Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم المؤرخ / عزت اندراوس

ركاكة القرآن

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
ركاكة القرآن
من قائل القرآن والمخاطب؟
اكذوبة اللسان العربي بالقرآن

 معلومات هذه الصفحة نقلت من مقالة بعنوان : " محنتى مع القرآن ومع الله فى القرآن " نشرت فى الإنترنت بتاريخ النشر قبل 31st January 2014 - ومصادر أخرى

********************

ركاكة القرآن

 

1 - كان المفروض أن تبدأ الآية القرآنية التالية بقوله "قل" وذلك في بيان فضله على الناس وجحود الناس لهذا الفضل: «هو الذي يُسيِّركم في البرِّ والبحر، حتّى إذا كنتم في الفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بريح طيّبة وفرحوا بها، جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كلِّ مكان، وظنّوا أنّهم أُحِيطَ بهم، دَعَوا اللَّه مخلِصين له الدين، لئن أنْجَيتَنا لنكونَنَّ من الشاكرين. فلمّا أنجاهم إذا هم يَبغونَ في الأرض بغيرِ الحقِّ» (10/ 22 ـ 23).

 
إنَّ نقطة الضعف بل والركاكة في الآية السابقة هي سوء استعمال الضمائر إساءةً من شأنها إحداث اختلالٍ في السياق. إنّ سوء استعمال الضمائر إذا صدر عنّي أو عنك نسبونا إلى الجهل، واتّهمونا بنقص معلوماتنا اللغوية، ونصحونا بدراسة علم الصرف والنحو من جديد. وأمّا إذا صدر ذلك عن القرآن فهو من البلاغة، بل أفردوا له باباً من أبواب البلاغة.

 

 لتروا موضع الخلل فيها، هذا ما لم تكونوا قد تنبّهتم له من تلقائكم، لأنّه اختلال صارخ لا يمكن أن يمرّ عليه السامع من غير أن يحسَّ بنشازٍ في أذنيه: «هو الذي يُسيّركم في البرّ والبحر، حتّى إذا كنتم في الفُلك وَجَرَيْنَ بِهم» بدلاً من «وَجَرَيْنَ بِكُم»، «وَفَرِحْتُم» بدلاً من «وَفَرِحُوا»، صدِّقوا أو لا تصدِّقوا أنّ هذا النشاز من بلاغة القرآن.

أما فى الإنجيل فكان واضحا  دقيقا فى سرد أقوال المسيح فكان يبدأ  بعبارة: "قال يسوع..." (يو 8: 31)  ( مت 3: 15) (مر 10: 24)1 ولما راى الجموع صعد الى الجبل فلما جلس تقدم اليه تلاميذه. 2 فعلمهم قائلا (متى 5: 1- 2) فكل من يقرا الإنجيل يعرف من هو المتكلم ومن هو المخاطب

 

 2 -  الآية التالية سؤال وجواب .. تهرّب من الجواب الذي كانوا يتشوّفون إلى سماعه مِن الذي خلق الأهِلّة ليتلقَّوا منه جواباً مخيِّباً للآمال يعرفه الصغير والكبير: «يَسألونَكَ عن الأَهِلَّة. قلْ: هي مَواقيتٌ للناس والحجِّ» (2/ 189)(59).
يا لَلجواب المذهل ! لقد خلق اللَّه الأهِلّة للناس ليعلموا بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدّة نسائهم وصيامهم وإفطارهم وحجّهم إلى بيته الحرام، كما يقول المفسِّرون! حسناً. فإذا صح ذلك، فماذا عسانا يا تُرى نُفسِّر اختلاف أوجه القمر ـ بل الأقمار ـ في المرِّيخ والمشتري وزُحَل وغيرها من الكواكب الأخرى؟ هل هناك بشرٌ مثلنا في هذه الكواكب يحجّون إلى الكعبة المشرَّفة ولهم اهتمامات ومصالح كما لنا، ونساء كنسائنا يحضن ويطهُرن من الحيض استعداداً للصلاة والصوم؟
والحق أنّ أسوأ أنواع التوقيت هو التوقيت القمري الذي ابتُلينا به والذي أحدثَ فينا شرخاً لا أملَ في رأبه. فضلاً عن أنّ هذا الجواب فيه توكيد صارخ لمركزيّة الأرض في العالم: وشمس واحدة وقمر واحد، وعبادات ومناسك واحدة. وهكذا صرَفَهم القرآن عمّا يطلبون إلى ما لم يخطر ببالهم أن يطلبوا، وعن معرفة ما لا يعرفون إلى ما يعرفون.

