Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم المؤرخ / عزت اندراوس

 هل يحق لليهود تنفيذ عقوبه القتل ؟ 

 إذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
صــورة حكم  بيلاطس على المسيح
إنكار بطرس أمام قيافا
شهود زور
اليهود وعقوبة القتل
محاكمة بسوع الأولى
محاكمة بسوع الثانية
محاكمة بسوع الثالثة
محاكمة بسوع الرابعة
محاكمة بسوع الخامسة
محاكمة بسوع السادسة

 

هل يحق لليهود تنفيذ عقوبه القتل ؟ يوحنا 18: 31 ويوحنا 19: 7
فال الدكتور العظيم هولى بايبل Holy_bible_1

الشبهة
اليهود اعلنوا انهم لا يقدروا ان ينفذوا عقوبه رسميه في يوحنا 18: 31 فقال لهم بيلاطس: «خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم» فقال له اليهود: «لا يجوز لنا أن نقتل أحدا». أصلبه .. أصلبه
ولكن هذا يعارض انهم يحكموا علي المسيح بالموت في يوحنا 19: 7 اجابه اليهود لنا ناموس و حسب ناموسنا يجب ان يموت لانه جعل نفسه ابن الله
الرد
الحقيقه لا يوجد تعارض بين العددين فاليهود بالفعل يحق لهم حسب ناموسهم ان يعاقبوا من يخالف ناموس موسى حسب خطؤه وقد يصل الامر الي ان يقتلوا من جدف ولكن الدوله الرومانية سنة 6 ميلاديه نزعت حق الحكم وتنفيز احكام شريعة موسى من اليهود واصبح يطبق القانون الروماني والاحكام الرومانية فقط واصبح لو اخطأ احد حسب ناموس موسي يقبض عليه اليهود ويقدمونه للحاكم الروماني بشكوي ينظر فيها ويطبق العقوبه الرومانية ولهذا عندما يقولوا انه حسب الناموس هو مستحق القتل هذا صحيح ولكنهم لا يقدروا ان ينفزوا الحكم لانه لايجوز لهم تنفيز حكم القتل حسب القانون الروماني بل للدولة الرومانية فقط الحكم والتنفيز

الشاهد الاول
انجيل يوحنا 18

18: 28 ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا الى دار الولاية و كان صبح و لم يدخلوا هم الى دار الولاية لكي لا يتنجسوا فياكلون الفصح
هذا حدث الجمعه صباحا
18: 29 فخرج بيلاطس اليهم و قال اية شكاية تقدمون على هذا الانسان
هم رفضوا ان يدخلوا الي دار الولايه وهذا شيئ مهم لهم حسب تقاليدهم ولكن هو شيئ يضايق بيلاطس لانهم بهذا يقولون لبيلاطس انه نجس ولكن بطريقه غير مباشره . فخرج بيلاطس متضايقا ويحمل كلماته معني استهزاء وسخريه من اليهود فيقول اي شكاية تقدمون علي هذا الانسان وهذا فيه استنكار لما يعملونه مع المسيح، فهو من المؤكد سمع عن يسوع ويعلم أنه برئ مماّ ينسبونه لهُ. بالإضافة إلى الحلم الذي أخبرته به زوجته. وقوله هذا الإنسان = يحمل نوعاً من التعاطف معهُ. وبيلاطس كان خامس والٍ على اليهود سنة26-سنة36 متغطرس يكره اليهود وعوائدهم.إشتبك كثيراً مع اليهود فأظهر قسوة ضدهم ولكن ايضا بيلاطس كان مهدد بفقد مركزه لو ثار اليهود مره اخري لان الامبراطوريه الرومانيه لاتريد قلاقل من ناحية اليهود لهذا رغم سخريته منهم لايستطيع ان يجعلهم يثوروا.

18: 30 اجابوا و قالوا له لو لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه اليك
فرد عليه اليهود بشيئ من السخريه ايضا قائلين لو لم يكن فاعل شر لما كنا سلمانه اليك اي بمعني ان هذا شيئ واضح وسؤالك ليس له معني وايضا بمعني ان هم الذين يهتمون بالقبض علي فاعلي الشر رغم ان هذا وظيفته هو
ونلاحظ ان في كلامهم حكم مسبق قبل ان يصدر هو الحكم بقول ان المسيح فاعل شر كما لو يقولوا له ان هذا امر معروف عندك وعساكرك اي الفرقه التي هي مسؤله عن حراسة الهيكل ورئيس الكهنه هي التي قبضت علي المسيح في بستان جثيماني مع خدام رئيس الكهنة كما جاء في يوحنا 18: 3 وغيره
18: 31 فقال لهم بيلاطس خذوه انتم و احكموا عليه حسب ناموسكم فقال له اليهود لا يجوز لنا ان نقتل احدا
فيرد عليهم بيلاطس بسخرية ايضا قائلا احكموا عليه حسب ناموسكم إذ هو يعلم أن ناموسهم مقيد، وأنهم لا يستطيعوا أن يحكموا بالقتل على أحد. فرد بيلاطس كله غطرسة عليهم. والمعنى أن طالما ناموسهم مقيد فعليهم بالخضوع للقانون الروماني. وواضح أنهم ما أتوا للمناقشة مع بيلاطس بل هم إتخذوا قراراً ضد المسيح يريدون إعتماده من بيلاطس. وربما كان تهكم بيلاطس معناه أنه لولا أنكم أسأتم إستخدام ناموسكم كما تفعلون الآن لما صار ناموسكم مقيداً.
فاجابه اليهود " لايجوز لنا ان نقتل احدا" اي حسب القانون الروماني بمعني ان كلامك رغم انه سخريه ولكن تحاسب عليه لانك تقول لنا نفعل شيئ يخالف القانون الروماني
وفي هذا العبارة ايضا معني ان حكمهم صدر بالفعل وهو انه يستحق القتل ولو كان لهم ان ينفزوا الاحكام لكانوا قتلوه ولكنهم اصدروا حكم الموت وعليه ان يصدق علي قرارهم

وفي هذا الموقف بيلاطس يكره اليهود ولكنه لا يريد ان يستفزهم اكثر من ذلك لكي لا يثوروا فيهدد ذلك مركزه وبخاصه ان من تهم المسيح انه فاعل شر وهذا يهدد سلامة وام الامبراطورية الرومانية لان يسوع باعلانه انه المسيح فهو يحرض علي الثورة ضد الرومان لان اليهود في انتظار المسيا الذي يحررهم من الرومان فهم بانفسهم يسلمونه اليه اي انهم حريصين علي مصلحة الامبراطورية الرومانية ولو رفض هو قتل المسيح سيكون لهم حق الشكاية عليه بانهم يسعوا الي اخماد فتنه ظهور مسايا كاذب لو صدقه البعض سيثوروا علي الرومان وهو لا يريد اخمادها بل برفضه لمحاكمة المسيح وقتله هو يشعلها فسيكون مدان امام الامبراطورية

