الفداء فى الإسلام والمسيحية
أن آخر ضربة من الضربات التي أنزلها الله بفرعون والمصريين هي قتل الابن البكر للناس والحيوانات والبهائم، وتصادف هذا أن يكون في عيد الفصح لدى اليهود، فقال الرب لموسى أن يضع اليهود علامة من دم خروف الضحية على بيوتهم، حتى عندما يمر ملاك الموت يرى العلامة فيعبر عن هذا البيت، وأما البيت الذي لا توجد عليه علامة يكون بيت للمصريين فيدخل فيه ويقتل ابنهم البكر. ويلوي جناب القمّص هذه الواقعة ليقول إن الخروف يرمز للفداء، أي أنهم ذبحوا الخروف بدلا من ابنهم البكر فكان فدية، وبذلك يتركهم ملك الموت ويعبر عنهم. مع أن القصة لا تمت بصلة إلى هذه العقيدة الشاذة التي ينسبها جناب القمّص إلى خروف الفصح، وملاك الموت لا يحتاج إلى علامة من دم حتى يدخل أو يعبر، وإنما أراد الله أن تكون هذه آية للمصريين ليروا أن بيوت بني إسرائيل التي عليها هذه العلامة لم يدخلها الموت. وهكذا نرى نفس الأسلوب في تفسير قصة أم الخير.
(3) أن شريعة موسى كانت تحتوي على تقديم فدية عندما يخطئ واحد من اليهود، ويدّعي جناب القمّص أن هذه الفدية ترمز للفدية التي قدمها المسيح بموته على الصليب، مع أن ملايين اليهود الذين مارسوا هذه الشعيرة وألوف الملايين من المسلمين الذين مارسوا أيضا هذه الشعيرة ويمارسونها في عيد الأضحى، لم يكتشفوا هذا السر الخطير الذي اكتشفه جناب القمّص ومن يؤمنون بهذه المسيحية المشوهة التي اخترعوها لتحقق ما يريدون أن يقحموه على الكتاب المقدس من عقائد وأفكار من صنع البشر، ومسّاك الله بالخير يا أم الخير!
هذه هي الوقائع الثلاث التي ذكرها جناب القمّص عن عقيدة الفداء، التي يدّعي أن محور الكتاب المقدس يدور حولها. وهو لا يكتفي بهذا فحسب، بل يدّعي أن هذه العقيدة موجودة أيضا في القرآن الكريم، فيقول إنه في الآية 32 من سورة المائدة يقول تعالى { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَني إِسْرَآئِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا[. وهنا تتجلى العبقرية القمّصية في التفسير فيسأل: لماذا على بني إسرائيل بالذات، ثم يجيب على نفسه: لأنهم هم الذين صلبوا المسيح!!. ثم يستمر في تفسيره العبقري فيقول: من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، يعني من قتل نفسا بريئة طاهرة ما عملتش فساد في الأرض ولم ترتكب الإثم، (مع أن الآية لا تشترط أن تكون النفس المقتولة بريئة وطاهرة ولم تفسد، إذ يمكن أن تكون تلك النفس سارقة أو مرتشية أو تغتاب الناس أو تسيء معاملة الجيران، ومع ذلك فلا يصح قتلها بغير أن تكون قد قتلت نفسا، أو أفسدت في الأرض فسادا شديدا يعادل قتل النفس). ثم يقول: فكأنما قتل الناس جميعا، وهنا نجد أنه يفسرها بمعنى أنه قد قتل الناس جميعا بالفعل. ثم يقول: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، أي أن من أحيا هذه النفس البريئة الطاهرة فقد أحيا الناس جميعا، ويستنتج من هذا عقيدة الفداء المزعومة، فيقول: من هي النفس البريئة الطاهرة التي قُتلت ثم عادت إلى الحياة غير المسيح؟ أي أنه افترض أن المسيح قد مات وعاد إلى الحياة بالفعل، مع أن هذه هي النتيجة التي يريد أن يصل إليها من المقدمات التي يحدثنا عنها. وهكذا نراه يستخدم النتيجة في إثبات صحة المقدمة، وهذا خطأ منطقي، لأنه لا بد أن تكون المقدمات صحيحة لتصل إلى صحة النتيجة وليس العكس. يعني مثلا إذا أردنا أن نثبت جرم أحد المجرمين، فقلنا إن الرجل كان موجودا في مكان الجريمة، ولم يكن أحد سواه هناك، فهذا يدل على أنه ارتكب الجريمة. فهنا ذكرنا مقدمات صحيحة ووصلنا إلى النتيجة المترتبة عليها وهي ارتكاب الجريمة. أما جناب القمّص فيقول: حيث إن الرجل ارتكب الجريمة فلا بد أنه كان في مكان الجريمة، أي أنه يستخدم النتيجة لإثبات صحة المقدمة، ثم يقول بعد ذلك، وحيث إنه ثبت أن الرجل كان في مكان الجريمة فلا بد أن يكون هو الجاني، وهو بذلك يستخدم المقدمة لإثبات صحة النتيجة. وكذلك في التفسير الذي يقدمه للآية يستخدم النتيجة، وهي ما يزعمه من قتل المسيح وعودته إلى الحياة، ليثبت المقدمة وهي فكرة الكفارة والفداء، ثم يعود ويقول إن وجود فكرة الكفارة والفداء هي من أجل بيان صلب المسيح. ومع ذلك فهو يدّعي أنه يتكلم بالمنطق ويخاطب عقلية القرن الواحد والعشرين.