 

3 - وهاكم آية أخرى تشبه الآية السابقة في الضعف والركاكة وإن كان فهمُها غيرَ عسير، فسرِّحوا النظر فيها لعلّكم أفصح منّي لساناً وأكثر بياناً، ، بل يجب أن ترجعوا إلي لكتب التفاسير على أن يكون ذلك بمنتهى الحذر: «وَهُوَ الذي أنْزَلَ من السماءِ ماءً، فَأَخْرَجْنَا بِهِ نباتَ كلِّ شيء، فَأَخْرَجْنَا مِنه خضيراً نُخْرِجُ مِنه حباً متراكماً» (6/ 99).
ليت شعري! أتشعرون بشيء غير طبيعي عند سماعكم هذه الآية؟ في هذه الآية عَيبان، أو «بلاغتان»، إذا شئتم: بلاغة الالتفات «هو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا»، هذا أولاً، وثانياً تكرار الفعل «أخرج» ثلاث مرات تكراراً يخدش الأذن ويشعرها بالضيق والتبرّم، ما لم يكن الضيق والتبرّم من دلائل الإعجاز ولكن ما العمل إذا كان الصقل والتكرار وقراءة التعبّد أورثتْ أصحابَها تبلُّد الحسِّ وفقدانَ الشعور بالنشاز!!

 

4 - «وإذْ نادَى ربُّكَ موسى أنِ ائتِ القومَ الظالمين، قومَ فرعون، ألا يتّقون؟» (26/ 10 ـ 11)، وفي حواره مع فرعون سأله هذا: «ألَمْ نُرَبِّكَ فينا وَليداً ولبثتَ فينا من عمرِكَ سنين؟ وفَعلتَ فَعلَتَك التي فَعَلْتَ... قال فَعلتُها... ففررتُ منكم لمَّا خِفتُكُم، فوَهَبَ لي ربِّي حُكْماً وجعَلَني مِنَ المرسَلِين. وتلك نعمةٌ تَمُنُّها عليَّ أنْ عبّدتَ بِني إسرائيل» (26/ 18 ـ 23).
الآية ـ اللغز هنا هي الآية الأخيرة. وما سبق من الآيات فهو تمهيد لها. إقرأوها ثمّ أعيدوا قراءتها مثنى وثُلاث ورُباع وعُشار، وزيدوا في القراءة ما تشاؤون، وقولوا لي بصدقٍ وإخلاص هل فهمتم شيئاً؟ وأنا لكم من الشاكرين.
أنا لم أفهم كيفَ يكون (التعبيد) أي الاستعباد كما يقول المفسِّرون، نعمة يُمنُّ بها فرعونُ على موسى. وإذا أُريد لهذه الآية أن يكون لها معنى، فلا بد من قراءتها على الشكل التالي: «وتلك نعمة يمُنُّها اللَّه عليَّ» أي: «أن أكون من المرسَلين نعمة يمُنُّها اللَّه عليَّ».
أمّا بقية الآية «أنْ عبَّدتَ بني إسرائيل» فهي محرّفة لا معنى لها؛ أو هي بقيّة آية منسوخة؛ أو شيء من هذا القبيل، وقد تلقّاها النسّاخ والقرّاء والمقرئون على الوجه الذي ورد في القرآن بلا اعتراض ولا معارضة، بل يقولون «كلٌّ من عند ربنا». وجاء المفسِّرون في أعقابهم فلم يجرؤوا على إحداث أيِّ تغيير فيها، وتفنّنوا في اختلاق شتّى المعاني لها؛ ولم يقل أيٌّ منهم: لا ترهقوا أنفسَكم فالآية على هذا الوجه لا معنى لها!!

 

5 - كذلك اقرأوا الآية التالية وقولوا لي هل فهمتم شيئاً: «قلْ لا يَعلمُ مَنْ في السمواتِ والأرضِ الغيبَ إلاّ اللّهُ، وما يَشعُرون أيّانَ يُبعَثُون. بلِ ادَّارَكَ عِلمُهم في الآخِرة، بل هم في شكٍّ منها، بل هم منها عَمُون» (27/ 65 ـ 66).
تُرى، هل في هذه الآية الأخيرة ذرّة من البلاغة؟ هل يبلغ الكلام من الارتباك والالتواء والركاكة والتشويش أكثر منه هنا؟ إنه لعمري الإعجاز في عدم الإعجاز!!
أنا لا أنكر أن هذه الآية وأمثالها من الآيات ، لما فيها من ركاكة وارتباك والتواء، وبالتالي لما فيها من عجز عن التعبير الواضح عن المراد، .


6 . «وإذْ قال مُوسى لِفَتاهُ: لا أَبْرَحُ حتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحرَينِ أو أَمضِيَ حُقُباً. فلمّا بَلَغا مجمعَ بينهما نَسِيا حُوتَهما فاتّخذَ سبيلَه في البحر سَرَباً. فلمّا جاوزَا قالَ لفتَاهُ: آتنا غداءَنا. لقد لَقِينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَباً. قال: أَرأيتَ إذ أَوَيْنا إلى الصخْرةِ؟ فإنّي نَسَيتُ الحوتَ، ومَا أَنْسَانِيهِ إلاّ الشيطانُ أن أَذْكُرَهُ، واتَّخذ سبيلَه في البحر عَجَباً» (18/ 60 ـ 62).
يقولون إنّ كلام اللَّه ليس فيه زيادة، فالألفاظ فيه على قدود المعاني بلا زيادة ولا نقصان! حسناً. لكن هذه الآية فيها زيادة أحدثتْ فيها خللاً ظاهراً. هذه في رأيي ليست زيادة بل حشوٌ كما في كثيرٍ من آيات القرآن.

 إنّ كلمة «مَا أَنْسَانِيهِ إلاّ الشيطانُ» كافية لتأدية المعنى المطلوب، فما الحكمة «البالغة» من إضافة «أن أذْكُرَهُ»؟ وإذا كان القرآن حريصاً على كلمة «أنْ أَذْكُرَهُ»، فما فائدة الضمير في «أَنْسَانِيهِ» هنا؟ لقد كان من الواجب أن يقول «وما أنسانيه إلاّ الشيطان»: أو «وما أنساني إلاّ الشيطان أن أذكره»، وأما الجمع بينهما معاً فهو نشاز صقلَه اللسان فمات الإحساس به


7 . «وسخَّر لكم ما في السموات وما في الأرض جَميعاً مِنْهُ. إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون» (45/ 13).
أنا لم أفهم لهذه اﻟ «مِنْهُ» أيَّ معنىً أو وظيفة. إنّها حشو في حشو، ولم يبقَ على البلاغيّين إلاّ أن يجعلوا الحشو باباً من أبواب البلاغة. ولعلها ذيلٌ لآية أخرى نُسخت فأثبتها النسّاخ سهواً فانسابت في النص من غير أن يخطر على بال أحد أن يشكِّك فيها.  فقيل: «سَخّر لكم... جميعاً منه»، أي سخّرها كانت منه تعالى! فهي هنا حال إذن، ولم يسأل أحد نفسه: ما ضرورة هذا الحال؟ فهل هناك سفسطة أكثر من هذه السفسطة: «كائنة منه» يا أساتذة السفسطة بدلاً من شطبها وحذفها من النص نهائياً؟ ولكن مَن يجرؤ على ذلك؟