اما اليهود فهم لم يقتلوا المسيح بانفسهم بالفعل لانهم خسروا هذا الحق في ثورتهم سنة 6 م ولكن سمحت الدوله الرومانية لمجمع السنهدريم ان يقدم الشكاية علي شخص وحكمهم مثل الزناه والمجدفين والذين ينتهكوا حرمة الهيكل والحاكم الروماني يصدق عليه او يحكم بامر اخر ولهذا قدموه لبيلاطس لعدة اسباب

1. لكي يصدر الحكم بموته بطريقه شرعية حسب دستور البلد كمستعمرة رومانية فلا يعترض احد من مؤيدي المسيح.
2. لو لم يقدم للمحاكمة الرسمية لتحول الأمر إلى شغب ولم يكن يًصلب، إذ هذا من حق الوالي وحده، وإنما لرجمه المشاغبون ولم تتحقق النبوات.
3. ربما خشيت القيادات اليهودية الدينية من ثورة الشعب عليهم، لذلك حسبوا أن محاكمته الرسمية تعطيهم شيئًا من الشرعية، وضبط الشعب إن انقلب عليهم.
4. لكي يصبغوا موته بصبغه العار والفضيحة، فكان الصلب مستخدمًا عند الرومان، وهو أكثر أنواع الموت خزيًا. فقد أرادت القيادات أن تفسد سمعته تمامًا وتطمس كل شهرته.
اذا العدد والسياق يقدم بوضوح ان لهم الحق في الحكم حسب ناموسهم ولكن ليس لهم الحق في تنفيز حكم القتل ولكن يقدموا شكايتهم وقرار مجمعهم الي الوالي الروماني ليصدق علي حكمهم وينفذ عقوبة الصلب او يرفض ويحكم حكم اخر

الشاهد الثاني
انجيل يوحنا 19

19: 4 فخرج بيلاطس ايضا خارجا و قال لهم ها انا اخرجه اليكم لتعلموا اني لست اجد فيه علة واحدة

بيلاطس ارسل المسيح لهيرودس ولكن هيرودس رده الي بيلاطس مره اخري وهنا اصبح بيلاطس هو الملزم ان يصدر الحكم . ففي محاوله اخيره منه ان يوقظ ضميرهم وان يثنيهم عن اتهاماتهم ضد المسيح يقول انا اخرجه اليكم لتعلموا اني لا اجد فيه عله واحده ليروا أن شكواهم ضده بأن يقيم نفسه ملكًا نوعًا من الخيال. فها هو أمامهم قد تهرأ جسمه من الجلدات، وصار أضحوكة وموضع سخرية. ولكن محاولته فشلت وهكذا أساء بيلاطس للسيد المسيح وهو يعلم أنه بريء قدمه للمدعين عليه لعلهم يسحبون دعواهم ضده. لقد شهد بيلاطس أنه بحسب القانون الروماني " لست أجد فيه علة واحدة" [4]، ليس من دعوى حقيقية يمكن توجيهها ضد، مكررًا ما سبق أن أعلنه (يو ١٨: ٣٨). بهذا دان بيلاطس نفسه، لأنه مادام ليس فيه علة واحدة لماذا جلده، ولماذا سلمه للجند كي يسخروا به، ولماذا أخرجه للمدعين عليه ولم يطلقه فورًا كما تستوجب العدالة؟

ولكنه يخاف علي منصبه

19: 5 فخرج يسوع خارجا و هو حامل اكليل الشوك و ثوب الارجوان فقال لهم بيلاطس هوذا الانسان
هوذا الإنسان كان يقولها بيلاطس بعد أن رفع عنه كل كرامة ليظهره لليهود كإنسان ضعيف بلا ثوار يساندونه كملك، أو قالها ربما ليذكرهم بإنسانيتهم وأنه أخوهم في الإنسانية ليتنازلوا عن موضوع صلبه هو الإنسان محل الخلاف والقضية أيها اليهود بل وحتى الآن. ولكن هذه الكلمة تشير للمسيح وقد أخلى ذاته آخذاً صورة عبد، بل حمل عار العبيد ومذلة البشر. هو الإنسان الكامل والنموذج السليم للإنسان حسب قصد الآب الذي بلا خطية لكنه صار ابن الإنسان الذي حمل خطايا الإنسان وعاره. وهو الإنسان المملوء نعمة وهو الإنسان الذي سيأتي يوماً في مجد الآب، ليس في صورة المصلوب المهان بل كديان الأرض كلها العادل. هو الإنسان الذي ليس مثله، ليس إنساناً عادياً. هي نبوة من بيلاطس دون أن يدرى كما تنبأ قيافا دون أن يدرى (يو50:11، 51).

19: 6 فلما راه رؤساء الكهنة و الخدام صرخوا قائلين اصلبه اصلبه قال لهم بيلاطس خذوه انتم و اصلبوه لاني لست اجد فيه علة
وحتي هذه اللحظه بيلاطس غير موافق علي الصلب ولكنه غير قادر علي اقناعهم وهو ايضا لا يقدر ان يجبرهم لان هذا سيعرضه للخطر لو ثاروا او اشتكوه فيحاول محاوله اخيره ان يسلمه اليهم لكي لا يتحمل دم انسان بريئ
فبعد كل هذا نري ان بيلاطس الاممي فيه جزء من الضمير متبقي ولا يريد ان يقتل انسان بريئ رغم ان شخص يهودي بسيط لا يمثل شيئ لحاكم روماني عظيم مثل بيلاطس ومقارنه باليهود الذين ليس عندهم اي ضمير ويريدون ان يقتلوا انسان لم يفعل خطيه ولم يوجد فيه اثم فقط لانه رفض ان يحقق رغباتهم في ان يكون الملك الارضي
ولكن الضمير المتبقي عند بيلاطس لم يكن يكفي فمنصبه كان اهم من ضميره فاخطأ بانه فضّل موت المسيح وهو يعلم ببراءته حتى لا يحدث إضطراب سياسي أو تُشَوَّهْ صورته لدى قيصرولكن خطأ اليهود اعظم لانهم نظروا جسمه تمزق بالجلدات، ورأسه وجبينه قد نُخسا بالأشواك، ووجهه تورم باللطمات، وقبل أن يطلبوا إطلاقه، سرعان ما تحرك رئيس الكهنة وخدامه ليصرخوا قائلين: " أصلبه، أصلبه" . قد بلغ حسدهم وحقدهم عليه أقصى الحدود فلم يذعنوا لحكم بيلاطس، ولا تأسفوا لآلام السيد، بل حسبوه مستوجب الموت حتى وإن كان بريئًا. فمكانتهم الدينيه ومكاسبهم يستوجب صلبه والخلاص منه
لقد جاء رؤساء الكهنة وأتباعهم لهدفٍ واحدٍ، وهو تأكيد ضرورة صلبه، مهما كانت التكلفة. لم يصغوا لأية كلمة نطق بها بيلاطس، وإنما إذ لاحظوا رغبته الملحة في إطلاقه لأول مرة تظهر كلمة " أصلبه" ، هذه التي نطق بها رؤساء الكهنة وخدام الهيكل. لقد افصحوا عما في قلوبهم