أهمية سفك الدم في الحصول على التكفير والحصول على المغفرة :
كان الموت هو عقوبة الخطية منذ آدم وحواء ( تك 2 : 17 ) ، ( تك 3 : 3 ) . لذلك كان لابد من موت حامل الخطية وإراقة دمه . وهكذا كان أهم شيء أمام الله في التكفير هو دم الذبيحة ، لأن الدم يعبر عن النفس .. قال الرب : " إن نفس الجسد هي في الدم . فأنا أعطيكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم . لأن الدم يُكَفِّر عن النفس " ( لا 17 : 11 ) . فدم الذبائح الذي كان يُسفَك في خيمة الاجتماع ، يعني الحياة التي أُخذَت بسبب الخطية .
وهكذا كانت الخطية تعني الموت وكانت نتيجة الذبائح هي الحياة .
مما تقدم يتضح لنا اعتراف البشر ومنهم الآباء الأنبياء بأنهم خُطاة وأنهم يستحقون القصاص الأبدي بسبب خطاياهم . ثم تقديمهم بعد ذلك ذبائح عِوَضاً عن نفوسهم .
شروط أضحية العهد القديم :
إن الذبائح بصفة عامة كان من الواجب أن تكون بلا عيب .. ومن الحيوانات
الطاهرة .. ( لا 22 : 21 – 25 ) .
الفداء في المسيحية
(معظم هذه النقطة مأخوذة عن كتاب كفارة المسيح لعوض سمعان (مصدر سابق) وكتاب الفدية والكفارة – للأب متى المسكين(مصدر سابق))
المسيحية تؤمن بكل ما جاء في العهد القديم .
وتؤمن أن أُجْرَة الخطية هي موت ( رو 6 : 23 ) .
وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( عب 9 : 22 ) .
لكن المسيحية تعتبر أن كل الذبائح والمُحرَقات في العهد القديم كانت ترمُز إلى ذبيحة المسيح على الصليب، وذلك للأسباب الآتية :
أولاً : الأسباب التي اعتمدت على النَّقل ( اي ما جاء في الكتب المقدسة ) :
أ. شهادة أنبياء العهد القديم عن موت المسيح كفارة :
1- قال داود النبي بروح النبوة سنة 1000 ق.م على لسان المسيح : " أكثَرُ مِنْ شَعْرِ رأسي الذين يُبغِضونَني بلا سَبب ( مشيراً إلى كراهية اليهود له وصلبهم إياه ) ، حينئذٍ ردَدت الذي لم أخطفه " ( مزمور 69 : 4 ) قاصداً بذلك أن المسيح مع أنه لم يخطف شيئاً ( أو بالحرِيِّ لم يسلب الله حقاً من حقوقه ) لأن الذي فعل ذلك هُم البشر وحدهم ، غير أنه رد بنفسه لله ما خطفوه وسلبوه ، أو بمعنى آخر قام بإيفاء مطالب عدالة الله في نفسه نيابةً عنهم .
2- وقال إشعياء النبي بروح النبوة سنة 700 ق.م عن المسيح : " وهو مجروح لأجل معاصينا " ( وليس لأجل معاصي ارتكبها ) . " مسحوق لأجل آثامنا " ( وليس لأجل آثام اقترفها ) ، " تأديب سلامنا عليه " ( أي أن ما نستحقه من قصاص – حتى تتحقق عدالة الله من جهتنا ويصفو الجو بيننا وبينه – قد احتمله المسيح عِوضاً عنّا ) ، " وبِحَبرِه " ( أي جروحه ) " شُفينا " ( من مرض الخطية القَتَّال ) . " كلنا كغنم ضللنا ، مِلنا كل واحد إلى طريقه ، والرب وضع عليه إثم جميعنا " ( أش53 : 5 ، 6 ) عِوَضاً عن أن يُبقيه علينا ويحملنا مسئوليته وقصاصه .
3- وقال الملاك جبرائيل لدانيال النبي الذي عاش سنة 550 ق.م في رؤية خاصة :
" سبعون أسبوعاً ( أي 490 سنة ) قُضيت على شعبك ( أي على اليهود ) وعلى مدينتك المقدسة ( أورشليم ) لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ( التي حدثت برفضهم للمسيح ) ولكفارة الاثم ( أي لإزالة معصيتهم والانتهاء من أمر خطاياهم ) ، وليُؤتَى بالبر الأبدي
( الذي يَدُم إلى الأبد على أساس الكفارة المذكورة ) ولخَتم الرؤيا والنبوة ( أي لإتمامهما وتحقيقهما ) ، ولمَسح قدوس القديسين ( أيضاً ) ، فاعلم وافهم أنه من الأمر بتجديد أورشليم وبنائها – الذي حدث في عهد أرتحشستا الملك " ( نحميا 2 : 1 – 8 ) – إلى المسيح الرئيس ( في مجيئه الأول ) سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً ( أي 49 سنة +434 سنة = 483 سنة ) .
وبعد اثنين وستين أسبوعاً ( أي 434 ) ، يُقطَع المسيح ( أي يُرفَض ويُقتَل ) وليس
له ( أي ليس له المُلك الذي يحق له ) ( دانيال 9 : 24 – 26 ) .
والأسبوع هنا هو أسبوع السنين ، فقد قال الله لحزقيال النبي عن الأزمنة الخاصة بالنبوات التي أعلنها له ، أنه جعل له اليوم عِوضاً عن سنة ( حزقيال 4 : 5 ) . أما عندما يكون المراد بالأسبوع سبعة أيام عادية ، فإن الكتاب المقدس ينص على ذلك ، وقد ذُكِر في موضع آخر أن دانيال قال : " في تلك الأيام أنا دانيال كنت نائماً ثلاثة أسابيع أيام " ( دانيال 10 : 2 ) .
وقد أجمع علماء التاريخ أمثال " ياهين " ، " هنجسبرج " ، " سايس " ، " أنولد " ،
" كوبر " على أن صدور أمر أرتحشستا لتجديد أورشليم كان سنة 455 ق.م ، وبذلك يكون الباقي بعد خصم هذا التاريخ من الـ 69 أسبوع السنين ( أي الـ 483 سنة ) هو ما يعادل 28 سنة بعد الميلاد بالنسبة إلى تاريخ روما .
