير: لا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن" (عنكبوت 46) أدع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" (نحل125). ويتطور الأسلوب السلمي إلى المحاجة ومقارعة الحجة بالحجة. "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (بقرة 212). ويصل الأمر أحيانا إلى دعوة أهل الكتاب إلى "المباهلة" أي الملاعنة وهي مستوى من مستويات الجدال عند انقطاع مجال التحجيج (آل عمران 61). ويدعوهم في آخر مراحل التنزيل إلى التوبة (التوبة 104). وما تنفرد به سورة المائدة بدعوة إلى القتال لا يمكن أن ينسخ كلّ ما سبق في شأن التعامل مع أهل الكتاب: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). إنّ النصارى يؤمنون بالله وبالآخرة وهذه الآية لا تنسجم مع موقف محمد من وفد نجران.
- رغم معارضته للعقيدة المسيحية فالقرآن لا يساوي في أحكامه النصارى والمشركين. فالنصارى لا يرغمون على الإسلام مقابل دفع الجزية. ويتيح للمسلمين أن يأكلوا من أكلهم وأن يتزوجوا نساءهم (مائدة 5). ويسكت القرآن عن زواج المسلمة من الكتابي. وما جاء في الآية 10 من سورة الممتحنة يحرّم زواج المسلمة من الكافر وهذا لا يجوز تطبيقه على المسيحي. وترى سلوى بالحاح صالح أنّ المفسّرين انقادوا إلى تأويل القرآن بحيث يمنع زواج المسلمة من كتابي انطلاقا من موقف اجتماعي (ص 125).
2- وضعية المسيحيّة العربيّة في الفترة النبويّة
دعى محمد المسيحييّن العرب إلى الإسلام بأسلوبين دبلوماسي وعسكري. وبدأ اتصاله بهم في فترة متأخّرة من سنة 6 إلى 10 للهجرة وكان منشغلاً قبلاً بقريش واليهود. ودخل الإسلام أقليّة ضئيلة من مسيحيّي العرب وكانت الأسلمة في بعض الحالات تابعة لقتال عسكري كما هو الحال لأسلمة قسم مسيحيّي كلب بدومة الجندل (شمال وسط نجد على حدود الشام) وفي حالات أخرى (سادة حمير) الرغبة بعد انتصارات محمد على قريش في الحفاظ على مصالحهم وسلطتهم.
- كانت الحملة الأولى على دومة الجندل عام 5 لأسباب تجارية، حماية طريق القوافل. الرحلة الثانية بقيادة عبد الرحمن بن عوف عام 6 أدّت إلى أسلمة جزء من أفراد القبيلة الكلبية. وتوافد بعضهم على المدينة للدخول في الإسلام وفي عام 9 قامت حملة خالد بن الوليد وفرض الجزية على من تبقى من النصارى.
- وتوجّه محمد إلى أطراف الشام الجنوبيّة لإخضاعها لسلطته. ففي معركة موته في البلقاء عام 8 انضم إلى جيش الروم قضاعة وغيرهم من نصارى العرب (الواقدي). وآلت هذه المعركة لفائدة الروم. ولم يحقق المسلمون أيضاً نتائج ملموسة في غزوة ذات السلاسل (تقع وراء وادي القرى) وفي غزوة تبوك عام 9 حيث حشد الروم جيشا يسانده العرب النصارى، لم تحدث مصادمة. ولم يدخل الإسلام نتيجة هذه المعركة إلاّ أفراد قلائل. ورفض الحارث بن شمر الغساني الرسالة التي تدعوه إلى الإسلام ورمى بها. وقد تكون هذه المواقف قد شدّدت من تصلّب محمد من النصارى في آخر عهده.
- ولمّا وجّه محمد دعوته إلى أطراف البحرين التحق بالإسلام قبائل عبد القيس. وظلّت المسيحيّة قائمة بين الأعاجم فيها والتحق بالإسلام أفراد من بني ناجية في عمان. كما التحق أفراد قلائل من بني تغلب بالإسلام وقدم وفد من النصارى إلى المدينة فعاهدهم محمد على أن يبقوا على دينهم شرط أن لا ينصروا أولادهم. وهذا موقف متميّز.
- وفي اليمن استجاب بعض السادة للدعوة إلى الإسلام. ولم يتشدّد محمد في إجبار النصارى على ترك دينهم وأمر عامله معاذ بن جبلة بأن لا يفتن نصرانيّاً عن دينه وفرض عليهم الجزية.
- وخصّ محمد أساقفة نجران برسالة يدعوهم فيها إلى الإسلام أو دفع الجزية وإن أبوا هذا وذاك فالحرب. فبعث نصارى نجران بوفد عام 10 ليناقشوا الأمر. وأوردت الروايات الإسلاميّة هذا الخبر بكثير من التفاصيل. ومن الوقائع المرتبطة بمجيء هذا الوفد والمثيرة للانتباه أن الرسول سمح لوفد نجران لمّا حان وقت صلاتهم بالصلاة في مسجده متّجهين إلى الشرق. ودارت مناقشة دينيّة بين محمد والوفد النجراني انعكس مضمونها في سورة آل عمران ولم يقتنع الوفد بحجج محمد ليتخلّوا عن عقائدهم المسيحيّة. فدعاهم إلى المباهلة أي الملاعنة. فرفضوا. وطلب وفد نجران المصالحة واستجابوا لحكمه عليهم المتمثّل في فرض ضريبة جماعيّة قدّرت بالمنسوجات والمعادن الثمينة يدفعونها كلّ سنة على قسطين. وعاهدهم محمد بالحفاظ على أكليروسهم والبقاء في أرضهم ودوّن ذلك في كتاب احتفظ به نصارى نجران.
يتضح أنّ محمدا نجح في السيطرة سياسيّاً على المسيحيّين العرب في الجزيرة العربيّة ودخل بعضهم في الإسلام والأغلبيّة خضعت للجزية وأقرّت زعامته.

*************************

**************

https://setfreeseminars.com/islam/islams-christian-roots/

 

جذور الإسلام المسيحية
المشاركة خيرٌ من الرعاية!
فيسبوك، ريديت، ادفع إلى كيندل، شارك
1. مقدمة

يبلغ عمر البحث العلماني في تاريخ المسيحية 250 عامًا، وما زال مستمرًا. وقد بدأ هذا البحث العلماني في تاريخ الإسلام للتو. حتى الآن، تقبّل الأكاديميون الغربيون إلى حد كبير التاريخ التقليدي للإسلام، الذي تولّد ذاتيًا، كما هو. وهذا يفسح المجال الآن لبحث أكثر دقّةً واستقلاليةً في جذور هذا الدين العالمي. وستكون لنتائج هذا التحول الأكاديمي تداعيات بعيدة المدى على مستقبل الإسلام كنظرية عالمية موثوقة. يهدف هذا المقال إلى استخلاص بعض النتائج الحديثة التي توصل إليها أكاديميون بارزون، وخاصةً من معهد إنارة لأبحاث التاريخ الإسلامي المبكر وجامعة سارلاند، وكلاهما في ألمانيا.

يُفترض أن نزول القرآن الكريم وحياة النبي محمد قد حدثا بين عامي 570 و632 ميلادي. ومع ذلك، فقد اعتمدنا تقليديًا على نوعين فقط من المصادر لهذا التسلسل الزمني، وكلاهما موجود في أعماق العقيدة الإسلامية، وبالتالي لا يخضع للمساءلة الداخلية، وكلاهما في حاجة ماسة إلى أدلة خارجية موضوعية للتحقق.

يشمل النوع الأول من المصادر السير. وتشمل هذه السيرة النبوية المعروفة باسم "السيرة" لابن هشام (ت 824 م)، والتي يُقال إنها مأخوذة من سيرة سابقة مفقودة الآن لابن إسحاق (ت 768 م). وهناك أيضًا تاريخ عسكري للواقدي (ت 822 م)، وكتاب "الطبقات" لابن سعد (ت 845 م)، وكتاب "الحوليات" للطبري (ت 922 م).

يشمل النوع الثاني من المصادر مجموعات الأحاديث الستة المعتمدة التي تسعى إلى شرح القرآن الكريم وعقائده. يعود تاريخها إلى الفترة من 850 إلى 915 ميلاديًا، وقد كتبها وجمعها المحررون التاليون: البخاري (ت. 870 ميلاديًا)، ومسلم بن الحجاج (ت. 875 ميلاديًا)، وأبو داود (ت. 888 ميلاديًا)، والترمذي (ت. 892 ميلاديًا)، والنصراني (ت. 915 ميلاديًا)، وابن ماجة (ت. 887 ميلاديًا). وقد أقرّ البخاري، مؤلف ومحرر أشهر الأحاديث النبوية، بأنه اضطر إلى جمع ما يزيد عن 90% من جميع المواد التفسيرية الموجودة آنذاك للوصول إلى ما اعتبره جوهر الحقيقة حول الماضي.

بالإضافة إلى هذه المصادر، لم يُزعم لأول مرة أن تعاليم محمد الشفهية جُمعت في النص المُقَرَّن للقرآن الكريم على يد الخليفة عثمان حوالي عام 650 ميلاديًا، ثم أتلف جميع المخطوطات المُختلفة.