19: 7 اجابه اليهود لنا ناموس و حسب ناموسنا يجب ان يموت لانه جعل نفسه ابن الله
وهنا استمر اليهود في ممارسة الضغط علي بيلاطس وادانته اكثر لانه لو سلمه اليهم يكون مخالف للقانون الروماني وايضا الاتفاق انهم من حقهم ان يحاكموا شخص ولو كان مدان يقدموا الشكاية الي الحاكم الروماني وهو يصدق عليها وينفذ الحكم او يرفض ولكن هم حسب القانون الروماني ليس لهم ان ينفذوا حكمهم بل يقدموا الشكاية والحكم الي الوالي وهو ينظر في الشكاية وحكمهم ويصدق عليه او يرفضه وهم شعروا ان بيلاطس اضعف حجتهم بانه مثير شغب وفاعل شر فهو امامهم مضروب ولا يوجد اي احد يثير شغب فاثاروا امر اخر ليس من حق بيلاطس أن يتدخل فيه، وهو أنه مجدِّف ومقاوم للناموس اليهودي. هذا من اختصاص رئيس الكهنة ومجمع السنهدرين، وليس لبيلاطس ورجاله التدخل في الشئون الدينية الداخلية.

وتعبير حسب الناموس يجب ان يموت هم يشيروا الي
سفر اللاويين 24
24: 16 و من جدف على اسم الرب فانه يقتل يرجمه كل الجماعة رجما الغريب كالوطني عندما يجدف على الاسم يقتل
فيعتبرون تعبير انه ابن الله هو تجديف لانه اعلان الوهية

انجيل يوحنا 10
10: 29 ابي الذي اعطاني اياها هو اعظم من الكل و لا يقدر احد ان يخطف من يد ابي
10: 30 انا و الاب واحد
10: 31 فتناول اليهود ايضا حجارة ليرجموه
10: 32 اجابهم يسوع اعمالا كثيرة حسنة اريتكم من عند ابي بسبب اي عمل منها ترجمونني
10: 33 اجابه اليهود قائلين لسنا نرجمك لاجل عمل حسن بل لاجل تجديف فانك و انت انسان تجعل نفسك الها
10: 34 اجابهم يسوع اليس مكتوبا في ناموسكم انا قلت انكم الهة
10: 35 ان قال الهة لاولئك الذين صارت اليهم كلمة الله و لا يمكن ان ينقض المكتوب
10: 36 فالذي قدسه الاب و ارسله الى العالم اتقولون له انك تجدف لاني قلت اني ابن الله
10: 37 ان كنت لست اعمل اعمال ابي فلا تؤمنوا بي
10: 38 و لكن ان كنت اعمل فان لم تؤمنوا بي فامنوا بالاعمال لكي تعرفوا و تؤمنوا ان الاب في و انا فيه
10: 39 فطلبوا ايضا ان يمسكوه فخرج من ايديهم
فرغم ان المسيح رد علي هذه التهمه من الناموس وبالقول وبالفعل والمعجزات ولكنهم لازالوا يتهموه بتهمت انه اله نفسه وهذا تجديف علي الله
وفي قولهم هذا يرفضون المساومة مع بيلاطس رفضاً تاماً. ومعنى كلامهم أن حكمهم على المسيح هو حكم إلهى وما على بيلاطس سوى التنفيذ. واليهود هنا أظهروا للوالي الوثني معتقداتهم الدينية لعله يقبل بصلبه أي لو وجدته أنت بريئاً من الناحية المدنية فهو من ناحية ديننا فهو محكوم عليه.
فتاكدنا انه لا يوجد تناقض بل العددين يقدمان نفس المعني فعدد يقول ان ليس لهم الحق ان ينفزوا حكم موت ولكن فقط يقدموا شكايه رسميه وحكمهم الي الوالي لينظر فيه ثم يصدقه او يرفضه والثاني يقول لهم الحق ان يحكموا حسب الناموس ويقدموا الشكوي والحكم الي الوالي الروماني لينفز العقوبه او يرفض حكمهم