وبعد إضافة سنة الفرق بين التاريخ القديم والحديث ( الذي رأى العلماء وجوب إضافته لضبط التواريخ ) يكون التاريخ 29 سنة ميلادية ، وهذه هي السنة التي صُلِبَ المسيح فيها ، لأن المؤرخين القدامى قَدَّروا تاريخ ميلاد المسيح بما اكتشف فيما بعد أنه يوافق
سنة 4 ق.م ، وذلك عندما قورن بتاريخ روما الذي كان يسود العالم وقتئذٍ . وبإضافة 29
إلى 4 يكون الناتج 33 ، وهذا هو السِّن الذي صُلِب فيه المسيح .
ب. شهادة الإنجيل عن موت المسيح كفارة أو فِديَة :
1- شهادة ملاك الرب :
قال الملاك ليوسف خطيب العذراء مريم – أنها : " ستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يُخَلِّص شعبَه من خطاياهم " ( متى 1 : 21 ) . ولا خلاص من الخطايا إلا بالتكفير
عنها ( كما وضحنا سابقاً ) ، فيكون المسيح هو الشخص الذي يُكَفِّر عن الخطايا .
2- شهادة زكريا الكاهن ( أبو يوحنا المعمدان ) مُتَنَبِّئاً عن فداء الله في المسيح :
قال : " مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه " ( لوقا 1 : 68 ) .
3- شهادة سمعان الشيخ :
قال سمعان الشيخ لله عندما حَمَلَ المسيحَ في طفولته : " الآن تُطلِق عَبدَك ياسيّد ( من العالم ) حسب قولك بسلام ، لأن عَيْنَي قد ابصرتا خلاصك الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب " ( لوقا 2 : 29 – 31 ) . الأمر الذي يدل على أن هذا الشيخ قد اطمأن من جهة مستقبله الأبدي ، لأنه رأى في المسيح الخلاص الذي كان الله قد أعده للنجاة من شر الخطية وقصاصِها .
4- شهادة يوحنا المعمدان :
قال : " هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم وذلك لما نظر يسوع مقبلاً
إليه " ( يوحنا 1 : 29 ) . وفي موضع آخر : " فنظر يسوع ماشياً فقال : هوذا حمل
الله " ( يوحنا 1 : 36 ) . فهنا يتجه لقب المسيح ( حمل الله ) اتجاهاً شديداً ومباشراً نحو الصليب . فلا وظيفة للحمل في تدبير الله إلا أن يكون ذبيحة ، وأساس الذبيحة في العهد
القديم – على وجهٍ عام هو تغطية الخطية . لذلك حرص المعمدان أن يعطيه صفة تحدد قوة عمل الذبيحة في العهد الجديد فقال : " هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم " .
5- شهادة قيافا رئيس كهنة اليهود :
قال بروح النبوة أن يسوع مُزْمِعٌ أن يموت عن الأمة ، وليس عن الأمة فقط ، بل ليجمع ابناء الله المتفرقين ( في جميع أنحاء العالم ) إلى واحد ( يوحنا 11 : 49 – 52 ) .
6- شهادة المسيح نفسه عن موته كفارة :
قال المسيح عن نفسه قبل حادثة الصَّلب : " أنا هو الراعي الصالح ، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخِراف " ( يوحنا 10 : 11 ) قاصداً بالخراف المؤمنين الحقيقيين ، وأوجه الشبه بينهما أن الخِراف تكره القذارة وتطيع راعيها ، والمؤمنين الحقيقيين يكرهون الشر ويطيعون الله .
وقال : " كما رفع موسى الحية في البرية ، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان ( على الصليب ) لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية . لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية " ( يوحنا 3 : 14–16 ).
وقال : " وأنا أضع نفسي عن الخِراف " ( يوحنا 10 : 15 ) .
وقال : " لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً . ليس أحد يأخذها منّي ، بل أنا أضعها من ذاتي . لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها " ( يوحنا 10 : 17 – 18 ) .
وقال : " إن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم ، بل ليَخدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين " أو بالحري عوضاً عنهم ( مرقس 10 : 45 ) ، ( متى 20 : 28 ) .
وقال : " لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يُخَلِّص ما قد هَلَك " ( متى 18 : 11 ) .
وعندما شَبَّه نفسه بحبة الحِنطة قال : " وإن لم تقع حبة الحِنطَة وتَمُت فهي تبقى وحدها ، ولكن إن ماتت تأتِ بثمر كثير " ( يوحنا 12 : 24 ) مشيراً بذلك إلى أنه على أساس موته ستكون لكثير من الناس حياة أبدية ، أو بالحري سيكون موته موتاً كفارياً .
وعندما تحدث عن نفسه كالخبز النازل من السماء ليهب حياة أبدية للذين يتناولون
منه قال : " والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي ، الذي أبذله من أجل حياة العالم " ( يوحنا 6 : 51 ) . كما قال لتلاميذه مرة أن جسده سيُبذَل وأن دمه سَيُسفَك عنهم وعن كثيرين
( لوقا 22 : 19 ، 20 ) الأمر الذي يدل على أن موت المسيح لم يكن مجرد استشهاد – بل كان أولاً كفارة عن الخطاة ، لذلك أخبر أنه قد أتى من أجل هذه الساعة ( يوحنا 12 : 27 ).
