فهرس المائة الثامنة
تاريخ كنيستي (223)
بيزنطة كنيسة المسيح أم كنيسة الملك
منقول من مقالات القمص انجيلوس جرجس شنودة
يزنطة / القسطنطينية .. الإمبراطورية البيزنطية (الإمبراطورية الرومانية الشرقية)
يزنطة هي مدينة يونانية قديمة أُسست على مضيق البوسفور في القرن السابع قبل الميلاد، وأصبحت لاحقاً نواة للإمبراطورية البيزنطية (الإمبراطورية الرومانية الشرقية)تمييزاً لها من «الامبراطورية الرومانية الغربية»، في العام 324، اختار الامبراطور الروماني قسطنطين، موقع «بيزنطيوم» وهو المستعمرة اليونانية القديمة التي كانت تقع في مثلث من الأرض بين مياه القرن الذهبي والبوسفور وبحر مرمرة، لتبنى عليه حاضرة امبراطوريته في الشرق. وفي شهر أيار من عام 330 انتهى بناؤها، ودشنت القسطنطينية عاصمة في الشرق وسميت باسمه. واستمرت لأكثر من ألف عام حتى سقوطها عام 1453 م وكانت مقر المسيحيين الأرثوذكس فى العالم
الكنيسة هي الملكوت الذي أسسه الرب بتدبير خلاصه، وقد أعطى نعمة الخلاص في كنيسته بأسرار خاصة يحل فيها بقوة روحه القدوس. وكان رسله هم المؤتمنون على ملكوته، ثم سلموا آخرين لكي يكون الملكوت الإلهي على الأرض هو هو ما سلمه الرب للرسل.
ومَنْ يريد الملكوت يجب أن يخضع لعمل المسيح له المجد في كنيسته سواء كان ملكاً أو عالماً أو إنساناً غنياً يكون سواء بسواء مع أي إنسان في ملكوت اللـه، ولكن الجهل بالكنيسة والاستخفاف بها يحرم الإنسان من الملكوت ويجعله متغرباً عنها مهما كان مكانته أو رتبته. هكذا يحكي التاريخ هراطقة حملوا رتب كنسية، وملوك حاولوا السيطرة على الكنيسة ويغيروا ما تسلمته الكنيسة فلم تعد كنيسة، بل صارت مؤسسة ملكية أو مؤسسة هرطوقية.
هكذا سنرى التاريخ يحكي ما حدث في بيزنطة التي أصبحت تدار عن طريق الملوك ولم تعد ملكوت المسيح، بل مملكة الملوك. بعد أن هزم كروم ملك بلغاريا بيزنطة في معركة "بليسكا" عام 811م وقتل نيقفور وأخذ جمجمته وطلاها بالفضة وشرب فيها الخمر كان أيضاً قد جُرح ابنه الوحيد "ستاوراكوس" ونُقل إلى القسطنطينية، ولكنه صار مشلولاً وتدهورت حالته فتنازل عن العرش إلى ميخائيل الأول زوج شقيقته بركوبيا، ومات بعد شهرين.
وكان هذا في وقت بطريرك القسطنطينية نيقفورس الذي كان رجل علمانياً، ثم وضعه القيصر نيقفور ليتحكم في الكنيسة بعيد عن أساقفتها الذين كانوا معارضين لتصرفات كثيرة، ولكن بالرغم من أنه كان علمانياً، لكن كان من محبي الأيقونات وصاغ قوانين أعادت هيبة الأديرة والرهبان، وأعلن عن قدسية الأيقونات، ولكن كان التيار الرافض للأيقونات لايزال قوياً.