وص»، مهدِّدا بذلك رؤساءَ الكهنة في أعز ما يملكون؛ في لقمة عيشهم الحلوة التي جنوْها من الأرباح الوفيرة لبيع حيوانات الذبائح وتغيير العملات!
المحاكمة أمام بيلاطس
أمام بيلاطس تحوّلت تهمةُ المسيح من تهمةٍ دينيّة؛ عدم احترام الناموس، وكسر وصيّة السبت، ومحاولة «نقض الهيكل»، والتجديف الديني بمحاولة الادعاء أنه ابن الله وابن الإنسان في آن (دانيآل 9)، تحوّلت تلك التهمةالدينيّة إلى تهمة سياسيّة: «1فَقَامَ كُلُّ جُمْهُورِهِمْ وَجَاءُوا بِهِ إلى بِيلاَطُسَ، 2وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ:«إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيّة لِقَيْصَرَ، قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ». (لوقا 23: 1 مع متى 27: 1)
ولقد كان ادعاؤهم هذا باطلاً بل مفضوحاً، فقد أورد البشير لوقا تعليمَ يسوع عن دفع الجزيّة. «فَرَاقَبُوهُ وَأَرْسَلُوا جَوَاسِيسَ يَتَرَاءَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ لِكَيْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ، حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إلى حُكْمِ الْوَالِي وَسُلْطَانِهِ. فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: «يَامُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ بِالاسْتِقَامَةِ تَتَكَلَّمُ وَتُعَلِّمُ، وَلاَ تَقْبَلُ الْوُجُوهَ، بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ. أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيّة لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟» فَشَعَرَ بِمَكْرِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ:«لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي؟ أَرُونِي دِينَارًا. لِمَنِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» فَأَجَابُوا وَقَالوُا:«لِقَيْصَرَ». فَقَالَ لَهُمْ:«أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ للهِ». فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ قُدَّامَ الشَّعْبِ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَوَابِهِ وَسَكَتُوا.» (لوقا 20: 20 -26)
ولأن بيلاطس كان سياسيّاً بارعاً وداهيّة في الذكاء وأمور الحكم لم تنطلِ عليه ادعاءاتهم، ف «عَرَفَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا.» (متى 27: 15 مع مرقس 15: 10) وبسؤال «المتهم» عرف أنه «جليلي» فأراد التخلص من الأمر بجملته، فأرسلهم إلى هيرودس الذي كان حاكماً على الجليل في ذلك الوقت.
يسوع أمام هيرودس الملك
«وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيل أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَي آيّة تُصْنَعُ مِنْهُ»(لوقا 23: 8). كأن المسيح – أقول بكل وقار- مجرد ساحر أو عرّاف أو بهلوان لا هدف له إلا تقديم نوعٍ من الترفيه أو التسليّة الرخيصة! «وَسَأَلَهُ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ.» (آيّة 9). لم يُجبْ يسوع سؤالاً لذلك الملك الخليع الماجن، سفاّك الدماء، قاتل يوحنا المعمدان؛ ابن خالة المسيح وأفضل المولودين من النساء. وفي ذلك الموقف الرهيب كان» رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ بِاشْتِدَادٍ» (10) «فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ، وَأَلْبَسَهُ لِبَاسًا لاَمِعًا، وَرَدَّهُ إلى بِيلاَطُسَ» (11). كان هيرودس نموذجاً للبشر المتقلِّبين الهوائيين الذين إما أن يظهروا ولعاً خاطئاً بالمسيح، أو أنهم يحتقروه بشكل مبتذل ورخيص! «فَصَارَ بِيلاَطُسُ وَهِيرُودُسُ صَدِيقَيْنِ مَعَ بَعْضِهِمَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ قَبْلُ فِي عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا»(12). ويالها من فائدة لا معنى لها لتلك المقابلة التاريخيّة التي أجراها هيرودس مع يسوع الملك والمخلص!!
يسوع أمام بيلاطس ثانيّة
لقد أجرى بيلاطس عدة محاولات لإطلاق سراح يسوع باءت كلها بالفشل!
فأولاً، أراد أن يتنصل من المسؤوليّة بإلقائها على غيره، وأقصد إرساله يسوع إلى هيرودس الملك، كما سبق إيضاحه (لوقا 23: 6 -12)
وثانياً، أراد أن يطلق يسوع لسبب خاطئ؛ ليس تحقيقاً للعدالة بل كمنحة أو كهديّة للشعب «
«وَكَانَ الْوَالِي مُعْتَادًا فِي الْعِيدِ أَنْ يُطْلِقَ لِلْجَمْعِ أَسِيرًا وَاحِدًا» (متى 27: 15 مع مرقس 15: 6 و لوقا 23: 17)، لكن رؤساء الكهنة هيّجوا الشعب لطلب إطلاق باراباس دون المسيح، وكان باراباس «لِصاً» قد قُبض عليه في «فتنة وقتل»!
أما ثالثاُ، أراد أن يمسك العصا من المنتصف، فيجلد يسوع إرضاءً لرغبة شريرة آثمة لدى رؤوساء الكهنة، من ثَمَ يُطلق يسوع فيتجنب إصدار قرار بإعدام شخص برئ! لكن إصرار الشعب على صلبه، مدفوعين بتحريض رؤسائهم، أحبط تلك المحاولة لإطلاق يسوع. لقد كان جلد يسوع مجرد تسويّة رخيصة أو موائمة سياسيّة، بهدف شفاء غليل اليهود في يسوع أو ربما لإثارة شفقتهم. «فَدَعَا بِيلاَطُسُ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالْعُظَمَاءَ وَالشَّعْبَ، وَقَالَ لَهُمْ:«قَدْ قَدَّمْتُمْ إِلَيَّ هذَا الإِنْسَانَ كَمَنْ يُفْسِدُ الشَّعْبَ. وَهَا أَنَا قَدْ فَحَصْتُ قُدَّامَكُمْ وَلَمْ أَجِدْ فِي هذَا الإِنْسَانِ عِلَّةً مِمَّا تَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَلاَ هِيرُودُسُ أَيْضًا، لأَنِّي أَرْسَلْتُكُمْ إِلَيْهِ. وَهَا لاَ شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ صُنِعَ مِنْهُ. فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ». إن إعلان بيلاطس هذا قد خلا من كل منطق قانوني ومن كل مبدأ للعدالة مهما كان نوعها! فبدلاً من القول»لا شئ يستحق الموت صُنع منه، لذا وجب إطلاقه فوراً» قال بيلاطس «لاَ شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ صُنِعَ مِنْهُ. فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ!» ياللخزي وياللعار!!
رابعاً، وفي حركة مسرحيّة ثانيّة، غير حركة تمزيق رئيس الكهنة لثيابه، «لَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً:«إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!».(متى 27: 24). فهل أعفاه ذلك من المسؤوليّة إذ «أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ.» (متى 27: 26)؟ أبداً
لقد كان صراخ الغوغاء بمثابة تهديد مبطَن لبيلاطس الذي كان سِجِلُه مع الشعب اليهودي حافلاً بالخلافات والمشاكل. (لوقا 13: 1)، ولقد صارت رغبتُهم في صلب يسوع ابتزازاً رخيصاً لبث الخوف في نفس الوالي الذي كان سعيُه الأخير، بل حرصُه الأكبر، هو الابتعاد عن إثارة مشاكل جديدة مع اليهود للحفاظ على كرسيه أطول فترة ممكنة!
إن تلك المحاكمة الصوريّة التي جرت للمسيح صارت إحدى أكبر الأمثلة الفجة على تشويه العدالة وانتصار الظلم على العدل في ساحات المحاكم البشريّة. ولقد سعى المسيح، في هدوء، أن يوضِّح رفضه لتلك المحاكمة الليليّة الجائرة التي تناقض الشريعة المكتوبة والتقليد المتوارث (التلمود). ظهر ذلك بوضوح في قول البشير: «أَجَابَهُ يَسُوعُ:«أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيّة. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِمًا. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ. لِمَاذَا تَسْأَلُنِي أَنَا؟ اِسْأَلِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مَاذَا كَلَّمْتُهُمْ. هُوَذَا هؤُلاَءِ يَعْرِفُونَ مَاذَا قُلْتُ أَنَا». (يوحنا 18: 20، 21) وكانت تلك الكلمات أيضاً بمثابة احتجاج مهذَّب لعدم طلب سماع شهود «النفي» الذين توجب استدعاؤهم طبقاً للأعراف القضائيّة السائدة، لكن نيّة قتل المسيح كانت قد تملَّكت على قلوبهم وعقولهم حتى خبا صوت العدالة واختفى الحق متوارياً عن هذا المشهد القاتم!
لا أستطيع أن أختم حديثي إليك، أيها القارئ العزيز، دون أن أقول إن قيامة المسيح كانت بمثابة «نقضاً» من الآب السماوي للحكم البشري الجائر الذي أصدره البشر بخصوص يسوع، فلئن كانت عدالة الأرض قابلة للانحراف أو الاعوجاج لكن «اللهَ هُوَ الْقَاضِي. هذَا يَضَعُهُ وَهذَا يَرْفَعُهُ» (مزمور 75: 7). إنه «مَهُوبٌ أَنْتَ. فَمَنْ يَقِفُ قُدَّامَكَ حَالَ غَضَبِكَ؟ مِنَ السَّمَاءِ أَسْمَعْتَ حُكْمًا. الأَرْضُ فَزِعَتْ وَسَكَتَتْ عِنْدَ قِيَامِ اللهِ لِلْقَضَاءِ، لِتَخْلِيصِ كُلِّ وُدَعَاءِ الأَرْضِ.» (مزمور 76: 7 -9). لقد أقام الآبُ يسوعَ إظهاراً لبره وبراءته، وتأكيداً على أن عدالة السماء لا يمكن أن تُخطئ البتة.

