جارى العمل فى هذه الصفحة
الجزء التالى من كتاب السيرة
النبوية - تأليف: عبد الملك بن هشام المعافري - الجزء الرابع - 65 / 116
مقتل مخيريق
قال ابن إسحاق : وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق ، وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون
، قال : لما كان يوم أحد ، قال : يا معشر يهود ، والله لقد علمتم أن نصر
محمد عليكم لحق ، قالوا : إن اليوم يوم السبت ، قال : لا سبت لكم .
فأخذ سيفه وعدته ، وقال : إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء ، ثم غدا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقاتل معه حتى قتل ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم - فيما بلغنا - مخيريق خير يهود .
ما فعله الحارث بن سويد
قال ابن إسحاق : وكان الحارث بن سويد بن صامت منافقا ، فخرج يوم أحد مع
المسلمين ، فلما التقى الناس عدا على المجذر بن ذياد البلوي ، وقيس بن زيد ، أحد
بني ضبيعة ، فقتلهما ، ثم لحق بمكة بقريش ؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم -
فيما يذكرون قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به ، ففاته ، فكان بمكة ؛ ثم بعث
إلى أخيه الجلاس بن سويد يطلب التوبة ، ليرجع إلى قومه .
فأنزل الله تعالى فيه ، فيما بلغني عن ابن عباس : " كيف يهدي الله قوما
كفروا بعد إيمانهم ، وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم
الظالمين " إلى آخر القصة .
تحقيق ابن هشام فيمن قتل المجُذَّر
قال ابن هشام : حدثني من أثق به من أهل العلم : أن الحارث بن سويد ، قتل
المجذر بن ذياد ، ولم يقتل قيس بن زيد ، والدليل على ذلك : أن ابن إسحاق لم
يذكره في قتلى أحد ؛ وإنما قتل المجذر ، لأن المجُذَّر بن ذياد كان قتل أباه سويدا
في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج ، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، إذ خرج الحارث بن سويد من
بعض حوائط المدينة ، وعليه ثوبان مضرجان ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم
عثمان بن عفان ، فضرب عنقه ؛ ويقال : بعض الأنصار .
قال ابن إسحاق : قتل سويد بن الصامت معاذ بن عفراء غيلة ، في غير حرب ، رماه
بسهم فقتله قبل يوم بعاث .
أمر أصيرم
قال ابن إسحاق : وحدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبي
سفيان ، مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي هريرة قال : كان يقول : حدثوني عن رجل
دخل الجنة لم يصل قط ، فإذا لم يعرفه الناس ، سألوه : من هو ؟ فيقول :
أصيرم من بني عبدالأشهل ، عمرو بن ثابت بن وقش . قال الحصين : فقلت لمحمود
بن أسد : كيف كان شأن الأصيرم ؟ قال : كان يأبى الإسلام على قومه .
فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد ، بدا له في الإسلام فأسلم
، ثم أخذ سيفه فعدا حتى دخل في عرض الناس ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة .
وقال فبينا رجال من بني عبدالأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به ، فقالوا
: والله إن هذا للأصيرم ، ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث ،
فسألوه ما جاء به ؛ فقالوا : ما جاء بك يا عمرو ؟ أحدب على قومك أم رغبة في
الإسلام ؟ قال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ثم أخذت
سيفي ، فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني ،
ثم لم يلبث أن مات في أيديهم . فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال
: إنه لمن أهل الجنة .
عمرو بن الجموح ومقتله
قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن أشياخ من بني سلمة : أن
عمرو بن الجموح كان رجلا أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل الأسد ، يشهدون
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه ، وقالوا
له : إن الله عز وجل قد عذرك ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال إن
بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه ، والخروج معك فيه ، فوالله إني لأرجو أن أطأ
بعرجتي هذه الجنة ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت فقد عذرك الله
فلا جهاد عليك ، وقال لبنيه : ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة
فخرج معه فقتل يوم أحد .