9. «وسِيق الذين كَفروا إلى جهنَّمَ زُمَراً، حتّى إذا جَاؤوها فُتحتْ أبوابُها وقال لهم خَزَنتُها: ألَمْ يأتِكم رُسُلٌ منكم يَتلون عليكم آياتِ ربِّكم؟.. قالوا: بلَى... قيلَ ادخُلُوا أبوابَ جهنَّمَ خالدين فيها، فبئسَ مَثوَى المتكبِّرين. وسِيقَ الذين اتَّقَوا ربَّهم إلى الجَنَّة
زُمَراً، حتَّى إذا جاؤوها وفُتحتْ أبوابُها وقالَ لهم خزَنَتُها: سلامٌ عليكم، طِبْتُم فادخُلُوها خالِدين. وقالوا: الحمدُ للّه الذي صَدَقَنا وعْدَهُ، وَأورَثَنَا الأرضَ نَتَبَوَّأ من الجنَّة حيث نشاءُ. فنِعْمَ أجرُ العاملين. وترَى الملائكة حافِّينَ مِن حَول العرشِ يُسبِّحون بحمدِ ربِّهم، وقُضِي بينهم بالحقِّ، وقيلَ الحمدُ للّه ربِّ العالمين» (39/ 71 ـ 75).
هذه الآيات فيها عيبين فهناك عدم توازٍ بين الآيات التي تصف دخول الذين كفروا إلى جهنم ودخول الذين اتَّقَوا. فعندما سيق الذين كفروا إلى جهنم ووصلوا إليها فُتحت لهم أبوابها. فالوصول أدّى إلى فتح الأبواب. أي لقد جاءت المقدمة (الوصول) وتبعتها النتيجة في الحال. ولكن ذلك لم يحدث ما يوازيه للذين اتَّقوا: فالآيات التي تصف وصول هؤلاء هي، في الظاهر على الأقلّ، مجموعة مقدّمات بلا نتيجة، وإن كانت النتيجة معروفة بالإستنتاج. النتيجة في الآيات الأولى معروفة لفظاً واستنتاجاً، وأمّا في الآيات المتبقّية فالنتيجة معروفة استنتاجاً فقط.
وبعبارة أكثر تبسيطاً: نجد في آية المتَّقين (واو العطف) زائدة شوّهت المشهد كلَّه حتّى ليظنَّ الإنسان أن هذه الآية لا جواب لها. في الآية الأولى يأتي الجواب في الحال: «حتّى إذا جَاؤوها فُتِحَتْ أبوابُها». بينما لا جواب في الآية لدخول حرف العطف: «حتى... وفتحت» فكيف انزلقت هذه الواو الثقيلة هنا؟ يقولون إنّها زائدة، ولكنها زيادة على حساب أهل الجنّة المتلهّفين لمعرفة مصيرهم! فإذا فعلتُ ذلك، أنا وأنت عُدَّ تقصيراً منّا، ولكن إذا فعله القرآن فهو إعجاز. مسكينان أنا وأنت!!
والعيب الثاني في هذه الآيات هو الفعل «سيق» الذي يستعمل للدواب ولا يجوز تطبيقه على الإنسان. ، بل لقد سُوِّي في هذا الاستعمال الظالم بين «الذين كفروا» و«الذين اتقوا»، وهي تسوية أمعن في الظلم، وفيها احتقار شديد للذين «اتّقوا». فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ أم أنّ في الأمر هنا حكمةً خفيت على العقول والأذهان؟ وكأنما أحسّ المفسِّرون «الملفلفون» بقبح هذه التسوية وما فيها من هُجنة وإجحاف بحق المتّقين فرقّعوا كلمة «سِيق» الأولى بإضافة كلمة «بعنف»، ورقّعوا الثانية بإضافة كلمة «بلطف»؛ فقالوا: «وسيق الذين كفروا بعنف إلى جهنم زُمَراً»، «وسيق الذين اتّقوا بلطف إلى الجنّة»، ونسوا أن السَّوق هو السَّوق، سواء كان بعنف أو بلطف!