أ‌) المحاكمة أمام السلطات اليهودية

الجلسة الأولى (أمام حنان): بعد أن أوقفت الجماعة المسلحة يسوع، أخذته الى رئيس الكهنة حنّان المعروف بجشعه وخبثه واستغلاله للآخرين، كما كان يتمتع بوزن كبير بين أعضاء المجلس الأعلى لليهود. وهو رئيس كهنة سابق ذو نفوذ. ومع أنه لم يعد رئيساً للكهنة، الا أنه ربما كان له الكثير من السلطة (يو 18: 13-23).

سأل حنّان يسوع عن تلاميذه وعن تعليمه... أجابه يسوع "علناً تكلمت إلى العالم، ودائماً علمت في المجمع والهيكل حيث يجتمع اليهود كلهم، ولم أقل شيئاً في السر، فلماذا تسألني أنا؟ إسأل الذين سمعوا ما تكلمت به إليهم، فهم يعرفون ما قلته". هنا تدخل أحد الحراس ولطم يسوع قائلاً له أهكذا تجيب رئيس الكهنة. أجابه يسوع: "إن كنت أسأت الكلام فاشهد على الإساءة، أما إذا كنت أحسنت فلماذا تضربني". أنهى حنّان الجلسة وردّ يسوع مقيداً إلى قيافا الذي يسكن المكان نفسه.

الجلسة الثانية (أمام قيافا، رئيس الكهنة الحالي آنذاك) : كما حدث في الجلسة أما حنّان، جرت هذه الجلسة أيضاً ليلاً في سرية وكانت مليئة بالمخالفات وباللاشرعية حتى صارت سخرية وهزءاً للعدالة. ويشير بعض الباحثين الى أن المهمة الرئيسية لقيافا كانت هي جمع الادلة حتى ينعقد المجلس الأعلى لليهود للاستجواب (أنظر متى 26 : 57-68 ؛ مر 14: 53-65؛ لو 22: 54‘ 63-65 يو 18: 24). فقبل أن تبدأ المحاكمة، كان قد تقرر أن يسوع يجب أن يموت، كما كانوا قد أعدوا شهود زور للشهادة ضد يسوع ولم يكن هناك دفاع عن يسوع ولم يكن يسمح به، استحلف قيافا يسوعَ، ثم أدانه على ما قاله كانت مثل هذه التهم الخطيرة تحاكم أمام مجلس السنهدريم وليس في بيت رئيس الكهنة قيافا.

الجلسة الثالثة (أمام المجلس الأعلى لليهود، السنهدرين): وهي المحاكمة الدينية الرسمية والادانة بالموت. فعند طلوع النهار اجتمع السبعون عضواً في المجلس الأعلى لا للمحاكمة العادلة وإنما ليسجلوا موافقتهم وتصديقهم على الجلستين السابقتين حتى تكتسبا ثوب الشرعية، ولتبرير رأيهم في إدانة يسوع تقدم اثنان من شهود الزور وقالا هذا وأشارا إلى السيد المسيح: (قال أنه يقدر أن يهدم الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيام) وقف رئيس الكهنة وسأل يسوع: أما تجيب بشيء على ما يشهد به هذان عليك؟ ولكن يسوع ظل صامتاً، فعاد رئيس الكهنة يسأله: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا، هل انت المسيح ابن الله؟، أجابه يسوع: "أنت قلت! وأقول لكم أيضاً إنكم منذ الآن سوف ترون ابن الإنسان جالساً عن يمين القدرة، ثم آتياً على سحب السماء". فشق رئيس الكهنة ثيابه وصرخ: قد جدّف، لا حاجة بنا بعد إلى شهود، وها أنتم سمعتم تجديفه فما رأيكم؟. اجابوا: يستحق عقوبة الموت. فبصقوا في وجهه وضربوه، ولطمه بعضهم قائلين: تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك؟. (متى 27: 1؛ مر 15: 1؛ لو 22: 66-77). وتشير أحداث هذه المحاكمة أنها كانت قصيرة جداً ومستعجلة ولم تراع فيها حرمة الاجراءات القانونية. وتشير الاناجيل الى أن هذه المحاكمة كانت نسخة ملخصة عن الاستجواب الذي تمَ أمام قيافا. وفيها أسقطت عن يسوع تهمة التحريض عن الفتنة، اذ لم تثبت عليه أنه أراد هدم الهيكل.