ثم دخل القيصر ميخائيل الأول في حربٍ مع كروم ملك بلغاريا وهُزم عام 813م، فثار عليه أحد كبار رجال الجيش وهو ليون الخامس أو ليون الأرمني لأنه كان من محاربي الأيقونات ووجد ميخائيل ضعيفاً أمام البطريرك وينفذ كلامه وخاصة بعد هزيمته من بلغاريا، فحاصر القصر وقبل اقتحامه أعلن ميخائيل تنازله عن العرش وحتى لا يمس أحد عائلته أعلن دخوله هو وزوجته وأولاده وبناته الأديرة، فذهب هو إلى دير في جزيرة "بروتي" في تركيا الآن وترهب باسم أثناسيوس ليكون قد تخلى عن اسمه وكيانه السابق كإمبراطور، وترهبت زوجته وترهب أولاده الثلاثة والذين منهم سيكون بطريرك القسطنطينية أغناطيوس عام 847م ثم سيعُزل وسيعود عام 867م ويموت عام 877م، وترهبت أيضاً ابنتي ميخائيل.
أما ليون الخامس فقد أصدر قراراً بأن لا يتكلم أحد في أمور الكنيسة خارج الكنيسة، وكان الصراع بين مؤيدي ورافضي الأيقونات شديد جداً. وكان هناك راهباً في دير سرجيوس وواخس بالقرب من القصر الإمبراطوري اسمه "يوحنا" اشتهر بأنه عالم لاهوتي وقدرته الدبلوماسية حتى أنه كان مندوباً عن الإمبراطور في التفاوض مع الخليفة العباسي، ولكنه كان يعتقد بالأفكار الأفلاطونية الحديثة وضد الأيقونات أيضاً فأحضره ليون الأرمني وطلب منه تشكيل لجنة لجمع آيات من الكتاب المقدس وأقوال الآباء لإثبات أن الأيقونات فكرة وثنية وهذا ليعلنه على البطريرك والأساقفة فيكون غطاء لاهوتي لقراراته.
وفي عام 815م أنجز يوحنا هذه المهمة وقد استضافه في القصر وأعلن ليون قراره بالسماح بتعليق الأيقونات في الكنائس، ولكن أعلى الجدار ملاصقاً للسقف حتى لا يمكن لأحد أن يأخذ منها بركة وأن الأيقونات مجرد فن لتجميل الكنائس، ولكنها لا تحمل أي قدسية.
وبالفعل دخل الجنود ورفعوا كل الأيقونات في الكنائس والأديرة أعلى الجدران، ولكن هاج الشعب واشتبكوا مع الجنود، كما أعلن نيقفورس البطريرك أن ليون يجب أن يسقط لأنه يحارب الأيقونات، فأعلن ليون تدمير الأيقونات تحدياً للبطريرك وأرسل الجنود إلى الكنائس يحطموا الأيقونات، بل أزالوا أيقونة السيد المسيح وداسوها بأقدامهم في القصر الجمهوري أمام الشعب فاشتعلت الثورة وطالبوا بسقوط الإمبراطور، وحتى يهدئ ليون الثورة أحضر نيقفورس البطريرك وكان في وجود يوحنا الراهب الذي أعد التقرير ضد الأيقونات وقال له أنه استند إلى بحث لاهوتي في قراره، فقال له البطريرك: "وما شأنك أنت بالأمور اللاهوتية، هذه الأمور تناقش في مجامع الكنائس"، وأنه هو البطريرك والقيصر ليس له أن يقرر هذا، ولكن هدده ليون إذ لم يصدر قراراً بحرمان الأيقونات سيعزله، فقال أنه مستعد للعزل من أن يصدر هذا القرار.
فأحضر ليون بعض الأساقفة الموالين له واجتمع بهم في كنيسة أيا صوفيا مع يوحنا الذي جعله رئيس لدير سرجيوس وواخس وسيكون بطريركاً فيما بعد وأعلنوا عزل البطريرك نيقفورس ونفيه إلى دير ثيؤدور في إحدى الجزر ومات هناك عام 828م. وأجلس ليون بعده ثيؤدوتوس وكان أحد موظفي البلاد ولم يكن راهباً أو كاهناً ولا يعرف أي شيء عن الكنيسة، ولكنه سينفذ ما يقوله القيصر.