كما يتضح من الجداول الزمنية التاريخية المذكورة أعلاه، لم تُجمع جميع مصادر المعلومات الإسلامية إلا بعد 200-300 عام من حياة محمد. تُلقي هذه الفجوة الهائلة بظلالها العميقة على أصول الإسلام، وخاصةً الأحداث التي وقعت قبل عام 700 ميلادي، والتي تتعلق بحياة النبي وعصره وأصول القرآن. لماذا لم تُخلّف إمبراطورية عربية إسلامية ضخمة كهذه وراءها أدلةً أوليةً أكثر بكثير من زمن نشأتها، كما فعلت الإمبراطوريات والأديان الأخرى عبر التاريخ؟

يهدف هذا المقال إلى تقديم أدلة موضوعية على الجذور اللاهوتية والثقافية المسيحية للإسلام، وذلك باستخدام المخطوطات التاريخية والنقوش والعملات واللغويات واللاهوت الديني المحلي في ذلك العصر، وسجلات الكنيسة والإمبراطورية المحلية، وعلم الآثار، وأي مصدر أولي آخر لدينا من أواخر العصور القديمة. مصدري الرئيسي للأدلة المعروضة في هذا المقال هو كتاب "الأصول الخفية للإسلام" الصادر عام 2010، وهو سلسلة من المقالات الأكاديمية التي حررها كارل هاينز أوليج وجيرد ر. بوين. كلا الكاتبين جزء من فريق أكاديمي متفانٍ يعمل انطلاقًا من جامعة سارلاند بألمانيا. تُترجم حاليًا العديد من الكتب الألمانية الممتازة حول الأصول الحقيقية للإسلام إلى الإنجليزية. هذا أحدها.

تشير الأدلة التاريخية الأساسية المُقدمة من خلال هذه المنشورات الإنجليزية الحديثة بوضوح تام إلى انقسام لاهوتي متزايد بين مزيج فارسي-سوري-عربي-مصري من اللاهوت المسيحي الملكي والنسطوري والآريوسي والإبيوني والمونوفيزي المتبع في الشرق الأوسط، والنسخة الهلنستية-الرومانية-الكاثوليكية والثالوثية من المسيحية المطبقة في مملكة الإمبراطورية البيزنطية والمُمارسة في أوروبا. وفّر هذا الانقسام السياسي-الديني-الثقافي المبرر الفكري لإمبراطورية عربية جديدة بدأت بين عامي 622 و630 ميلاديًا عندما انهارت الإمبراطورية الفارسية الساسانية واستُنزفت الإمبراطورية البيزنطية المنتصرة وقررت الانسحاب من الشرق الأوسط، تاركةً ملوكها المسيحيين العرب في السلطة. تحولت هذه الإمبراطورية العربية المسيحية الجديدة في نهاية المطاف إلى الإسلام الذي نعرفه اليوم بين القرنين الثامن والتاسع، عندما انتقلت قاعدتها القيادية من معقل البيزنطيين السابق دمشق، فيما يُعرف اليوم بسوريا وإسرائيل، إلى معقل الفرس السابق بغداد في العراق. في أواخر العصور القديمة، عُرفت سوريا بأنها معظم الهلال الخصيب، وكان يُطلق عليها اسم سوريا الشرقية والغربية نظرًا لتشابه لغات المنطقة ثقافيًا، وهي الآرامية والسريانية.

 

لم تولد الإمبراطورية العربية في أعماق المملكة العربية السعودية، بل في المناطق الحدودية المتنازع عليها باستمرار بين إمبراطوريتين عظيمتين. وبدون حدود طبيعية، امتدت هذه المناطق الحدودية غير المستقرة من الأنباط والبتراء في الجنوب الغربي إلى جبال القوقاز في الشمال الشرقي. وهذا هو السبب في أن جميع الحكام الأوائل للإمبراطورية العربية جاءوا من هذه الأراضي وحكموا من دمشق والقدس وبغداد، ولم يذكروا مكة أو المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية قط. وهذا هو السبب في عدم ذكر مكة في القرآن الكريم (هناك ذكر واحد لبكة الغامضة، ولكن ليس مكة) ولماذا لا يوجد لدينا دليل تاريخي موضوعي على وجود مكة في أي أدب يوناني أو روماني أو سرياني أو آرامي أو قبطي أو غيره حتى عام 741م. وهذا هو أيضًا سبب مواجهة جميع المساجد التي بُنيت قبل عام 708م لمدينة البتراء في الأردن. وهذا هو السبب في أن القرآن الكريم يتبنى العديد من اليهود من العهد القديم على أنهم من تأليفه ولماذا 7٪ منه عبارة عن نسخة مسروقة من أحداث العهد القديم. لهذا السبب ذُكر موسى 136 مرة، وعيسى 24 مرة، بينما استُخدمت كلمة محمد 4 مرات فقط. ولهذا السبب، سرق القرآن الكريم أيضًا العديد من الكتابات اليهودية والمسيحية المبكرة المنحولة/الأسطورية من القرنين الثاني والرابع الميلاديين. ولهذا السبب، ناشدت الحركة الدينية العربية الجديدة كلاً من المسيحيين واليهود من أجل الشرعية الروحية. ولهذا السبب، لم يُنظر إلى القرآن الكريم في أي مكان كوثيقة واحدة لمدة مائة عام تقريبًا بعد نشأة الإمبراطورية العربية. ولهذا السبب، يُعلي النقش الموجود داخل مسجد قبة الصخرة من شأن عيسى كعبد الله ورسوله، مرتين! (المزيد عن ذلك لاحقًا). ولهذا السبب، تشير العديد من الدلائل في القرآن الكريم، مثل الإشارات إلى المعارك الرومانية القريبة والزراعة المزدهرة، إلى أن مؤلفيه كانوا يعيشون على مسافة بعيدة من أعماق المملكة العربية السعودية الجافة. ولهذا السبب، يغطي القرآن الكريم فترتين زمنيتين متميزتين؛ السنوات اللاهوتية "المكية"، والسنوات الإمبراطورية "المدينية". لهذا السبب تُشبه المساجد القديمة، مثل مسجد قبة الصخرة، كنائس تلك الحقبة والمنطقة.


2. نشأة الإمبراطورية العربية


تُعد الحرب البيزنطية الساسانية (602-628م) من أهم الحروب في تاريخ الشرق الأوسط في أواخر العصور القديمة. ما لم تفهم هذه الحرب العظيمة، لن تتمكن من فهم صعود الإمبراطورية العربية المسيحية التي تحولت في النهاية إلى الإمبراطورية العربية الإسلامية. كانت هذه الحرب الفصل الأخير في صراع دام 600 عام، وضع روما، ثم القسطنطينية، في مواجهة قوة الإمبراطورية الفارسية الساسانية. أخيرًا، في عام 628م، قضت القوات البيزنطية على الجيش الفارسي تمامًا، مما أدى إلى انهيار الإمبراطورية الفارسية العظيمة انهيارًا كارثيًا. مهد هذا الطريق أمام رعايا بلاد فارس العرب للسيطرة على أراضي أسيادهم السابقين. في الوقت نفسه، تمكن الملوك العرب التابعون للإمبراطورية البيزنطية من السيطرة على المناطق الحدودية في سوريا وإسرائيل وما حولهما. شكلت هذه الإمبراطورية معًا الإمبراطورية العربية المبكرة. فيما يلي ملخص موجز لتطوراتها.

بين عامي 591 و628 ميلاديًا، حكم الإمبراطورية الفارسية خسرو الثاني، الذي استعاد العرش بمساعدة البيزنطيين بضمانة السلام بين الإمبراطوريتين. كانت الزرادشتية الديانة الوطنية للإمبراطورية الفارسية، وكان الإمبراطور حاميها. ومع ذلك، كان خسرو الثاني، سرًا، قريبًا جدًا من النسخة النسطورية المسيحية الشائعة. أكدت النسطورية على طبيعة يسوع المزدوجة، وقد رفضتها الإمبراطورية البيزنطية في مجمع خلقيدونية عام 461 ميلاديًا لقربها الشديد من مفهوم التبني، أي فكرة أن يسوع بدأ كإنسان ثم أصبح إلهًا. كما رفضت النسطورية أي تركيز مبالغ فيه على مريم، مما أثار حفيظة القسطنطينية. بمجرد حظرها، امتدت شرقًا، ونمت ونضجت في المناطق الحدودية، وخاصة داخل الإمبراطورية الفارسية. كانت زوجة خسرو مسيحية نسطورية، وتبرع بثروة طائلة للكنيسة، وتُظهر العملات المعدنية التي سُكّت في مصر بين عامي 617 و628 ميلاديًا أنه كان حاكمًا مسيحيًا.

في المناطق الحدودية بين بلاد فارس الساسانية والإمبراطورية البيزنطية، حكمت دولتان عربيتان تابعتان لهما نيابةً عن إمبراطوريتيهما. حكم العرب اللخميون تحت حكم الفرس من مدينة الحيرة المسيحية النسطورية في العراق حاليًا. كانوا تحت الحكم الفارسي، ولكنهم كُلّفوا بمهمة حفظ النظام في شبه الجزيرة العربية نيابةً عنهم. هاجروا من شبه الجزيرة العربية قبل ثلاثة قرون. يحمل قبر زعيمهم الأجداد، الذي يعود تاريخه إلى عام 328 ميلاديًا، أول استخدام مُوثّق لكلمة "عرب". ظلّ اللخميون متمسكين بوثنيتهم ​​رغم وجود المسيحيين النسطوريين في الحيرة. مع عودة كسرى الثاني إلى العرش الفارسي، كان نعمان، آخر ملوك الملاخميين، أول ملك عربي تابع يُعمَّد في المذهب النسطوري. كان الملاخميون على اتصال دائم بمعظم أنحاء شبه الجزيرة العربية، وصولاً إلى الحجاز على البحر الأحمر ويثرب (المدينة المنورة حاليًا)، يجمعون الجزية للفرس. للأسف، في عام 602م، ألغى الفرس دولة الملاخميين التابعة، مما فتح الطريق أمام زعماء القبائل العربية لكسب النفوذ في المناطق الحدودية الجنوبية لبلاد فارس.