7- شهادة رُسُل المسيح ( الحواريين )* عن موت المسيح فدية وكفارة :
أ. الفدية عند القديس بطرس الرسول :
" عالمين أنكم افتُدِيتُم لا بأشياء تفنَى ، بفِضَّةٍ أو ذهَب ، من سيرَتِكُم الباطِلَة الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوها من الآباء ، بل بِدَمٍ كَرِيْمٍ كما مِن حَمَلٍ بلا عَيْبٍ ولا دَنَسٍ ، دَمِ المَسيح ، معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالَم ، ولكن قد أُظهِر في الأزمِنَة الأخيرة من أجلكم " ( 1بط1: 18-20 ) " الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا
للبر " ( 1بط 2 : 24 ) .
ب- الفِديَة والكَفَّارة عند القِدِّيس يوحَنَّا الرَّسول :
" بهذا أُظهِرَت المحبَّة : أَنَّ ذاك ( الذي هو المسيح ) وضع نفسَه لأجلِنا " ( 1يو 3 : 16 ) ، وأيضاً : " في هذا هي المحبة ليس أننا أحببنا الله ، بل هو أحبَّنا وأرسل ابنه كفَّارة لخطايانا " ( 1يو 4 : 10 ) .
جـ- الفِديَة والكَفَّارَة عند القِدِّيس بولس الرسول :
قال بولس الرسول لأهل كورنثوس عن المسيح أنَّه : " مات من أجل خطايانا حَسَب
الكُتُب ( النَّبَوِيَّة ) " .
وقال أيضاً عنه : " وهو مات لأجل الجميع ، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام " . وأيضاً : " إن الله جعل ( المسيح ) الذي لم يعرف
خطية ( ذبيحة ) خطية لأجلنا لنصير نحن بِرَّ الله فيه " ( 1كو 15 : 3 ) ، ( 2كو 5 :
15 – 21 ) .
فالمسيح لم يعرف خطية ، لكنه كان على الصَّليب حاملاً خطايا العالم .
وقال لأهل رومية : " فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار ، ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضاً أن يموت . ولكن الله بَيَّن مَحَبَّتَه لَنا ، لأَنَّه ونَحْنُ بَعْدُ خُطاة ، مات المَسيح
لأَجْلِنا " ( رو5 : 7 ، 8 ) .
وقال أيضاً : " مُتَبَرِّرين مَجَّاناً بنِعمَتِه بالفِداء الذي بيسوع المَسيح الذي قَدَّمَه الله
كَفَّارة " ( رو 3 : 24 ، 25 ) .
وأيضاً : " لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة " ( رو 6 : 10 ) .
وقال لأهل كولوسي عن المسيح : " لأنه فيه سُرَّ أَن يَحِلّ كُلّ المِلء ( أي اللاهوت
كله ) وأن يصالح به الكُلّ لنفسه عاملاً الصُّلح بدم صليبه بواسطته "(كولوسي1 : 19 ،
20 ) .
كما قال لهم : " وإن كنتم أمواتاً ... أحياكم معه مسامحاً لكم بجميع الخطايا ، إذ محا الصَّك ( دَين الخطايا ) الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا . وقد رفعه من الوسط مُسَمِّراً إياه على الصَّليب " ( كولوسي 2 : 13 ، 14 ) .
وقال لأهل أفسس عن المسيح : " الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غِنَى نِعمَتِه " ( أفسس 1 : 7 ) ، وأنه صالحنا " في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به "
( أفسس 2 : 16 ) . وأنه : " أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة " ( أفسس 5 : 2 ) .
وأنه : " أحب المؤمنين وأَسْلَمَ نفسه لأجلهم لكي يحضرهم لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غَضَن " ( أفسس 5 : 27 ) .
أما ( الغَضَن ) : هو التَّجَعُّد الذي يعلو الوجه عند الشيخوخة أو الإعياء . والمراد بالعبارة المذكورة أعلاه أن الله سيُحضِر المؤمنين الحقيقيين إليه كاملين كل الكمال ، بفضل كفارة المسيح الثمينة لأجلهم على الصليب ، وعمله الروحي في قلوبهم طوال وجودهم على الأرض .
وقال للعبرانيين عن المسيح : " لِكَي يذوق بنِعمة الله الموت لأجل كل
واحد " ( عبرانيين 2 : 9 ) . لأن المسيح عندما كان على الصليب ، كان يُمَثِّل كل إنسان في موقفه كمُذنِب أمام الله في الدينونة ، فحمل كل خطاياه من بداية حياته إلى آخرها ، الأمر الذي يعطي كُلَّ مؤمنٍ حقيقي الاطمئنان الكامل من جهة قبوله أمام الله على أساس كفارة المسيح . كما قال : " إنه أُظهِر مرة عند انقضاء الدهور ليُبطِل الخطية بذبيحة نفسه " ( عب 9: 26 ) . كما قال عنه : " فبعدما قَدَّم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله " ( عب 10 : 12 ) .
وأنه : " لكي يقدس الشعب بدم نفسه تأَلَّم خارج الباب " ( عب 13 : 12 ) ، أو بالحَرِيّ خارج باب المدينة حيث كانت تُحرَق الذبائح الكفارية عوضاً عن الخُطاة في العهد القديم . واقرأ الأصحاح التاسع من الرسالة إلى العبرانيين .
وقال لتلميذه تيموثاوس عن المسيح : " إنه بذل نفسه فدية لأجل الجميع " ( 1تيموثاوس 2 : 6 ) لكي يفتدينا من كل إثم .
ويكفي أن بولس الرسول وهو اكبر لاهوتي في العالم - وبِآنٍ واحدٍ أكبر خاطيء – لما أدرك دقائق سِرّ الفِداء وفَهِم لغة الله وسمع دقات قلبه وشرح كل أعمال فدية الابن على الصليب ، أنه عبر عن الفداء بتسبحة أخذ يتغَنَّى بها طول حياته ( حتى استُشْهِد ) من ثلاث كلمات ونِصف ، تحوي كل سِرَّ اللاهوت : " أحَبَّنِي وأَسْلَمَ نَفْسَه لأجْلِي " ( غل 2 : 20 ) .