اذا سيق يسوع أولاً إلى منزل حنّان رئيس الكهنة السابق. فعلى الرغم من أن رئاسة الكهنوت في الشريعة اليهودية لا تزول، إلا أن الرومان قد تخطوا هذه القاعدة وعينوا صهره قيافا بدلاً منه، فما كان من سنهدرين وهو أعلى سلطة تنفيذة وتشريعية في المجتمع اليهودي القديم مكون من سبعين حاخامًا إلا أن اعترف برئاسة كليهما.

وبعد جلسة حنّان السريعة سيق يسوع إلى منزل قيافا وهو مقر المجلس أيضًا، وقد حضر الجلسة عدد من رجال السنهدرين؛ وبحسب ما ذكر في الأناجيل فإن الجلسة الثانية في محاكمة يسوع لا يمكن أن تعتبر شرعية في الديانة اليهودية إذ تمت بسرية وتحت جنح الظلام وبحث بها الراغبون بإدانة يسوع وعلى رأسهم قيافا عن شهود زور، وقاموا بلطمه وشتمه وتعييره، ولم يرد يسوع على الاتهامات الموجهة له. أخيراً، سأله رئيس الكهنة: "أأنت المسيح ابن المبارك؟ فقال يسوع: "أنا هو، وسوف ترون ابن الانسان جالسًا عن يمين القدرة على سحب لسماء" [مرقس 62/14]، ما يشكل اعترافاً صريحاً بكون يسوع هو المسيح وابن الإنسان. فقام قيافا بشق ثيابه وهي حركة رمزية، إذ إنه بحسب الشريعة اليهودية لا يجوز لرئيس الكهنة أن يشق ثيابه، لكنه فعل ذلك كإشارة إلى خطيئته الصغيرة مقابل خطيئة يسوع العظيمة.

ومن الجدير ذكره أن التقليد الكنسي قد نقل لنا أن عددًا من أعضاء المجلس مثل نيقوديومس ويوسف الرامي قد رفضا المصادقة على هذا القرار.

وكان يوحنا بن زبدي وبطرس خارج بيت قيافا ينتظران أخبار يسوع، وخلال وقوفهما هناك، سُئل بطرس ثلاث مرات هل تعرف يسوع فأنكر، وفي المرة الثالثة: ابتدأ بطرس يلعن ويحلف قائلاً: إني لا أعرف ذلك الرجل! وفي الحال صاح الديك فتذكر بطرس كلمة يسوع إذ قال له: قبل أن يصيح الديك تكون قد أنكرتني ثلاث مرات. فخرج إلى الخارج وبكى بكاءً مرًا [متى 74/26-75].

ونظراً لأن الإمبراطورية الرومانية كانت قد سحبت تنفيذ الإعدام من أيدي اليهود وقصرته على الحاكم الروماني، ولذلك كان يجب تقديم يسوع للحاكم الروماني على اليهودية بيلاطس البنطي المعيّن عليها كما كشفت السجلات التاريخية منذ عام 26. وفي الواقع فإنه كان من الممكن تأجيل محاكمة يسوع ريثما ينهي العيد ويغادر بيطلاس القدس إلى يافا، عاصمة الولاية، بحيث تخف سطوة الرومان على المدينة ويمكن بالتالي التغاضي عن تنفيذ حكم إعدام. غير أن القادة الدينين وكما يقترح عدد من مفسري الكتاب المقدس، كانوا يرمون الإسراع في التنفيذ لانشغال الناس في العيد من ناحية، وخوفًا من تحرك أنصار يسوع في حال طال أمد اعتقاله وسوى ذلك فإن تنفيذ الرومان للحكم، يرفع عنهم مسؤولية قتله أمام الجماهير. ولكون التهمة التي حوكم على أساسها يسوع بالإعدام وفق الشريعة اليهودية هي "التجديف" لا يأخذ بها القانون الروماني، كان عليهم أن يقدموا تهمة سياسية لقتله، لذلك عمدوا خلال لقائهم مع بيلاطس للتأكيد على كون يسوع إنما هو ثائر ومعادي للقيصر، مما يعني أنهم قد بدلوا تهم التجديف وهدم الهيكل بتهم ثلاث أخرى ذات لون سياسي، فهو يحرض على الفتنة، ويمنع أداء الجزية، ويدعي الملك، وكلها بالطبع تهم باطلة.

ب‌) المحاكمة أمام السلطات الرومانية

لماذا قُدم لبيلاطس الوالي لمحاكمته؟ هنالك مجموعة من الاسباب التي دعت الى تقديم يسوع الى بيلاطس ومن اهمها:

1- حتى يصدر الحكم بموته بطريقه شرعية حسب دستور البلد كمستعمرة رومانية.

2- خوفاً من أن يتحول الأمر إلى شغب ولم يكن يصلب، إذ هذا من حق الوالي وحده، وإنما لرجمه المشاغبون ولم تتحقق النبوات.

3- ربما خشيت القيادات اليهودية الدينية من ثورة الشعب عليهم، لذلك حسبوا أن محاكمته الرسمية تعطيهم شيئًا من الشرعية، وضبط الشعب إن انقلب عليهم.

4- لكي يصبغوا موته بصبغه العار والفضيحة، فكان الصلب مستخدمًا عند الرومان، وهو أكثر أنواع الموت خزيًا. فقد أرادت القيادات أن تفسد سمعته تمامًا وتطمس كل شهرته.

علاوة على أنه في الاستعمار الروماني كان ما يشغل روما الجزية التي تقدم للإمبراطور، والسلطة العسكرية لضمان قوة الإمبراطورية وسلطانها، لهذا لم تُلزم المستعمرات بتغيير اللغة والثقافة والدين وممارسة الشئون الداخلية. فكانوا يتركون المستعمرات تمارس المحاكمات المدنية والجنائية حسب تقاليدها، مع حق الحاكم الروماني في التغيير إن استوجب الأمر. كما كان للحاكم أن يقضي في الشئون التي تمس سلام الدولة، خاصة أن أثار أحد شغبًا عامًا، أو فتنة ضد الدولة الرومانية، لهذا كانت محاكمة يسوع المسيح أمام رؤساء الكهنة وفي مجمع السنهدرين أمرًا طبيعيًا، أما إن صدر الحكم بالقتل، فكان يلزم تثبيت الحكم بواسطة الحاكم الروماني. لقد خشيت القيادات الدينية أن يرفض الحاكم الروماني قتل يسوع المسيح لسببٍ دينيٍ، لذلك قدمت الشكاية من جانبين: ديني كمجدفٍ، وجنائي كمثير فتنة ضد الدولة الرومانية.