صبحت قيادة هاتين الدولتين العربيتين التابعتين جزءًا من الطبقة الأرستقراطية في إمبراطوريتيهما. ورغم أنهما عربيتان، وتشتركان في الثقافة واللغة، وإلى حد ما في الدين، إلا أنهما كانتا عدوتين سياسيتين. ومع مرور الوقت، تلاشت تلك الخلافات السياسية وحلت محلها وحدة في معارضة العقيدة البيزنطية المتشددة. لكن هذا مذكور لاحقًا في هذه القصة.

في القسطنطينية، كان الإمبراطور البيزنطي هرقل منشغلًا بتقليص طموحاته الإمبراطورية بعد أن أفرغ سلفه، موريسيوس، خزينة الإمبراطورية في هجمات على المقاطعات النائية غربًا وجنوبًا. وشمل ذلك الآفار والسلاف وأي جماعة أخرى لا تتبع الخط الإمبراطوري. في عام 581م، خففت السيطرة البيزنطية المباشرة على دولة الغساسنة العازلة بدافع الضرورة، وسُلمت المنطقة إلى حكامها العرب المسيحيين الذين كان عليهم حينئذٍ دفع الجزية للقسطنطينية. منذ ذلك الحين، بدأ الكثير من قيادات الكنيسة السريانية الغربية، وإن لم يكن جميعها، بالتعبير عن لاهوت معادٍ للبيزنطيين. ولم يبقَ على ولائهم للاهوت البيزنطي الأرثوذكسي سوى القيادات الكنسية المحيطة بالقدس.

تُظهر وثائق تلك الحقبة انتقال السلطة من خلال تغيير لغة الوثائق القانونية من اليونانية إلى العربية. تجدر الإشارة إلى أنه خلال القرن الأول من ظهور الفرع السوري للإمبراطورية العربية ببطء في القرن السابع، كانت اللغة العربية لا تزال لغة هجينة، وكانت لغة النخبة فقط. كان معظم الناس في منازلهم يتحدثون اللغات الأم العربية، إما السريانية أو لغة السريان الأم، الآرامية. في المدرسة، كانوا يتعلمون اليونانية، وفي الجيش، كانوا يعودون إلى العربية. وإذا كانوا تجارًا، فمن المحتمل أنهم كانوا يتحدثون العبرية أيضًا. اللغة والأبجدية الآرامية هي أصل اللغات العبرية والسريانية والنبطية والعربية. إذا كنت تعرف لغة واحدة، يمكنك بسهولة تعلم اللغات الأخرى.

بعد عقدين من الانسحاب البيزنطي من ولاية سوريا، استغل خسرو الثاني أخيرًا الاضطرابات السياسية في غربه بعد إعدام ولي أمره البيزنطي، موريس، في تمرد قام به الجنرال فوكاس، الذي تولى العرش بعد ذلك. غزا خسرو بلاد ما بين النهرين وفي عام 604 م. استبدل جميع التسلسل الهرمي المتبقي للكنيسة الكاثوليكية البيزنطية وملأ جميع مناصب الكنيسة السورية بقادة كانوا معارضين لاهوتيًا للكنيسة الكاثوليكية البيزنطية، والتي أثبتت أنها خطوة شائعة للغاية. ساعد هذا أيضًا في توحيد اللخميين والغساسنة المهمشين حديثًا وغيرهم من العرب تحت إمبراطورية واحدة ولاهوت مماثل لفترة وجيزة من الزمن. في عام 611 م، استعاد الإمبراطور البيزنطي الجديد، هرقل، الأناضول بسرعة، ومع ذلك، في عام 613 م شن هجومًا كبيرًا على سوريا كان كارثيًا. في هجوم مضاد في العام التالي، استولت القوات الفارسية واليهودية على القدس ودمرت جميع ممتلكات الكنيسة البيزنطية في المدينة، بما في ذلك كنيسة القيامة، أقدس مزار في العالم البيزنطي. وقد صدم هذا كبرياء البيزنطيين بشدة، إذ اعتبرت الإمبراطورية نفسها الحامي الروحي للأماكن المقدسة، ولم يكن هناك ما هو أهم من هذه الهزيمة. ومن المرجح أن هذه الهزيمة هي المذكورة بأثر رجعي في سورة الروم 30: 1-4. وبحلول عام 617م، كانت الفرس قد استولوا على مصر ورودس، مما هدد إمدادات الحبوب البيزنطية. كما كانت القوات الفارسية تتقدم غربًا عبر الأناضول مجددًا.

بعد أن شاهد هرقل تراجع ثرواته لما يقرب من عقد من الزمان، اضطر إلى شن حرب شاملة وإلا واجه الانهيار الوجودي لإمبراطوريته. وبعد أن داهم خزائن الكنيسة الإمبراطورية وأعاد تنظيم جيشه بجدية، انطلق عام 622م للانتقام لخسائره فيما وُصف بالحملة الصليبية المقدسة. وحقق على الفور نصرًا ساحقًا على قوة فارسية كبيرة بقيادة العرب في الأناضول. بمواصلته النضال، حقق أربعة انتصارات متتالية على الفرس باستخدام تكتيكات عسكرية مبتكرة. شنّ الفرس، بمساعدة الآفار والسلاف، هجومًا مضادًا بحصار بحري للقسطنطينية، والذي فشل في النهاية. خلال الحصار، تكبد الفرس هزيمة نكراء أخرى على يد جيش بيزنطي بقيادة ثيودور شقيق هرقل. وبعد أن أصبح هرقل سيد رقعة الشطرنج، تمكن من نقل قواته إلى عمق بلاد فارس، ونهب المعبد الأم للزرادشتية، وأخيرًا زحف نحو العاصمة الفارسية قطسيفون عام 628 م. توفي خسرو الثاني في غضون أيام، وانهارت سلسلة خلافة الإمبراطور في غضون بضع سنوات، ولكن ليس قبل أن يحاول العديد من القادة الضعفاء يائسين إحياء صلتهم "الإلهية" بالزرادشتية. في نهاية الحرب، أصبحت بلاد فارس الساسانية مجرد ذكرى، واستُنزفت روما البيزنطية تمامًا، واستعادت جميع أراضيها في الشرق الأوسط بالاسم فقط.

سرعان ما ملأ الغساسنة والقبائل العربية الناشئة ذات النفوذ شرقهم، بتشابه لغتهم وثقافتهم، الفراغ السياسي الذي خلّفته هذه الثورة. ومع ذلك، كانت هناك اختلافات واضحة بين الغساسنة وزعماء القبائل العربية. كان الغساسنة متمسكين بمسيحيتهم، ويفخرون بجذورهم الملكية الآريوسية. اعتبروا أنفسهم حُرّاسًا للمسيحية الحقة في وجه البيزنطيين الزنادقة. أما زعماء القبائل العربية شرقهم فكانوا أقل مسيحية بكثير. كان تحتهم بناءٌ علويٌّ للمسيحية النسطورية، لكنهم كانوا أكثر ارتباطًا بالطقوس والشعائر الوثنية التي انبثقت من شبه الجزيرة العربية. كانت هذه القبائل العربية المصدر الوحيد للقوة والسلطة القادر على الحلول محل الفرس.

كان الغساسنة مركز الثقل الديني والعسكري والسياسي الوحيد القادر على إبعاد القوات البيزنطية عما أصبح عمليًا الآن جانبهم من الشرق الأوسط. بحلول عام 642 ميلادي، انتهى عصر الهيمنة البيزنطية على الهيمنة العربية المسيحية الجديدة في الشرق الأوسط، بل وحتى التفاوض معها. واكتمل انحراف المسيحية الشرق أوسطية عن المسيحية الأوروبية، وهي عملية بدأت قبل مئات السنين في مجمعي نيقية وخلقيدونية. وكان انحراف العرب عن المسيحية لا يزال قادمًا.


تحررت الممارسات الملكية والأريوسية العربية من الاضطهاد البيزنطي الكاثوليكي. وعلّمت الملكية وحدة الله وملكيته، على عكس النظرة الثالوثية لله وما يرتبط بها من رفعة مريم والقديسين (سورة المائدة: 116-117). كما علّم اللاهوت الآريوسي/الملكي خضوع المسيح ككائن أدنى (سورة آل عمران: 51، سورة المائدة: 75، سورة الإسراء: 2). كانت هذه النقاط محوريةً في عقائد الكنيسة السريانية، وقد علّمها أولاً إغناطيوس الأنطاكي (توفي عام 117م)، ثم بلورها لاحقاً بولس الساموساطي، أسقف أنطاكية اللاحق (توفي عام 272م). علّم هو والمعلم آريوس أن المسيح لم يكن كاملاً إلا لأنه كان إنساناً كامل الطاعة، فأصبح الكلمة، واستحق مكانةً خاصةً عند الله. كان لقب ابن الله مقاماً بشرياً، لا طبيعةً إلهية. أما كنيسة الشرق الأوسط، التي اعتقدت أنها أقرب إلى اللاهوت الأصلي وتوجه المسيحية، وهي مسيحيةٌ انبثقت من ثقافتها الخاصة، فلم ترَ في يسوع تجسيداً كاثوليكياً لله، بل رسولاً خاصاً، نبياً عظيماً من أنبياء الله.