فالرسل ( الحواريون* ) بشهادتهم أن المسيح مات كفّارة عن البَشَر ، كانوا يُعلِنون لليَهود زوال فائدة الذَّبائح الحيوانية التي كانوا يقدمونها لله على أيدي كهنتهم ، مُؤكِّدين لهم أتها كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح . وبما أن هذه الشهادة كانت تثير هؤلاء الكهنة ضد الرُّسُل وتَدْفَعُهُم لشَنّ الاضطهاد عليهم ، لأن بامتناع اليهود عن تقديم الذبائح المذكورة يحرم الكهنة من موارد رزقهم .
وبما أنه لو لم يكن المسيح قد مات فعلاً كفارة عن البشر ، لَما كان قد خطر ببال الرُّسُل أن ينطقوا بمِثل هذه الشهادة ويُجمِعوا عليها ، لأنه ليس من المعقول أن يختلقوا ( وهم جماعة متباينة من الناس كما هو معروف ) موضوعاً لا حقيقة له ، وفي الوقت نفسه يتعرضون بسببه للاضطهاد والعذاب بل للموت . كما أنه على الرغم من تَهاطُل هذا وذاك عليهم يستَمِرُّون في إذاعته بكُل ما لديهم من قوة ونشاط ، لذلك لا بد أن شهادتهم عن موت المسيح كفارة شهادة صادقة .
جـ. الأدلة الكِتابية ( النَّقليَّة ) على تَفَرُّد الله بمهمة الفِداء :
1- شهادة التوراة :
أ- قال موسى النَّبي لله : " تُرشِد برَأفَتِك الشَّعب الذي فدَيته " ( خروج 15 : 13 ) . وقال موسى ايضاً لله : " اغفر لشعبك إسرائيل الذي فدَيت يا رب " ( تث 12 : 8 ) .
ب- وقال حزقيال الملك التَّقِيّ : " الرب صالح يُكَفِّر عن كُل مَن هَيَّأَ قَلبَه لطلب الله " ( 2أخبار أيام 30 : 18 ، 19 ) .
جـ- وقال أيوب عن الله : " فَدَى نَفْسِي من العُبور إلى الحُفرَة ، فترى حياتي
النّور " ( أيوب 33 : 28 ) .
د- وقال داود النبي : " الرب فادي نفوس عبيده " . وقال أيضاً : " إنما الله يفدي نفسي من يَد الهاوية " ( مز 49 : 15 ) . كما خاطَب نفسَه قائلاً عن الله : " الذي يفدي من الحُفرَةِ حياتَكِ ، الذي يُكَلِّلُكِ بالرحمة والرأفة " ( مز 13 : 4 ) ، لأنه : " إله خلاصي " ( مز 25 : 5 ) .
ولذلك خاطب الله بالقول : " معاصينا أنتَ تُكَفِّر عنها " ( مز 65 : 3 ) .
هـ- وقال الله للشعب الخاطئ : " ارجِع إلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُك " ( إش 44 : 22 ) .
و- وقال إشعياء النبي : " فادينا رب الجنود اسمه " (إش 47 : 4 ) . وقال
أيضاً : " الرب قد فدَى يعقوب " ( إش 44 : 23 ) . وقال الله عن نفسه : " إله بار
ومُخَلِّص ، ليس سواي " ( إش 45 : 21 ) . والبار هو العادل ، والمُخَلِّص هو الرَّحيم ،
ومِن ثَمَّ لا سبيل إلى الجمع بينهما ، إلا إذا قَبِل المُخَلِّص تَحَمُّل نتائج خطايانا عِوَضاً عَنّا تحقيقاً للعدالة . وإلا كان الخلاص رحمة لا سند لها من العدالة ، ومِن ثَمّ لا تكون ثابتة أو راسخة ، فرحمة الله لا تعني التنازل عن ثَمن خطايانا ، أو بمعنى آخر لا تعني تعطيل صفة العدل في الله .
2- شهادة الإنجيل :
أ- قالت العذراء مريم عن الله : " الله مُخَلِّصِي " ( لو1 : 47 ) ، قاصدة بذلك أنه المُخَلِّص لها من الخَطِيئة ، لأنه لم تكن لديها وقتئذٍ مشكلة دنيوية ترجو الخلاص منها .
ب- وقال زكريا عندما الهمه الله أن ابنه يوحنا سيعد الطريق أمام المسيح : " مبارك الرب لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه " ( لو 1 : 68 ) .
جـ- وقال بولس الرسول عن الله أنه " يفدينا من كل إثم " ( تيطس 2 : 14 ) ،
وأنه : " افتدانا من لعنة النَّاموس " ( غلاطية 3 : 13 ) ، وأنه : " يُكَفِّر الخطايا " ( عبرانيين 2 : 17 ) ، وأنه : " خَلَّصَنا ( من خطايانا ) ودعانا دعوة مقدّسة " ( 2تيموثاوس 1 : 9 ) . وأنه بمقتضى رحمته خَلَّصنا من خطايانا ( تيطس 3 : 5 ) .
د- وقال بطرس الرسول أن : " الذي مثاله يُخَلِّصنا " ( 1بط 3 : 21 ) .
هـ- وقال يوحنا الرسول عن الله أنه : " يُطَهِّرنا من كل إثم " ( 1يو 1 : 9 ) . والتطهير من كل إثم يتضمّن الخلاص منه .
و- وقال يهوذا عن الله أنه : " الإله الحكيم الوحيد مُخَلِّصنا " ( آية 25 ) .
ثانياً : لماذا الله ؟ ألا يصلح أى كائن آخر للقيام بعملية الفداء؟!