وأول ما جلس أقام احتفال صاخب وأحضر الأساقفة والرهبان وعمل وليمة كبيرة وجعل فيها فقرات اللهو والرقص. ثم عام 815م دعا القيصر ليون إلى عقد مجمع برئاسته وحضور البطريرك ثيؤدوتوس أعلن فيه: "بما أن مستقبل الإمبراطورية مرتبط بالكنيسة الأرثوذكسية ومعتمد على وحدتها، وقد أدينت عبادة الأيقونات في مجامع سابقة بكونها طقوس وثنية فنحن والكنيسة ندين عرض الأيقونات وعبادتها وإشعال البخور والشموع أمامها، وأي مجامع أخرى أقرت هذا تعد باطلة".
وأصدر قراراً بأن كل مَنْ يوجد عنده أيقونة يُقبض عليه ويُسجن، وكان رئيس الدير "ستودويوس" أكبر دير في القسطنطينية اسمه ثيؤدور يقود حملة الدفاع عن الأيقونات الشعبية فأصر على وضع الأيقونات في الدير متحدياً ليون الخامس فأمر بسجنة وتعذيبه، فأرسل رسائل هو ومَنْ معه في السجن إلى باسكال بابا روما يستنجد به. وأرسل أيضاً رسائل إلى الإمبراطور لويس الطيب ابن شارل الكبير ليتدخل في أحوال القسطنطينية وينقذ الكنيسة من الأشرار محطمي الأيقونات. وللأسف وقعت هذه الرسائل في يد ليون قبل أن تصل إلى بابا روما ولويس الطيب فكان هذا ذريعة لتعذيب الراهب ثيؤدور بصوره وحشية.
وفي نفس الوقت كان هناك قائداً للجيش اسمه ميخائيل العموري وكان من أصدقاء القيصر المقربين وشى به البعض بأنه يقود جماعة سرية لاغتيال القيصر والجلوس على العرش مكانه، فأمر بالقبض عليه وإعدامه، ووضعه في السجن مؤقتاً.
وفي ليلة عيد الميلاد وأثناء الاحتفال في قداس العيد في كنيسة القصر تخفى الثوار في زي رهبان، وبينما كان ليون يرتل ترانيم الميلاد في القداس طعنوه وسقط وسط الكنيسة، وتوجهوا إلى السجن وأخرجوا ميخائيل العموري وأجلسوه إمبراطوراً بدلاً منه عام 820م. فأخرج كل المسجونين لأجل الأيقونات ومنهم الراهب ثيؤدور، وأرسل إلى بابا روما ولويس الطيب يخبره بأنه أمر بتعليق الأيقونات في الكنائس والأديرة، ولكنه يعارض أي طقوس فيها عبادة للأيقونات وكان هذا في عصر المأمون.
وكانت صقلية تابعة إلى بيزنطة وكان حاكمها أوفيموس أعجب براهبة فقاك بخطفها وتزوجها رغماً عنها ووصل هذا إلى ميخائيل العموري فحكم عليه بقطع أنفه وعزله فهرب، وذهب إلى تونس وكانت تحت حكم الأغالبة المسلمين التابعين لهارون الرشيد وطلب منهم أن يعيدوه إلى عرشه مقابل جزية سنوية.
وبدأت حركات متتالية منهم ضد الجزيرة حتى سقطت في أواخر القرن التاسع عام 902م وظلت مملكة إسلامية حتى الغزو النورماندي لها عام 1061م على يد روجر الأول، ولكن ظلت الجزيرة بها علماء وأدباء مسلمين، وكان بها مجالس أدباء ودواوين ترجمة مما جعل صقلية جسراً لنقل علوم وأفكار الفلاسفة اليونانيين إلى أوروبا.
لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين
مـــــــــــــــــراجع
(1)