وقد تمت محاكمة يسوع أمام السلطات الرومانية من خلال ثلاث جلسات أيضاً وهي:

الجلسة الأولى (أمام بيلاطس): بعد جلسة سريعة أمام السنهدريم، أدان رؤساء اليهود يسوع بالموت لأسباب دينية، ولكن، ليس سوى الحكومة الرومانية يمكنها أن تصدق على عقوبة الموت، من أجل هذا، أوثقت يدا يسوع بالحبال، واقتيد مشياً على الأقدام مسافة 1500م إلى قلعة أنطونيا حيث يقيم الحاكم الروماني بيلاطس، بعد أن اتهموه بالخيانة العظمى وبالعصيان خلال الاستجواب، فهم بيلاطس أن يسوع بري، ولا يشكل خطورة على روما، وارتأى: بما أن يسوع جليلي، فإن مسألته تعود إلى السلطة المحلية في الجليل إلى حاكمها هيرودوس أنتيباس.

الجلسة الثانية أمام هيرودوس: انطلق يسوع وحارسه نحو قصر الأشمونيين الذي يبعد حوالي قرابة 700م كان هيرودوس قد سمع الكثير عن يسوع وعن عجائبه، وكان يرغب جداً في مشاهدته لكن يسوع كان يحتقره ولا يعترف بسلطته ويصفه بالثعلب، لهذا فقد لزم الصمت أثناء المثول أمامه، في هذه الأثناء قام هيرودس وحراسه بتحقير يسوع والاستهزاء به، وألبسوه ثوباً أرجوانياً وأعادوه إلى بيلاطس.

الجلسة الأخيرة أمام بيلاطس: لم يكن بيلاطس يحب رؤساء اليهود، كما لم يكن مهتماً بإطلاق يسوع لعلمه بأنه بريء، سأله بيلاطس: أأنت ملك اليهود؟ أجابه يسوع: أنت قلت، إني ملك... استمر بيلاطس في استجوابه، ولما رأى أنه لا فائدة، وأن فتنة تكاد تنشب، أخذ ماء وغسل يديه أمام الجميع وقال: (أنا بريء من دم هذا البار).. فانظروا أنتم في الأمر. ردوا جميعاً: ليصلب، ليصلب. وليكن دمه علينا وعلى أولادنا.

ورغم قناعة بيلاطس بالبراءة ورغم إلحاح زوجته بأن يطلق سراحه، ولّما فشلت جميع محاولاته مع أحبار اليهود بالاكتفاء بالجلد، أذعن أخيراً وسلّم يسوع إليهم ليقتل، فقد كان اهتمام بيلاطس بنفسه أقوى عنده من سير العدالة.

الإجراءات غير القانونية في المحاكمة الدينية

أظهرت المحاكمات الدينية أمام القادة اليهود مدى كراهية قادة اليهود للمسيح لأنهم أهملوا الكثير من قوانين الناموس. فقد شابت هذه المحاكمات العديد من الإجراءات غير القانونية بالنسبة لليهود، ومنها نذكر:

1) لم يكن يسمح بالمحاكمات أثناء فترات الأعياد، أما يسوع فقد تمت محاكمته أثناء عيد الفصح.

2) كان يجب أن يصوت كل فرد من المجلس منفرداً فيما يخص الإدانة أو البراءة أما في حالة يسوع فقد تمت إدانته بالإجماع.

3) في حالة الحكم بالموت كان يجب أن تمر ليلة كاملة قبل تنفيذ الحكم؛ ولكن لم تمر ساعات معدودة قبل صلب المسيح.

4) لم يكن لليهود السلطة لتنفيذ حكم الإعدام إلا أنهم أشرفوا على صلب المسيح.

5) لم تكن المحاكمات تنعقد ليلاً، ولكن محاكمة المسيح تمت قبل الفجر.

6) كان يجب تقديم المشورة أو توفير الدفاع للمتهم، ولكن لم يقدم أي منها للمسيح.

7) لم يكن يجب توجيه أسئلة إدانة للمتهم ولكن يسوع سئل عما إذا كان هو المسيح.

كانت المحاكمة أمام بيلاطس هي أول محاكمة أمام السلطات الرومانية (يوحنا 18: 23) بعد جلد المسيح. كانت التهم الموجهة ضده هنا مختلفة تماما عنها أمام المحكمة الدينية. فقد وجه إليه الإتهام بأنه يثير غضب الجماهير ويمنعهم من دفع الجزية ويدعي أنه ملك. لم يجد بيلاطس سبباً ليقتل يسوع فأرسله إلى هيرودس (لوقا 23: 7). سخر هيرودس من يسوع ولكن لأنه أراد أن يتجنب المسئولية القانونية أعاده إلى بيلاطس (لوقا 23: 11-12). كانت هذه آخر محاكمة حيث أراد بيلاطس تهدئة عداء اليهود فقد أمر بتعذيبه. كان التعذيب الروماني عبارة عن الجلد 39 جلدة قاسية. وفي محاولة أخيرة لإطلاق سراح يسوع قدم بيلاطس لليهود الخيار بين صلب باراباس المجرم مقابل إطلاق سراح يسوع، ولكن دون فائدة. فقد طالبت الجماهير بإطلاق سراح باراباس وصلب المسيح. أعطاهم بيلاطس ما طلبوه وسلمهم يسوع ليفعلوا ما يريدون به (لوقا 23: 25). إن محاكمات المسيح تمثل أقصى إستهانه بالعدالة. يسوع أكثر الناس براءة في تاريخ البشرية تمت إدانته وحكم عليه بالموت صلباً.

لماذا الصلب وليس الرجم؟!

أخذ بيلاطس ماءً وغسل يديه أمام الجمع وقال: أنا بريء من دم هذا البار [متى 27/24]، ثم سلّمه ليصلب. لا يختلف باحثان أن يسوع قد أدين من قبل سلطات الإمبراطورية الرومانية بتهمة الثورة وعقوبتها الإعدام. لكن المجلس الأعلى لليهود قد حكم عليه بالموت بتهمة التجديف، وبحسب الشريعة اليهودية فإن الإعدام يجب أن يتم رجمًا بالحجارة، غير أنه ولكون الحكم صادر عن الحاكم الروماني يتعين تنفيذ الطريقة الرومانية في الإعدام وهي الصلب، وذلك نظرا لأنه لم يكن لليهود في أوضاع فلسطين الدستورية أن يصدروا حكماً بالاعدام. ففي التلمود ورد في باب السنهدرين (1،1: 7،2): "اربعين سنة قبل خراب الهيكل رفعت عن الأمة الاسرائيلية حقوقها في أحكام الموت والحياة".