الأجابة : لقد أخطأ الإنسان الأول ، وكانت خطيته ضد الله وكانت البشرية في صُلب آدم في ذلك الوقت ( جزءاً منه ) ، فالحُكم الذي وقع على آدم : " يوم تأكل منها ( الشجرة ) موتاً تموت " ( تك 2 : 17 ) وقع على ذريته أيضاً ، بالإضافة إلى أن البشرية ورثت عن آدم الخطية* فالكل يخطئ ويتعَدَّى على وصايا الله** وهذا واقع ملموس ، فهذه كلها تعديات وعصيان من البشر ( آدم وذريته ) موجهة ضد الله ، والله غير محدود ، لذلك صارت خطايا البشر غير محدودة والخطايا غير المحدودة عقوبتها غير محدودة وإن قدمت عنها كفارة ينبغي أن تكون كفارة غير محدودة ...
عدل الله أن يموت الإنسان ( اي ينفصل عن الله ) " موتاً تموت " ( تك 2 : 17 ) ، ورحمة الله أن يحيا الإنسان ( الوجود مع الله ) لأنه ضحية الشيطان ( تك 3 : 1-6 ) ، كما قال القديس أثناسيوس . وصفات الله لا تنفصل ( فعدل الله مملوء رحمة ورحمة الله مملوءة عدلاً ) . إذا نظرنا لرحمة الله فقط نكون قد عطلنا صفة العدل ( حاشا ) لأن هذا لا يتفق وكمال الله ( حيث تتساوى الصفات ) .
ما الحل إذن ؟
كان لا بد لحكمة الله أن تتدخَّل لحل هذا الإشكال ...
وهكذا تدخل أقنوم الابن لحل الإشكال . والابن هو ( حكمة الله وقوة الله ) ( 1كو : 1: 24 ) . ويُسَمِّيه سفر الأمثال ( الحكمة ) ( أم 9 : 1 ) .. ويُسَمَّى الكلمة أو
اللوجوس ( العقل ) ( يو 1 : 1 ) .
كيف أمكن لحكمة الله حل هذا الإشكال ؟
كان الحل هو الكفارة والفداء ، لا بد أن يموت أحد عن الإنسان - فيفديه - لإنقاذه ، ولم يصلح لهذا الفداء أي كائن آخر ، غير الإنسان ذاته ... فلماذا ؟
لأن الحكم صدر ضد الإنسان , فيجب أن يموت الإنسان.
ولأن كل إنسان محدود، لا يمكن أن يقدم كفارة غير محدودة، توفي العقوبة غير المحدودة للخطية غير المحدودة..
كان الحل الوحيد هو التَّجَسُّد : أن ينزل أقنوم الكلمة إلى عالَمِنا مولوداً من امرأة ، فهو من حيث لاهوته غير محدود كإله ، يمكنه أن يقدم كفارة غير محدودة تكفي لمغفرة جميع الخطايا لجميع الناس ، في جميع الأجيال . وهو من حيث ناسوته يمكنه أن ينوب عن الإنسان المحكوم عليه . ينوب عنه في دفع ثمن الخطية* .
من أجل هذا السبب كان السيد المسيح يتعمَّد أن يسَمِّي نفسه : " ابن الإنسان " في كثير من المجالات ... هذا إذن هو السبب الأساسي لولادة المسيح من العذراء ومن الروح القدس حَتَّى لا يحمل في جسده خطية بل ليحمل خطِيَّتنا . ويموت عنها ، لينقذنا من عقوبتها
الفداء في الإسلام
يقول فضيلة الشيخ د. أحمد الشرباصي* : " والقرآن الكريم هو أساس الإسلام ودستوره ، وهذا الكتاب الإلهي المجيد يلفت أبصارنا وبصائرنا إلى وجود التضحية والفداء منذ مطلع الخليقة ، فهو يحَدِّثنا في سورة ( المائدة /27 ) :
" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ "
وفي القربان هنا معنى التضحية والفداء ، لأن القربان هو ما يتقَرَّب به الإنسان إلى الله ، وصار في التعارف اسماً للنسيكة ، أي الذبيحة ، وجَمْعُه قرابين .
(الفداء في الإسلام للدكتور أحمد الشرباصي – ص 17 – مصدر سابق)
وجاء في تفسير ابن كثير : ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قَرَّب الشاةَ هو
هابيل ، وأن الذي قَرَّب الطعام هو قابيل ، وأنه تُقُبِّل من هابيل شاته ، حتى قال ابن عباس وغيره : إنه الكبش الذي فُدِيَ به الذَّبيح** ، وهو مناسب والله أعلم ( ولم يتقبل من قابيل ) .
كذلك نَصّ عليه غير واحد من السَّلَف والخَلَف ، وهو المشهور عن مجاهد أيضاً ، ..
(تفسير ابن كثير – سورة المائدة – المجلد الثالث – ص 79 – طبعة دار الشعب 8أجزاء (تحقيق عبد العزيز غنيم – محمد أحمد عاشور – محمد إبراهيم البنا)
وذكر السدي في تفسيره عن مشايِخِه بأسانيده ....
فَقَرَّبَ قابيل حِزمة من زرع وكان صاحب زرع ، وقَرَّب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب مواشٍ ، فنزلت نارٌ فأكلت قربان هابيل دون قابيل ، وكان ذلك سبب الشَّر بينهما ، وهذا هو المشهور .
(فتح الباري بشرح صحيح البخاري للعسقلاني – باب : خلق آدم وذريته – الجزء التاسع – العدد 90 – ص 597 – حديث 3335 – دار الغد العربي للنشر – توزيع الأهرام – 1994م)
فكان هابيل أول إنسان من أولاد آدم تقرب إلى الله بذبيحة . فقَبِله تعالى ورضي
عنه . وأما قايين أخوه ، فلما أراد أن يتقرب بغير ذبيحة أي حِنطة ( زرع ) رفضه الله مع تقدِمَته . فكانت الذبيحة للإنسان البِدائي درس عملي فيه يعرف أنه بدون سفك دَم لا تحصل مغفرة .
