مصادر معلومات هذه الصفحة :
(1) القبائل العربية المسيحيّة في بلاد الشام في عهد صدر الإسلام - بقلم: الأرشمندريت اغناطيو
(2) دراسة الدكتورة سلوى الحاج صالح – العائب "المسيحيّة العربيّة وتطوّراتها من نشأتها إلى القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي" التي ظهرت في بيروت عام 1997.
****************************
أولا : تاريخ القبائل العربية التى إعتنقت المسيحية فى الشاىم قبل نشأة الإسلام فى القرن السابع الميلادى
تتفق مختلف المصادر على أنّ قبائل قضاعة كانت من أول القبائل. يذكر المسعودي: "وكانت قضاعة أول من نزل الشام وانضلفوا إلى ملوك الروم فملكوهم بعد أن دخلوا في النصرانيّة على من حوى الشام من العرب" (المسعودي مروج الذهب ج1 ص 421). وصرّح اليعقوبي بالشيء نفسه (تاريخ ج1 ص 421). وقبائل قضاعة عديدة وكانوا من فرسان الزباء (الطبري). ومن قبائل بني سليح تذكر المصادر الضجاعم نسبة إلى ضجعم بن سعد وقد كانوا ملوكا بأطراف الشام من فلسطين إلى قنسرين قبل الغساسنة (ابن الكلبي نسب معد واليمن الكبير ج2 ص 449، ابن الأثير، الكل ج2 ص 303) ويستفاد من روايات الإخباريّين أنّ هيمنة بني سليح على من بالشام من العرب عرفت نهايتها على أيدي بني جفنة الغساسنة. وينحدر هؤلاء من الأزد من كهلان هاجروا اليمن نحو الشمال مع غيرهم في أواسط القرن الرابع وكانوا في بلاد الشام في أواخر القرن الخامس الميلادي وهم أولاد جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر. موطنهم الجولان وحوران كما يستدلّ من عقد البيزنطيّين لكبيرهم الولاية على تلك الأطراف ليردوا عنها غارات العرب المناذرة عمّال الفرس.
وفي شمال بلاد الشام استقرّت قبائل تنوخ قادمة من العراق إلى الشام وهروبا من ضغوط الفرس (القرن الثالث) واستقرّت في مناطق قنسرين وحلب ويروي الخبراء أن هناك قبائل أخرى نزحت إلى الشام من ذريّة كهلان طي وعاملة ولخم وجذام.
ومن القبائل العربيّة التي ثبت هجرتها إلى الشام في عهد قريب من مجيء الإسلام كلب بن وبرة، جاءوا من نجد وقطنوا نواحي تدمر وخناصر والبقاع. وهناك قبائل أخرى يذكرها الخبراء وقد تتضارب الروايات في نسبها وليس لها من مقر ثابت وهي دائمة التحرّك ومنها بهراء وبلي وإياد بن نزار.
كان العرب يدينون بالوثنيّة السامية إلا أن مجاورتهم لمسيحيّي سورية المنظمين في البطريركيّة الأنطاكيّة فتحهم على المسيحيّة. بدأ تنصيرهم بشكل مكثّف في القرن الرابع بعد أن قويت المسيحيّة في سورية على أثر الحريّة التي منحها قسطنطين الملك. وتواصل في القرن الخامس. وفي أواخر القرن السادس كانت المسيحيّة غالبة على عرب الشام وتمّ ذلك بفضل الرهبان المتواجدين في الصحراء وأحياناً بحملات تبشيريّة منتظمة قام بها بعض الأساقفة.
ويذكر المؤرّخ البيزنطي /سوزومين/ (أواسط القرن الخامس) أن الملكة العربية /ماوية/، في جنوب بلاد الشام كان لها نزاع مع الإمبراطور /فالنس/ حوالي 373 وكان من شروط المصالحة أن يعينوا أسقفاً عربيّاً هو موسى راهب متعبد من قبيلتها. ولمّا سيّم أسقفاً كان عدد النصارى قليلاً فعمل بنشاط على تنصيرهم.