هند وتمثيلها بحمزة
قال ابن إسحاق : ووقعت هند بنت عتبة ، كما حدثني صالح بن كيسان ، والنسوة
اللاتي معها ، يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان
والأنف ، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما وقلائد ، وأعطت خدمها وقلائدها
وقرطتها وحشيا ، غلام جبير بن مطعم ، وبقرت عن كبد حمزة ، فلاكتها ، فلم تستطع أن
تسيغها ، فلفظتها ، ثم علت على صخرة مشرفة ، فصرخت بأعلى صوتها فقالت :
نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر * ولا أخي وعمه بكري
شفيت نفسي وقضيت نذري * شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي عليَّ عمري * حتى ترمَّ أعظمي في قبري
شعر هند بنت أثاثة في الرد على هند بنت عتبة
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت :
خزيت في بدر وبعد بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر * ملهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري * حمزة ليثي وعلي صقري
إذ رام شيب وأبوك غدري * فخضبا منه ضواحي النحر
ونذرك السوء فشر نذر *
قال ابن هشام : تركنا منها ثلاثة أبيات أقذعت فيها .
شعر لهند بنت عتبة أيضاً
قال ابن إسحاق : وقالت هند بنت عتبة أيضاً :
شفيت من حمزة نفسي بأحد * حتى بقرت بطنه عن الكبد
أذهب عني ذاك ما كنت أجد * من لذعة الحزن الشديد المعتمد
والحرب تعلوكم بشؤبوب برد * تقدم إقداما عليكم كالأسد
تحريض عمر لحسان على هجو هند بنت عتبة
قال ابن إسحاق : فحدثني صالح بن كيسان أنه حُدث : أن عمر بن الخطاب قال
: لحسَّان بن ثابت يابن الفريعة - قال ابن هشام : الفريعة بنت خالد بن خنيس
، ابن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن
الخزرج - لو سمعت ما تقول هند ، ورأيت أشرها قائمة على صخرة ترتجز بنا ، وتذكر ما
صنعت بحمزة ؟ قال له حسَّان : والله إني لأنظر إلى الحربة تهوي وأنا على
رأس فارع - يعني أطمة - فقلت : والله إن هذه لسلاح ما هي بسلاح العرب ، وكأنها
إنما تهوي إلى حمزة ولا أدري ، لكن أسمعني بعض قولها أكفكموها ؛ قال : فأنشده
عمر بن الخطاب بعض ما قالت ؛ فقال حسَّان بن ثابت :
أشرت لكاع وكان عادتها * لؤما إذا أشرت مع الكفر
قال ابن هشام : وهذا البيت في أبيات له تركناها ، وأبياتا أيضاً له على الدال ،
وأبياتا أخر على الذال ، لأنه أقذع فيها .
استنكار الحليس على أبي سفيان تمثيله حمزة
قال ابن إسحاق : ولقد كان الحليس بن زبان ، أخو بني الحارث بن عبد مناة ، وهو
يومئذ سيد الأحابيش ، قد مر بأبي سفيان ، وهو يضرب في شدق حمزة بن عبدالمطلب بزج
الرمح ويقول : ذق عقق ؛ فقال الحليس : يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن
عمه ما ترون لحما ، فقال : ويحك !اكتمها عني ، فإنها كانت زلة .
أبو سفيان يشمت بالمسلمين
ثم إن أبا سفيان بن حرب ، حين أراد الانصراف ، أشرف على الجبل ، ثم صرخ بأعلى صوته
فقال : أنعمت فعال ، وإن الحرب سجال يوم بيوم ، أعل هبل ، أي أظهر دينك ؛ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا عمر فأجبه ، فقل : الله أعلى وأجل ،
لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار .
فلما أجاب عمر أبا سفيان ، قال له أبو سفيان : هلم إلي يا عمر ؛ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لعمر : ائته فانظر ما شأنه ؛ فجاءه ، فقال له أبو سفيان
: أنشدك الله يا عمر ، أقتلنا محمدا ؟ قال عمر : اللهم لا ، وإنه ليسمع
كلامك الآن ؛ قال : أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر ؛ لقول ابن قمئه لهم :
إني قد قتلت محمدا .
قال ابن هشام : واسم ابن قمئة : عبدالله .
توعد أبي سفيان المسلمين
قال ابن إسحاق : ثم نادى أبو سفيان : إنه قد كان في قتلاكم مثل ، والله ما
رضيت ، وما سخطت ، وما نهيت ، وما أمرت .
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه ، نادى : إن موعدكم بدر للعام القابل ؛ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه : قل : نعم ، هو بيننا وبينكم موعد
.