وعلى غرار المجتمعات اليهودية وتوراتها الشاملة، قبلت المسيحية العربية هيمنة الالتزامات التعاقدية الدينية في العديد من مجالات الحياة، ورُكّزت على الأعمال وأسلوب الحياة على حساب مجرد الموافقة الفلسفية المستوحاة من اليونانية كما هو الحال في الكنائس البيزنطية. في هذا الجزء من العالم، تفوقت الممارسة الصحيحة على الأرثوذكسية. وكانت الطاعة الصارمة لا تقل أهمية عن الإيمان. كما استخدمت الكنيسة العربية السورية إنجيل الدياطسرون مفضلةً إياه على الأناجيل الأربعة. كان هذا إنجيلًا مركبًا كتبه تيتيان السرياني، الذي كان أيضًا يكره الكحول، فنصح باستخدام الماء في المناولة بدلًا من الخمر (سورة البقرة: 219، سورة المائدة: 91). ولعلّ عبارة "أهل الكتاب" قد استُوحيت من هذه الوثائق.

كما سادت ممارسات طقسية غير بيزنطية في الكنائس السورية، وبعضها لا يزال قائمًا حتى اليوم في التقاليد القبطية والإثيوبية وغيرها من تقاليد الشرق الأوسط. ثيوفيلس الأنطاكي، مع أنه كان أول من استخدم مبدأ الثالوث العالمي، إلا أنه علّم أن الخلاص يأتي بإثبات استحقاق الإنسان لله بدلًا من نيل النعمة من خلال المسيح، تمامًا كما أثبت المسيح الكلمة استحقاقه بعيش حياة مثالية. كان للعرب السوريين أيضًا علاقات مميزة بين الرجال والنساء، وبنى اجتماعية فريدة، وحب للحرب، وإيمان بكائنات روحية تُسمى الجن، ومن هنا جاءت كلمة "جني". في القرون الستة الأولى للمسيحية، انتشرت هذه التقاليد والعقائد الشرق أوسطية الفريدة إلى الهند وآسيا الوسطى، وحتى إلى الصين عبر المبشرين السريان الأرثوذكس. عندما كنت في ولاية كيرالا الهندية عام ٢٠٠٩، رأيت كنيسة أرثوذكسية سريانية لا تزال قائمة، عمرها ١٥٠٠ عام، في منطقة كيرالا النائية الشهيرة.

كانت العديد من المعتقدات التوفيقية، مثل الغنوصية، والأريوسية، والدوناتية، والإبيونية، والماركيونية، والنسطورية، والمونتانية، بالإضافة إلى الفلسفة اليونانية، والآلهة الرومانية، والممارسات الوثنية التي تسربت إلى المسيحية من المعتقدات الثقافية السابقة، سببًا للاختلافات الكبيرة بين فرعي المسيحية. كان البيزنطيون، بعبادتهم لمريم والقديسين والأيقونات، مذنبين بنفس الجريمة التي ارتكبتها الكنيسة السريانية بحق مسيحية العهد الجديد، والتي أنكرت نعمة موت المسيح الخلاصية، وألوهيته، وعلّمت خلاصًا قائمًا على الجهد. لقد ابتعدت المسيحية بالفعل عن تعاليم مؤسسها ومثاله (متى ١٥: ٩، ٢ بطرس ٢: ١، ٢ بطرس ٢: ١٥، كولوسي ٢: ١-٥، أعمال الرسل ٨: ٩-١٣، مرقس ٧: ٩).

شكّلت المعتقدات والممارسات السريانية العديدة التي سبقت مجمع نيقية أساسًا لعقائد إسلامية مبكرة مهمة تتعلق بطبيعة الله والمسيح، وهي محفوظة الآن في مسجد قبة الصخرة.

٣. من ٦٢٨ إلى ٦٦١ ميلاديًا

كما ذُكر في بداية هذه المقالة، فإن جميع مصادر المعلومات عن الإسلام المبكر تأتي من سجلاتٍ دُوّنت بعد مئات السنين من وقوع الأحداث المفترضة، وعلى يد علماء كانوا يكتبون تاريخًا يدعم دينهم الجديد. سيتم شرح المزيد من التفاصيل حول الطبيعة المشبوهة لهذه السجلات المبكرة في القسم الأخير من هذه المقالة. لذلك، سأتجنب مناقشة حياة وأحداث الفترة من ٦٢٨ ميلاديًا إلى النقطة التي تتوفر فيها سجلات تاريخية مستقلة موثقة للقادة والأحداث المحيطة بهم.

بدلًا من ذلك، سأقدم لكم بعض الملاحظات من كبار علماء الإسلام العلمانيين في العالم. لكن لنبدأ أولًا بالبخاري نفسه، أعظم مُحَقِّقي الأحاديث. من بين ٦٠٠ ألف حديث نُسبت إلى محمد صلى الله عليه وسلم عندما بدأ في تصحيح أحاديثه، لم يجد سوى ٤٠٠٠ حديث يعتقد هو نفسه صحتها. وقد رفضت الدراسات الحديثة جميعها تقريبًا. هذا يُلغي كامل المنهج العلمي الإسلامي الذي استُخدم لبناء حياة محمد كما تُصوَّر للعالم اليوم. وجد البروفيسور إم. جيه. كيستر، المؤسس المشارك لأقسام اللغة العربية في أكبر جامعتين في إسرائيل، أن المعلومات الحقيقية عن حياة محمد في أي حديث "ضئيلة وهزيلة". وخلص عالم الإسلام الفرنسي هنري لامينز إلى أن أجزاءً كبيرة من الأحاديث قد اختُلقت لتفسير الغموض الموجود في القرآن، حيث ساعدت نظرية النسخ المفسرين على فهم النصوص المتناقضة. أما الأحاديث التي كُتبت بعد مئات السنين من أحداث هذا العمل الأدبي المُحير، فلم يكن لديها سوى فرصة ضئيلة لفهم الأصول الحقيقية للإسلام.

لذلك، لا يُمكن دراسة إلا القرآن نفسه، لكونه أقدم بكثير، للعثور على جوهر الحقيقة اللازمة لفك لغز الإسلام. أمضى البروفيسور الفلسطيني، الدكتور سليمان بشير، حياته في دراسة القرآن. وبذلك، وجد أن تفسير مختلف الآيات القرآنية تطور من معاداة البيزنطيين إلى تأييد مكة، وأن قصة محمد تطورت بسرعة إلى أسطورة. تشير أبحاث جون وانسبورو الرائدة، والتي يؤكدها الآن العديد من الباحثين، إلى أن الإمبراطورية العربية اضطرت إلى إعادة صياغة أصولها وكتبها اللاهوتية، وحتى جغرافيتها، على عجل لتمنح نفسها شرعية في نظر الحضارات المجاورة. تُظهر دراسات ابن الوراق عدم وجود دليل على أن القرآن كان له مرجعية في الإمبراطورية العربية المبكرة. يؤكد غونتر لولينغ، المتخصص في اللغات السامية، أن ما يصل إلى ثلث القرآن قد يكون في الواقع أقدم من التاريخ الإسلامي واللغة العربية، كونه مادة مستخدمة في طقوس الكنيسة السورية. ويقول إن هذا هو سبب صعوبة فهم الأحاديث النبوية للكثير من القرآن. يؤكد كريستوف لوكسمبرغ استنتاجاته. ويخلص أندرو ريبين إلى أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار القرآن وثيقة أساسية في بناء حياة محمد. يشير جيرالد هوتينغ إلى أن المرء غالبًا ما يشعر بأن المعنى والسياق المُقدّمين لآية أو فقرة معينة من القرآن لا يستندان إلى أي ذاكرة تاريخية. حتى فريد دونر يُقرّ باختلاف لغة الأحاديث عن لغة القرآن، مُشيرًا إلى وجود فاصل زمني بينهما. ولم نتطرق حتى إلى أعمال باتريشيا كرون، وروبرت هويلاند، ويهودا نيفو، وجيرد بيون، وتوم هولاند، التي ساهمت جميعها مساهمة كبيرة في فهمنا الحالي للأصول الحقيقية للإسلام.

ولذا، مع وضع كل ذلك في الاعتبار، دعونا نعود بإيجاز إلى التراث الإسلامي الرسمي. يُفترض أن سلسلة القيادة الإسلامية المتميزة والخلافة الإلهية امتدت من محمد إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى عثمان الذي يُزعم أنه جمع القرآن. ثم تلت ذلك حرب أهلية استمرت خمس سنوات بين علي، ابن أخي محمد المقيم في الكوفة، ومعاوية بن أبي سفيان، حاكم الشام. ومع اغتيال علي، انقسم الخلافة الإسلامية الكبير بين الشيعة والسنة. مع صعود معاوية، ظهرت أول سلالة إمبراطورية عربية عظيمة، وهي الخلافة الأموية. سأتناول الآن اثنين من حكامها، معاوية وعبد الملك، بالتفصيل لتوضيح التاريخ الحقيقي لحكمهما ومعتقداتهما الدينية الشخصية.

٤. حكم معاوية (٦٦١-٦٨٠م)

وفقًا للسجلات التاريخية الموضوعية خارج التراث الإسلامي، لم يكن معاوية مسلمًا، بل كان في الواقع مسيحيًا ملكيًا سوريًا. إن دراسة سريعة للنقوش والعملات المعدنية ستُبرز هذه النقطة، وبالتالي تُشكك في التاريخ الإسلامي التقليدي لأسلافه.