 

 10. «قل أئنَّكُم لَتكفُرون بالذي خلَق الأرضَ في يومَينِ وتَجعلون له أنداداً، ذلك ربُّ العالمين. وجعلَ فيها رَواسي مِن فوقِها وبارَك فيها وقدَّر فيها أقواتَها في أربعةِ أيَّامٍ سَوَاءً للسَّائلين. ثمّ استَوى إلى السماء وهي دُخانٌ، فقال لها وللأرضِ: ائتِيَا طَوعاً أو كَرْهاً. قالتا: أتَينا طائِعينَ. فقضَاهنَّ سبعَ سمواتٍ في يومينِ، وأوحى في كلِّ سماءٍ أمرَها. وزيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيحَ وحِفْظاً. ذلك تقديرُ العزيز العليم» (41/ 9 ـ 12).
هذه الآية كسابقاتها يختلط فيها الغموض بالركاكة. وبتعبير أدقّ إنّ غموضها من ركاكتها ومن تعارضها مع آيات أخرى في القرآن. وقد يكون العكس هو الصحيح. فعدم وضوح الرؤية في ذهن صاحبها يورثه الارتباك بل الالتواء في التعبير عنها. فيخبط ذات اليمين وذات الشمال، فتتناثر المعاني بعيداً عن الألفاظ، وتبتعد الأعداد عن المعدودات. لقد فقَدَ النصُّ اتّساقه،

فكلّ شيء بعد الآن متوقَّع منه. فلا ترى إلاّ قفزات تقطع حركة السياق وتُوقف اندفاعه نحو بلوغ أغراضه.
إنَّ شيئاً من هذا القبيل قد حدث في الآية التي نحن الآن بصددها وفي آيات أخرى سابقة مشابهة تعاني من التفكك والإنفكاك:
إنّ كلّ ما جاء في القرآن بخصوص عدد الأيام التي خلق اللَّه فيها العالم تحصر هذا العدد في ستّة أيام. إلاّ الآية الأخيرة، كما أنّ جميع الآيات المتعلقة بعدد أيّام الخلق في القرآن تدخل إلى الموضوع مباشرة بلا نوافل أو طفيليات ضارة إلاّ ههنا. فبصرف النظر عن عزلة هذه الآية وعدم ارتباطها بما قبلها وما بعدها كما عوَّدَنا القرآن، فقد بدأت بداية غريبة: «قُلْ أَئِنَّكُم». فهل هذا سؤال؟ أم إنكار؟ أم تقرير لواقع؟!. أم ماذا؟! أفتوني في أمري، وأنا لكم من الشاكرين!
كذلك إنّ هذه الآيات الأربع نشاز يجمع بين أطرافٍ متباعدة: التعريض بالمشركين الذين يَكفرون باللّه الذي خلق الأرض في يومين، ولا يكتفون بذلك بل يجعلون له أنداداً. ثمّ يأتي بعد هذا بيان أنّ الذي خلق كلَّ ذلك هو ربّ العالمين. ثمّ اتبع ذلك بتقوية الأرض بالجبال وتقدير أقواتها في أربعة أيام.
وهكذا تكون الأرض وحدَها قد تطلبت منه سبحانه ستة أيام عمل مستمر. وهي تستحق هذا الجهد منه تعالى نظراً إلى أهمّيتها البالغة في العالم. وهذا مفهوم عند القدماء، كيف لا وهي مركز العالم وقلبه النابض، وما تبقَّى فأشياء تافهة: شمس وقمر وسبع سموات تزيّنها عدّةُ مصابيح يهتدي بها الناس في البر والبحر، وهذه كلّها يكفيها يومان فقط بالتمام والكمال.

صدِّق أو لا تصدِّق أنّ خلق السموات لم يستغرق سوى يومَين، ما لم تكن سموات من كرتون، بل من ورق ضعيف القوام تفيض عن حاجة الملائكة التي لا أقدام لها كأقدام البشر ثقيلة الوزن، شديدة الوقع، قويّة الوطء. فالملائكة لها أقدام أثيرية لطيفة جداً لا تستخدمها في المشي بل لها أجنحة رقيقة تُغْنيها عن المشي. وهذا يذكّرني بقول أحد الشعراء الفرنسيين في وصف حبيبته هذه ترجمته:
للّهِ مـا ألْطـفُ أقـدامِهـا تمشِي على العشبِ فلا يَشعر!!