وجاء في ( الصافات /107 ) : " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ*** عَظِيمٍ " .
يقول الإمام البيضاوي في تفسيره لكلمة " عظيم " : عظيم الجُثّة سمين أو عظيم
القَدر ، لأن الله فدَى به نبياً .
(تفسير البيضاوي – سورة الصافات – تحقيق الشيخ عبد القادر عرفات – دار الفكر – بيروت)
ومن تفسير المُنتَخَب للآية : وفديناه بمذبوح عظيم القَدْر لكونه بامر الله
تعالى . (تفسير المنتخب – سورة الصافات – الطبعة 18 – مؤسسة الأهرام)
وقال الشيخ الشرباصي : أي جعلنا هذا المذبوح فداءً له ، وخَلَّصناه به من الذَّبح .
ويقول فضيلته : فقد رأى إبراهيم في نومه انه يذبح هذا الابن العزيز الغالي ، ورؤيا الأنبياء جزء من وحي الله تعالى إليهم .
(الفداء في الإسلام – فضيلة د. أحمد شرباصي – ص 16 ، 29 – مصدر سابق)
ثم يتكلم القرآن عن ذبيحة موسى ( البقرة / 67-73 ) ، وذبيحة إيليا ( آل عمران /183 ) ، وذبيحة الأضحى ( البقرة /195 ) ، ( الحِجّ/28 ، 36 ، 37 ) .
يقول فضيلة الشيخ مخلوف من ضمن ما قال عن الحكمة في مشروعية الأضحية :
" .. وتذكير المسلمين بالذِّبح العظيم " . (جريدة الأهرام – 15/8/1986م)
ويقول فضيلة د. الشرباصي : " وكأن القرآن الكريم يريد بهذا الحديث المتعدد المواطن أن يشيع فينا جو الفداء وذِكر الفِداء . وإذا كان القرآن لم يذكر مادة " التضحية " فإنه أشار إليها بكامة " النَّحر " وهو الذَّبح ، ولا يتحقق الذبح إلا بذبيحة ، وتقديمها تضحية وفداء ، فقال في سورة الكوثر/2 : " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ " ، وجاء في الحديث الشريف : " إن على
كل أهل بيت اضحية كل عام " . (الفداء في الإسلام – ص 18 – مصدر سابق)
وفي السُّنّة جاء الآتي :
روى البخاري ومسلم عن أنس قال : " ضحّى رسول الله ( ص ) بكبشَين أملحَين أقرَنَين ، ذبحهما بيده وسَمّى وكَبَّر ووضع رجله على صفحاتهما " . وبحديث أبي رملة بن مخنف قال : قال رسول الله ( ص ) ونحن وقوف معه بعرفات " يا أيها الناس إن على
كل أهل بيت في كل عام أضحية ... " [ رواه أبو داود والترمذي والنّسائي وغيرهم . وقال الترمذي حديث حَسَن ] .
وجاء في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ( ص ) " ضَحّى في منى عن نسائه
بالبقر " . وجاء عن النبي ( ص ) : " ضحى بكبشين وقال : اللهم تقبل من محمد وآل
محمد " .
وعن عائشة قالت : " أن النبي ( ص ) ضحى عن نسائه بمنى في حجة
الوداع " . [ رواه البخاري ومسلم ] .
(فقه المسلم والمسلمة – محمد حسين – ص 59 ، 60 ، 61 ، 73 – المدائن للنشر – طبعة أولى 1415هـ - 1994م – رقم الإيداع : 9769/1994م –ISBN: 977-5339-15-4 )
وعن أبي هريرة قال : " أن رسول الله ( ص ) ذبح بقرة عن نسائه وكُنّ
متمتعات " [ رواه ابن مردويه ] .
(تفسير ابن كثير – سورة البقرة – المجلد الأول – ص339 – مصدر سابق)
وقال فضيلة الشيخ حسني أبو بكر المنشاوي* ( إمام جامع عمرو بن العاص – عام 1995م ) : إن الرسول ( ص ) ضَحَّى عن جميع الأمّة من غير القادرين من المسلمين لأنه عند ذبحه لأحد الكبشين قال : " اللهم هذا عَنِّي وعَمَّن لم يُضَحِّ من أمّتي " [ رواه أحمد وأبو داود والترمذي ] .
انظر ايضاً تفسير ابن كثير لسورة الحِج [ ابن كثير 5/423 ] حيث قال ( ص ) :
" اللهم هذا عن أمتي جميعها .. " .
وقيل عن علي بن أبي طالب أنه كان " يضحي بكبشين عن النبي (ص) وبكبشين عن نفسه وقال : " إن رسول الله ( ص ) أمرني أن أضحي عنه أبداً ، فأنا أضحي عنه
أبداً " . رواه الترمذي وأبو داود والبيهَقي .
(فقه المسلم والمسلمة – ص 66 – مصدر سابق)
وعن عمل الذبيحة وأهميتها وفاعليتها نورد الآتي : " جاء في ( الحِج/36 ) : ".. لَكُمْ فِيْهَا خَيْر .. " . روروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ( ص ) قال لفاطمة رضي الله عنها : " قومي إلى أُضحِيَتِكِ فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يُغفَر لَكِ ما سَلَف من ذنبك " رواه البيهقي ورواه عن علِيّ .