لنبدأ بنقش عُثر عليه على حمامات جدارا، شمال الأردن. نصه:

في عهد معاوية، خادم الله، قائد الحماة، حُفظت الحمامات الساخنة وجُددت من قِبل الأمير عبد الله، ابن أبي عصموس، في الخامس من ديسمبر، في اليوم الثاني من الأسبوع، في السنة السادسة من التأشير، في عام ٧٢٦ من تأسيس المدينة، في عام ٤٢ بعد العرب، لعلاج المرضى، تحت إشراف يوهانس، قاضي جدارا.

يرجى ملاحظة النقاط التالية:

أولاً، كما ترون عند النقر على الرابط أعلاه، يبدأ النقش بأكمله بعلامة الصليب المسيحي. كان الأردن السفلي لا يزال جزءًا مسيحيًا من العالم، وليس جزءًا من العالم الإسلامي. لو كان إسلاميًا، لكان هناك إشارة إلى محمد، وليس إلى المسيح عبر الصليب، في هذا النقش.

ثانيًا، النقش مكتوب باليونانية، وليس العربية. لم تكن اللغة العربية تُعتبر ذات أهمية كافية في هذه المرحلة من التاريخ (السنة 42 من العصر العربي، أو 662-663 ميلاديًا) بحيث اضطر الآخرون إلى تعلمها.

ثالثًا، لا يُوصف معاوية بالخليفة، بل ببساطة بأنه خادم الله وحاميه. هذا لقب مسيحي شائع بين القادة العرب الأوائل.

رابعًا، يُذكر عام المدينة أولًا، ثم السنة البيزنطية، ثم أخيرًا عصر الحكم العربي. وهذا يُظهر عدم أهمية بداية العصر الجديد نسبيًا بالنسبة لشعب وقيادة تلك الفترة الزمنية. لم يكن هذا الحدث الإسلامي الكارثي كما يُقال لنا اليوم.

خامسًا، سُمي العصر الجديد ببساطة عصر العرب، والذي بدأ عام 622 ميلاديًا عندما اضطر القادة العرب إلى الفرار من البيزنطيين في معركة إسوس. لا يوجد أي إشارة إسلامية على النقش.

سادسًا، الشخص المسؤول عن البناء يُدعى عبد الله، وهو اسم شائع للمسيحيين آنذاك واليوم في ذلك الجزء من العالم.

لذا، لم يكن معاوية، بالتأكيد، خليفةً مسلمًا نموذجيًا كما هو مُصوَّر في الأدب الإسلامي التقليدي. لا يوجد في أي مكان على عملاته، أو على أي نقش، أو على أي وثائق باقية، أي ذكر لنبي يُدعى محمد! كما لا توجد أي نسخ قرآنية، أو أجزاء من أي قرآن تعود إلى تلك الفترة الزمنية. في الواقع، من المعروف أن معاوية سافر من عاصمته دمشق إلى القدس، وتبع خطى المسيح في المدينة، وأخيرًا صلى على الجلجثة. يُفترض أن هذا كان بعد سنوات عديدة من إعلان محمد في القرآن أن صلب المسيح كان خدعة. بالإضافة إلى ذلك، حمل معاوية على عاتقه واجب حماية كنيسة وقبر يوحنا المعمدان في دمشق. وقد منحت حماية الأماكن المقدسة حكام ذلك العصر مكانة مرموقة، ناهيك عن الأموال التي وفرها تدفق الحجاج المستمر.


العملات المعدنية


تروي عملات معاوية المعدنية قصتها الخاصة. فقد نقش عليها حرف M كبير. تصوره العديد من العملات المعدنية من عصره كحاكم عربي مسيحي يحمل صليبًا، كما يُصوَّر المسيح كحمل الله بالقرب منه. وفي أحيان أخرى، يكون يوحنا المعمدان قريبًا. كما تشيع النسور والأحرف الأولى من الأسماء البيزنطية. غالبًا ما يكون موقع دار السك باللغة العربية، وبعض الكلمات الأخرى باللغة اليونانية.


لا تزال العملات الفضية التي سكها سالم بن زياد عام 685م في مدينة مرف في بلاد فارس، بعد وفاة معاوية مباشرة، تحمل رموزًا مسيحية. هذه المرة، امتزجت بهلال. وهذا يشير إلى قيادة مسيحية نسطورية قوية ومهيمنة في تلك المنطقة، وليست قيادة إسلامية. في الواقع، حتى أسماء أصحاب دار سك العملة العربية في تلك المنطقة لا تُشير إلى إرث من شبه الجزيرة العربية؛ بل هي جميعها أسماء محلية.

فقط العملات التي سُكّت في عصر ما بعد معاوية، عصر عبد الملك، هي التي بدأت باستخدام كلمة "محمد"، والتي تعني ببساطة "مُمدح". ومع ذلك، كانت تُسك دائمًا دون الإشارة إلى أي نسب، على عكس العادة السائدة في ذلك الوقت. هذا يُشير إلى أن كلمة "محمد" بدأت كلقب يعني "مُختار" أو "مُمدح" وليس اسم شخص مُحدد. كما تظهر أيضًا مع كلمة "عبد الله"، والتي تعني "عبد الله". كانت هذه ألقابًا شائعة الاستخدام، في كل من اللغة الآرامية وآباء الكنيسة الأوائل مثل كليمندس وبوليكاربوس، للإشارة إلى يسوع. ولا يزال مصطلح "محمد عبد الله"، أو "مُمدح عبد الله"، مستخدمًا حتى اليوم بين المسيحيين السريان الأرثوذكس. وكما سبق شرحه، في اللاهوت الآريوسي/الملكي السوري في أواخر العصور القديمة، كان يُنظر إلى يسوع على أنه العبد الكامل لله، وليس مُساويًا له. عملة الأرز المستطيلة، التي نشرها أليك كيركبريدج عام ١٩٤٧، تحمل اسم محمد على أحد وجهيها، وصورة حاكم يحمل صليبًا على الوجه الآخر.


٥. حكم عبد الملك (٦٨٠-٧٠٥م)


خليفة معاوية، عبد الملك، لم يكن مسلمًا بالمعنى الحديث للكلمة. ومع ذلك، كان منشغلًا بوضع الأساس الفلسفي للحكم.

تجدر الإشارة أيضًا إلى عدم وجود أي إشارة إلى القرآن الكريم في النقش بأكمله، بل إلى الكتاب المقدس، المعروف باسم "الكتاب". وهذا يُشير بقوة إلى أن كلمة "إسلام" تعني الخضوع للكتب المقدسة، وليس للقرآن الكريم. وذلك لأنه لم يكن هناك قرآنٌ أصلًا في ذلك الوقت.

يُلاحظ أيضًا أن هذا النقش كُتب بما يُسمى الآن بالخط الكرشوني، وهو الأبجدية السريانية آنذاك. لم تتطور اللغة العربية الحديثة تطورًا كاملًا إلا بعد مئة عام. وقد صاحب اختلاط الأفكار الدينية اختلاط اللغات. وأخيرًا، انتشرت في ذلك الوقت العديد من الأساطير الكاذبة التي تقول إن مكان صلب المسيح وقيامته هو الحرم القدسي الشريف، الذي بُني عليه مسجد قبة الصخرة.

كانت هذه التصريحات الجريئة في اللاهوت الملكي/السوري بمثابة ردّ عبد الملك العربي على إعلان الإمبراطور البيزنطي هرقل الكبير عن عقيدة التثليث (الإكثيسيس)، والذي عُرض على جدران كنيسة آيا صوفيا الضخمة في القسطنطينية، وأُرسل إلى أقاصي العالم المسيحي عام 638م. ولعلّ شعار قبة الصخرة كان يهدف إلى حشد مسيحيي الشرق الأوسط المختلفين، من مختلف المذاهب اللاهوتية، خلف راية مشتركة تُجسّد الوظيفة "الحقيقية" ليسوع، في مواجهة عدوهم اللدود، البيزنطيين الثالوثيين الكاثوليك، وعبدة مريم العذراء (المشركون في القرآن). بعد استبدال موقع حجّ معاوية، يوحنا المعمدان، في دمشق، بكنيسته للمسيح في القدس، بقيت كنيسة عبد الملك العظيمة ذات القبة مركزًا لرؤيته المسيحية المتباينة بشكل متزايد حتى إنشاء موقع حجّ إسلامي جديد في قلب الجزيرة العربية في القرن التالي. عند بناء كنيسة قبة الصخرة، بنى عبد الملك نوعًا مختلفًا من الكنائس في القدس عما بناه البيزنطيون في تلك المدينة. كانت مقببة ومصممة على غرار معايير الكنائس المعمارية السورية ومعايير الأضرحة في ذلك العصر. ولا تزال الكنائس الإثيوبية تتبع هذا النمط غالبًا حتى اليوم. كان الحرم الداخلي مدعومًا بأربعة أعمدة، مستنسخة من عمارة الكنيسة الأرمنية المقببة، والتي كانت تحمل أوجه تشابه مع عمارة المعابد الزرادشتية وكنيسة آيا صوفيا العظيمة نفسها. ولا نزال نرى شكل القبة هذا في العمارة الأرثوذكسية الروسية اليوم. وبين الأعمدة الأربعة الحاملة نجد اثني عشر عمودًا داعمًا. تمثل هذه الأعمدة أسباط إسرائيل الاثني عشر والرسل الاثني عشر. وكان شكلاً من أشكال التسلح الأيديولوجي والانفصال اللاهوتي عن البيزنطيين وكنيسة القيامة القريبة منهم، والتي كانت مستطيلة الشكل وبالتالي تم تصميمها على غرار المعابد الرومانية واليونانية. كان عبد الملك أول عربي تجرأ على تحدي الهيمنة اللاهوتية البيزنطية وجهاً لوجه، وحثّ جميع المسيحيين على الخضوع التام لإرادة الله كما رآها. الكلمة العربية المنقوشة على قبة الصخرة لهذا الخضوع هي "الإسلام".