الخاتمة

في محاكمة يسوع لعبت كل من السلطة اليهودية والسلطة الرومانية دورها. مثّل بيلاطس السلطة الرومانية، والرؤساء السلطة اليهودية. بدأ العالم اليهودي محاكمة يسوع، وأتمّها العالم الروماني. هو جاء من أجل العالم اليهودي ومن أجل العالم الوثني (أي الروماني)، فحكما عليه. قتلا الله. قال اليهود: لا نريد أن يملك هذا علينا (لو 19: 14). وطلب الوثنيون من يسوع أن يتحوّل عن تخومهم (مر 5: 17). أجل، جاء يسوع إلى خاصته، وخاصته لم تقبله. كان النور الاتي إلى العالم (يو 1: 9- 10) فلم يعرفه العالم. أما الذين عرفوه فصاروا أبناء الله. هم اليهود الذين آمنوا به، وكان الرسل منهم. وهم الوثنيون الذين جاؤوا إليه بواسطة بولس. ولكن أيضاً بواسطة كل المرسلين الذين يحملون الإنجيل إلى أقاصي الأرض. محاكمة يسوع قادته إلى الموت. ولكن موته صار حياة حتى للذين قتلوه. فهو ما جاء ليهلك العالم، بل ليخلّص العالم.

بقي أن نقول أنه مهما كانت أسباب المحاكمة ونتائجها، كان لا بد للسيد المسيح أن يحاكم ويصلب ويموت ويقوم من القبر في اليوم الثالث تحقيقا لنبؤات العهد القديم وتحقيقا لخطة الله لخلاص البشرية قاطبة
******

لسنهدرين الأكبر Great Sanhedrinويُشار إليه بلفظ »سنهدرين» فقط. و«السنهدرين» صيغة عبرية للكلمة اليونانية «سندريون» وتعني «مجلس». وقد كان هذا الاسم يُطلق على الهيئة القضائية العليا المختصة بالنظر في القضايا السياسية والجنائية والدينية المهمة في المناطق التي كان يعيش فيها اليهود في فلسطين. وكان السنهدرين بمنزلة المحكمة (بيت دين). ولذا، فإنه يُطلَق عليه بالعبرية اسم «بيت دين جادول» أي «المحكمة العليا»، وهي محكمة تمارس تطبيق العدالة وإصدار الأحكام طبقاً للشريعة اليهودية في ذلك الوقت، وتشريع القوانين الخاصة بالعبادات ومحاكمة من ينتهك هذه القوانين، وكذلك الإشراف على الاحتفالات الكهنوتية في المعبد. وكان السنهدرين يقوم أيضاً بوظيفة محكمة الاستئناف. والسنهدرين أعلى سلطة قضائية لليهود وله الرأي النهائي في تفسير القوانين وإصدارها. وقد كانت أحكامه تَصدُر بموافقة أغلبية الأعضاء. وكان السنهدرين يشرف على المحاكم الصغرى، كما كان من صلاحياته تعيين القضاة في المحاكم الدنيا سواء في محاكم السنهدرين الأصغر أو في غيرها. وهو الذي كان يحاكم كبار الموظفين، مثل الكاهن الأعظم، ويتحرَّى مدى صدق أو كذب مدعي المشيحانية. وقد كان السنهدرين هو المجلس الذي جمع الحقائق وقدمها للحاكم الروماني حين اتهم اليهود المسيح (عيسى بن مريم) بأنه ليس الماشيَّح المنتظر. وقد حكم المجلس بصلبه. وكان يترأس السنهدرين، في مرحلة من المراحل، الكاهن الأعظم، ولكنه في مرحلة أخرى كان يترأسه الزوجوت، أي رئيسان أحدهما يحمل لقب «ناسي (أمير اليهود)» ويحمل الثاني لقب «آب بيت دين (رئيس المحكمة)». ومن الرؤساء المشهورين للسنهدرين الكبير، شمعون بن شطح (حوالي عام 100 ق.م) وهليل (حوالي 30 ق.م). وتختلط الآراء فيما يتعلق بتاريخ ظهور السنهدرين ووظائفه:

(10/158)

1 ـ يذهب بعض الباحثين إلى أن السنهدرين استمرار للمجمع الكبير. وهو هيئة تشريعية لا نعرف عنها الكثير ولا حتى متى ظهرت، إذ تختلف الآراء أيضاً بالنسبة إلى هذه المؤسسة ذاتها.
2 ـ ويرى البعض أنه ظهر أثناء حكم السلوقيين عام 300 ق.م.
3 ـ وثمة نظرية تذهب إلى أنه ظهر أثناء حكم الحشمونيين حين تم فصل المجال السياسي عن المجال الديني وفصل الطقوس الكهنوتية والتفسير الديني عن الحكم المطلق للدولة. وبالتالي، فإن تاريخ ظهور السنهدرين، حسب هذه النظرية، يعود إلى حكم شمعون الحشموني عام 142 ق.م، فيكون هو الذي أسس السنهدرين لتفسير الشريعة.
4 ـ وتناقض هذه النظرية تماماً وقائع التاريخ، فالملوك الحشمونيون كانوا ملوكاً كهنة (كان الملك الحشموني هو قائد الشعب والكاهن الأعظم). وبذلك، يكون السنهدرين التعبير عن الجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية لا الفصل بينهما.
5 ـ كما أن هناك نظرية تذهب إلى أنه يوجد مجلسان للسنهدرين لا مجلس واحد فقط كما سنبين فيما بعد.
وهكذا تختلط النظريات بشأن تاريخ السنهدرين ووظيفته. ولكننا نعرف أنه ظل قائماً حتى عام 66م، أي حتى نشوب التمرد اليهودي الأول ضد الرومان. ولم يكن السنهدرين مثل مجلس الشيوخ (جيروسيا) وإن كان قد حل محله. ولم يكن أيضاً له صلاحيات مجلس المدينة اليونانية (بوليس)، كما لم يكن مثل المجمع الكبير الذي كان لا يجتمع إلا وقت الأزمات وفي الطوارئ. وكان السنهدرين يتكون من واحد وسبعين عضواً وكان مقرُّه القدس، وكان يجتمع في القاعة العظمى أو في قاعة الحجارة المنحوتة (بالعبرية: لشكت هجازيت)، ويُقال لها أيضاً «قاعة القرارات».

This site was last updated 10/30/18