والخلاصة، إن اللَّه بعد أن أتمّ خلق الأرض في ستة أيام خلق السموات السبع في يومَين. ثم نثر المصابيح هنا وهناك في السماء الدنيا زينة لها، دون السموات الأخرى على ما يظهر، فبقيت مظلمةً، لأنَّ السموات مقرُّ الملائكة، فهي لا تحتاج إلى مصابيح لأنَّ الملائكة أجسام نورانيّة. ولعل مصابيح السماء الدنيا من الشمع، وآية ذلك قصر المدّة التي استغرقها خلْق السماء!
وختمت الآية ذلك كله بأنه من تقدير العزيز العليم. فتبارك اللَّه أحسن الخالقين.
لقد حار المفسِّرون في فهم هذه الآيات التي تتوسّع في عدد أيام الخلق فتجعلها ثمانية، وفي التوفيق بينها وبين جميع الآيات الأخرى التي تكتفي بستة أيام فقط، فقالوا إنّ الأيام الأربعة التي أتمّ اللَّه فيها خلق الأرض يدخل فيها اليومان الأوّلان اللّذان خلق اللَّه فيهما الأرض. مخرج لطيف لا بأس به، ولكنّه إنْ صحّ أفلا يدلُّ على ركاكة القرآن الذي كان في مقدوره أن يستعمل ألفاظاً أكثر وضوحاً وبياناً، فعدل عنه إلى الركيك الغامض، لا سيّما وإنّ الإبانة صفة ملازمة للقرآن تتكرر في كل صفحة تقريباً «بلسان عربي مبين»؟!

11. «ولقد أرسلْنا نوحاً وإبراهيمَ وجعلنا في ذرِّيَّتهما النبوَّةَ والكتاب، فمنهم مهتدٍ وكثير منهم فاسقون. ثم قَفَّينا على آثارهم برُسُلِنا وقفَّينا بعيسى ابنِ مريمَ وآتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتَّبعُوه رأفةً ورحمةً، ورهبانيَّةً ابتدعوها ما كتبْناها عليهم إلاَّ ابتغاءَ رضوانِ اللّه، فما رَعَوها حقَّ رعايتها. فآتَينا الذين آمَنوا منهم أجرَهم، وكثيرٌ منهم فاسِقون» (57/ 26 ـ 27).
لا يمكن لأحد يُنقِّبُ عن الآيات المرتبكة في القرآن أنْ يمرَّ على الآية الأخيرة بسلام. فلا يعرف المرء هل الرهبانيّة من ابتداع النصارى أم إنَّ اللَّه كتبها عليهم وأمرَهم بها؟ والغريب أنّ القرآن جمع النقيضَين وأثبت المتعارضَين، فكيف يستقيم لها معنى؟ كيف ابتدعوها وكيف كتبَها اللَّه عليهم.
ولمّا كان المفسرون لا يملكون إلاّ أن يَقبلوها على علاّتها وبكلِّ قضِّها وقضيضها من غير أنْ ينبسَ أيٌّ منهم بكلمةِ نقدٍ واحدة، فقد اتَّهموا أنفسَهم من غير أن يجرؤوا على اتّهام الآية: «فعِلمُها عند ربّي، لا يضلُّ ربِّي ولا يَنسى». ولإعطائها شيئاً من المنطق قالوا في تفسير: «إلاّ ابتغاءَ رضوان اللّه» بإضافة جملة مقدّرة هكذا: «لكنْ فََعَلُوهَا ابتغاءَ مرضاة اللّه» لقد أعطوها معنى بعد أن لم يكن لها معنى. وليتهم لم يفعلوا لأنّ أحداً لا يقتنع بهذا المعنى، فهل يُصلح العطّارُ ما أفسد الدهر؟ ومتى كان التشويش من دلائل الإعجاز؟
12. وكأنّ هذا التشويش لا يكفي، وكأنّ الركاكة مطلب بلاغيّ كبير، لذلك اقتضت الحكمة الإلهية ـ فتنة للذين كفروا ـ أن تتلو هذه الركاكة ركاكة أخرى تزيد في تشويش القرآن، وذلك بعد آية واحدة من الآيات السابقة: «يَا أيُّها الذين آمنوا! اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنوا برسوله، يُؤتِكم كِفلَينِ مِن رحمتِه، ويَجْعلْ لكُم نوراً تَمْشُون به، ويَغفِرْ لكم، واللّهُ غَفورٌ رحيم، لئلاّ يعلمَ أهلُ الكتاب