كما استبدل عبد الملك الصليب على العملات بكومة من الحجارة مصحوبة بالمصطلح الآرامي (وليس العربي) "يغار سهادوتا". وهذا هو المقابل الآرامي للكلمة العبرية "بيت إيل"، ومعناها "بيت الله"، ويشير إلى حجر العهد العبري. كان هذا عودة إلى رمزية العهد في العهد القديم من سفر التكوين 28: 15-19. كان مسيحيو الشرق الأوسط ساميين، ولهم جذور عميقة في العهد القديم، حيث تعود جذور المسيحيين العرب إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. هذا الشعور العميق بالعلاقة مع العهد القديم غائب عن معظم علماء الغرب العلمانيين المعاصرين. في عهد عبد الملك، برزت هذه العملة كنقطة تميز عن المرتدين اليونانيين الرومان المتغطرسين.

في الفترة ما بين عامي 693 و694 ميلاديًا، سك عبد الملك عملات ذهبية تحمل عبارة "لا إله إلا الله، وحده، ورسول الله يستحق الحمد". لاهوت ملكي بكل معنى الكلمة. ومرة ​​أخرى، تحمل العملات رمز عمود الحجارة، "يغار سهادوتا". وعلى ظهرها، تحمل صورة المسيح بانتوقراطور، حاكم الكون. كما سك عبد الملك عملات نحاسية تحمل صورة الشمعدان ذي الرؤوس السبعة للمعبد اليهودي القديم. لا يوجد ذكر لمحمد على هذه العملات. ومع مرور الوقت، ظهرت على عملاته شمعة ذات رؤوس خمسة، مما يميز بين العقيدة العربية واليهودية. حتى أن عبد الملك أطلق على ابنه اسم سليمان. كان من الواضح أنه كان يؤسس "صهيون جديدة" كنوع جديد من الهوية الموحدة لجميع المسيحيين العرب.

يذكر التاريخ الإسلامي التقليدي أن معظم شمال إفريقيا قد فُتحت قبل عهد عبد الملك بوقت طويل. ومع ذلك، في عام 691م، نرى شقيق عبد الملك، أمير مصر، لا يُشيد بمحمد أو الإسلام، ولا حتى يُشير إليهما في نقوشه. وإلى الغرب، في ليبيا الحديثة، لم تُظهر العملات النحاسية خلال عهد عبد الملك أي كتابة عربية، بينما كانت اللاتينية لا تزال هي السائدة على العملات في ذلك الوقت. كما لا توجد أي إشارة إلى كلمة محمد. حتى أن العملات القرطاجية خلال تلك الحقبة كانت تستخدم نظام التأريخ البيزنطي حتى عام 716م، ولم تُذكر كلمة "موحا" قط.

تأثير الزرادشتية

في عهد العباسيين، طرأ تغيير جذري على كلمة/لقب محمد. تحوّل عبد الله، وهو إشارة إلى رسول الله، إلى شخص حقيقي، هو والد محمد. وأصبحت مدينة الحيرة الغار الذي تلقى فيه محمد رؤاه الأولى.

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن حياة محمد المصطنعة تتشابه بشكل كبير ومثير للريبة مع حياة مؤسس الديانة الزرادشتية الفارسية. نشأ زرادشت مشركًا. في سن الثلاثين، تلقى رؤى من ملاك عن الإله الواحد الحق الذي لا يُدرك، وبدأ يُبشر بهذا الإله التوحيدي. رُفض، فهرب إلى مدينة قريبة، ونال رضاها، وقاد جيشًا مقدسًا ضد مدينته. وعلى مر السنين، ظهرت رؤى عديدة كشفت عن شريعة إلهه الحقة. فلماذا تتجلى كل هذه العناصر في حياة محمد؟

كما هو الحال في الإسلام، عَلَّم اللاهوت الزرادشتي الإيمان بإله واحد، وجنة ونار، وحساب بعد الموت. وقسّم العالم إلى حقائق وأكاذيب، أسود وأبيض. فإما أن يكون البشر مع الدين الحق أو ضده، بلا سند بينهما. بل يُقال إن زرادشت عرج إلى السماء ليلة واحدة. ويُقال أيضًا، مما يثير الريبة، إن محمدًا عرج إلى القدس ذهابًا وإيابًا من مكة في ليلة واحدة بأعجوبة. أجاز زرادشت الصلاة خمس مرات في اليوم. ويُمارس الإسلام أيضًا خمس صلوات في اليوم، بينما يُقرر القرآن ثلاث صلوات فقط. وقد فرض زرادشت هذه الصلوات بأقدس اللغات، وهي الأفستية. ويُعلي الإسلام من شأن اللغة العربية. وقد حُفظت أقوال زرادشت الشفهية في البداية وتناقلتها الأجيال، ثم دوّنت بعد سنوات عديدة. كما هو الحال مع أقوال محمد، كما يُقال.

وبالتعمق في البحث، نجد دلائل أخرى على هذا التغلغل الزرادشتي. إن الممارسة الإسلامية للغسل ثلاث مرات قبل أداء الصلاة خمس مرات يوميًا تعكس تمامًا التقليد الزرادشتي، حتى وإن نصّ القرآن الكريم على خلاف ذلك! إن التعاليم الإسلامية القائلة بأن جميع الناس يذهبون إلى النار بعد الموت لتثقل أعمالهم على جسر بحجم شعرة الإنسان، هي أيضًا مسروقة من الزرادشتية. كان الزرادشتيون يغسلون موتاهم دائمًا قبل الدفن، ويغسلون أيديهم قبل الصلاة. ويتبع المسلمون هذا التقليد اليوم. ولإكمال نقطة ليست بالهينة، علمت الزرادشتية أيضًا أن الرجال الصالحين سيُكافأون ببغاوات أبديات (باري) في الجنة. وفي القرآن الكريم، يُطلق على هؤلاء البغايا اسم الحور العين (سورة 55: 45-78).


عبادة الخطيئة


كانت هناك ديانات ومعتقدات أخرى أقدم في بلاد فارس تسللت إلى الدين الإسلامي الناشئ. عبادة الإله سين، الذي يُطلق عليه أحيانًا نانا، كانت عبادة القمر، إله الحكمة. ولأن سين كان قادرًا على تجديد نفسه، فقد كان أيضًا إله الخصوبة. كانت عبادة القمر هذه منتشرة على نطاق واسع في بلاد ما بين النهرين القديمة في عهد حمورابي (حوالي 1750 قبل الميلاد)، واستطاعت الصمود في وجه غزو الزرادشتية في مدينتي حران وأور في أعالي بلاد ما بين النهرين. كان رمز سين هلالًا. تُعرض اليوم في المتحف البريطاني أمثلة على عبادة الهلال من مدينة أور، غير البعيدة عن حران. كما أن أور هي مسقط رأس إبراهيم، الذي دُعي لمغادرة مدينة مليئة بالزرادشتية وهذا الدين الأقدم.

في خمسينيات القرن العشرين، حُفر معبد رئيسي لإله القمر في هازر بفلسطين، بالقرب من عاصمة الأنباط البتراء. وهكذا انتشرت هذه الممارسة على نطاق واسع. اسم إله القمر سين هو جزء من كلمة سيناء الحديثة. كما عُبد سين على نطاق واسع في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. وكان اثنان من الآلهة الثلاثة الرئيسية المعبودة في جنوب شبه الجزيرة العربية هما إلها القمر سين وعم. يمكننا أن نكون على يقين من أن بعض رموز عبادة القمر لا تزال موجودة في الإسلام، وذلك بفضل الاستخدام الغريب وغير المبرر للهلال في جميع شعاراتهم تقريبًا. وإن كنتَ تعتقد أن هذا غريب، فتذكر أن أول يوم عمل في أسبوع العمل الغربي مُخصص أيضًا للقمر!

التأثيرات اليونانية على الآريوسية ثم الإسلام

أكدت نظرية أفلاطون في الأشكال أن الحقيقة المطلقة وأصل كل الأشياء كانا مفهومًا يُسمى الخير. كان أصل كل شيء، ولكنه غير شخصي. اتفقت المسيحية مع أفلاطون في القول بأن الحقيقة المطلقة خير بالفعل، ولكن في اللاهوت المسيحي، كان الخالق خيرًا وشخصيًا ومعروفًا. وسّعت الأفلاطونية المحدثة تعاليم أفلاطون كدفاع ضد صعود المسيحية في اليونان. فقد علّمت أن هذا الخالق كان فوق المعرفة تمامًا، وغير مفهوم تمامًا، ووحدة مطلقة لا ثالوثًا، وغير قابل للفهم من قبل البشر. هذه الفلسفة هي في الواقع أساس الملكية والأريوسية الموصوفتين سابقًا، والإسلام الآن.

من كتب القرآن تبنى أفكار الأفلاطونيين الجدد بكل إخلاص، عبر الطريق الفلسفي القديم للآريوسية والملكية. ومع مرور الوقت، جاء الإسلام ليُعلّم أن الله عظيمٌ لدرجة أنه يفوق المعرفة والوعي.