وتذكر المصادر الكنسيّة تنصّر/زوكوموس/ وكان أحد عمال الرومان في عهد فالنس. تنصّر هو وقبيلته بعد أن وهبه الله ولدا بفضل صلاة أحد النساك. وتذكر المصادر العربية ضجعم جد قبيلة الضجاعمة من بني سليح (هذا الاسم أصبح باليونانيّة زوكوموس) وتتحدّث عن ملك للقبيلة نصراني ينسب إليه دير داوود جهات مادبا ويقول عنه ابن الكلبي. "وكره الدماء والدنيا والقتل وتعبدّ في نصرانيته" نستنتج من هذا تنصر قبيلة سليح في نهاية القرن الرابع وفي المصادر العربية ما يدعم هذا الرأي، فالمسعودي يقول: "ثمّ وردت سليح الشام فغلبت على تنوخ وتنصرت فملكتها الروم على العرب الذين بالشام".
وتواصل تنصّر القبائل العربية خلال القرن الخامس، وأقيم لهم أساقفة عرفوا بأساقفة المضارب أو أساقفة العرب. تذكر سيرة القديس افتيميوس الذي عاش في صحراء القدس في القرن الخامس أنه نصّر شيخ قبيلة عربية اسمه اسباباط بعد أن شفي ابنه المصاب بالشلل وتنصّرت معه القبيلة كلّها. وسيم الشيخ أسقفاً باسم بطرس. وكان هناك مركزان آخران لأساقفة المضارب قرب دمشق وقرب بعلبك واشترك أساقفتها في المجامع التي عقدت في هذه الفترة.
أما عرب الشمال فقد تنصّر عدد كبير منهم بفضل القديس سمعان العمودي ومنهم بنو تنوخ في حاضر قنسرين وحلب (القرن الخامس).
مجمع خلقيدونية والقبائل العربية
ولا نعرف شيئاً عن تنصّر غسان قبل القرن السادس. وكانوا قبلاً وثنيين ويروي الطبري أن الحارث بن أبي شمر أهدى سيفه لبيت الصنم. ثمّ تأثّر بالراهب يعقوب البرادعي الذي عمل على نشر المسيحيّة بين الغساسنة كما أنّ الحارث دعم يعقوب البرادعي لمّا سيّم أسقفاً وساعده على توطيد الكنيسة المعارضة للملكيّين أنصار المجمع الخلقيدوني . وأقيم أسقفيّة خاصة بهم اسمها أسقفيّة غسان. بعد انهزام الروم أمام الفرس عام 580 حُملت المسؤولية للمنذر بن الحارث فنفاه الروم. وانقسمت المملكة ويقول المؤرخ ميخائيل الكبير السرياني: "منذ نفي النعمان اضمحلت مملكة نصارى العرب بسبب خيانة البيزنطيّين وبدأت بدعة الخلقيدونيّين تنمو وسطهم". ويصرح المؤرّخ الكنسي البيزنطي /افاغريوس/ أنّ البطريرك غريغوريوس الملكي قام بحملة تنصير كبيرة في قلب صحراء الشام ونجح في إدخال قبائل عربيّة يعقوبيّة في الكنيسة الملكيّة.
أثبتت المصادر العربيّة أيضاً تنصّر قبيلة بهراء بين حمص وتدمر وخناصر. وتغلب في الجزيرة الفراتيّة وفروع من قبيلة كلب وإياد بن نزار.
ويتبيّن أنّ المسيحيّة غلبت على عرب الشام في أواخر القرن السادس دان بها أشرافها وأمراؤها. وكانت لهم في بعض المناطق أبرشيّات خاصة رئسها أحياناً أيضاً عرب من القبيلة وإنّما ظلّت مرتبطة بالكنيسة السريانيّة والملكيّة ولم تؤلّف طقساً وكياناً مستقلاً.