(المصدر السابق – ص 67- أنظر أيضا جمع الجوامع الكبير للسيوطى – حديث رقم 28024- ج9 (15 مجلد) دار الكتب العلمية بيروت -الطبعة الأولى2000م)
وفى رواية قال النبى (ص) :"يا فاطمة! قومى إلى أضحيتك فأشهديها،فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها يُغفر لك ما سلف من ذنوبك، قالت : يا رسول الله! هذا لنا خاصة ؟ قال : بل لنا وللمسلمين عامة" (رواه الحاكم فى المستدرك عن ابى سعيد الخدرى).
(المصدر السابق – حديث رقم (28022))
وفى رواية قال النبى (ص) :"يا فاطمة! قومى إلى أضحيتك فأشهديها، فإنه يغفرُ لك عند أول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملتيه، وقولى : إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ، قيل : يا رسول الله! هذا لك ولأهل بيتك خاصة؟ قال : بل للمسلمين عامة" (رواه الطبرانى فى المعجم الكبير والحاكم فى المستدرك والبيهقى فى السنن الكبرىعن عمران بن حصين).
(المصدر السابق- حديث رقم (28023))
لذلك قال الشيخ المنشاوى (إمام جامع عمرو بن العاص) : لقد جعل الله الأضحية من شعائره يذبحها المسلم ليتقرب بها إلى ربِّه لينال مغفرته ورضوانه ولتكون تكفيراً لِما جَنَته يداه من الذنوب والآثام .
وجاء في تفسير ابن كثير : إن النَّحر هو يوم الحج الأكبر . وقد ورد حديث في مُسنَد الإمام أحمد عن عبد الله بن قرط ( 4/350 ) أنه أفضل الأيام عند الله .
وعن عائشة أن رسول الله ( ص ) قال : " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقة دَم .. ، وإن الدم ليقع من الله بمكان ، قبل أن يقع على الأرض ، فطَيِّبوا بها نَفساً " . رواه بن ماجة ، والترمذي ، وحَسَّنَهُ .
(تفسير ابن كثير – المجلد الخامس – ص 411 ، 422 ، 423 – الطبعة السابقة)
وفى رواية عن النبى (ص) :"أعظم الأيام عند الله يوم النحر " رواه الإمام أحمد وابو داود والحاكم فى المستدرك وأمالى الشجرى وابن خزيمة فى صحيحه.
(جمع الجوامع الكبير للسيوطى – ج1- حديث رقم 3316- مصدر سابق)
وتحت عنوان الآية : " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ " جاء بالبُنط العريض ( الخط المشدد ) :
" احرِص على الأضحية ليغفر الله ذنوبك "
وذلك على لسان فضيلة د. أبو سريع عبد الهادي .
(جريدة الجمهورية – 21/6/1991م)
وفي أحكام الأضحية جاء :
- في شرح ( البقرة/71 ) : " أي أنها ليست مُذَلَّلَة للحِراثَة ، ولا مُعَدَّة لِلسَّقْي في السانية ( أداة السّقي ) بل هي مكرمة حسنة صحيحة ( مُسَلَّمَة ) صحيحة بلا عيب ( لا شِيَة فيها ) أي ليس فيها لون غير لونها .
وقال عبد الرازق عن معمر عن قتادة ( مُسَلَّمة ) يقول : لا عيب فيها .
(تفسير ابن كثير – سورة البقرة – المجلد الأول – ص 159 – الطبعة السابقة)
- وقال فضيلة الشيخ مخلوف مفتي مصر الأسبق : " ... ولا يجوز بيعها والتصدق بثمنها على الفقراء لأن المقصود شرعاً التقرب إلى الله والفداء بإراقة الدماء ، ولا يجوز استبدالها بالنقود ، كما لا يجوز شراء لحوم مذبوحة وتوزيعها على الفقراء كأضحية .
(جريدة الأهرام – 15/8/1986م)
- وقال فضيلة د. أبو سريع عبد الهادي في شروط الأضحية : " أن تكون الأضحية تامة الخلقة سليمة من كل عيب ينقص اللحم ... .
(جريدة الجمهورية – 21/6/1991م)
- وقال فضيلة الشيخ حسني أبو بكر المنشاوي إمام جامع عمرو بن العاص عام 1995م : ويجب ان تكون الأضحية سليمة من الأمراض والعيوب ، ...
(انظر صورة الحديث في نهاية البحث)
- ويُستَحَب أن يُنحر البعير قائماً على ثلاث قوائم معقول الرُّكبَة ... .
(فقه المسلم والمسلمة – ص 67 – مصدر سابق)
- والسُّنّة أيضاً أن يقسم المُضَحِّي الأضحية ثلاثاً ، ...
(جريدة الجمهورية – 21/6/1991م)
ونود أن نختم الكلام عن الفداء في الإسلام بهذه المقالة الرائعة لفضيلة د. محمد جلال سعاد تحت عنوان قرآن وسُنَّة :
قال ( ص ) : " ما عمل ابن آدم يوم النَّحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دَم ، وإنها لَتَأتي يوم القيامة بقرونِها وأظلافها وأشعارها ، وإن الدم ليقع من الله – عز وجل – بمكان قبل أن يقع على الأرض ، فطيبوا بها نَفساً " .
وشرح الحديث :
إن أحب طاعات العبد التي يعملها يوم العيد إلى الله ، إنما هو إراقة دم الضحية ، وسِر ذلك أن إراقة الدم رمز لقصة استسلام العبد لله ، وإقراره على نفسه بكثرة ذنوبه ، فكأن العبد يقول بلسان الضحية : " إنني عبد خَطَّاء أستحِق الذبح لكثرة خطاياي وجرأتي على ربي بالمعصية ، فأنا أذبح هذه الضحية نائبة عنّي في تَلَقِّي ماكنت أستحق من الإهلاك على كثرة ذنوبي رجاء مغفرة الله لي " . وبهذا التفسير تكون عبودية المُسلِم لخالقه وطلب المغفرة
منه . (جريدة الجمهورية – 29/10/1978م)