تأثير اليهودية

كان هناك تأثير يهودي على الدين الناشئ أيضًا. ولمَ لا؟ ليس من قبيل الصدفة أن أول مركز رئيسي لتفسير القرآن الكريم والفقه الشرعي قد نشأ في الكوفة بالعراق، على بُعد 45 كيلومترًا فقط من المركز اليهودي الكبير لعلم اللاهوت والفقه في سورة البقرة. ففي سورة البقرة تم تدوين جزء كبير من التلمود قبل قرون. وفي الكوفة المجاورة، بدأ ظهور الحديث الشريف، بقواعده وأحكامه، وهو ما يُعادله في الإسلام. وهذه مصادفة مثيرة للريبة. فباعتبارها المعادل الإسلامي للجامعة، برزت المذاهب الفقهية الإسلامية الرئيسية في عهد الخليفة العباسي المأمون. وخلال هذه الفترة أيضًا، حُددت السنية، كدين ذي شريعة راسخة، بأدق التفاصيل.

استلهم الدين الإسلامي الجديد من النظام القانوني اليهودي القديم. جميع النصوص القرآنية تقريبًا، وهي كثيرة، تعتمد على مصادر يهودية، ويمكن إرجاعها إما إلى الكتاب المقدس، أو التلمود، أو المدراش، أو الترجوم، أو المشناه. ومن الأمثلة على ذلك سورة المائدة: الآيات 31-32 من مشناه سنهدرين 4:5 من القرن الثاني، والسورة 27: الآيات 16-42 من ترجوم أستير من القرن الرابع، والسورة 21: الآيات 51-71 من مدراش سفر التكوين من القرن الرابع إلى السادس.

يظهر موسى أيضًا في القرآن 136 مرة، بينما يظهر محمد أربع مرات فقط. ويروي تكرار الظهور قصته الخاصة. فعندما كُتبت سيرة محمد، لم تكن قصته قد صُوّرت على صورة زرادشت فحسب، بل على صورة موسى أيضًا. أليس محمدٌ رجلاً كموسى، يعيش في أعماق الصحراء، يُخاطب الله وجهاً لوجه، وينزل عليه شرائعه المقدسة من السماء إلى الأرض، ويُدين الشرك المحلي، ويعتنق طريق العودة إلى الله، ويقود شعبه إلى أرض الميعاد بإعلانه الحرب المقدسة على المشركين، وإبادةهم، والاستيلاء على الأرض من أجل الإله الواحد الحق؟ إن أوجه التشابه عجيبة.

كان نقل الإسلام لبركات العهد الإبراهيمي من إسحاق إلى إسماعيل، وبالتالي إلى العرب بدلاً من اليهود، بمثابة ضربة قاضية في التضليل الإعلامي، ومرة ​​أخرى، لم تُدعم بأي شكل من الأشكال من قِبل جميع السجلات التاريخية.

تأثير الأنباط والبتراء

كما ذُكر في بداية هذه المقالة، كانت جميع أماكن العبادة العربية في المرحلة المبكرة من الإمبراطورية تواجه البتراء في الأردن السفلي الحديث، حتى عام 725 ميلادي. لم تكن جميع المساجد المكتملة حديثًا تواجه مكة المكرمة، التي تبعد حوالي 1300 كيلومتر جنوبًا-جنوب شرقًا، إلا في عام 822م. شهدت الفترة الفاصلة بين هذين التاريخين ارتباكًا كبيرًا، حيث كانت 12% من المساجد تشير إلى البتراء، و50% إلى مكة المكرمة، و38% تشير إلى اتجاه موازٍ بين المدينتين. ولا يزال من الممكن رؤية الدليل في اتجاه المساجد القديمة على خرائط جوجل. ومن الواضح أن مكة المكرمة لم تُعرف في الوعي العربي كمكان للحج إلا في العقود الأولى من القرن الثامن الميلادي، أي بعد مئة عام من نشأة العصر العربي.

يناقش القرآن الكريم بالفعل تغييرًا في اتجاه الصلاة والمساجد. إلا أن الإشارة الوحيدة غامضة للغاية (سورة البقرة: الآيتان 143-144) دون ذكر أسماء الأماكن أو الإطار الزمني. وتقول الرواية العباسية الرسمية إن هذا الحدث وقع في حياة محمد، حوالي عام 624م، وتضمن تغييرًا من القدس إلى مكة المكرمة. والدليل الوحيد لدينا هو أن الأحاديث النبوية تدعي ذلك كحقيقة. من كتب هذا الحديث ونشره في هذا التاريخ المبكر يكذب، فالأدلة الأثرية تؤكد خلاف ذلك تمامًا. لقد أُعيد اختراع الإسلام وكتابه بوضوح على غرار الإمبراطورية العباسية الناشئة بين عامي 725 و822 ميلاديًا.

وكانت بلاد الأنباط أيضًا مهد اللغة العربية التي انحدرت من لغات سامية أقدم، وهي السريانية والآرامية والعبرية. أما في الدين، فقد كان لدى الأنباط ولعٌ بعبادة الأماكن المقدسة المنحوتة في أحجار قائمة، غالبًا ما تكون محفورة أو مكعبات قائمة تُسمى الكعبة. كما اعتبروا النيازك من العبادات. وتُعتبر هاتان الممارستان الآن جزءًا لا يتجزأ من طقوس العبادة الإسلامية في مكة المكرمة، حيث احتوى المكعب الأسود الشهير على نيزك مقدس، وهو موضوع العبادة الورعة. وعلى عكس مكة المكرمة، كانت البتراء أيضًا مكانًا ازدهرت فيه الزراعة المروية كما ورد في سورة العلق: 27-31. كان الحج يُقام سنويًا أيضًا إلى مركز العبادة الشهير في ممرا، بالقرب من الخليل الحالية، موقع حياة إبراهيم ودفنه. يقدم الفصل الرابع من كتاب "تاريخ الكنيسة" لسوزومين وصفًا ممتازًا لهذا الحدث الديني الوثني العربي المهم. بالإضافة إلى ذلك، تشير 50 ​​من أصل 65 إشارة جغرافية في القرآن الكريم إلى قوم عاد (23 إشارة)، وقوم ثمود (24 إشارة)، والمديانيين (7 إشارات). عاشت جميع هذه القبائل بالقرب من البتراء، وليس مكة، وقد نُقلت جميعها في النهاية "لاهوتيًا" إلى عمق شبه الجزيرة العربية مع ظهور الإسلام. إن النقص الشديد في الإشارات الجغرافية الملموسة في القرآن الكريم مقارنةً بالكتب الدينية الأخرى يثير الكثير من الشكوك حول أصله.

 

غياب مكة

يُشير التاريخ الإسلامي التقليدي إلى أن حياة محمد وأحداثه، بالإضافة إلى بدايات الإسلام، كانت في مكة وما حولها، مركزًا ثريًا للتجارة والحج في قلب الجزيرة العربية، دعم الأنشطة التجارية لآل محمد (سورة 106). إلا أن هذه التأكيدات تعتمد كليًا، مجددًا، على التفاسير الإسلامية المتأخرة من عصر العباسيين، أي بعد حوالي 200 عام من هذه الأحداث. عند النظر إلى مصادر المعلومات المستقلة، نجد أن مكة غائبة عن تلك الفترة الزمنية. هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة، ولكنها كانت عديمة الصلة بالتجارة والنفوذ لدرجة أنها غائبة عن جميع الوثائق. ازدهرت تجارة التوابل العربية خلال العصرين اليوناني والروماني المبكر في زمن المسيح، وليس بعد 600 عام.

لم تكن مكة غنية بالأخشاب، ولا بالسفن، ولا بالموانئ، ولا بالمياه، ولا بالزراعة. لم تكن على مفترق طرق تجارية، ولم تظهر على خرائط طرق التجارة، ولا في أي إشارات كلاسيكية لها. تقع على بُعد 83 كيلومترًا داخل البلاد من طريق تجاري بحري عالمي رئيسي في وقت كان فيه النقل البحري عبر البحر الأحمر أرخص بعشر مرات من النقل البري، وأسرع بكثير. وبحلول القرن الأول الميلادي، تطورت حركة الشحن والملاحة إلى درجة هيمنت على جميع التجارة بين روما والهند عبر البحر الأحمر.

فما هي السلع الفاخرة التي تاجر بها أهل مكة والتي يمكن أن تعوّض تكلفتها وعيبها الجغرافي؟ كما اتضح، لا شيء. فقد انقطعت تجارة التوابل والعطور الأكثر غرابة، مثل اللبان والمر، منذ فترة طويلة بسبب تنصير أوروبا والتوسع الكبير من شمال إفريقيا، وخاصة إثيوبيا، التي سيطرت عسكريًا على جنوب الجزيرة العربية عام 525 ميلاديًا. وكانت المنتجات الوحيدة التي خرجت من جنوب الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي هي الجلود والفضة والفلفل. وكانت الفضة هي السلعة الوحيدة التي تُنقل برًا حيث كان يتعين عليها الذهاب إلى بلاد فارس، وليس إلى البحر الأبيض المتوسط. لم تكن مكة، قطعًا، "مكة" تجارية، ولذلك فإن فرضية أنها ربما كانت مصدر ثروة آل محمد والأموال والجيوش الهائلة اللازمة لغزو العالم بهذه القوة الجذرية في فترة زمنية قصيرة هي فرضية مشكوك فيها للغاية.