2- العرب النصارى في العراق
بدأ الاستيطان العربي بالعراق بشكله القبلي منذ بداية القرن الثالث وتواصل في القرنين الخامس والسادس، وتمتد ديار القبائل والبطون العربية من أقصى جنوب العراق إلى شمال الجزيرة الفراتية على ضفتيّ نهر الفرات. في الجنوب عرب الحيرة (العباديون) وإياد. في الوسط تغلب والنمر وتنوخ وفي الجزيرة تنوخ وتغلب وبكر بن وائل وإياد. سكنوا بعض المدن الحيرة والأنبار واحتفظ أغلبهم بحياة البداوة.
دخلت المسيحيّة بلاد فارس منذ عهد السلالة الإرشادية وتواصل في عهد الساسانيّين. وقد تمّ ذلك بواسطة الأسرى الذين جلبهم شابور خلال حملاته الثلاث على الإمبراطوريّة الرومانيّة وكان معظم هؤلاء الأسرى من المسيحيّين اليونانيّين ومنهم أساقفة وبطاركة (البطريرك الإنطاكي ديمتريانوس). وتنظمت الكنيسة حول العاصمة المدائن.
أقدم الشواهد الثابتة على تنصر عرب العراق تعود إلى القرن الرابع.
حسب التاريخ السعرتي، انتشرت المسيحيّة بمنطقة الحيرة في أواخر القرن الرابع كما تشهد بذلك الأديرة التي في جوارها. وأصبحت الحيرة في مطلع القرن الخامس أسقفية تابعة للمدائن. إذ حضر أسقفها مجمع 410 الذي فيه تمّ قبول المجمع النيقاوي ثم مجمع 424 الذي فيه تخلّصت كنيسة فارس من وصاية أنطاكية. إلاّ أنّ الملك النعمان كان وثنيّاً وتعرّض لمن يذهبون لزيارة سمعان العمودي ويتنصّرون على يده وهدّدهم بالموت. إلاّ أنه تراجع عن قراره بعد أن ظهر له القدّيس في الحلم. ثمّ أطلق النعمان الحرّية باعتناق النصرانيّة وبناء الكنائس. ولم يثبت المناذرة على النصرانيّة إلاّ في أواخر القرن السادس. واشتهرت هند بنت الحارث الكنديّة زوجة المنذر التي اعتنقت النصرانيّة وبنت ديرا وهند الصغرى زوجة الشاعر المسيحي عدي بن زيد التي ترهبت بعد مقتل زوجها. كانت الحيرة أولا تابعة للكنيسة الفارسية التي اتسمت بالنسطوريّة ثمّ أنشئ فيها أبرشيّة يعقوبيّة في أواسط القرن السادس تابعة للكنيسة الأنطاكية بواسطة مفريان (رئيس أساقفة) تكريت. ونعرف أسماء العديد من أساقفة الحيرة وكان أسقفها عند ظهور محمد عربيّاً يدعى عديّ بن حنظلة من تنوخ.
وكانت أيضاً الأنبار مركزاً عربيّاً نسطوريّاً من تنوخ ونمر ودعيت مدينة العرب كان لها أساقفة معروفون منذ أواخر القرن الخامس وانقطعت سلسلة الأساقفة النسطوريّين في مطلع القرن السابع. وغلبت عليها اليعقوبيّة.
وكان للنساطرة تواجد بين عرب الجزيرة الفراتية في منطقة نصيبين ونينوى وسنجار ولا نعرف تركيبهم القبلي. ولم يكترث النساطرة للتوسّع كثيراً بين البدو بينما قامت الكنيسة اليعقوبيّة بحركة تبشيريّة منظّمة بينهم قادها الراهب القديس /احودمه/. وهو هدى بني تغلب في شمال الجزيرة في أواسط القرن السادس وكذلك البدو المنتشرين بين الحيرة والأنبار وعرب عاقولا (الكوفة).
وأصبح للعرب اليعاقبة أسقفيّة خاصة، أسقفيّة العرب، في منطقة بيت عرباي في الشمال وكانت لتغلب أسقفيّة خاصة بها تابعة لمفريان تكريت (ممثل البطريرك في العراق وفارس).