ألاّ يَقدِرونَ على شيءٍ مِن فضلِ اللّه، وأنَّ الفضلَ بيدِ اللَّه يؤتِيهِ مَن يشاء. واللّهُ ذو الفضل العظيم» (57/ 28 ـ 29).
في هذه الآية عقدتان من الأحاجي لا ندري أيَّتهما أكبرُ من إختها، وضَعَتا المفسِّرين في موقفٍ لا يُحسدون عليه. ويبدو أنّ القرآن يجد نشوةً في إنهاك هؤلاء المساكين الذين لا يقدرون على شيء غير الهراء:
العقدة الأولى هي هذه اﻟ «لئلاّ» المحيِّرة. إنّها هنا كالزئبق لا تستطيع أن تلمس أيَّ معنى أو أيَّ وظيفة لها. ومما زاد في شدّة هذه العقدة على المفسرين أنها لم تكد تفرغ شحنتها في أذهانهم لتأخذ بتلابيبهم، حتى أعقبتْها عقدة ثانية أشدُّ وطأة، كأنّها الراجفة تتبعها الرادفة التي تحدّث عنها القرآن في سورة النازعات. قلوب يومئذ واجفة. وكلّها من علامات الساعة والعياذ باللّه تعالى، وقانا اللَّه من شرورها!!
ما أشقى هؤلاء المفسّرين الصّابرين وما أصعب الأعباء والمهمّات الملقاة على عاتقهم! إنّ كلمة «أفٍّ» واحدة لم تصدر عنهم. لم يتذمّروا ولم يعترضوا، بل استبسلوا وأقدموا وغاصوا في اللجج ليجمعوا كلام اللَّه ويحيطوا على قدر الطاقة البشرية بالأبعاد والمرامي التي ينطوي عليها، وكان كلُّ غوَّاص يخرج بلآلئ جديدة أحسن من أخواتها!!
إنّ معنى الآية الأخيرة ظاهر، شريطة ألاّ تلتزم بالألفاظ التي تُثقلها وتخرج بها عن معانيها. فالنفي «لئلاّ» حشوٌ لا معنى له. بل هو مضلّل أساء كثيراً إلى الآية، وجعلها من الأحاجي والألغاز، مع أنّ المعنى المراد بسيط جداً.
كما أنّ إثبات النون للفعل المضارع «يقدرون»، رغم حرف النصب، مضلّل آخر. كلّ ما يريد القرآن أنْ يقوله في هذه الآية:

«ليعلم أهلُ الكتاب أنّهم لا يقدرون على شيء من فضل اللّه». ولكن الحشو أثقلها حتّى أفقدها كل ما تبقَّى لها من معنى. ومَن يدري فلعل الحشو من دلائل الإعجاز! فكلّما كنتَ أكثرَ حشواً كنتَ أكثرَ إعجازاً، فلا يُحسن الحشوَ إلاّ النادرون!!!
13. «ن. والقلَمِ ومَا يَسْطُرُونَ. ما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ بمجنونٍ، وإنَّ لكَ لأَجْراً غيرَ ممنون، وإنَّك لعلَى خُلْقٍ عظيمٍ. فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرونَ: بأيِّكُمُ المفتونُ؟» (68/ 1 ـ 6).
في هذه الآيات معانٍ سهلة بسيطة ينساب السياق فيها على رسله انسياباً جميلاً، لكنّه يختل في الآية الأخيرة اختلالاً مشيناً، لحكمة أرادها اللّه. فقد أبى القرآن ـ كعادته في حالات مشابهة أقف حائراً أمامها ـ إلاّ أن يُخرِّب ما بنى ويُفسد ما أتقن، على قاعدة «أبى اللَّه أنْ يرفع شيئاً إلاّ وضعه»، هذا ما فعله حرف الباء المشؤوم «ﺑِ أيِّكم المفتون» ومع أن الصُمَّ البُكمَ العُميَ ينفون الزيادة عن كلام اللّه، فإنّ حرف الجر هذا حرف زائد، شاءوا أو أبَوا، هذا إذا كان معنى الآية: فستبصر ويبصرون: «أيّكم المفتون» أي المجنون.
وإذا لم يكن حرف الباء هنا حرفاً زائداً وقعنا في إشكال آخر وهو كلمة «مفتون»، وهي كلمة لا معنى لها هنا، والأصح أن تكون «فتون» أيْ جنون: هل الجنون بك يا محمد أم بهم؟ والحقيقة، إنّ المفسِّرين الذين قالوا بهذا الرأي قد صحّحوا «كلام اللّه»، وهم يظنّون أنّهم يفسرونه، وإلاّ فلا معنى لها.
وسواء أخذنا بهذا التفسير، أو ذاك، أي سواء كان حرف الجر حرفاً زائداً أو كانت كلمة «مفتون» بمعنى «فتون»، فإنّ الآية في نصّها الأصلي مختلّة ركيكة لا معنى لها، ما لم يكن في الأمر خداع ما.

14. وهاكم تصحيحاً آخر لكلام اللَّه قام به «الملفلفون» الثرثارون وهم يظنّون أنهم يفسّرونه: «فَلا أُقْسِمُ بربِّ المشارق والمغارب إنّا لَقادِرونَ على أنْ نُبَدِّلَ خَيراً منهم، وما نحنُ بمَسْبُوقِينَ» (70/ 40 ـ 41)، أي بعاجزين عن ذلك.
فإذا كان القرآن يريد هذا المعنى فلم عدل عنه واختار له لفظاً آخر غريباً عنه، وغير مناسب له، ولا علاقة له به بوجه من الوجوه؟ لِمَ لمْ يقل «وما نحن بعاجزين»؟ أوَليس ذلك أكثر فصاحة وبياناً يا أهل الفصاحة والبيان؟ والحقُّ أنه لم يكن أمام المفسِّرين خيار آخر غير هذه الكلمة لإنقاذ هذه الآية ـ الورطة! فما أكثر الورطات التي أوقعهم فيها القرآن، ما لم يكن وراء ذلك «حكمة بالغة» تخفَى على الأوّلين والأخرِين استأثر بالعلم بها ربُّ العالمين!!
هل هذا كلام اللَّه حقاً؟ هل هذا ما تحدّى الإنسَ والجِنَّ أن يأتوا بمثله؟!! لو كان القرآن كلُّه من الروائع لهان الأمر ولكن الروائع فيه كحلقة في فلاة. أو قل هي واحات متناثرة هنا وهناك في صحاري شاسعة لا بداية لها ولا انتهاء. وحتى لو كان القرآن كلّه من الروائع فالتحدّي لا معنى له، لأن الروائع لا يؤتَى بمثلها، إنما يؤتى بأحسن منها أو بأقلّ منها أو في مستواها، أما أنْ يؤتى بمثلها فهذا من المستحيل، فكيف إذا كانت هذه الروائع كتلك التي يزدان بها القرآن؟ إنّ كلام ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي(60) على مستوى عال من الجودة والرفعة، فهل يمكن لأحد أن يأتي بمثله، لا سيّما إذا تذكّرنا أنّه ليس في كلامِ أيٍّ من هؤلاء ما نجد في القرآن من تشويش وتفكّك وركاكة وغموض؟