عندما يتحدث القرآن عن الأحداث والأشخاص وصراعات السلطة والتجارة، لا بد أن هذا كان يحدث في أماكن أبعد بكثير حول مركزين تجاريين معروفين. إما في الشمال الشرقي عند الحيرة في بلاد فارس، أو في الشمال الغربي حول الأنباط وفلسطين وسوريا. تؤكد السجلات التاريخية بغزارة هذا النشاط في الخيار الأخير، وخاصة من البحر الأحمر إلى البتراء في الأنباط وصولًا إلى سوريا. في الواقع، تؤكد السجلات بغزارة الأنشطة التجارية وازدهار التجار العرب في منطقة سوريا، الذين يُقال إنهم كانوا قبيلة محمد.

وفقًا لكتاب "في ظل السيف" المُعمّق، لم تصبح مكة مركزًا للحج إلا تدريجيًا منذ حملة عبد الملك العسكرية عام 691م على منطقة الحجاز في شبه الجزيرة العربية لمواجهة معارضة حكمه القادمة من ابن الزبير، منافسه على الزعامة. كان موقف الزبير الأخير في مكان يُسمى بيت الله الحرام، والذي دُمر مع المدافعين عنه. وبما أن جميع دور العبادة العربية كانت تواجه البتراء حتى تلك اللحظة، فمن المنطقي أن يكون بيت الله الحرام هذا في تلك المنطقة. ولضمان سلطته في منطقة الحجاز المضطربة، حج عبد الملك عام 693م إلى تلك المنطقة نفسها، وزار هناك المدينة المنورة والطائف، مسقط رأس والده. ومن هناك، زار على ما يبدو مستوطنة مكة الصغيرة، مُعلنًا إياها بيت الله الحرام، ونقل الكعبة النبطية المقدسة ونيزكها الأسود المقدس مسافة 1300 كيلومتر جنوبًا إلى موقعها الحالي. منذ تلك اللحظة التاريخية، بدأت دور العبادة العربية تتجه جنوبًا ببطء، من البتراء إلى مكة، وهي مدينة لا تتطابق إطلاقًا مع وصف القرآن لها. وبعد ستين عامًا، لا تزال خطب الخوارج تُدين عبد الملك لهدمه بيت الله.

خلق القرآن

بدأت الإمبراطورية العباسية في بداياتها الإسلامية تُشرعن تدريجيًا مع إعادة صياغة محمد صلى الله عليه وسلم نبيًا نجمًا أعظم من زرادشت وموسى وعيسى. فلكي يكون النبي والدين كاملين، لا بد من وجود كتاب كامل يُبرر دينه. وفي هذا الكتاب، انطوت حكايات خرافية مسيحية ويهودية، وروايات توراتية مُحرفة ومُشوّهة من العهدين القديم والجديد، وطقوس ومعتقدات عربية وثنية، وتبرير للحرب المقدسة على من يرفض الدين العباسي الجديد، وعدد كبير من التناقضات التاريخية واللاهوتية والعلمية. وقد تم تجاهل التناقضات الكثيرة الموجودة في القرآن الكريم باعتبارها نسخًا، حيث حلّت آيات جديدة محل آيات قديمة. يبدو أن الله كان يُغيّر رأيه. لكن ببساطة، ما كان ينبغي أن يكونوا هناك (سورة النساء: 82).
**********

قرب قاع جهنم، صادف دانتي رجلاً يمشي وجذعه مشقوق من ذقنه إلى فخذه، وأحشاؤه وأعضاء أخرى تتناثر منه. صرخ الرجل: "انظروا كيف أمزق نفسي!". "انظروا كيف تشوّه محمد وتمزق!". بالنسبة لنا، المشهد ليس مروعًا فحسب، بل مفاجئ أيضًا، لأن دانتي ليس في دائرة الأديان الزائفة، بل في دائرة مخصصة لمن يمزقون جسد المسيح. ومثل العديد من مسيحيي العصور الوسطى، ينظر دانتي إلى الإسلام كشكل انشقاقي من المسيحية أكثر منه كدين منافس.


بيتر جيه. ليثارت: يعتقد عدد قليل من العلماء الغربيين الآن أن هناك حقيقة تاريخية كبيرة في وجهة نظر دانتي. ووفقًا للرواية الإسلامية التقليدية، يحتوي القرآن على آيات أنزلها الله على محمد عبر الملاك جبريل بين عامي 609 و632. وقد سُجّلت في شكل مكتوب في عهد الخليفة الثالث في منتصف القرن السابع. ويشكك الباحث الإسلامي كريستوف لوكسمبرغ في معظم هذا. في عام ٢٠٠٠، نشر لوكسنبرغ الطبعة الألمانية من كتاب "القراءة السريانية الآرامية للقرآن"، الذي يُخفي عنوانه المُقيّد ونبرته الهادئة حججه المُتفجرة - المُتفجرة بما يكفي ليختبئ المؤلف وراء اسم مستعار. وقد مُنع الكتاب في العديد من الدول الإسلامية.

إحدى حجج لوكسنبرغ الرئيسية هي أن القرآن الكريم ترجمة عربية لنص سرياني/آرامي أصلي. ويستطيع لوكسنبرغ حلَّ الشذوذ في النص العربي بمعاملته على أنه ترجمات عربية خاطئة لنص سرياني أصلي. فالكلمات التي لا أصل لها عربيًا تتضح أنها نسخ مُحرَّفة من المصطلحات السريانية الشائعة. حتى أن لوكسنبرغ يجد دليلًا في القرآن نفسه على اعتباره ترجمة. يقول لوكسنبرغ في ترجمته: "لقد ترجمنا [القرآن] إلى لغتكم لعلهم يتذكَّرون".

اشتهر لوكسنبرغ بتحديه الترجمة الشائعة لكلمة "حوري"، والتي تُفهم عادةً على أنها العذارى ذوات الأجساد الحارة اللواتي يأمل الرجال المسلمون المؤمنون بهن أن يُكافأوا في الجنة. ووفقًا للوكسنبرغ، فهنّ لسن عذارى واسعات العيون، بل عنب أبيض، "ثمار طرية متدلية"، جاهزة للقطف (سورة 38: 52). إنها رؤية للجنة تشبه رؤية الشاعر المسيحي أفرام السرياني في القرن الرابع: "من امتنع عن الخمر هنا في الدنيا، اشتاق إلى كروم الجنة. كل منها يمد له عنقودًا متدليًا".

إن الإشارة إلى أفرام ليست مصادفة، إذ يجادل لوكسنبرغ بأن القرآن مستمد من كتاب قراءات مسيحي سرياني. ومرة ​​أخرى، الدليل مخفيٌّ أمام أعيننا. أصبح من الشائع بين علماء الإسلام إدراك أن كلمة "قرآن" تعني "ليكتوريوم"، لكن قلة منهم يتوصلون إلى الاستنتاج المثير للجدل: "إذا كان القرآن... يعني حقًا "ليكتوريوم"، فيمكن للمرء أن يفترض أن القرآن قصد في المقام الأول أن يُفهم على أنه ليس أكثر من كتاب طقسي يتضمن نصوصًا مختارة من الكتب المقدسة (العهدين القديم والجديد) وليس بديلاً عن الكتب المقدسة... ككتاب مقدس مستقل".

يدفع المساهمون في كتاب "الأصول الخفية للإسلام" (2010) بمراجعة لوكسنبرغ إلى أبعد من ذلك. يُذكّر محرر الكتاب، كارل هاينز أوليج، القراء بأن معظم المعلومات السيرة الذاتية التي لدينا عن محمد لا تأتي من القرآن، بل من نصوص كُتبت بالكامل بعد قرنين من وفاته. ولم يدّعِ الكُتّاب المسلمون أن القرآن يحتوي على الوحي الذي أُنزل على محمد إلا في القرن التاسع. عام 622 - الذي يُحدده المسلمون بأنه عام هجرة محمد وأتباعه، وهي رحلة مصيرية من مكة إلى المدينة - لم يكن مرتبطًا أصلًا بمحمد على الإطلاق. قبل وجود أي سجل يُؤرخ فيه المسلمون لوقت الهجرة، أرجع المسيحيون العرب بداية العصر العربي إلى عام 622، عندما نالوا استقلالهم عن الإمبراطورية الفارسية الساسانية.

تدعم نصوص إسلامية مبكرة أخرى فكرة أن الإسلام لم يظهر كدين جديد، بل كتطور جديد داخل بيئة مسيحية سريانية. في مساهمته في كتاب "الأصول الخفية"، يُطبق لوكسنبرغ منهجه على النقش الموجود على قبة الصخرة، والذي يبدو أنه يحتوي على اعتراف إسلامي مباشر: "لا إله إلا الله وحده... محمد عبد الله ورسوله". يُشير لوكسنبرغ إلى أن محمد، الذي يُفهم عادةً كاسم علم، يعني "تعالى" أو "مُحمد"، ويُشير أيضًا إلى أن المسيحيين السريان، الذين كانوا مُشككين في عقيدة نيقية بشأن البنوة الإلهية ليسوع، فضلوا لقب إشعياء "خادم" ليسوع. يزعم أن النقش يجب أن يكون كالتالي: "لا إله إلا الله وحده... سُبحان عبد الله ورسوله". وهذا يُضفي معنىً أكبر على الجزء الثاني، الذي يُعرّف صراحةً "المسيح عيسى ابن مريم" بأنه "رسول الله وكلمته". أُعيد تفسير نقش عن عيسى لاحقًا على أنه اعتراف بإيمان مختلف تمامًا.

عندما يُوضع القرآن الكريم في سياق المسيحية السريانية والجدل حول المسيحية الآريوسية والنسطورية والمونوفيزية التي عصفت بالمسيحية الشرقية في تلك القرون، يُصبح دَينه للمسيحية أمرًا معقولًا. القرآن الكريم