جارى العمل فى هذه الصفحة
الجزء التالى من كتاب السيرة
النبوية - تأليف: عبد الملك بن هشام المعافري - المجلد الخامس - 93 / 116
أبو شريح يذكر عمرو بن الزبير بحرمة
مكة :
قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح الخزاعي ، قال
: لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبدالله بن الزبير ، جئته ، فقلت له :
يا هذا ، إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين افتتح مكة ، فلما كان الغد
من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك .
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً ، فقال : يا أيها الناس ، إن الله
حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة ، فلا يحل
لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ، أن يسفك فيها دماً ، ولا يعضد فيها شجراً ، لم
تحلل لأحد كان قبلي ، ولا تحل لأحد يكون بعدي ، ولم تحلل لي إلا هذه الساعة ، غضبا
على أهلها . ألا ، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب .
فمن قال لكم : إن رسول الله قد قاتل فيها ، فقولوا : إن الله قد أحلها لرسوله ،
ولم يحللها لكم ، يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل ، فلقد كثر القتل إن نفع ،
لقد قتلتم قتيلاً لأدينه ، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين : إن شاءوا
فدم قاتله ؛ وإن شاءوا فعقله .
ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة ؛ فقال عمرو لأبي
شريح : انصرف أيها الشيخ ، فنحن أعلم بحرمتها منك ، إنها لا تمنع سافك دم ، ولا
خالع طاعة ، ولا مانع جزية ، فقال أبو شريح : إني كنت شاهداً وكنت غائباً ، لقد
أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا غائبنا ، وقد أبلغتك ، فأنت
وشأنك .
أول قتيل وداه عليه السلام يوم الفتح :
قال ابن هشام : وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح
جنيدب بن الأكوع ، قتلته بنو كعب ، فوداه بمائة ناقة .
تخوف الأنصار من بقاء الرسول بمكة :
قال ابن هشام : وبلغني عن يحيى بن سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين
افتتح مكة ودخلها ، قام على الصفا يدعو الله ، وقد أحدقت به الأنصار ، فقالوا فيما
بينهم : أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم
بها ؟
فلما فرغ من دعائه قال : ماذا قلتم ؟ قالوا : لا شيء يا رسول الله ؛ فلما يزل
بهم حتى أخبروه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : معاذ الله ! المحيا محياكم ،
والممات مماتكم .
كسر الأصنام :
قال ابن هشام : وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له ، عن ابن شهاب
الزهري ، عن عبيد الله بن عبدالله ، عن ابن عباس ، قال : دخل رسول الله صلى الله
عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته ، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص
، فجعل النبي صلى الله عيه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول : ( جاء
الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ) فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع
لقفاه ، ولا أشار إلى قفاه ، إلا وقع لوجهه ، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع ؛ فقال
تميم بن أسد الخزاعي في ذلك :
وفي الأصنام معتبر وعلم * لمن يرجوا الثواب أو العقابا
إسلام فضالة :
قال ابن هشام : وحدثني أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل النبي صلى
الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح ؛ فلما دنا منه ، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : أفضالة ؟ قال : نعم فضالة يا رسول الله ؛ قال : ماذا كنت تحدث
به نفسك ؟
قال : لا شيء ، كنت أذكر الله ؛ قال : فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال
: استغفر الله ، ثم وضع يده على صدره ، فسكن قلبه ؛ فكان فضالة يقول : والله ما
رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه .
قال فضالة : فرجعت إلى أهلي ، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها ، فقالت : هلم إلي
الحديث ، فقلت : لا ، وانبعث فضالة يقول :
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا * يأبى عليك الله والإسلام
لوما رأيت محمداً وقبيله * بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا * والشرك يغشى وجهه الإظلام
الأمان لصفوان بن أمية :
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر ، عن عروة بن الزبير ، قال : خرج صفوان بن
أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب : يا نبي الله إن صفوان
بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هارباً منك ، ليقذف نفسه في البحر ، فأمنه ، صلى الله
عليك ؛ قال : هو آمن ؛ قال : يا رسول الله ، فأعطني آية يعرف بها أمانك .
فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة ، فخرج بها عمير حتى
أدركه ، وهو يريد أن يركب في البحر ، فقال : يا صفوان ، فداك أبي وأمي ، الله
الله في نفسك أن تهلكها ، فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به ؛
قال : ويحك ! أغرب عني فلا تكلمني .
قال : أي صفوان ، فداك أبي وأمي ، أفضل الناس ، وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير
الناس ، ابن عمك ، عزه عزك ، وشرفه شرفك ، وملكه ملكك ، قال : إني أخافه على نفسي
، قال : هو أحلم من ذاك وأكرم . فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال صفوان : إن هذا يزعم أنك قد أمنتنى ، قال : صدق ؛ قال :
فاجعلني فيه بالخيار شهرين ؛ قال : أنت بالخيار فيه أربعة أشهر .
قال ابن هشام : وحدثني رجل من قريش من أهل العلم أن صفوان قال لعمير : ويحك !
اغرب عني ، فلا تكلمني ، فإنك كذاب ، لما كان صنع به ، وقد ذكرناه في آخر حديث يوم
بدر .
إسلام عكرمة وصفوان :
قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري : أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، وفاختة بنت
الوليد - وكانت فاختة عند صفوان بن أمية ، وأم حكيم عند عكرمة بن أبي جهل - أسلمتا
؛ فأما أم حكيم فاستأمنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لعكرمة ، فأمنه ، فلحقت به
باليمن ، فجاءت به ؛ فلما أسلم عكرمة وصفوان أقرهما رسول الله صلى الله عليه سلم
عندهما على النكاح الأول .
قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن عبدالرحمن بن حسان بن ثابت : قال : رمى حسان
ابن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاده عليه :
لا تعدمن رجلاً أحلك بغضه * نجران في عيش أحذ لئيم
********************************************************
الجزء التالى من كتاب السيرة
النبوية - تأليف: عبد الملك بن هشام المعافري - المجلد الخامس - 93 / 116
إسلام عباس بن مرداس
سبب إسلام ابن مرداس :
قال ابن هشام : وكان إسلام عباس بن مرداس ، فيما حدثني بعض أهل العلم بالشعر ،
وحديثه أنه كان لأبيه مرداس وثن يعبده ، وهو حجر كان يقال له ضمار ، فلما حضر مرداس
قال لعباس : أي بني ، اعبد ضمار فإنه ينفعك ويضرك ، فبينا عباس يوماً عند ضمار ،
إذ سمع من جوف ضمار منادياً يقول :
قل للقبائل من سليم كلها * أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى
أودى ضمار وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد
فحرق عباس ضمار ، ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فأسلم .