علي يخرج في أثر قريش
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، فقال : أخرج في آثار
القوم ، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل ، وامتطوا الإبل ،
فإنهم يريدون مكة ، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل ، فإنهم يريدون المدينة ، والذي
نفسي بيده ، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ، ثم لأناجزنهم . قال علي :
فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون ؛ فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، ووجهوا إلى مكة
.
موت سعد بن الربيع
وفرغ الناس لقتلاهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما حدثني محمد بن
عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة المازني ، أخو بني النجار : مَن رجل ينظر لي
ما فعل سعد بن الربيع ؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجل من
الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد ، فنظر فوجده جريحا في القتلى
وبه رمق . قال : فقلت له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن
أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات ؟ قال : أنا في الأموات ، فأبلغ رسول
الله صلى الله عليه وسلم عني السلام . وقل له : إن سعد بن الربيع يقول لك
: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته ، وأبلغ قومك عني السلام . وقل
لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلص إلى
نبيكم صلى الله عليه وسلم ومنكم عين تطرف . قال : ثم لم أبرح حتى مات .
قال : فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره .
قال ابن هشام : وحدثني أبو بكر الزبيري : أن رجلا دخل على أبي بكر الصديق ،
وبنت لسعد بن الربيع جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبلها ؛ فقال له الرجل : من
هذه ؟ قال : هذه بنت رجل خير مني ، سعد بن الربيع ، وكان من النقباء يوم
العقبة ، وشهد بدرا ، واستشهد يوم أحد .
الرسول يحزن على حمزة ويتوعد المشركين
بالمثلة
قال ابن إسحاق : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغني ، يلتمس حمزة
بن عبدالمطلب ، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ، ومثل به ، فجدع أنفه
وأذناه .
فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى
ما رأى : لولا أن تحزن صفية ، ويكون سنّة من بعدي لتركته ، حتى يكون في بطون
السباع ، وحواصل الطير ، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن
بثلاثين رجلا منهم . فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه
على من فعل بعمه ما فعل ، قالوا : والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر
لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب .
قال ابن هشام : ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال : لن
أصاب بمثلك أبدا ! ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا ، ثم قال : جاءني
جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبدالمطلب مكتوب في أهل السماوات السبع : حمزة بن
عبدالمطلب ، أسد الله ، وأسد رسوله . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة
وأبو سلمة بن عبدالأسد ، أخوة من الرضاعة ، أرضعتهم مولاة لأبي لهب .
ما نزل في النهي عن المثلة
قال ابن إسحاق : وحدثني بريدة ابن سفيان بن فروة الأسلمي ، عن محمد بن كعب
القرظي ، وحدثني من لا أتهم ، عن ابن عباس : أن الله عز وجل أنزل في ذلك ، من
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقول أصحابه : " وإن عاقبتم فعاقبوا
بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ، واصبر وما صبرك إلا بالله ، ولا
تحزن عليهم ، ولا تك في ضيق مما يمكرون " فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وصبر ونهى عن المثلة .
قال ابن إسحاق : وحدثني حميد الطويل ، عن الحسن ، عن سمرة بن جندب ، قال :
ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه ، حتى يأمرنا بالصدقة ،
وينهانا عن المثلة .
صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الجنازة
على حمزة
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن مقسم ، مولى عبدالله بن الحارث ، عن ابن
عباس ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه ،
فكبر سبع تكبيرات ، ثم أتى بالقتلى فيوضعون إلى حمزة ، فصلى عليهم وعليه معهم ، حتى
صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة .
حزن صفية على أخيها حمزة
قال ابن إسحاق : وقد أقبلت فيما بلغني ، صفية بنت عبدالمطلب لتنظر إليه ، وكان
أخاها لأبيها وأمها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام
: القها فأرجعها ، لا ترى ما بأخيها ؛ فقال لها : يا أمه ، إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي ، قالت : ولم ؟ وقد بلغني أن قد مثل
بأخي ، وذلك في الله ، فما أرضانا بما كان من ذلك ! لأحتسبن ولأصبرن إن شاء
الله . فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ؛ قال
: خل سبيلها ، فأتته ، فنظرت إليه ، فصلت عليه ، واسترجعت ، واستغفرت له ، ثم
أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن .
دفن الشهداء
قال : فزعم لي آل عبدالله بن جحش - وكان لأميمة بنت عبدالمطلب ، حمزة خاله ،
وقد كان مثل به كما مثل بحمزة ، إلا أنه لم يبقر عن كبده - أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم دفنه مع حمزة في قبره ، ولم أسمع ذلك إلا عن أهله .
قال ابن إسحاق : وكان قد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة ، فدفنوهم
بها ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وقال : ادفنوهم حيث صرعوا
.
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن مسلم الزهري ، عن عبدالله ابن ثعلبة بن صعير
العذري ، حليف بني زهرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على القتلى
يوم أحد ، قال : أنا شهيد على هؤلاء ، إنه ما من جريح يجرح في الله ، إلا والله
يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه ، اللون لون دم والريح ريح مسك ، انظروا أكثر هؤلاء
جمعا للقرآن ، فاجعلوه أمام أصحابه في القبر - وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في
القبر الواحد .
قال : وحدثني عمي موسى بن يسار ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال أبو القاسم
صلى الله عليه وسلم : ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة
وجرحه يدمي ، اللون لون دم ، والريح ريح مسك .
قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن أشياخ من بني سلمة : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يومئذ ، حين أمر بدفن القتلى :
انظروا إلى عمرو بن الجموح ، وعبدالله بن عمرو بن حرام ، فإنهما كانا متصافيين في
الدنيا ، فاجعلوهما في قبر واحد .
حزن حمنة على حمزة
قال ابن إسحاق : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ،
فلقيته حمنة بنت جحش ، كما ذكر لي ، فلما لقيت الناس نعي إليها أخوها عبدالله بن
جحش ، فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبدالمطلب فاسترجعت
واستغفرت له ، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير ، فصاحت وولولت ! فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : إن زوج المرأة منها لبمكان ! لما رأى من تثبتها عند
أخيها وخالها ، وصياحها على زوجها .
بكاء نساء
الأنصار على حمزة
قال ابن إسحاق : ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الأنصار من بني
عبدالأشهل وظفر ، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم ، فذرفت عينا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فبكى ، ثم قال : لكن حمزة لا بواكي له ! فلما رجع سعد بن معاذ
وأسيد ابن حضير إلى دار بني عبدالأشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن ، ثم يذهبن فيبكين على
عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : حدثني حكيم بن حكيم عن عباد بن حنيف ، عن بعض رجال بني
عبدالأشهل قال : لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج
عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه ، فقال : ارجعن يرحمكن الله ، فقد آسيتن
بأنفسكن .
قال ابن هشام : ونهي يومئذ عن النوح .
قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
سمع بكاءهن ، قال : رحم الله الأنصار ! فإن المواساة منهم ما عتمت لقديمة ،
مروهن فلينصرفن .
المرأة الدينارية
قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالواحد بن أبي عون ، عن إسماعيل بن محمد ، عن سعد بن
أبي وقاص ، قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار ، وقد
أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد ، فلما نعوا لها ،
قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : خيرا يا أم
فلان ، هو بحمد الله كما تحبين ؛ قالت : أرونيه حتى أنظر إليه ؟ قال :
فأشير لها إليه ، حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل ! تريد صغيرة
.
قال ابن هشام : الجلل : يكون من القليل ومن الكثير ، وهو هاهنا من القليل
. قال امرؤ القيس في الجلل القليل :
لقتل بني أسد ربهم * ألا كل شيء سواه جلل
قال ابن هشام : أي صغير قليل
قال ابن هشام : والجلل أيضاً : العظيم ، قال الشاعر وهو الحارث ابن وعلة
الجرمي :
ولئن عفوت لأعفون جللا * ولئن سطوت لأوهنن عظمي
غسل السيوف
قال ابن إسحاق : فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله نأول سيفه
ابنته فاطمة ، فقال اغسلي عن هذا دمه يا بنية ، فوالله لقد صدقني اليوم ، وناولها
علي بن أبي طالب سيفه ، فقال : وهذا أيضاً ، فاغسلي عنه دمه ، فوالله لقد صدقني
اليوم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك
سهل بن حنيف وأبو دجانة .
قال ابن هشام : وكان يقال لسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذو الفقار
.
قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم ، أن ابن أبي نجيح قال : نادى مناد
يوم أحد :
لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي
قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لعلي بن أبي طالب : لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا
قال ابن إسحاق : وكان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال .