Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - coptic history

بقلم عزت اندراوس

الخليفة الخامس لبنى أمية : عبد الملك بن مروان بن الحكم

  هناك فى صفحة خاصة أسمها صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات وصمم الموقع ليصل إلى 30000 موضوع مختلف فإذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس لتطلع على ما تحب قرائته فستجد الكثير هناك -

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

لم ننتهى من وضع كل الأبحاث التاريخية عن هذا الموضوع والمواضيع الأخرى لهذا نرجوا من السادة القراء زيارة موقعنا من حين لآخر - والسايت تراجع بالحذف والإضافة من حين لآخر - نرجوا من السادة القراء تحميل هذا الموقع على سى دى والإحتفاظ به لأننا سنرفعه من النت عندما يكتمل                               

Home
Up
خلفاء الأسرة الأموية
مقتل الحسين
خلفاء الفرع المروانى
يزيد بن عبد الملك
هشام بن عبد الملك
يزيد بن الوليد
مروان بن محمد الحمار

Hit Counter

 

*******************************************************************************

الخليفة الرابع لبنى أمية : أبو عبد الملك / مروان بن الحكم

الجزء التالى من تاريخ كتاب البداية والنهاية لــ أبن كثير الجزء الثامن السنة 64 و 65  وضعنا له فقط رؤوس مواضيع .

*******************************************************************************

من هو مروان بن الحكم (حكم الفرع المروانى من بنى أمية )؟

هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أبو عبد الملك ويقال‏:‏ أبو الحكم‏.‏

ويقال‏:‏ أبو القاسم، وهو صحابي عند طائفة كثيرة لأنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه في حديث صلح الحديبية‏.‏

وفي رواية ‏(‏صحيح البخاري‏)‏ عن مروان، والمسور بن مخرمة، عن جماعة من الصحابة الحديث بطوله‏.‏

وروى مروان عن عمر، وعثمان وكان كاتبه - أي‏:‏ كان كاتب عثمان - وعلي، وزيد بن ثابت، وبسيرة بنت صفوان الأزدية وكانت حماته‏.‏

وقال الحاكم أبو أحمد‏:‏ كانت خالته، ولا منافاة بين كونها حماته وخالته‏.‏

وروى عنه ابنه عبد الملك، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومجاهد وغيرهم‏.‏

قال الواقدي، ومحمد بن سعد‏:‏ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه شيئاً، وكان عمره ثمان سنين حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، وقد كان مروان من سادات قريش وفضلائها‏.‏

روى ابن عساكر وغيره أن عمر بن الخطاب خطب امرأة إلى أمها فقالت‏:‏ قد خطبها جرير بن عبد الله البجلي وهو سيد شباب المشرق، ومروان بن الحكم وهو سيد شباب قريش، وعبد الله بن عمر وهو من قد علمتم‏.‏

فقالت المرأة‏:‏ أجادٌّ يا أمير المؤمنين‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قالت‏:‏ قد زوجناك يا أمير المؤمنين‏.‏

وقد كان عثمان بن عفان يكرمه ويعظمه، وكان كاتب الحكم بين يديه، ومن تحت رأسه جرت قضية الدار، وبسببه حصر عثمان بن عفان فيها‏.‏

وألح عليه أولئك أن يسلم مروان إليهم فامتنع عثمان أشد الامتناع، وقد قاتل مروان يوم الدار قتالاً شديداً، وقتل بعض الخوارج، وكان على الميسرة يوم الجمل، ويقال‏:‏ إنه رمى طلحة بسهم في ركبته فقتله فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/283‏)‏

وقال أبو الحكم‏:‏ سمعت الشافعي يقول‏:‏ كان علي يوم الجمل حين انهزم الناس يكثر السؤال عن مروان فقيل له في ذلك‏.‏

فقال‏:‏ إنه يعطفني عليه رحم ماسة، وهو سيد من شباب قريش‏.‏

وقال ابن المبارك‏:‏ عن جرير بن حازم، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر أنه قال لمعاوية‏:‏ من تركت لهذا الأمر من بعدك‏؟‏

فقال‏:‏ أما القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله، مروان بن الحكم‏.‏

وقد استنابه على المدينة غير مرة، يعزله ثم يعيده إليها، وأقام للناس الحج في سنين متعددة‏.‏

وقال حنبل‏:‏ عن الإمام أحمد، قال‏:‏ يقال‏:‏ كان عند مروان قضاء، وكان يتتبع قضايا عمر بن الخطاب‏.‏

وقال ابن وهب‏:‏ سمعت مالكاً يقول‏:‏ وذكر مروان يوماً فقال‏:‏ قال مروان‏:‏ قرأت كتاب الله منذ أربعين سنة ثم أصبحت فيما أنا فيه، من إهراق الدماء وهذا الشأن‏.‏

وقال إسماعيل بن عياش‏:‏ عن صفوان بن عمرة، عن شريح بن عبيد وغيره‏.‏

قال‏:‏ كان مروان إذا ذكر الإسلام قال‏:‏

بنعمت ربي لا بما قدمت يدي * ولا بتراثي إنني كنت خاطئاً

وقال الليث عن يزيد بن حبيب، عن سالم أبي النضر أنه قال‏:‏ شهد مروان جنازة فلما صلى عليها انصرف، فقال أبو هريرة‏:‏ أصاب قيراطاً وحرم قيراطاً، فأخبر بذلك مروان فأقبل يجري حتى بدت ركبتاه، فقعد حتى أذن له‏.‏

وروى المدائني عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد‏:‏ أن مروان كان أسلف علي بن الحسين حتى يرجع إلى المدينة بعد مقتل أبيه الحسين ستة آلاف دينار، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع من علي بن الحسين شيئاً، فبعث إليه عبد الملك بذلك فامتنع من قبولها، فألح عليه فقبلها‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ أنبأنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه‏:‏ أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها، ويعتدان بها‏.‏

وقد روى عبد الرزاق‏:‏ عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال‏:‏ أول من قدم الخطبة على الصلاة يوم العيد مروان‏.‏

فقال له رجل‏:‏ خالفت السنة‏.‏

فقال له مروان‏:‏ إنه قد ترك ما هنالك‏.‏

فقال أبو سعيد‏:‏ أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ ولما كان نائباً بالمدينة كان إذا وقعت معضلة جمع من عنده من الصحابة فاستشارهم فيها‏.‏

قالوا‏:‏ وهو الذي جمع الصيعان فأخذ بأعدلها فنسب إليه الصاع، فقيل‏:‏ صاع مروان‏.‏

وقال الزبير بن بكار‏:‏ حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثني ابن أبي علي اللهبي، عن إسماعيل بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه‏.‏

قال‏:‏ خرج أبو هريرة من عند مروان فلقيه قوم قد خرجوا من عنده فقالوا له‏:‏ يا أبا هريرة، إنه أشهدنا الآن على مائة رقبة أعتقها الساعة‏.‏‏(‏ج/ص‏:‏ 8/284‏)‏

قال‏:‏ فغمز أبو هريرة يدي، وقال‏:‏ يا أبا سعيد، بك من كسب طيب خير من مائة رقبة‏.‏

قال الزبير‏:‏ البك الواحد‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد‏.‏

قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا بلغ بنو أبي فلان ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولاً، ودين الله دخلاً، وعباد الله خولاً‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه أبو يعلى عن زكريا بن زحمويه، عن صالح بن عمر، عن مطرف، عن عطية، عن أبي سعيد‏.‏

قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلاً اتخذوا دين الله دخلاً، وعباد الله خولاً، ومال الله دولاً‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه الطبراني عن أحمد بن عبد الوهاب، عن أبي المغيرة، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد، عن أبي ذر‏.‏

قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلاً‏)‏‏)‏‏.‏

وذكره، وهذا منقطع‏.‏

ورواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة من قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً‏)‏‏)‏ فذكره‏.‏

ورواه البيهقي وغيره من حديث ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن ابن وهب، عن معاوية، وعبد الله بن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا مال الله بينهم دولاً، وعباد الله خولاً، وكتاب الله دغلاً، فإذا بلغوا ستة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة‏)‏‏)‏‏.‏

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عبد الملك بن مروان فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أبو الجبابرة الأربعة‏)‏‏)‏‏.‏

وهذه الطرق كلها ضعيفة‏.‏

وروى أبو يعلى وغيره من غير وجه، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن بني الحكم يرقون على منبره وينزلون، فأصبح كالمتغيظ، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة‏)‏‏)‏‏.‏

فما رئُي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات‏.‏

ورواه الثوري عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب مرسلاً وفيه‏:‏ ‏(‏‏(‏فأوحى الله إليه إنما هي دنيا أعطوها‏)‏‏)‏‏.‏

فقرت عينه وهي قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏}‏‏[‏الإسراء‏:‏ 60‏]‏ يعني‏:‏ بلاء للناس واختباراً، وهذا مرسل وسنده إلى سعيد ضعيف‏.‏

وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة موضوعة، فلهذا أضربنا صفحاً عن إيرادها لعدم صحتها‏.‏

وقد كان أبوه الحكم من أكبر أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أسلم يوم الفتح، وقدم الحكم المدينة ثم طرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ومات بها‏.‏

ومروان كان أكبر الأسباب في حصار عثمان لأنه زور على لسانه كتاباً إلى مصر بقتل أولئك الوفد، ولما كان متولياً على المدينة لمعاوية كان يسب علياً كل جمعة على المنبر‏.‏

وقال له الحسن بن علي‏:‏ لقد لعن الله أباك الحكم وأنت في صلبه على لسان نبيه فقال‏:‏ لعن الله الحكم وما ولد والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/285‏)‏

وقد تقدم أن حسان بن مالك لما قدم عليه مروان أرض الجابية، أعجبه إتيانه إليه، فبايع له وبايع أهل الأردن على أنه إذا انتظم له الأمر نزل عن الأمرة لخالد بن يزيد، ويكون لمروان إمرة حمص، ولعمرو بن سعيد نيابة دمشق، وكانت البيعة لمروان يوم الاثنين للنصف من ذي القعدة سنة أربع وستين، قاله الليث بن سعد وغيره‏.‏

وقال الليث‏:‏ وكانت وقعة مرج راهط في ذي الحجة من هذه السنة بعد عيد النحر بيومين‏.‏

قالوا‏:‏ فغلب الضحاك بن قيس، واستوثق له ملك الشام ومصر، فلما استقر ملكه في هذه البلاد بايع من بعده لولده عبد الملك، ثم من بعده لولده عبد العزيز - والد عمر بن عبد العزيز - وترك البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية، لأنه كان لا يراه أهلاً للخلافة، ووافقه على ذلك مالك بن حسان، وإن كان خالاً لخالد بن يزيد، وهو الذي قام بأعباء بيعة عبد الملك، ثم إن أم خالد دبرت أمر مروان فسمته‏.‏

ويقال‏:‏ بل وضعت على وجهه وهو نائم وسادة فمات مخنوقاً، ثم إنها أعلنت الصراخ هي وجواريها وصحن‏:‏ مات أمير المؤمنين فجأة‏.‏

ثم قام من بعده ولده عبد الملك بن مروان كما سنذكره‏.‏

وقال عبد الله بن أبي مذعور‏:‏ حدثني بعض أهل العلم قال‏:‏ كان آخر ما تكلم به مروان‏:‏ وجبت الجنة لمن خاف النار، وكان نقش خاتمه العزة لله‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ حدثنا عدي بن أبي عمار، عن أبيه، عن حرب بن زياد قال‏:‏ كان نقش خاتم مروان آمنت بالعزيز الرحيم‏.‏

وكانت وفاته بدمشق عن إحدى‏.‏

وقيل‏:‏ ثلاث وستين سنة‏.‏

وقال أبو معشر‏:‏ كان عمره يوم توفي إحدى وثمانين سنة‏.‏

وقال خليفة‏:‏ حدثني الوليد بن هشام، عن أبيه، عن جده قال‏:‏ مات مروان بدمشق لثلاث خلون من شهر رمضان سنة خمس وستين، وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه ابنه عبد الملك، وكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً‏.‏

وقال غيره‏:‏ عشرة أشهر‏.‏

وقال ابن أبي الدنيا وغيره‏:‏ كان قصيراً، أحمر الوجه أوقص، دقيق العنق، كبير الرأس واللحية، وكان يلقب خيط باطل‏.‏

قال ابن عساكر‏:‏ وذكر سعيد بن كثير بن عفير أن مروان مات حين انصرف من مصر بالصنبرة ويقال‏:‏ بلد‏.‏

وقد قيل‏:‏ إنه مات بدمشق ودفن بين باب الجابية وباب الصغير‏.‏

وكان كاتبه عبيد بن أوس، وحاجبه المنهال مولاه، وقاضيه أبو إدريس الخولاني، وصاحب شرطته يحيى بن قيس الغساني، وكان له من الولد عبد الملك، وعبد العزيز، ومعاوية، وغير هؤلاء، وكان له عدة بنات من أمهات شتى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/286‏)‏

ذكر بيعة مروان بن الحكم

وكان سبب ذلك أن حصين بن نمير لما رجع من أرض الحجاز وارتحل عبيد الله بن زياد من البصرة إلى الشام، وانتقلت بنو أمية من المدينة إلى الشام ، اجتمعوا إلى مروان بن الحكم بعد موت معاوية بن يزيد‏.‏

وقد كان معاوية بن يزيد قد عزم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق، وقد بايع أهلها الضحاك بن قيس على أن يصلح بينهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس على إمام، والضحاك يريد أن يبايع لابن الزبير‏.‏

وقد بايع لابن الزبير النعمان بن بشير بحمص، وبايع له زفر بن عبد الله الكلابي بقنسرين، وبايع له نائل بن قيس بفلسطين، وأخرج منها روح بن زنباع الجذامي، فلم يزل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير بمروان بن الحكم يحسنون له أن يتولى، حتى ثنوه عن رأيه وحذروه من دخول سلطان ابن الزبير وملكه إلى الشام‏.‏

وقالوا له‏:‏ أنت شيخ قريش وسيدها‏:‏ فأنت أحق بهذا الأمر‏.‏

فرجع عن البيعة لابن الزبير، وخاف ابن زياد الهلاك إن تولى غير بني أمية، فعند ذلك التف هؤلاء كلهم مع قومه بني أمية ومع أهل اليمن على مروان، فوافقهم على ما أرادوا، وجعل يقول‏:‏ ما فات شيء‏.‏

وكتب حسان بن مالك بن بحدل الكلبي إلى الضحاك بن قيس يثنيه عن المبايعة لابن الزبير، ويعرفه أيادي بني أمية عنده وإحسانهم، ويذكر فضلهم وشرفهم‏.‏

وقد بايع حسان بن مالك أهل الأردن لبني أمية، وهو يدعو إلى ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان‏.‏

وبعث الضحاك كتاباً بذلك، وأمره أن يقرأ كتابه على أهل دمشق يوم الجمعة على المنبر، وبعث بالكتاب مع رجل يقال له‏:‏ ناغضة بن كريب الطابجي‏.‏

وقيل‏:‏ هو من بني كلب وقال له‏:‏ إن لم يقرأه هو على الناس فاقرأه أنت، فأعطاه الكتاب فسار إلى الضحاك فأمره بقراءة الكتاب فلم يقبل، فقام ناغض فقرأه على الناس فصدقه جماعة من أمراء الناس، وكذبه آخرون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/264‏)‏

وثارت فتنة عظيمة بين الناس، فقام خالد بن يزيد بن معاوية وهو شاب حدث على درجتين من المنبر فسكن الناس، ونزل الضحاك فصلى بالناس الجمعة، وأمر الضحاك بن قيس بأولئك الذين صدقوا ناغضة أن يسجنوا‏.‏

فثارت قبائلهم فأخرجوهم من السجن، واضطرب أهل دمشق في ابن الزبير وبني أمية، وكان اجتماع الناس لذلك ووقوفهم بعد صلاة الجمعة بباب الجيرون، فسمي هذا اليوم يوم جيرون‏.‏

قال المدائني‏:‏ وقد أراد الناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يتولى عليهم فأبى، وهلك في تلك الليالي، ثم أن الضحاك بن قيس صعد منبر المسجد الجامع فخطبهم به، ونال من يزيد بن معاوية‏.‏

فقام إليه شاب من بني كلب فضربه بعصى كانت معه، والناس جلوس متقلدي سيوفهم، فقام بعضهم إلى بعض فاقتتلوا في المسجد قتالاً شديداً، فقيس ومن لف لفيفها يدعون إلى ابن الزبير وينصرون الضحاك بن قيس، وبنو كلب يدعون إلى بني أمية وإلى البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية، ويتعصبون ليزيد وأهل بيته‏.‏

فنهض الضحاك بن قيس فدخل دار الإمارة وأغلق الباب، ولم يخرج إلى الناس إلا يوم السبت لصلاة الفجر‏.‏

ثم أرسل إلى بني أمية فجمعهم إليه فدخلوا عليه وفيهم مروان بن الحكم، وعمرو بن سعيد بن العاص، وخالد، وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية‏.‏

قال المدائني‏:‏ فاعتذر إليهم مما كان منه، واتفق معهم أن يركب معهم إلى حسان بن مالك الكلبي فيتفقوا على رجل يرتضونه من بني أمية للإمارة، فركبوا جميعاً إليه، فبينما هم يسيرون إلى الجابية لقصد حسان، إذ جاء معن بن ثور بن الأخنس في قومه قيس‏.‏

فقال له‏:‏ إنك دعوتنا إلى بيعة ابن الزبير فأجبناك، وأنت الآن ذاهب إلى هذا الأعرابي ليستخلف ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية‏.‏

فقال له الضحاك‏:‏ وما الرأي‏؟‏

قال‏:‏ الرأي أن نظهر ما كنا نسر، وأن ندعو إلى طاعة ابن الزبير ونقاتل عليها من أباها‏.‏

فمال الضحاك بمن معه فرجع إلى دمشق، فأقام بها بمن معه من الجيش من قيس ومن لف لفيفها، وبعث إلى أمراء الأجناد وبايع الناس لابن الزبير، وكتب بذلك إلى ابن الزبير يعلمه بذلك، فذكره ابن الزبير لأهل مكة وشكره على صنيعه، وكتب إليه بنيابة الشام‏.‏

وقيل‏:‏ بل بايع لنفسه بالخلافة فالله أعلم‏.‏

والذي ذكره المدائني أنه إنما دعا إلى بيعة ابن الزبير أولاً، ثم حسن له عبيد الله بن زياد أن يدعو إلى نفسه، وذلك إنما فعله مكراً منه وكباراً ليفسد عليه ما هو بصدده، فدعا الضحاك إلى نفسه ثلاثة أيام، فنقم الناس عليه ذلك وقالوا‏:‏ دعوتنا إلى بيعة رجل فبايعناه، ثم خلعته بلا سبب ولا عذر، ثم دعوتنا إلى نفسك‏؟‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/265‏)‏

فرجع إلى البيعة لابن الزبير فسقط بذلك عند الناس، وذلك الذي أراد ابن زياد‏.‏

وكان اجتماع عبيد الله بن زياد به بعد اجتماعه بمروان وتحسينه له أن يدعو إلى نفسه، ثم فارق مروان ليخدع له الضحاك، فنزل عنده بدمشق وجعل يركب إليه كل يوم، ثم أشار ابن زياد على الضحاك أن يخرج من دمشق إلى الصحراء ويدعو بالجيوش إليه ليكون أمكن له‏.‏

فركب الضحاك إلى مرج راهط فنزل بمن معه من الجنود، وعند ذلك اجتمع بنو أمية ومن اتبعهم بالأردن، واجتمع إليهم من هنالك من قوم حسان بن مالك من بني كلب‏.‏

ولما رأى مروان بن الحكم ما أنتظم من البيعة لابن الزبير، وما استوثق له من الملك، وعزم على الرحيل إليه لمبايعته وليأخذ منه أماناً لبني أمية‏.‏

فسار حتى بلغ أذرعات فلقيه ابن زياد مقبلاً من العراق فصده عن ذلك وهجّن رأيه، واجتمع إليه عمرو بن سعيد بن العاص، وحصين بن نمير، وابن زياد، وأهل اليمن وخلق‏.‏

فقالوا لمروان‏:‏ أنت كبير قريش، وخالد بن يزيد غلام، وعبد الله بن الزبير كهل، فإنما يقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تناوئه بهذا الغلام، وارم بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه بالجابية في يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة، سنة أربع وستين، قاله الواقدي‏.‏

فلما تمهد له الأمر سار بمن معه نحو الضحاك بن قيس فالتقيا بمرج راهط، فغله مروان بن الحكم وقتله وقتل من قيس مقتلة لم يسمع بمثلها، على ما سيأتي تفصيله في أول سنة خمس وستين‏.‏

فإن الواقدي وغيره قالوا‏:‏ إنما كانت هذه الوقعة في المحرم من أول سنة خمس وستين‏.‏

وفي رواية محمد بن سعد‏:‏ وعن الواقدي وغيره قالوا‏:‏ إنما كانت في أواخر هذه السنة‏.‏

وقال الليث بن سعد، والواقدي، والمدائني، وأبو سليمان بن يزيد، وأبو عبيدة وغير واحد‏:‏ كانت وقعة مرج راهط للنصف من ذي الحجة سنة أربع وستين والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

خلافة مروان بن الحكم

بويع له بالخلافة في حياة أبيه، فلما مات أبوه في ثالث رمضان منها جددت له البيعة بدمشق ومصر وأعمالهما، فاستقرت يده على ما كانت يد أبيه عليه، وقد كان أبوه قبل وفاته بعث بعثين‏:‏
أحدهما‏:‏ مع عبيد الله بن زياد إلى العراق لينتزعها من نواب ابن الزبير، فلقي في طريقه جيش التوابين مع سليمان بن صرد عند عين الوردة، فكان من أمرهم ما تقدم، من ظفره بهم، وقتله أميرهم وأكثرهم‏.‏
والبعث الآخر‏:‏ مع جيش بن دلجة إلى المدينة ليرتجعها من نائب ابن الزبير، فسار نحوها، فلما انتهى إليها هرب نائبها جابر بن الأسود بن عوف، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، فجهز نائب البصرة من قبل ابن الزبير وهو الحارث بن عبد الله بن ربيعة، جيشاً من البصرة إلى ابن دلجة بالمدينة، فلما سمع بهم حُبيش بن دلجة سار إليهم‏.‏
وبعث ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد نائباً عن المدينة، وأمره أن يسير في طلب حُبيش، فسار في طلبهم حتى لحقهم بالربذة، فرمى يزيد بن سياه حُبيشاً بسهم فقتله، وقتل بعض أصحابه وهزم الباقون، وتحصن منهم خمسمائة في المدينة، ثم نزلوا على حكم عباس بن سهل فقتلهم صبراً، ورجع فلُّهم إلى الشام‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ ولما دخل يزيد بن سياه الأسواري قاتل حبيش بن دلجة إلى المدنية مع عباس بن سهل كان عليه ثياب بياض وهو راكب برذوناً أشهب، فما لبث أن اسودت ثيابه ودابته مما يتمسح الناس به ومن كثرة ما صبوا عليه من الطيب و المسك‏.‏
وقال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة‏.‏
وفيها‏:‏ قتل نافع بن الأزرق وهو رأس الخوارج ورأس أهل البصرة، مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة، ثم قتله ربيعة السلوطي وقتل بينهما نحو خمسة أمراء، وقتل في وقعة الخوارج قرة بن إياس المزني أبو معاوية، وهو من الصحابة‏.‏
ولما قتل نافع بن الأزرق رأست الخوارج عليهم عبيد الله بن ماحوز، فسار بهم إلى المدائن فقتلوا أهلها، ثم غلبوا على الأهواز وغيرها، وجبوا الأموال وأتتهم الأمداد من اليمامة والبحرين، ثم ساروا إلى أصفهان وعليها عتاب بن ورقاء الرياحي، فالتقاهم فهزمهم، ولما قتل أمير الخوارج ابن ماحوز كما سنذكر، أقاموا عليهم قطري بن الفجاءة أميراً‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 8/287‏)‏
ثم أورد ابن جرير قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له‏:‏ دولاب، وكانت الدولة للخوارج على أهل البصرة، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن يدخلوا البصرة، فبعث ابن الزبير فعزل نائبها عبد الله بن الحارث المعروف‏:‏ بببّة، بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف‏:‏ بالقباع‏.‏
وأرسل ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة الأزدي على عمل خراسان، فلما وصل إلى البصرة قالوا له‏:‏ إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك‏.‏
فقال‏:‏ إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى خراسان، ولست أعصي أمره‏.‏
فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتاباً على لسان ابن الزبير إلى المهلب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة، فلما قرىء عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم، وأن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج، فأجابوه إلى ذلك‏.‏

ويقال‏:‏ إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأمضى لهم ذلك وسوّغه، فسار إليهم المهلب‏.‏
وكان شجاعاً بطلاً صنديداً، فلما أراد قتال الخوارج أقبلوا إليه يزفون في عدة لم ير مثلها من الدروع والزرود والخيول والسلاح، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي، وقد صار لهم تحمل عظيم مع شجاعة لا تدانا، وإقدام لا يسامى، وقوة لا تجارى، وسبق إلى حومة الوغى‏.‏
فلما تواقف الناس بمكان يقال له‏:‏ سل وسل أبرى اقتتلوا قتالاً شديداً عظيماً، وصبر كل من الفريقين صبراً باهراً، وكان في نحو من ثلاثين ألفاً، ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة، فانهزم أصحاب المهلب لا يلوي والد على ولد، ولا يلتفت أحد إلى أحد، ووصل إلى البصرة فُلاًّ لهم‏.‏
وأما المهلب فإنه سبق المنهزمين فوقف لهم بمكان مرتفع، وجعل ينادي‏:‏ إلى عباد الله، فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان، فقام فيهم خطيباً فقال في خطبته‏:‏
أما بعد، أيها الناس، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلة، وأنتم فرسان الصبر وأهل النصر، وما أحب أن أحداً ممن انهزموا معكم الآن‏:‏ ‏{‏لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً‏}‏‏[‏التوبة‏:‏ 47‏]‏‏.‏
ثم قال‏:‏ عزمت على كل رجل منكم إلا أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيولهم في طلب إخوانكم، فوالله إني لأرجو أن لا ترجع خيولهم إلا وقد استبحتم عسكرهم، وتقتلوا أميرهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/288‏)‏
ففعل الناس ذلك، فزحف بهم المهلب بن أبي صفرة على معشر الخوارج فقتل منهم خلقاً كثيراً نحواً من سبعة آلاف، وقتل عبيد الله بن الماحوز في جماعة كثيرة من الأزارقة، واحتاز من أموالهم شيئاً كثيراً‏.‏
وقد أرصد المهلب خيولاً بينه وبين الذين يرجعون من طلب المنهزمين، فجعلوا يقتطعون دون قومهم، وانهزم فلهم إلى كرمان وأرض أصبهان، وأقام المهلب بالأهواز حتى قدم مصعب بن الزبير إلى البصرة، وعزل عنها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة كما سيأتي قريباً‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة وجّه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمداً إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر‏.‏
قلت‏:‏ محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار وهو مروان بن محمد بن مروان، وهو آخر خلفاء بني أمية، ومن يده استلبت الخلافة العباسيون كما سيأتي‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيد الله عن إمرة المدينة وولاها أخاه مصعباً، وذلك أن عبيد الله خطب الناس فقال في خطبته‏:‏ وقد رأيتم ما صنع الله بقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم‏.‏
فلما بلغت أخاه قال‏:‏ إن هذا لهو التكلف، وعزله‏.‏
ويسمى عبيد الله مقِّوم الناقة لذلك‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وولى عليها عبد الله بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرة، لما خلعوا يزيد‏.

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة‏.‏
وقال ابن الجوزي في ‏(‏المنتظم‏)‏‏:‏ كان في سنة أربع وستين‏.‏
وقد قيل‏:‏ إنما كان في سنة تسع وستين، وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي وغيره، وكان معظم ذلك بالبصرة، وكان ذلك في ثلاثة أيام، فمات في أول يوم من الثلاثة من أهل البصرة سبعون ألفاً، وفي اليوم الثاني منها‏:‏ إحدى وسبعون ألفاً، وفي اليوم الثالث منه ثلاثة وسبعون ألفاً‏.‏
وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلا قليل من آحاد الناس، حتى ذكر أن أم الأمير بها ماتت فلم يوجد لها من يحملها، حتى استأجروا لها أربعة أنفس‏.‏
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني‏:‏ حدثنا عبيد الله، ثنا أحمد بن عصام، حدثني معدي، عن رجل، يكنى أبا النفيد، وكان قد أدرك من هذا الطاعون، قال‏:‏ كنا نطوف بالقبائل، وندفن الموتى، فلما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فنسد بابها عليهم‏.‏
قال‏:‏ فدخلنا داراً ففتشناها فلم نجد فيها أحداً حياً فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف فنفتح تلك السدد عن الأبواب، ففتحنا سدة الباب الذي كنا فتشناه - أو قال الدار التي كنا سددناه - وفتشناها فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين، كأنما أخذ ساعتئذ من حجر أمه‏.‏
قال‏:‏ فبينما نحن وقوف على الغلام نتعجب منه إذ دخلت كلبة من شق في الحائط فجعلت تلوذ بالغلام والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها‏.‏
قال معدي‏:‏ وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة وقد قبض على لحيته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/289‏)‏
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة بنى عبد الله بن الزبير الكعبة البيت الحرام، يعني‏:‏ أكمل بناءها وأدخل فيها الحجر، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثني عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني، أبو محمد، حدثني زياد بن جبل‏:‏ أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير، فسمعته يقول‏:‏
حدثتني أمي أسماء بنت أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة‏:‏ ‏(‏‏(‏لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم فأزيد في الكعبة من الحجر‏)‏‏)‏‏.‏
قال‏:‏ فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا تلاعاً أمثال الإبل، فحركوا منها تلعة - أو قال صخرة - فبرقت برقة فقال‏:‏ أقروها على أساسها، فبناها ابن الزبير وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر‏.‏
قلت‏:‏ هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في ‏(‏الصحاح‏)‏، و‏(‏الحسان‏)‏، و‏(‏المسانيد‏)‏، وموضوع سياق طرق ذلك في كتاب ‏(‏الأحكام‏)‏ إن شاء الله تعالى‏.‏





 

 

*******************************************************************************

الخليفة الخامس لبنى أمية : أبو الوليد / عبد الملك بن مروان بن الحكم

وكان عبد الملك صاحب الخطيئة التى طبقت الأرض وشملت , وهى توليته الحجاج بن يوسف الثقفى فاتك العباد , وقاتل العباد , ومبيد الأوتاد , ومخرب البلاد , وخيبت أمة محمد الذى جاءت به النذر ورد فيه الأثر

وفي سنة 64 هـ وثب مروان بن الحكم على الأمر وبويع له بالخلافة‏.‏

فبينما هم في ذلك وصل الخبر من الشأم ببيعة مروان بن الحكم بالخلافة وأن أمره تم فصارت مصر معه في الباطن وفي الظاهر لابن الزبير حتى جهز مروان بن الحكم جيشًا مع ابنه عبد العزيز إلى أيلة ليدخل مصر من هناك‏.‏
ثم ركب مروان بن الحكم في جيوشه وجموعه وقصد مصر فلما بلغ عبد الرحمن بن جحدم ذلك استعذ لحربه وحفر خندقًا في شهر أو قريب من شهر وهو الذي بالقرافة‏.‏
وسار مروان حتى نزل مدينة عين شمس أعني المطرية خارج القاهرة فخرج إليه عبد الرحمن فتحاربوا يومًا أو يومين فكانت بين الفريقين مقتلة كبيرة‏.‏
ثم آل الأمر بينهما إلى الصلح واصطلحا على أن مروان يقر عبد الرحمن ويدفع إليه مالًا وكسوة ودخل مروان مصر في غرة جمادى الأولى سنة خمس وستين‏

قال ابن الأثير‏:‏ لما احترقت الكعبة حين غزا أهل الشأم عبد الله بن الزبير أيام يزيد بن معاوية تركها ابن الزبير يشنع بذلك على أهل الشأم‏.‏
فلما مات يزيد واستقر الأمر لابن الزبير شرع في بنائها فأمر بهدمها حتى التحقت بالأرض وكانت قد مالت حيطانها من حجارة المنجنيق وجعل الحجر الأسود عنده وكان الناس يطوفون من وراء الأساس وضرب عليها السور وأدخل فيها الحجر واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها‏:‏ ‏"‏ لولا حدثان عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم - عليه السلام - وأزيد فيها من الحجر ‏"‏‏.‏
فحفر ابن الزبير فوجد أساسا أمثال الجبال فحركوا منها صخرة فبرقت بارقة فقال‏:‏ أقروها على أساسها وبنائها‏.‏
وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر وقيل كانت عمارتها سنة أربع وستين‏.‏
وفيها وجه مروان بن الحكم الخليفة حبيش بن دلجة في أربعة آلاف إلى المدينة وقال له‏:‏ أنت على ما كان عليه مسلم بن عقبة‏.‏
فسار حبيش ومعه عبيد الله بن الحكم أخو مروان وأبو الحجاج يوسف الثقفي وابنه الحجاج وهو شاب فجهز متولي البصرة من جهة ابن الزبير وهو عبيد الله التيمي جيشًا من البصرة فالتقوا مع حبيش بن دلجة في أول شهر رمضان فقتل حبيش بن دلجة وعبيد الله بن الحكم وأكثر الجيش وهرب من بقي وهرب يوسف وابنه الحجاج وفيها دعا عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية إلى بيعته فأبى محمد فحصره في شعب بني هاشم في جماعته وتوعدهم‏.‏
وفيها دخل المهلب بن أبي صفرة إلى خراسان أميرًا عليها من قبل ابن الزبير وحارب الأزارقة أصحاب ابن الأزرق وقاتلهم حتى كسرهم وقتل منهم أربعة آلاف وثمانمائة‏.‏
وفيها توفي الخليفة مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو عبد الملك القرشي الأموي

إلى أن وثب على الأمر بعد أولاد يزيد بن معاوية أعني معاوية وخالدًا وبويع بالخلافة فلم تطل مدته ومات في أول شهر رمضان‏.‏
وفي سبب موته خلاف كثير وعهد بالخلافة من بعده إلى ابنه عبد الملك ثم من بعده إلى ابنه عبد العزيز أمير مصر وكان أولًا أراد أن يعهد لخالد بن يزيد بن معاوية فإنه كان خلعه من الخلافة وتزوج بأمه ثم بدا له أن يعهد لولديه عبد الملك وعبد العزيز ثم ما كفاه فزبره وقال‏:‏ تنح يا بن رطبة الإست‏!‏ والله ما لك عقل وبلغ أم خالد ذلك فأضمرت له السوء فدخل مروان عليها وقال لها‏:‏ هل قال لك خالد شيئًا فأنكرت فنام عندها فوثبت هي وجواريها فعمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه وغمرته هي والجواري حتى مات ثم صرخن وقلن‏:‏ مات فجأة‏.‏
وقال الهيثم‏:‏ إنه مات مطعونًا بدمشق‏.‏
والله أعلم‏.‏

إلى أن وثب على الأمر بعد أولاد يزيد بن معاوية أعني معاوية وخالدًا وبويع بالخلافة فلم تطل مدته ومات في أول شهر رمضان‏.‏

وعبد الله هذا أمه أم ولد لأن أكبر إخوته الوليد ثم سليمان ثم مروان الأكبر - عرج - وعائشة وأمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن خزيمة ثم يزيد ومروان الأصغر ومعاوية وأم كلثوم وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثم هشام وأمه أم هشام بنت إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومية واسمها عائشة ثم أبو بكر وكان يعرف ببكار وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله ثم الحكم وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان ثم فاطمة وأمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة ثم عبد الله هذا ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير والحجاج لأمهات الأولاد‏.‏

وكان الوليد عند أهل الشأم من أفضل خلفائهم وكان صاحب بناء واتخاذ للمصانع والضياع فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضًا عن البناء ‏.‏
وكان سليمان بن عبد الملك صاحب طعام ونكاح فكان الناس يسأل بعضهم بعضًا عن النكاح والطعام‏.‏
وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة فكان الناس يسأل بعضهم بعضًا قلت‏:‏ ولم أذكر هذا كله إلا لما قدمناه من الحط على الوليد من أقوال المؤرخين فأردت أن أذكر من محاسنه أيضًا ما نقله غيرهم‏.‏

وفي سبب موته خلاف كثير وعهد بالخلافة من بعده إلى ابنه عبد الملك ثم من بعده إلى ابنه عبد العزيز أمير مصر وكان أولًا أراد أن يعهد لخالد بن يزيد بن معاوية فإنه كان خلعه من الخلافة وتزوج بأمه ثم بدا له أن يعهد لولديه عبد الملك وعبد العزيز ثم ما كفاه فزبره وقال‏:‏ تنح يا بن رطبة الإست‏!‏ والله ما لك عقل وبلغ أم خالد ذلك فأضمرت له السوء فدخل مروان عليها وقال لها‏:‏ هل قال لك خالد شيئًا فأنكرت فنام عندها فوثبت هي وجواريها فعمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه وغمرته هي والجواري حتى مات ثم صرخن وقلن‏:‏ مات فجأة‏.‏
وقال الهيثم‏:‏ إنه مات مطعونًا بدمشق‏.‏

وفي سنة 90 هـ توفي خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أبو هاشم الأموي الدمشقي أخو معاوية الرجل الصالح وعبد الله‏.‏  إن خالدًا هذا بويع بالخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد بن معاوية فلم يتم أمره ووثب مروان بن الحكم على الأمر وخلع خالدًا هذا وتزوج بأمه وقد مر ذكر قتلها له في ترجمة مروان ‏.‏
وكان خالد المذكور موصوفًا بالعلم والعقل والشجاعة وكان مولعًا بالكيمياء‏

 بموت الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في شهر رجب سنة إحدى ومائة وتولية يزيد بن عبد الملك بن مران الخلافة

واتفق المؤرخون والمحدثون على أنه: ( لما أراد معاوية أن يعقد ليزيد قال لأهل الشام: إن أمير المؤمنين قد كبر ودنا من أجله فما ترون ، وقد أردتم أن أولي رجلاً بعدي؟ فقالوا: عليك عبد الرحمن بن خالد ! فأضمرها ! واشتكى عبد الرحمن فأمر ابن أثال طبيباً كان له من عظماء الروم ، فسقاه شربة فمات). انتهى .
(الأوائل للعسكري ص132، وأنساب الأشراف ص1164، وتقدم من جمهرة الأمثال:2/376 وغيره

 

الجزء التالى من تاريخ كتاب البداية والنهاية لــ أبن كثير الجزء الثامن ( 123 من 239 ) وضعنا له فقط رؤوس مواضيع .

خلافة عبد الملك بن مروان

بويع له بالخلافة في حياة أبيه، فلما مات أبوه في ثالث رمضان منها جددت له البيعة بدمشق ومصر وأعمالهما، فاستقرت يده على ما كانت يد أبيه عليه، وقد كان أبوه قبل وفاته بعث بعثين‏:‏

أحدهما‏:‏ مع عبيد الله بن زياد إلى العراق لينتزعها من نواب ابن الزبير، فلقي في طريقه جيش التوابين مع سليمان بن صرد عند عين الوردة، فكان من أمرهم ما تقدم، من ظفره بهم، وقتله أميرهم وأكثرهم‏.‏

والبعث الآخر‏:‏ مع جيش بن دلجة إلى المدينة ليرتجعها من نائب ابن الزبير، فسار نحوها، فلما انتهى إليها هرب نائبها جابر بن الأسود بن عوف، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، فجهز نائب البصرة من قبل ابن الزبير وهو الحارث بن عبد الله بن ربيعة، جيشاً من البصرة إلى ابن دلجة بالمدينة، فلما سمع بهم حُبيش بن دلجة سار إليهم‏.‏

وبعث ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد نائباً عن المدينة، وأمره أن يسير في طلب حُبيش، فسار في طلبهم حتى لحقهم بالربذة، فرمى يزيد بن سياه حُبيشاً بسهم فقتله، وقتل بعض أصحابه وهزم الباقون، وتحصن منهم خمسمائة في المدينة، ثم نزلوا على حكم عباس بن سهل فقتلهم صبراً، ورجع فلُّهم إلى الشام‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ ولما دخل يزيد بن سياه الأسواري قاتل حبيش بن دلجة إلى المدنية مع عباس بن سهل كان عليه ثياب بياض وهو راكب برذوناً أشهب، فما لبث أن اسودت ثيابه ودابته مما يتمسح الناس به ومن كثرة ما صبوا عليه من الطيب و المسك‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة‏.‏

وفيها‏:‏ قتل نافع بن الأزرق وهو رأس الخوارج ورأس أهل البصرة، مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة، ثم قتله ربيعة السلوطي وقتل بينهما نحو خمسة أمراء، وقتل في وقعة الخوارج قرة بن إياس المزني أبو معاوية، وهو من الصحابة‏.‏

ولما قتل نافع بن الأزرق رأست الخوارج عليهم عبيد الله بن ماحوز، فسار بهم إلى المدائن فقتلوا أهلها، ثم غلبوا على الأهواز وغيرها، وجبوا الأموال وأتتهم الأمداد من اليمامة والبحرين، ثم ساروا إلى أصفهان وعليها عتاب بن ورقاء الرياحي، فالتقاهم فهزمهم، ولما قتل أمير الخوارج ابن ماحوز كما سنذكر، أقاموا عليهم قطري بن الفجاءة أميراً‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/287‏)‏

ثم أورد ابن جرير قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له‏:‏ دولاب، وكانت الدولة للخوارج على أهل البصرة، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن يدخلوا البصرة، فبعث ابن الزبير فعزل نائبها عبد الله بن الحارث المعروف‏:‏ بببّة، بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف‏:‏ بالقباع‏.‏

وأرسل ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة الأزدي على عمل خراسان، فلما وصل إلى البصرة قالوا له‏:‏ إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك‏.‏

فقال‏:‏ إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى خراسان، ولست أعصي أمره‏.‏

فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتاباً على لسان ابن الزبير إلى المهلب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة، فلما قرىء عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم، وأن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج، فأجابوه إلى ذلك‏.‏

ويقال‏:‏ إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأمضى لهم ذلك وسوّغه، فسار إليهم المهلب‏.‏

وكان شجاعاً بطلاً صنديداً، فلما أراد قتال الخوارج أقبلوا إليه يزفون في عدة لم ير مثلها من الدروع والزرود والخيول والسلاح، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي، وقد صار لهم تحمل عظيم مع شجاعة لا تدانا، وإقدام لا يسامى، وقوة لا تجارى، وسبق إلى حومة الوغى‏.‏

فلما تواقف الناس بمكان يقال له‏:‏ سل وسل أبرى اقتتلوا قتالاً شديداً عظيماً، وصبر كل من الفريقين صبراً باهراً، وكان في نحو من ثلاثين ألفاً، ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة، فانهزم أصحاب المهلب لا يلوي والد على ولد، ولا يلتفت أحد إلى أحد، ووصل إلى البصرة فُلاًّ لهم‏.‏

وأما المهلب فإنه سبق المنهزمين فوقف لهم بمكان مرتفع، وجعل ينادي‏:‏ إلى عباد الله، فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان، فقام فيهم خطيباً فقال في خطبته‏:‏

أما بعد، أيها الناس، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلة، وأنتم فرسان الصبر وأهل النصر، وما أحب أن أحداً ممن انهزموا معكم الآن‏:‏ ‏{‏لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً‏}‏‏[‏التوبة‏:‏ 47‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ عزمت على كل رجل منكم إلا أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيولهم في طلب إخوانكم، فوالله إني لأرجو أن لا ترجع خيولهم إلا وقد استبحتم عسكرهم، وتقتلوا أميرهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/288‏)‏

ففعل الناس ذلك، فزحف بهم المهلب بن أبي صفرة على معشر الخوارج فقتل منهم خلقاً كثيراً نحواً من سبعة آلاف، وقتل عبيد الله بن الماحوز في جماعة كثيرة من الأزارقة، واحتاز من أموالهم شيئاً كثيراً‏.‏

وقد أرصد المهلب خيولاً بينه وبين الذين يرجعون من طلب المنهزمين، فجعلوا يقتطعون دون قومهم، وانهزم فلهم إلى كرمان وأرض أصبهان، وأقام المهلب بالأهواز حتى قدم مصعب بن الزبير إلى البصرة، وعزل عنها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة كما سيأتي قريباً‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة وجّه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمداً إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر‏.‏

قلت‏:‏ محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار وهو مروان بن محمد بن مروان، وهو آخر خلفاء بني أمية، ومن يده استلبت الخلافة العباسيون كما سيأتي‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيد الله عن إمرة المدينة وولاها أخاه مصعباً، وذلك أن عبيد الله خطب الناس فقال في خطبته‏:‏ وقد رأيتم ما صنع الله بقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم‏.‏

فلما بلغت أخاه قال‏:‏ إن هذا لهو التكلف، وعزله‏.‏

ويسمى عبيد الله مقِّوم الناقة لذلك‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وولى عليها عبد الله بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرة، لما خلعوا يزيد‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة‏.‏

وقال ابن الجوزي في ‏(‏المنتظم‏)‏‏:‏ كان في سنة أربع وستين‏.‏

وقد قيل‏:‏ إنما كان في سنة تسع وستين، وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي وغيره، وكان معظم ذلك بالبصرة، وكان ذلك في ثلاثة أيام، فمات في أول يوم من الثلاثة من أهل البصرة سبعون ألفاً، وفي اليوم الثاني منها‏:‏ إحدى وسبعون ألفاً، وفي اليوم الثالث منه ثلاثة وسبعون ألفاً‏.‏

وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلا قليل من آحاد الناس، حتى ذكر أن أم الأمير بها ماتت فلم يوجد لها من يحملها، حتى استأجروا لها أربعة أنفس‏.‏

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني‏:‏ حدثنا عبيد الله، ثنا أحمد بن عصام، حدثني معدي، عن رجل، يكنى أبا النفيد، وكان قد أدرك من هذا الطاعون، قال‏:‏ كنا نطوف بالقبائل، وندفن الموتى، فلما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فنسد بابها عليهم‏.‏

قال‏:‏ فدخلنا داراً ففتشناها فلم نجد فيها أحداً حياً فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف فنفتح تلك السدد عن الأبواب، ففتحنا سدة الباب الذي كنا فتشناه - أو قال الدار التي كنا سددناه - وفتشناها فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين، كأنما أخذ ساعتئذ من حجر أمه‏.‏

قال‏:‏ فبينما نحن وقوف على الغلام نتعجب منه إذ دخلت كلبة من شق في الحائط فجعلت تلوذ بالغلام والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها‏.‏

قال معدي‏:‏ وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة وقد قبض على لحيته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/289‏)‏

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة بنى عبد الله بن الزبير الكعبة البيت الحرام، يعني‏:‏ أكمل بناءها وأدخل فيها الحجر، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثني عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني، أبو محمد، حدثني زياد بن جبل‏:‏ أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير، فسمعته يقول‏:‏

حدثتني أمي أسماء بنت أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة‏:‏ ‏(‏‏(‏لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم فأزيد في الكعبة من الحجر‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا تلاعاً أمثال الإبل، فحركوا منها تلعة - أو قال صخرة - فبرقت برقة فقال‏:‏ أقروها على أساسها، فبناها ابن الزبير وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر‏.‏

قلت‏:‏ هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في ‏(‏الصحاح‏)‏، و‏(‏الحسان‏)‏، و‏(‏المسانيد‏)‏، وموضوع سياق طرق ذلك في كتاب ‏(‏الأحكام‏)‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

وذكر ابن جرير في هذه السنة حروباً جرت بين عبد الله بن خازم بخراسان، وبين الحرشي ابن هلال القزيعي يطول تفصيلها‏.‏

قال‏:‏ وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله ابن أبي ربيعة المخزومي‏.‏

وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏ عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل أبو محمد السهمي، كان من خيار الصحابة وعلمائهم وعبادهم، وكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، أسلم قبل أبيه، ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثني عشرة سنة‏.‏

وكان واسع العلم مجتهداً في العبادة، عاقلاً، وكان يلوم أباه في القيام مع معاوية، وكان سميناً، وكان يقرأ الكتابين القرآن والتوراة‏.‏

وقيل‏:‏ إنه بكى حتى عمي، وكان يقوم الليل ويصوم يوماً ويفطر يوماً ويصوم يوماً‏.‏

استنابه معاوية على الكوفة، ثم عزله عنها بالمغيرة بن شعبة، توفي في هذه السنة بمصر‏.‏

وقتل بمكة عبد الله بن سعدة الفزاري، له صحبة، نزل دمشق‏.‏

وقيل‏:‏ إنه من سبي فزارة‏.‏

 

******************************************************************************

الخليفة السادس لبنى أمية : أبو العباس / الوليد بن عبد الملك

خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق

الجزء التالى من تاريخ كتاب البداية والنهاية لــ أبن كثير الجزء التاسع ( 123 من 239 ) وضعنا له فقط رؤوس مواضيع .

لما رجع من دفن أبيه خارج باب الجابية الصغير - وكان ذلك في يوم الخميس وقيل الجمعة للنصف من شوال من هذه السنة - لم يدخل المنزل حتى صعد المنبر - منبر المسجد الأعظم بدمشق فخطب الناس فكان مما قال‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، والله المستعان على مصيبتنا في أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا‏.‏ فكان أول من قام إليه عبد الله بن همام السلولي وهو يقول‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/85‏)‏

الله أعطاك التي لا فوقها * وقد أراد الملحدون عوقها

عنك ويأبى الله إلا سوقها * إليك حتى قلدوك طوقها

ثم بايعه وبايع الناس بعده‏.‏ وذكر الواقدي أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله، وقد كان من قضاء الله وسابقته ما كتبه على أنبيائه وحملة عرشه وملائكته الموت، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقاه في هذه الأمة - يعني بالذي يحق لله عليه - من الشدة على المريب واللين لأهل الحق والفضل وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام وإعلائه من حج هذا البيت وغزو هذه الثغور وشن هذه الغارات على أعداء الله عز وجل فلم يكن عاجزاً ولا مفرطاً، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه‏.‏

ثم نزل فنظر ما كان من دواب الخلافة فحازها‏.‏ وكان جباراً عنيداً‏.‏ وقد ورد في ولاية الوليد حديث غريب، وإنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي، وكما تقدم تقريره في دلائل النبوة في باب الأخبار عن الغيوب المستقبلة، فيما يتعلق بدولة بني أمية، وأما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صيناً في نفسه حازماً في رأيه، يقال إنه لا تعرف له صبوة، ومن جملة محاسنة ما صح عنه أنه قال‏:‏ لولا أن الله قص لنا قصة قوم لوط في كتابه ما ظننا أن ذكراً كان يأتي ذكراً كما تؤتى النساء، كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته، وهو باني مسجد جامع دمشق الذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناء منه، وقد شرع في بنائه في ذا القعدة من هذه السنة، فلم يزل في بنائه وتحسينه مدة خلافته وهي عشر سنين، فلما أنهاه انتهت أيام خلافته كما سيأتي بيان ذلك مفصلاً‏.‏ وقد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها كنيسة يوحنا، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحولوه مسجداً، وبقى الجانب الغربي كنيسة بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة، فعزم الوليد على أخذ بقية الكنيسة منهم وعوضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف، وقيل عوضهم عنها كنيسة توما، وهدم بقية هذه الكنيسة وأضافها إلى مسجد الصحابة، وجعل الجميع مسجداً واحداً على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيراً في البنيان والزينات والآثار والعمارات، والله سبحانه أعلم‏.‏

الجزء التالى من تاريخ كتاب البداية والنهاية لــ أبن كثير الجزء التاسع ( 123 من 239 ) وضعنا له فقط رؤوس مواضيع .

ترجمة الوليد بن عبد الملك

باني جامع دمشق وذكر وفاته في هذا العام

هو الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو العباس الأموي، بويع له بالخلافة بعد أبيه بعهد منه في شوال سنة ست وثمانين، وكان أكبر ولده، والولي من بعده، وأمه ولادة بنت العباس بن حزن بن الحارث بن زهير العبسي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/ 183‏)‏

وكان مولده سنة خمسين، وكان أبواه يترفانه، فشب بلا أدب، وكان لا يحسن العربية، وكان طويلاً أسمر به أثر جدري خفي، أفطس الأنف سائله، وكان إذا مشى يتوكف في المشية - أي يتبختر - وكان جميلاً وقيل دميماً، وقد شاب في مقدم لحيته، وقد رأى سهل بن سعد وسمع أنس بن مالك لما قدم عليه سأله ما سمع في أشراط الساعة، كما تقدم في ترجمة أنس، وسمع سعيد بن المسيب وحكى عن الزهري وغيره‏.‏

وقد روي أن عبد الملك أراد أن يعهد إليه ثم توقف لأنه لا يحسن العربية فجمع الوليد جماعة من أهل النحو عنده فأقاموا سنة، وقيل ستة أشهر، فخرج يوم خرج أجهل مما كان، فقال عبد الملك‏:‏ قد أجهد وأعذر، وقيل إن أباه عبد الملك أوصاه عند موته فقال له‏:‏ لا ألفينك إذا مت تجلس تعصر عينيك، وتحن حنين الأمة، ولكن شمر واتزر، ودلني في حفرتي، وخلني وشأني، وادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا‏.‏

وقال الليث‏:‏ وفي سنة ثمان وتسعين غزا الوليد بلاد الروم، وفيها حج بالناس أيضاً‏.‏

وقال غيره‏:‏ غزا في التي قبلها وفي التي بعدها بلاد ملطية وغيرها، وكان نقش خاتمه أؤمن بالله مخلصاً‏.‏ وقيل كان نقشه يا وليد إنك ميت، ويقال إن آخر ما تكلم به سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، وقال إبراهيم بن أبي عبلة قال لي الوليد بن عبد الملك يوماً‏:‏ في كم تختم القرآن‏؟‏ قلت‏:‏ في كذا وكذا، فقال‏:‏ أمير المؤمنين على شغله يختمه في كل ثلاث، وقيل في كل سبع، قال‏:‏ وكان يقرأ في شهر رمضان سبع عشرة ختمة‏.‏

قال إبراهيم رحمه الله‏:‏ الوليد وأين مثله بنى مسجد دمشق، وكان يعطيني قطع الفضة فأقسمها على قراء بيت المقدس‏.‏

وروى ابن عساكر بإسناد رجاله كلهم ثقات عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبيه، قال‏:‏ خرج الوليد يوماً من الباب الأصغر فرأى رجلاً عند المئذنة الشرقية يأكل شيئاً، فأتاه فوقف عليه فإذا هو يأكل خبزاً وتراباً، فقال له‏:‏ ما حملك على هذا‏؟‏ قال‏:‏ القنوع يا أمير المؤمنين، فذهب إلى مجلسه ثم استدعى به فقال‏:‏ إن لك لشأناً فأخبرني به وإلا ضربت الذي فيه عيناك، فقال‏:‏ نعم يا أمير المؤمنين كنت رجلاً حمالاً، فبينما أنا أسير من مرج الصفر قاصداً إلى الكسوة، إذ زرمني البول فعدلت إلى خربة لأبول، فإذا سرب فحفرته فإذا مال صبيب، فملأت منه غرائري، ثم انطلقت أقود برواحلي وإذا بمخلاة معي فيها طعام فألقيته منها، وقلت‏:‏ إني سآتي الكسوة، ورجعت إلى الخربة لأملأ تلك المخلاة من ذلك المال فلم أهتد إلى المكان بعد الجهد في الطلب، فلما أيست رجعت إلى الرواحل فلم أجدها ولم أجد الطعام، فآليت على نفسي أني لا آكل إلا خبزاً وتراباً‏.‏ قال‏:‏ فهل لك عيال‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ففرض له في بيت المال‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/184‏)‏

قال ابن جرير‏:‏ وبلغنا أن تلك الرواحل سارت حتى أتت بيت المال فتسلمها حارسه فوضعها في بيت المال، وقيل إن الوليد قال له‏:‏ ذلك المال وصل إلينا واذهب إلى إبلك فخذها، وقيل إنه دفع إليه شيئاً من ذلك المال يقيته وعياله‏.‏

وقال نمير بن عبد الله الشعناني، عن أبيه، قال‏:‏ قال الوليد بن عبد الملك‏:‏ لولا أن الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكراً يفعل هذا بذكر‏.‏

قلت‏:‏ فنفى عن نفسه هذه الخصلة القبيحة الشنيعة، والفاحشة المذمومة، التي عذب الله أهلها بأنواع العقوبات، وأحل بهم أنواعاً من المثلات، التي لم يعاقب بها أحداً من الأمم السالفات، وهي فاحشة اللواط التي قد ابتلى بها غالب الملوك والأمراء، والتجار والعوام والكتاب، والفقهاء والقضاة ونحوهم، إلا من عصم الله منهم، فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد، ولهذا تنوعت عقوبات فاعليه، ولأن يقتل المفعول به خير من أن يؤتى في دبره، فإنه يفسد فساداً لا يرجى له بعده صلاح أبداً، إلا أن يشاء الله ويذهب خبر المفعول به‏.‏ فعلى الرجل حفظ ولده في حال صغره وبعد بلوغه، وأن يجنبه مخالطة هؤلاء الملاعين، الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقد اختلف الناس‏:‏ هل يدخل الجنة مفعول به‏؟‏ على قولين، والصحيح في المسألة أن يقال إن المفعول به إذا تاب توبة صحيحة نصوحاً، ورزق إنابة إلى الله وصلاحاً، وبدل سيئاته بحسنات، وغسل عنه ذلك بأنواع الطاعات، وغض بصره وحفظ فرجه، وأخلص معاملته لربه، فهذا إن شاء الله مغفور له، وهو من أهل الجنة، فإن الله يغفر الذنوب للتائبين إليه ‏{‏وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 11‏]‏‏.‏ ‏{‏فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 39‏]‏ وأما مفعول به صار في كبره شراً منه في صغره، فهذا توبته متعذرة، وبعيد أن يؤهل لتوبة صحيحة، أو لعمل صالح يمحو به ما قد سلف، ويخشى عليه من سوء الخاتمة، كما قد وقع ذلك لخلق كثير ماتوا بأدرانهم وأوساخهم، لم يتطهروا منها قبل الخروج من الدينا، وبعضهم ختم له بشر خاتمة، حتى أوقعه عشق الصور في الشرك الذي لا يغفره الله‏.‏ وفي هذا الباب حكايات كثيرة وقعت للوطية وغرهم من أصحاب الشهوات يطول هذا الفصل بذكرها‏.‏

والمقصود أن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له‏.‏ فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان‏.‏ فيقع في سوء الخاتمة‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 29‏]‏ بل قد وقع سوء الخاتمة لخلق لم يفعلوا فاحشة اللواط، وقد كانوا متلبسين بذنوب أهون منها‏.‏ وسوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا يقع فيها من صلح ظاهره وباطنه مع الله، وصدق في أقواله وأعماله، فإن هذا لم يسمع به كما ذكره عبد الحق الأشبيلي، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه عقداً وظاهره عملاً، ولمن له جرأة على الكبائر، وإقدام على الجرائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/185‏)‏

والمقصود أن مفسدة اللواط من أعظم المفاسد، وكانت لا تعرف بين العرب قديماً كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم‏.‏ فلهذا قال الوليد بن عبد الملك‏:‏ لولا أن الله عز وجل قص علينا قصة قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكراً‏.‏

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به‏)‏‏)‏ رواه أهل السنن وصححه ابن حبان وغيره، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من عمل عمل قوم لوط ثلاث مرات، ولم يلعن على ذنب ثلاث مرات إلا عليه، وإنما أمر بقتل الفاعل والمفعول به لأنه لا خير في بقائهما بين الناس، لفساد طويتهما، وخبث بواطنهما، فمن كان بهذه المثابة فلا خير للخلق في بقائه، فإذا أراح الله الخلق منهما صلح لهم أمر معاشهم ودينهم‏.‏ وأما اللعنة فهي الطرد والبعد، ومن كان مطروداً مبعداً عن الله وعن رسوله وعن كتابه وعن صالح عباده فلا خير فيه ولا في قربه‏.‏ ومن رزقه الله تعالى توسماً وفراسة ونوراً وفرقاناً عرف من سحن الناس ووجوههم أعمالهم، فإن أعمال العمال بائنة ولائحة على وجوههم وفي أعينهم وكلامهم‏.‏

وقد ذكر الله اللوطية وجعل ذلك آيات للمتوسمين فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 73-75‏]‏ وما بعدها‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 29-31‏]‏ ونحو ذلك من الآيات‏.‏ والأحاديث فاللوطي قد عكس الفطرة، وقلب الأمر، فأتى ذكراً فقلب الله قلبه، وعكس عليه أمره، بعد صلاحه وفلاحه، إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى‏.‏

وخصال التائب قد ذكرها الله في آخر سورة براءة فقال‏:‏ ‏{‏التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 112‏]‏ فلا بد للتائب من العبادة والاشتغال بالعمل للآخرة، وإلا فالنفس همامة متحركة، إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل، فلا بد للتائب من أن يبدل تلك الأوقات التي مرت له في المعاصي بأوقات الطاعات، وأن يتدراك ما فرط فيها وأن يبدل تلك الخطوات بخطوات إلى الخير، ويحفظ لحظاته وخطواته، ولفظاته وخطراته‏.‏

قال رجل للجنيد‏:‏ أوصني، قال‏:‏ توبة تحل الإصرار، وخوف يزيل العزة، ورجاء مزعج إلى طرق الخيرات، ومراقبة الله في خواطر القلب‏.‏ فهذه صفات التائب‏.‏ ثم قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 112‏]‏ الآية‏.‏ فهذه خصال التائب كما قال تعال‏:‏ ‏{‏التَّائِبُونَ‏}‏ فكأن قائلاً يقول‏:‏ من هم‏؟‏ قيل‏:‏ هم العابدون السائحون إلى آخر الآية، وإلا فكل تائب لم يتلبس بعد توبته بما يقر به إلى من تاب إليه فهو في بعد وإدبار، لا في قرب وإقبال، كما يفعل من اغتر بالله من المعاصي المحظورات، ويدع الطاعات، فإن ترك الطاعات وفعل المعاصي أشد وأعظم من ارتكاب المحرمات بالشهوة النفسية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/186‏)‏

فالتائب هو من اتقى المحذورات، وفعل المأمورات، وصبر على المقدورات، والله سبحانه وتعالى هو المعين الموفق، وهو عليم بذات الصدور‏.‏

قالوا‏:‏ وكان الوليد لحاناً كما جاء من غير وجه أن الوليد خطب يوماً فقرأ في خطبته‏:‏ يا ليتها كانت القاضية فضم التاء من ليتها، فقال عمر بن عبد العزيز‏:‏ يا ليتها كانت عليك وأراحنا الله منك، وكان يقول‏:‏ يا أهل المدينة‏.‏ وقال عبد الملك يوماً لرجل من قريش‏:‏ إنك لرجل لولا أنك تلحن، فقال‏:‏ وهذا ابنك الوليد يلحن، فقال‏:‏ لكن ابني سليمان لا يلحن، فقال الرجل‏:‏ وأخي أبو فلان لا يلحن، وقال ابن جرير، حدثني عمر، ثنا علي - يعني ابن عبد المدائني - قال‏:‏ كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلفائهم، بنى المساجد بدمشق، ووضع المنائر، وأعطى الناس، وأعطى المجذومين، وقال لهم‏:‏ لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادماً، وكل ضرير قائداً، وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عظاماً، وكان يرسل بنيه في كل عزوة إلى بلاد الروم، ففتح الهند والسند والأندلس وأقاليم بلاد العجم، حتى دخلت جيوشه إلى الصين وغير ذلك، قال‏:‏ وكان مع هذا يمر بالبقال فيأخذ حزمة البقل بيده، ويقول‏:‏ بكم تبيع هذه‏؟‏ فيقول‏:‏ بفلس، فيقول‏:‏ زد فيها فإنك تربح‏.‏

وذكروا أنه كان يبر حملة القرآن ويكرمهم ويقضي عنهم ديونهم، قالوا‏:‏ وكانت همة الوليد في البناء، وكان الناس كذلك يلقى الرجل الرجل فيقول‏:‏ ماذا بنيت‏؟‏ ماذا عمرت‏؟‏ وكانت همة أخيه سليمان في النساء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول‏:‏ كم تزوجت‏؟‏ ماذا عندك من السراري‏؟‏ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن، وفي الصلاة والعبادة، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول‏:‏ كم وردك‏؟‏ كم نقرأ كل يوم‏؟‏ ماذا صليت البارحة‏؟‏

والناس يقولون‏:‏ الناس على دين مليكهم، إن كان خماراً كثر الخمر، وإن كان لوطياً فكذلك، وإن كان شحيحاً حريصاً كان الناس كذلك، وإن كان جواداً كريماً شجاعاً كان الناس كذلك، وإن كان طماعاً ظلوماً غشوماً فكذلك، وإن كان ذا دين وتقوى وبر وإحسان كان الناس كذلك وهذا يوجد في بعض الأزمان وبعض الأشخاص، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/187‏)‏

وقال الواقدي‏:‏ كان الوليد جباراً ذا سطوة شديدة لا يتوقف إذا غضب، لجوجاً كثير الأكل والجماع مطلاقاً، يقال‏:‏ إنه تزوج ثلاثاً وستين امرأة غير الإماء‏.‏ قلت‏:‏ يراد بهذا الوليد بن يزيد الفاسق لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع، والله أعلم‏.‏

قلت‏:‏ بنى الوليد الجامع على الوجه الذي ذكرنا فلم يكن له في الدنيا نظير، وبنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة، وبنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ووسعه حتى دخلت الحجرة التي فيها القبر فيه، وله آثار حسان كثيرة جداً، ثم كانت وفاته في يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة، قال ابن جرير‏:‏ هذا قول جميع أهل السير، وقال عمر بن علي الفلاس وجماعة‏:‏ كانت وفاته يوم السبت للنصف من ربيع الأول من هذه السنة، عن ست وقيل‏:‏ ثلاث، وقيل‏:‏ تسع، وقيل‏:‏ أربع وأربعين سنة، وكانت وفاته بدير مران، فحمل على أعناق الرجال حتى دفن بمقابر باب الصغير، وقيل‏:‏ بمقابر باب الفراديس، حكاه ابن عساكر‏.‏

وكان الذي صلى عليه عمر بن عبد العزيز لأن أخاه سليمان كان بالقدس الشريف، وقيل‏:‏ صلى عليه ابنه عبد العزيز، وقيل‏:‏ بل صلى عليه أخوه سليمان، والصحيح عمر بن عبد العزيز، والله أعلم‏.‏ وهو الذي أنزله إلى قبره وقال حين أنزله‏:‏ لننزلنه غير موسد ولا ممهد، قد خلفت الأسلاب وفارقت الأحباب، وسكنت التراب، وواجهت الحساب، فقيراً إلى ما قدمت، غنياً عما أخرت‏.‏

وجاء من غير وجه عن عمر أنه أخبره أنه لما وضعه - يعني الوليد - في لحده ارتكض في أكفانه وجمعت رجلاه إلى عنقه‏.‏

وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر على المشهور‏.‏ والله أعلم‏.‏

قال المدائني‏:‏ وكان له من الولد تسعة عشر ولداً ذكراً، وهم عبد العزيز، ومحمد والعباس، وإبراهيم، وتمام وخالد وعبد الرحمن ومبشر ومسرور وأبو عبيدة وصدقة ومنصور ومروان وعنبسة وعمر وروح وبشر ويزيد ويحيى‏.‏ فأم عبد العزيز ومحمد أم البنين بنت عمه عبد العزيز بن مروان، وأم أبي عبيدة فزرية، وسائرهم من أمهات أولاد شتى‏.‏

قال المدائني وقد رثاه جرير فقال‏:‏

يا عين جودي بدمع ماجه الذكر * فما لدمعك بعد اليوم مدخر ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/188‏)‏

إن الخليفة قد وارت شمائله * غبراء ملحدة في جولها زور

أضحى بنوه وقد جلت مصيبتهم * مثل النجوم هوى من بينها القمر

كانوا جميعاً فلم يدفع منيته * عبد العزيز ولا روح ولا عمر

وممن هلك أيام الوليد بن عبد الملك زياد بن حارث التميمي الدمشقي، كانت داره غربي قصر الثقفيين، روى عن حبيب بن مسملة الفهري في النهي عن المسألة لمن له ما يغديه ويعشيه، وفي النفل‏.‏

ومنهم من زعم أن له صحبة، والصحيح أنه تابعي‏.‏

روى عنه عطية بن قيس ومكحول و يونس بن ميسرة بن حلبس، ومع هذا قال فيه أبو حاتم‏:‏ شيخ مجهول، ووثقه النسائي وابن حبان ، روى ابن عساكر أنه دخل يوم الجمعة إلى مسجد دمشق وقد أخرت الصلاة، فقال‏:‏ والله ما بعث الله نبياً بعد محمد صلى الله عليه وسلم أمركم بهذه الصلاة هذا الوقت، قال‏:‏ فأخذ فأدخل الخضراء فقطع رأسه وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك‏.‏

عبد الله بن عمر بن عثمان

أبو محمد، كان قاضي المدينة، وكان شريفاً كثير المعروف، جواداً ممدحاً، والله أعلم‏.‏

الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك بن مروان هدم منارة الأسكندرية طمعاً فى كنز قيل أنه يوجد تحته

وذكر المقريزى فى المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار الجزء الأول 32 / 167 كتب قائلاً : " ومنارة الإسكندرية أحد بنيان العالم العجيب بناها بعض البطالسة ملوك اليونانيين بعد وفاة الإسكندر بن فيليبس الملك لما كان بينهم وبين ملوك رومة من الحروب في البرّ والبحر فجعلوا هذه المنارة مرقبًا في أعاليها مرآة عظيمة من نوع الأحجار المشفة ليشاهد منها مراكب البحر إذا أقبلت من رومة على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها فكانوا يراعون ذلك في تلك المرآة فيستعدّون لهم قبل ورودهم وطول المنارة في هذا الوقت على التقريب مائتان وثلاثون ذراعًا وكان طولها قديمًا نحوًا من أربعمائة ذراع فهدمت على طول الأزمان وترادف الزلازل والأمطار لأنّ بلد الإسكندرية تمطر وليس سبيلها سبيل فسطاط مصر إذ كان الأغلب عليها أن لا تمطر إلا اليسير وبناؤها ثلاثة أشكال فقريب من النصف وأكثر من الثلث مربع الشكل بناؤه بأحجار بيض يكون نحوًا من مائة ذراع وعشرة أذرع على التقريب ثم من بعد ذلك مثمن الشكل مبني بالحجر والجص نحو من نيف وستين ذراعًا وحواليه فضاء يدور فيه الإنسان وأعلاها مدوّر‏.‏
 

وقد كان ملك الروم في ملك الوليد بن عبد الملك بن مروان أنفذ خادمًا من خواص خدمه ذا رأي ودهاء فجاء مستأمنًا إلى بعض الثغور فورد بآلة حسنة ومعه جماعة فجاء إلى الوليد فأخبره‏:‏ أنه من خواص الملك وأنه أراد قتله لموجدةٍ وحال بلغته عنه لم يكن لها أصل وأنه استوحش ورغب في الإسلام فأسلم على يد الوليد وتقرّب من قلبه وتنصح إليه في دفائن استخرجها له من بلاد دمشق وغيرها من الشام بكتب كانت معه فيها صفات تلك الدفائن فلما صارت إلى الوليد تلك الأموال والجواهر شرهت نفسه واستحكم طمعه‏.‏

فقال له الخادم‏:‏ يا أمير المؤمنين إنَّ ها هنا أموالًا وجواهر ودفائن للملوك فسأله الوليد عن الخبر‏.‏

فقال‏:‏ تحت منارة الإسكندرية أموال ملوك الأرض وذلك أن الإسكندر احتوى على الأموال والجواهر التي كانت لشدّاد بن عاد وملوك مصر فبنى لها أزجًا تحت الأرض وقنطر لها الأقباء والقناطر والسراديب وأودعها تلك الذخائر من العين والورق والجوهر وبنى فوق ذلك هذه المنارة وكان طولها في الهواء ألف ذراع والمرآة في علوه والدبادبة جلوس حوله فإذا نظروا إلى العدوّ في البحر في ضوء تلك المرآة صوّتوا لمن قرب منهم ونشروا أعلامًا فيراها من بعد منهم فتحذر الناس وتنذر البلد فلا يكون للعدوّ عليهم سبيل‏.‏

فبعث الوليد مع الخادم بجيش وأناس من ثقاته وخواصه فهدم نصف المنارة من أعلاها وأزيلت المرآة فضج الناس من هذا وعلموا أنها مكيدة وحيلة في أمرها فلما علم الخادم استفاضة ذلك وأنه سينم إلى الوليد وأنه قد بلغ ما يحتاج إليه هرب في الليل في مركب كان قد أعدّه وواطأ على ذلك فتمت حيلته وبقيت المنارة على ما ذكرنا إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة‏.‏

وكان حوالي منارة الإسكندرية في البحر مغاص يخرج منه قطع من الجوهر يتخذ منه فصوص للخواتم أنواعًا من الجواهر يقال‏:‏ إنّ ذلك من آلات اتخذها الإسكندر للشراب فلما مات كسرتها أمه ورمت بها في تلك المواضع من البحر ومنهم من رأى أن الإسكندر اتخذ ذلك النوع من الجواهر وغرّقه حول المنارة لكيلا تخلو من الناس حولها لأنّ من شأن الجوهر أن يكون مطلوبًا أبدًا في كل عصر ويقال‏:‏ إنّ هذه المنارة إنما جُعلت المرآة في أعلاها لأنّ ملوك الروم بعد الإسكندر كانت تحارب ملوك مصر والإسكندرية فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك تلك المرآة تُري من يرد في البحر من عدوّهم وكان من يدخلها يتيه فيها إلا أن يكون عارفًا بالدخول والخروج فيها لكثرة بيوتها وطبقاتها وممرّاتها‏.‏

وقد ذكر‏:‏ أن المغاربة حين وافوا في خلافة المقتدر في جيش صاحب المغرب دخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارة فتاهوا فيها وفي طرق تؤول إلى مهاوٍ تهوي إلى السرطان الزجاج وفيه مخارق إلى البحر فتهوّرت دوابهم وفقد منهم عدد كثير وعلم بهم بعد ذلك وقيل‏:‏ إن تهوّرهم كان على كرسيّ لها قدّامها وفي المنارة مسجد في هذا الوقت يرابط فيه مطوّعة المصريين وغيرهم‏.‏

وفي سنة سبع وسبعين وسبعمائة سقط رأس المنارة من زلزلة ويقال‏:‏ إنّ منارة الإسكندرية كانت مبنية بحجارة مهندمة مضببة برصاص على قناطر من الزجاج وتلك القناطر على ظهر سرطان وكان في المنارة ثلثمائة بيت بعضها فوق بعض وكانت الدابة تصعد بحملها إلى سائر البيوت من داخل المنارة ولهذه البيوتات طاقات تشرف على البحر وكانت على الجانب الشرقيّ من المنارة كتابة عُرّبت فإذا هي‏:‏ بنت هذه المنظرة قريبا بنت مرينوس اليونانية لرصد الكواكب‏.‏

.

 

*******************************************************************************

الخليفة السابع لبنى أمية :  أبو أيوب / سليمان بن عبد الملك

وكان سليمان صاحب البطن الذى قتلة بطنة ومات بالتخمة

 

الجزء التالى من تاريخ كتاب البداية والنهاية لــ أبن كثير الجزء التاسع ( 123 من 239 ) وضعنا له فقط رؤوس مواضيع .

خلافة سليمان بن عبد الملك

بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الوليد يوم مات وكان يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وكان سليمان بالرملة، وكان ولي العهد من بعد أخيه عن وصية أبيهما عبد الملك‏.‏ وقد كان الوليد قد عزم قبل موته على خلع أخيه سليمان، وأن يجعل ولاية العهد من بعده لولده عبد العزيز بن الوليد، وقد كان الحجاج طاوعه على ذلك وأمره به، وكذلك قتيبة بن مسلم وجماعة، وقد أنشد في ذلك جرير وغيره من الشعراء قصائد، فلم ينتظم ذلك له حتى مات، وانعقدت البيعة إلى سليمان، فخافه قتيبة بن مسلم وعزم على أن لا يبايعه، فعزله سليمان وولى على إمرة العراق ثم خراسان يزيد بن المهلب، فأعاده إلى إمرتها بعد عشر سنين، وأمره بمعاقبة آل الحجاج بن يوسف، وكان الحجاج هو الذي عزل يزيد عن خراسان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/189‏)‏

ولسبع بقين من رمضان من هذه السنة عزل سليمان عن إمرة المدينة عثمان بن حيان وولى عليها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان أحد العلماء، وقد كان قتيبة بن مسلم حين بلغه ولاية سليمان الخلافة كتب إليه كتاباً يعزيه في أخيه، ويهنئه بولايته، ويذكر فيه بلاءه وعناه وقتاله وهيبته في صدور الأعداء، وما فتح الله من البلاد والمدن والأقاليم الكبار على يديه، وأنه له على مثل ما كان للوليد من الطاعة والنصيحة، إن لم يعزله عن خراسان، ونال في هذا الكتاب من يزيد بن المهلب، ثم كتب كتاباً ثانياً يذكر ما فعل من القتال والفتوحات وهيبته في صدور الملوك والأعاجم، ويذم يزيد بن المهلب أيضاً، ويقسم فيه لئن عزله وولى يزيد ليخلعن سليمان عن الخلافة، وكتب كتاباً ثالثاً فيه خلع سليمان بالكلية، وبعث بها مع البريد وقال له‏:‏ ادفع إليه الكتاب الأول، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثاني، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد ابن المهلب فادفع إليه الثالث، فلما قرأ سليمان الكتاب الأول - واتفق حضور يزيد عند سليمان - دفعه إلى يزيد فقرأه، فناوله البريد الكتاب الثاني فقرأه ودفعه إلى يزيد، فناوله البريد الكتاب الثالث فقرأه فإذا فيه التصريح بعزله وخلعه، فتغير وجهه، ثم ختمه وأمسكه بيده ولم يدفعه إلى يزيد، وأمر بإنزال البريد في دار الضيافة، فلما كان من الليل بعث إلى البريد فأحضره ودفع إليه ذهباً وكتاباً فيه ولاية قتيبة على خراسان، وأرسل مع ذلك البريد بريداً آخر من جهته ليقرره عليها، فلما وصلا بلاد خراسان بلغهما أن قتيبة قد خلع الخليفة، فدفع بريد سليمان الكتاب الذي معه إلى بريد قتيبة، ثم بلغهما مقتل قتيبة قبل أن يرجع بريد سليمان‏.‏

 

*******************************************************************************

الخليفة الثامن لبنى أمية : أبو حفص / عمر بن عبد العزيز

 

الجزء التالى من تاريخ كتاب البداية والنهاية لــ أبن كثير الجزء التاسع ( 123 من 239 ) وضعنا له فقط رؤوس مواضيع .

هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو الأصبغ القرشي الأموي ولد بالمدينة ثم دخل الشام مع أبيه مروان، وكان ولي عهده من بعد أخيه عبد الملك، وولاه أبوه إمرة الديار المصرية في سنة خمس وستين فكان والياً عليها إلى هذه السنة، وشهد قتل سعيد بن عمرو بن العاص كما قدمنا، وكانت له دار بدمشق وهي دار الصوفية، اليوم المعروفة بالخانقاه السميساطية ثم كانت من بعده لولده عمر بن عبد العزيز، ثم تنقلت إلى أن صارت خانقاها للصوفية‏.‏ وقد روي عبد العزيز بن مروان الحديث عن أبيه وعبد الله بن الزبير وعقبة بن عامر وأبي هريرة، وحديثه عنه في مسند أحمد وسنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏شر ما في الرجل جبن خالع وشح هالع‏)‏‏)‏‏.‏ وعنه ابنه عمر والزهري وعلي بن رباح وجماعة‏.‏ قال محمد بن سعد‏:‏ كان ثقة قليل الحديث، وقال غيره‏:‏ كان يلحن في الحديث وفي كلامه، ثم تعلم العربية فأتقنها وأحسنها فكان من أفصح الناس، وكان سبب ذلك أنه دخل عليه رجل يشكو ختنه -وهو زوج ابنته -فقال‏:‏ له عبد العزيز من ختَنَك‏؟‏ فقال الرجل‏:‏ ختني الخاتن الذي يختن الناس، فقال لكاتبه ويحك بماذا أجابني‏؟‏ فقال الكاتب‏:‏ يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن تقول من خِتنُك، فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلم العربية، فمكث جمعة واحدة فتعلمها فخرج وهو من أفصح الناس، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/ 70‏)‏ وكان بعد ذلك يجزل عطاء من يعرب كلامه وينقص عطاء من يلحن فيه، فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية‏.‏

قال عبد العزيز يوماً إلى رجل‏:‏ ممن أنت‏؟‏ قال‏:‏ من بنو عبد الدار، فقال‏:‏ تجدها في جائزتك، فنقصت جائزته مائة دينار‏.‏

وقال أبو يعلى الموصلي‏:‏ حدثنا مجاهد بن موسى، ثنا إسحاق بن يوسف، أنبأنا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، قال‏:‏ كتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن عمر‏:‏ ارفع إلي حاجتك‏.‏ فكتب إليه ابن عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول‏)‏‏)‏‏.‏ ولست أسألك شيئاً ولا أرد رزقاً رزقنيه الله عز وجل منك‏.‏ وقال ابن وهب، حدثنا يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، قال‏:‏ بعثني عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر قال‏:‏ فجئت فدفعت إليه الكتاب فقال‏:‏ أين المال‏؟‏ فقلت‏:‏ لا أستطيعه الليلة حتى أصبح، قال‏:‏ لا والله لا يبيت ابن عمر الليلة وله ألف دينار، قال‏:‏ فدفع إلي الكتاب حتى جئته بها ففرقها رضي الله عنه‏.‏

ومن كلامه رحمه الله عجباً لمؤمن يؤمن ويوقن أن الله يرزقه ويخلف عليه، كيف يحبس مالاً عن عظيم أجر وحسن ثناء‏.‏

ولما حضرته الوفاء أحضر له مال يحصيه وإذا هو ثلاثمائة مد من ذهب، فقال‏:‏ والله لوددت أنه بعر خائل بنجد، وقال‏:‏ والله لوددت أني لم أكن شيئاً مذكوراً، لوددن أن أكون هذا الماء الجاري، أو نباتة بأرض الحجاز، وقال لهم‏:‏ ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه، فجعل يقول‏:‏ أف لك ما أقصر طويلك، وأقل كثيرك‏.‏

قال يعقوب بن سفيان، عن ابن بكير، عن الليث بن سعد، قال‏:‏ كانت وفاته ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين، قال ابن عساكر‏:‏ وهذا وهم من يعقوب بن سفيان والصواب سنة خمس وثمانين، فإنه مات قبل عبد الملك أخيه، ومات عبد الملك بعده بسنة سنة ست وثمانين‏.‏ وقد كان عبد العزيز بن مروان من خيار الأمراء كريماً جواداً ممدحاً، وهو والد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وقد اكتسى عمر أخلاق أبيه وزاد عليه بأمور كثيرة‏.‏ وكان لعبد العزيز من الأولاد غير عمر، عاصم وأبو بكر ومحمد والأصبغ - مات قبله بقليل فحزن عليه حزناً كثيراً ومرض بعده ومات - وسهيل وكان له عدة بنات، أم محمد وسهيل وأم عثمان وأم الحكم وأم البنين وهن من أمهات شتى، وله من الأولاد غير هؤلاء، مات بالمدينة التي بناها على مرحلة من مصر وحمل إلى مصر في النيل ودفن بها، وقد ترك عبد العزيز من الأموال والأثاث والدواب من الخيل والبغال والإبل وغير ذلك ما يعجز عنه الوصف من جملة ذلك ثلاثمائة مد من ذهب غير الورق، مع جوده وكرمه وبذله وعطاياه الجزيلة، فإنه كان من أعطى الناس للجزيل رحمه الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/72‏)‏

وقد ذكر ابن جرير أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أخيه عبد العزيز وهو بالديار المصرية يسأله أن ينزل عن العهد الذي له من بعده لولده الوليد أو يكون ولي العهد من بعده، فإنه أعز الخلق علي‏.‏ فكتب إليه عبد العزيز يقول‏:‏ إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد‏.‏ فكتب إليه عبد الملك يأمره بحمل خراج مصر - وقد كان عبد العزيز لا يحمل إليه شيئاً من الخراج ولا غيره، وإنما كانت بلاد مصر بكمالها وبلاد المغرب وغير ذلك كلها لعبد العزيز، مغانمها وخراجها وحملها - فكتب عبد العزيز إلى عبد الملك‏:‏ إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سناً لا يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلاً، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولاً، فإن رأيت أن لا تعتب علي بقية عمري فافعل فرق له عبد الملك، وكتب إليه‏:‏ لعمري لا أعتب عليك بقية عمرك‏.‏ وقال عبد الملك لابنه الوليد‏:‏ إن يرد الله أن يعطيكها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك عنك، ثم قال لابنه الوليد وسليمان‏:‏ هل قارفتما محرماً أو حراماً قط‏؟‏ فقالا‏:‏ لا والله، فقال‏:‏ الله أكبر نلتماها ورب الكعبة‏.‏ ويقال إن عبد الملك لما امتنع أخوه من إجابته إلى ما طلب منه في بيعته لولده الوليد دعا عليه، وقال‏:‏ اللهم إنه قطعني فاقطعه، فمات في هذه السنة كما ذكرنا فلما جاءه الخبر بموت أخيه عبد العزيز ليلاً حزن وبكى وبكى أهله بكاء كثيراً على عبد العزيز ولكن سره ذلك من جهة ابنيه فإنه نال فيها ما كان يؤمله لهما من ولايته إياهما بعده‏.‏ وقد كان الحجاج بعث إلى عبد الملك يحسّن له ولاية الوليد ويزينها له من بعده، وأوفد إليه وفداً في ذلك عليهم عمران بن عصام العثري، فلما دخلوا عليه قام عمران خطيباً فتكلم وتكلم الوفد في ذلك وحثوا عبد الملك على ذلك وأنشد عمران بن عصام في ذلك‏:‏

أمير المؤمنين إليك نهدي * على النأي التحية والسلاما

أجبني في بنيك يكن جوابي * لهم عادية ولنا قواما

فلو أن الوليد أطاع فيه * جعلت له الخلافة والذماما

شبيهك حول قبته قريش * به يستمطر الناس الغماما

ومثلك في التقى لم يصب يوماً * لدن خلع القلائد والتماما

فإن تؤثر أخاك بها فإنا * وجدك لا نطيق لها اتهاما ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/73‏)‏

ولكنا نحاذر من بنيه * بني العلات مأثرة سماما

ونخشى إن جعلت الملك فيهم * سحاباً أن تعود لهم جهاما

فلا يك ما حلبت غداً لقوم * وبعد غد بنوك هم العياما

فأقسم لو تخطاني عصام * بذلك ما عذرت به عصاما

ولو أني حبوت أخاً بفضلٍ * أريد به المقالة والمقاما

لعقَّب في بنيَّ على بنيه * كذلك أو لرمت له مراما

فمن يك في أقاربه صدوع * فصدع الملك أبطؤه التئاما

قال فهاجه ذلك على أن كتب لأخيه يستنزله عن الخلافة للوليد فأبى عليه، وقدر الله سبحانه موت عبد العزيز قبل موت عبد الملك بعام واحد، فتمكن حينئذ مما أراد من بيعة الوليد وسليمان، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 

الجزء التالى من تاريخ كتاب البداية والنهاية لــ أبن كثير الجزء التاسع ( 123 من 239 ) وضعنا له فقط رؤوس مواضيع .

خلافة عمر بن عبد العزيز

قد تقدم أنه بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر مضين، وقد قيل‏:‏ بقين من صفر من هذه السنة - أعني سنة تسع وتسعين - يوم مات سليمان بن عبد الملك، عن عهد منه إليه من غير علم من عمر كما قدمنا، وقد ظهرت عليه مخايل الورع والدين والتقشف والصيانة والنزاهة، من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة، ويقال أنه خطب الناس فقال في خطبته‏:‏ أيها الناس إن لي نفساً تواقةً لا تعطى شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة، فأعينوني عليها يرحمكم الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/209‏)‏

وستأتي ترجمته عند وفاته إن شاء الله، وكان مما بادر إليه عمر في هذه السنة أن بعث إلى مسلمة بن عبد الملك ومن معه من المسلمين وهم بأرض الروم محاصروا القسطنطينية، وقد اشتد عليهم الحال وضاف عليهم المجال، لأنهم عسكر كثير، فكتب إليهم يأمرهم بالرجوع إلى الشام إلى منازلهم‏.‏ وبعث إليهم بطعام كثير وخيول كثيرة عتاق، يقال‏:‏ خمسمائة فرس، ففرح الناس بذلك‏.‏

وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا خلقاً كثيراً من المسلمين، فوجه إليهم عمر حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الأتراك، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وبعث منهم أسارى إلى عمر وهو بخناصرة‏.‏

وقد كان المؤذنون يذكرونه بعد أذانهم باقتراب الوقت وضيقه لئلا يؤخرها كما كان يؤخرها من قبله، لكثرة الاشتغال ، وكان ذلك عن أمره لهم بذلك، والله أعلم‏.‏ فروى ابن عساكر في ترجمة جرير بن عثمان الرحبي الحمصي قال‏:‏ رأيت مؤذني عمر بن عبد العزيز يسلمون عليه في الصلاة‏:‏ السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة قد قاربت‏.‏

وفي هذه السنة عزل عمر يزيد بن المهلب عن إمرة العراق وبعث عدي بن أرطاة الفزاري على إمرة البصرة، فاستقضى عليها الحسن البصري، ثم استعفاه فأعفاه، واستقضى مكانه إياس بن معاوية الذكي المشهور، وبعث على إمرة الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وضم إليه أبا الزناد كاتباً بين يديه، واستقضى عليها عامراً الشعبي‏.‏ قال الواقدي‏:‏ فلم يزل قاضياً عليها مدة خلافة عمر بن عبد العزيز، وجعل على إمرة خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي، وكان نائب مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى إمرة المدينة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو الذي حج بالناس في هذه السنة، وعزل عن إمرة مصر عبد الملك بن أبي وداعة وولى عليها أيوب بن شرحبيل، وجعل الفتيا إلى جعفر بن ربيعة ويزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر، فهؤلاء الذين كانوا يفتون الناس، واستعمل على إفريقية وبلاد المغرب إسماعيل بن عبد الله المخزومي، وكان حسن السيرة، وأسلم في ولايته على بلاد المغرب خلق كثير من البربر، والله سبحانه وتعالى أعلم‏

 

 ذكر سبب وفاته

كان سببها السل، وقيل‏:‏ سببها أن مولى له سمه في طعام أو شراب، وأعطى على ذلك ألف دينار، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/235‏)‏ فحصل له بسبب ذلك مرض، فأخبر أنه مسموم، فقال‏:‏ لقد علمت يوم سقيت السّم، ثم استدعى مولاه الذي سقاه، فقال له‏:‏ ويحك ‏!‏‏!‏ ما حملك على ما صنعت‏؟‏ فقال‏:‏ ألف دينار أعطيتها‏.‏ فقال‏:‏ هاتها، فأحضرها فوضعها في بيت المال، ثم قال له‏:‏ اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك، ثم قيل لعمر‏:‏ تدارك نفسك، فقال‏:‏ والله لو أنّ شفائي أن أمسّ شحمة أذني، أو أوتى بطيب فأشمه ما فعلت، فقيل له‏:‏ هؤلاء بنوك - وكانوا اثني عشر - ألا توصي لهم بشيء فإنهم فقراء‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 196‏]‏ والله لا أعطيتهم حق أحد وهم بين رجلين إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه‏.‏

وفي رواية‏:‏ فلا أبالي في أي واد هلك‏.‏

وفي رواية‏:‏ أفأدع له ما يستعين به على معصية الله فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت‏؟‏ ما كنت لأفعل‏.‏

ثم استدعى بأولاده فودعهم وعزاهم بهذا، وأوصاهم بهذا الكلام، ثم قال‏:‏ انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم‏.‏

قال‏:‏ فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرس في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك - مع كثرة ما ترك لهم من الأموال - يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز، لأن عمر وكَّل ولده إلى الله عز وجل، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثنا أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال‏:‏ قيل لعمر بن عبد لعزيز‏:‏ يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينة، فإن قضى الله موتاً دفنت في القبر الرابع مع رسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فقال‏:‏ و الله لأن يعذبني الله بكل عذاب، إلا النار فإنه لا صبر لي عليها، أحب إلي من أن يعلم الله من قلبي أني لذلك الموضع أهل‏.‏

قالوا‏:‏ وكان مرضه بدير سمعان من قرى حمص، وكانت مدة مرضه عشرين يوماً، ولما احتضر قال‏:‏ أجلسوني، فأجلسوه، فقال‏:‏ إلهي أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ثلاثاً، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحدَّ النظر، فقالوا‏:‏ إنك لتنظر نظراً شديداً يا أمير المؤمنين، فقال‏:‏ إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جان، ثم قبض من ساعته‏.‏

وفي رواية أنه قال لأهله‏:‏ اخرجوا عني، فخرجوا وجلس على الباب مسلمة بن عبد الملك وأخته فاطمة، فسمعوه يقول‏:‏ مرحباً بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جان ثم قرأ ‏{‏تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 83‏]‏ ثم هدأ الصوت فدخلوا عليه فوجدوه قد غمض وسوي إلى القبلة وقبض‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/236‏)‏

وقال أبو بكر بن أبي شيبة‏:‏ ثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن الدراوردي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، أن عمر بن عبد العزيز لما وضع عند قبره هبت ريح شديدة فسقطت صحيفة بأحسن كتاب، فقرأوها فإذا فيها‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم براءة من الله لعمر بن عبد العزيز من النار، فأدخلوها بين أكفانه، ودفنوها معه‏.‏

وروى نحو هذا من وجه آخر ابن عساكر في ترجمة عبد الصمد بن إسماعيل بسنده، عن عمير بن حبيب السلمي، قال‏:‏ أسرت أنا وثمانية في زمن بني أمية، فأمر ملك الروم بضرب رقابنا، فقتل أصحابي وشفع في بطريق من بطارقة الملك، فأطلقني له، فأخذني إلى منزله، وإذا له ابنة مثل الشمس، فعرضها علي على أن يقاسمني نعمته وأدخل معه في دينه فأبيت، وخلت بي ابنته، فعرضت نفسها علي فامتنعت، فقالت‏:‏ ما يمنعك من ذلك‏؟‏ فقلت‏:‏ يمنعني ديني، فلا أترك ديني لامرأة ولا لشيء‏.‏ فقالت‏:‏ تريد الذهاب إلى بلادك‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، فقالت‏:‏ سر على هذا النجم بالليل واكمن بالنهار، فإنه يلقيك إلى بلادك، قال‏:‏ فسرت كذلك، قال‏:‏ فبينا أنا في اليوم الرابع مكمن إذا بخيلٍ مقبلةٍ، فخشيت أن تكون في طلبي، فإذا أنا بأصحابي الذين قتلوا ومعهم آخرون على دواب شهب، فقالوا‏:‏ عمير‏؟‏ فقلت‏:‏ عمير‏.‏ فقلت لهم‏:‏ أوليس قد قتلتم، قالوا‏:‏ بلى، ولكن الله عز وجل نشر الشهداء وأذن لهم أن يشهدوا جنازة عمر بن عبد العزيز، قال‏:‏ ثم قال لي بعضهم‏:‏ ناولني يدك يا عمير، فأردفني فسرنا يسيراً ثم قذف بي قذفة وقعت قرب منزلي بالجزيرة، من غير أن يكون لحقني شر‏.‏

وقال رجاء بن حيوة‏:‏ كان عمر بن عبد العزيز قد أوصى إلي أن أغسله وأكفنه، فإذا حللت عقدة الكفن أن أنظر في وجهه فأدلي ، ففعلت فإذا وجهه مثل القراطيس بياضاً، وكان قد أخبرني أنه كل من دفنه قبله من الخلفاء وكان يحل عن وجوههم فإذا هي مسودة‏.‏

وروى ابن عساكر في ترجمة يوسف بن ماهك قال‏:‏ بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا من السماء كتاب فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار، ساقه من طريق إبراهيم بن بشار، عن عباد بن عمرو، عن محمد بن يزيد البصري، عن يوسف بن ماهك، فذكره وفيه غرابة شديدة، والله أعلم‏.‏

وقد رئيت له منامات صالحة، وتأسف عليه الخاصة والعامة، لا سيما العلماء والزهاد والعباد، ورثاه الشعراء، فمن ذلك ما أنشده أبو عمرو الشيباني لكثير عزة يرثي عمر‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/237‏)‏

عمت صنائعه فعم هلاكه * فالناس فيه كلهم مأجور

والناس مأتمهم عليه واحد * في كل دار رنة وزفير

يثني عليك لسان من لم توله * خيراً لأنك بالثناء جدير

ردت صنائعه عليه حياته * فكأنه من نشرها منشور

وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله‏:‏

ينعى النعاة أمير المؤمنين لنا * يا خير من حج بيت الله واعتمرا

حملت أمراً عظيماً فاضطلعت به * وسرت فيه بأمر الله يا عمرا

الشمس كاسفة ليست بطالعة * تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

وقال محارب بن دثار رحمه الله يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى‏:‏

لو أعظم الموت خلقاً أن يواقعه * لعدله لم يصبك الموت يا عمر

كم من شريعة عدل قد نعشت لهم * كادت تموت وأخرى منك تنتظر

يا لهف نفسي ولهف الواجدين معي * على العدول التي تغتالها الحفر

ثلاثة ما رأت عيني لهم شبهاً * تضم أعظمهم في المسجد الحفر

وأنت تتبعهم لم تأل مجتهداً * سقياً لها سنن بالحق تفتقر

لو كنت أملك والأقدار غالبة * تأتي روحاً وتبياناً وتبتكر

صرفت عن عمر الخيرات مصرعه * بدير سمعان لكن يغلب القدر

قالوا‏:‏ وكانت وفاته بدير سمعان من أرض حمص، يوم الخميس، وقيل‏:‏ الجمعة لخمس مضين، وقيل‏:‏ بقين من رجب، وقيل‏:‏ لعشر بقين منه، سنة إحدى، وقيل‏:‏ ثنتين ومائة، وصلى عليه ابن عمه مسلمة بن عبد الملك، وقيل‏:‏ صلى عليه يزيد بن عبد الملك، وقيل‏:‏ ابنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/238‏)‏ وكان عمره يوم مات تسعاً وثلاثين سنة وأشهراً، وقيل‏:‏ أنه جاوز الأربعين بأشهر، وقيل‏:‏ بسنة ، وقيل‏:‏ بأكثر، وقيل‏:‏ أنه عاش ثلاثاً وستين سنة، وقيل‏:‏ ستاً وثلاثين، وقيل‏:‏ سبعاً وثلاثين، وقيل‏:‏ ثمانياً وثلاثين سنة، وقيل‏:‏ ما بين الثلاثين إلى الأربعين ولم يبلغها‏.‏

وقال أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر‏:‏ مات على رأس خمس وأربعين سنة‏.‏

قال ابن عساكر‏:‏ وهذا وهم، والصحيح الأول تسعاً وثلاثين سنة وأشهراً‏.‏

وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وقيل‏:‏ أربعة عشر يوماً، وقيل‏:‏ سنتان ونصف‏.‏

وكان رحمه الله أسمر دقيق الوجه حسنه، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بجبهته أثر شجة، وكان قد شاب وخضب رحمه الله، والله سبحانه أعلم‏.‏

 

 فصل خلافة عمر بن عبد العزيز‏.‏

لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة جاءه صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة على عادته مع الخلفاء قبله، فقال له عمر‏:‏ مالي ولك‏؟‏ تنح عني، إنما أنا رجل من المسلمين‏.‏ ثم سار وساروا معه حتى دخل المسجد، فصعد المنبر واجتمع الناس إليه، فقال‏:‏ أيها الناس ‏!‏ إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم ولأمركم من تريدون‏.‏ فصاح المسلمون صيحة واحدة‏:‏ قد اخترناك لأنفسنا وأمرنا، ورضينا كلنا بك‏.‏

فلما هدأت أصواتهم حمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏ أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف، وأكثروا من ذكر الموت فإنه هادم اللذات، وأحسنوا الاستعداد له قبل نزوله، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها ولا في كتابها ولا في نبيها، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم، وإني والله لا أعطي أحداً باطلاً، ولا أمنع أحداً حقاً، ثم رفع صوته فقال‏:‏ أيها الناس ‏!‏ من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم‏.‏

ثم نزل فدخل فأمر بالستور فهتكت، والثياب التي كانت تبسط للخلفاء أمر بها فبيعت، وأدخل أثمانها في بيت المال، ثم ذهب يتبوأ مقيلاً فأتاه ابنه عبد الملك فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ماذا تريد أن تصنع‏؟‏ قال‏:‏ يا بني أقيل، قال‏:‏ تقيل ولا ترد المظالم إلى أهلها، فقال‏:‏ إني سهرت البارحة في أمر سليمان فإذا صليت الظهر رددت المظالم، فقال له ابنه‏:‏ ومن لك أن تعيش إلى الظهر‏؟‏ قال‏:‏ ادن مني أي بني، فدنا منه فقبل بين عينيه وقال‏:‏ الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/239‏)‏ ثم قام وخرج وترك القائلة، وأمر مناديه فنادى‏:‏ ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي من أهل حمص فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله، قال‏:‏ ما ذاك‏؟‏ قال‏:‏ العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي، والعباس جالس، فقال له عمر‏:‏ يا عباس ما تقول‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد، وكتب لي بها سجلاً، فقال عمر‏:‏ ما تقول يا ذمي‏؟‏ قال‏:‏ يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى، فقال عمر‏:‏ نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد، قم فاردد عليه ضيعته، فردها عليه، ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه فما رفعت إليه مظلمة إلا ردها سواء كانت في يده أو في يد غيره، حتى أخذ أموال بني مروان وغيرهم مما كان في أيديهم بغير استحقاق، فاستغاث بنو مروان بكل واحد من أعيان الناس، فلم يفدهم ذلك شيئاً، فأتوا عمتهم فاطمة بنت مروان - وكانت عمته - فشكوا إليها ما لقوا من عمر، وأنه قد أخذ أموالهم، ويستنقصون عنده، وأنه لا يرفع بهم رأساً، وكانت هذه المرأة لا تحجب عن الخلفاء، و لا ترد لها حاجة، وكانوا يكرمونها ويعظمونها، وكذلك كان عمر يفعل معها قبل الخلافة، وقامت فركبت إليه فلما دخلت عليه عظمها وأكرمها لأنها أخت أبيه، وألقى لها وسادة وشرع يحادثها فرآها غضبى وهي على غير العادة، فقال لها عمر‏:‏ يا عمة مالك‏؟‏ فقالت‏:‏ بنو أخي عبد الملك وأولادهم يهانون في زمانك وولايتك‏؟‏ وتأخذ أموالهم فتعطيها لغيرهم، ويسبون عندك فلا تنكر‏؟‏ فضحك عمر وعلم أنها متحملة، وأن عقلها قد كبر، ثم شرع يحادثها والغضب لا يتحيز عنها، فلما رأى ذلك أخذ معها في الجد‏.‏

فقال‏:‏ يا عمة‏.‏ اعلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وترك الناس على نهر مورود، فولي ذلك النهر بعده رجل فلم يستنقص منه شيئاً حتى مات، ثم ولي ذلك النهر بعد ذلك الرجل رجل آخر فلم يستنقص منه شيئاً حتى مات، ثم ولي ذلك النهر رجل آخر فكرى منه ساقية، ثم لم يزل الناس بعده يكرون السواقي حتى تركوه يابساً لا قطرة فيه، وأيم الله لئن أبقاني الله لأردنه إلى مجراه الأول، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وإذا كان الظلم من الأقارب الذين هم بطانة الوالي، والوالي لا يزيل ذلك فكيف يستطيع أن يزيل ما هو ناء عنه في غيرهم‏؟‏ فقالت‏:‏ فلا يسبوا عندك‏؟‏ قال‏:‏ ومن يسبهم‏؟‏ إنما يرفع الرجل مظلمته فآخذ له بها‏.‏ ذكر ذلك ابن أبي الدنيا وأبو نعيم وغيرهما، وقد أشار إليه المؤلف إشارة خفية‏.‏

وقال مسلمة بن عبد الملك‏:‏ دخلت على عمر في مرضه فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة‏:‏ ألا تغسلوا قميص أمير المؤمنين‏؟‏ فقالت‏:‏ والله ماله قميص غيره، وبكى فبكت فاطمة فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما انجلت عنهم العبرة قالت فاطمة‏:‏ ما أبكاك يا أمير المؤمنين‏؟‏ فقال‏:‏ إني ذكرت منصرف الخلائق من بين يدي الله، فريق في الجنة و فريق في السعير، ثم صرخ وغشى عليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9 /240‏)‏

وعرض عليه مرة مسك من بيت المال فسد أنفه حتى وضع، فقيل له في ذلك فقال‏:‏ وهل ينتفع من المسك إلا بريحه‏؟‏

ولما احتضر دعا بأولاده وكانوا بضعة عشر ذكراً، فنظر إليهم فذرفت عيناه ثم قال‏:‏ بنفسي الفتية‏.‏

وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل كثيراً بهذه الأبيات‏:‏

يرى مستكيناً وهو للقول ماقت * به عن حديث القوم ما هو شاغله

وأزعجه علم عن الجهل كله * وما عالم شيئاً كمن هو جاهله

عبوس عن الجهال حين يراهم * فليس له منهم خدين يهازله

تذكر ما يبقى من العيش فارعوى * فأشغله عن عاجل العيش آجله

وروى ابن أبي الدنيا، عن ميمون بن مهران، قال‏:‏ دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده سابق البربري وهو ينشده شعراً، فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات‏:‏

فكم من صحيح بات للموت آمناً * أتته المنايا بغتة بعد ما هجع

فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة * فراراً ولا منه بقوته امتنع

فأصبح تبكيه النساء مقنعاً * ولا يسمع الداعي وإن صوته رفع

وقرب من لحد فصار مقيله * وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع

فلا يترك الموت الغني لماله * ولا معدماً في المال ذا حاجة يدع

وقال رجاء بن حيوة‏:‏ لما مات أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وقام يزيد بن عبد الملك بعده في الخلافة، أتاه عمر بن الوليد بن عبد الملك فقال ليزيد‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إن هذا المرائي - يعني عمر بن عبد العزيز - قد خان من المسلمين كل ما قدر عليه من جوهر نفيس ودر ثمين في بيتين في داره مملوءين، وهما مقفولان على ذلك الدر والجوهر‏.‏ فأرسل يزيد إلى أخته فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر‏:‏ بلغني أن عمر خلف جوهراً ودراً في بيتين مقفولين، فأرسلت إليه‏:‏ يا أخي ما ترك عمر من سبد ولا لبد إلا ما في هذا المنديل، وأرسلت إليه به فحله فوجد فيه قميصاً غليظاً مرفوعاً، ورداء قشباً، وجبةً محشوةً غليظةً واهية البطانة‏.‏ فقال يزيد للرسول‏:‏ قل لها ليس عن هذا أسأل، ولا هذا أريد، إنما أسأل عما في البيتين، فأرسلت تقول له‏:‏ و الذي فجعني بأمير المؤمنين ما دخلت هذين البيتين منذ ولي الخلافة، لعلمي بكراهته لذلك، وهذه مفاتيحهما فتعال فحول ما فيهما لبيت مالك، فركب يزيد ومعه عمر بن الوليد حتى دخل الدار ففتح أحد البيتين، فإذا فيه كرسي من أدم وأربع آجرات مبسوطات عند الكرسي وقمقم‏.‏ فقال عمر بن الوليد‏:‏ أستغفر الله، ثم فتح البيت الثاني فوجد فيه مسجداً مفروشاً بالحصا، وسلسلة معلقة بسقف البيت، فيها كهيئة الطوق بقدر ما يدخل الإنسان رأسه فيها إلى أن تبلغ العنق، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/241‏)‏ كان إذا فتر عن العبادة أو ذكر بعض ذنوبه وضعها في رقبته، وربما كان يضعها إذا نعس لئلا ينام، و وجدوا صندوقاً مقفلاً ففتح فوجدوا فيه سفطاً ففتحه، فإذا فيه دراعة وتبان كل ذلك من مسوح غليظ، فبكى يزيد ومن معه وقال‏:‏ يرحمك الله يا أخي، إن كنت لنقي السريرة نقي العلانية‏.‏ و خرج عمر بن الوليد و هو مخذول وهو يقول‏:‏ أستغفر الله، إنما قلت ما قيل لي‏.‏

وقال رجاء‏:‏ لما احتضر جعل يقول‏:‏ اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك حتى لا أحب لما عجلت تأخيراً، ولا لما أخرت تعجيلاً، فلا زال يقول ذلك حتى مات‏.‏

وكان يقول‏:‏ لقد أصبحت ومالي في الأمور هوى إلا في مواضع قضاء الله فيها‏.‏

وقال شعيب بن صفوان‏:‏ كتب سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة‏:‏ أما بعد يا عمر فإنه قد ولي الخلافة والملك قبلك أقوام فماتوا على ما قد رأيت، ولقوا الله فرادى بعد الجموع والحفدة والحشم، وعالجوا نزع الموت الذي كانوا منه يفرون، فانفقأت عينهم التي كانت لا تفتأ تنظر لذاتها، واندفنت رقابهم غير موسدين بعد لين الوسائد، وتظاهر الفرش والمرافق والسرر والخدم، وانشقت بطونهم التي كانت لا تشبع من كل نوع ولون من الأموال والأطعمة، وصاروا جيفاً بعد طيب الروائح العطرة، حتى لو كانوا إلى جانب مسكين ممن كانوا يحقرونه و هم أحياء لتأذى بهم ولنفر منهم، بعد إنفاق الأموال على أغراضهم من الطيب والثياب الفاخرة اللينة، كانوا ينفقون الأموال إسرافاً في أغراضهم و أهوائهم، و يقترون في حق الله وأمره، فإن استطعت أن تلقاهم يوم القيامة وهم محبوسون مرتهنون بما عليهم و أنت غير محبوس ولا مرتهن بشيء فافعل، واستعن بالله ولا قوة إلا بالله سبحانه‏:‏

وما ملك عما قليل بسالم * ولو كثرت أحراسه ومواكبه

ومن كان ذا باب شديد وحاجب * فعما قليل يهجر الباب حاجبه

وما كان غير الموت حتى تفرقت * إلى غيره أعوانه وحبائبه

فأصبح مسروراً به كل حاسد * وأسلمه أصحابه وحبائبه ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/242‏)‏

وقيل‏:‏ إن هذه الأبيات لغيره‏.‏

وقال ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص‏:‏ حدثنا عاصم بن عامر، حدثنا أبي، عن عبد ربه بن أبي هلال، عن ميمون بن مهران، قال‏:‏ تكلم عمر بن عبد العزيز ذات يوم وعنده رهط من إخوانه، ففتح له منطق و موعظة حسنة، فنظر إلى رجل من جلسائه وقد ذرفت عيناه بالدموع، فلما رأى ذلك عمر قطع منطقه، فقلت له‏:‏ يا أمير المؤمنين امض في موعظتك فإني أرجو أن يمن الله به على من سمعه أو بلغه، فقال‏:‏ إليك عني يا أبا أيوب، فإن في القول على الناس فتنة لا يخلص من شرها متكلم عليهم، والفعال أولى بالمؤمن من المقال‏.‏

وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه قال‏:‏ استعملنا أقواماً كنا نرى أنهم أبرار أخيار، فلما استعملناهم إذا هم يعملون أعمال الفجار، قاتلهم الله أما كانوا يمشون على القبور ‏!‏

وروى عبد الرزاق قال‏:‏ سمعت معمراً يذكر قال‏:‏ كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وبلغه عنه بعض ما يكره -‏:‏ أما بعد فإنه غرني بك مجالستك القراء، وعمامتك السوداء، وإرسالك إياها من وراء ظهرك، وإنك أحسنت العلانية فأحسنا بك الظن، وقد أطلعنا الله على كثير مما تعملون‏.‏

وروى الطبراني والدارقطني وغير واحد من أهل العلم بأسانيدهم إلى عمر بن عبد العزيز، أنه كتب إلى عامل له‏:‏ أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، واتباع سنة رسوله، والاقتصاد في أمره، وترك ما أحدث المحدثون بعده ممن قد حارب سنته وكفوا مؤنته، ثم أعلم أنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل على بطلانها، - أو قال دليل عليها - فعليك لزوم السنة فإنه إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزيغ والزلل، والحمق والخطأ والتعمق، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وعلى العمل الشديد أشد، و إنما كان عملهم على الأسد، و لو كان فيما تحملون أنفسكم فضل لكانوا فيه أحرى، وإليه أجرى، لأنهم السابقون إلى كل خير، فإن قلت‏:‏ قد حدث بعدهم خير، فاعلم أنه إنما أحدثه من قد اتبع غير سبيل المؤمنين، وحاد عن طريقهم، و رغبت نفسه عنهم، ولقد تكلموا منه ما يكفي، و وصفوا منه ما يشفي، فأين لا أين، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم غير محسن، ولقد قصر أقوام دينهم فحفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، فرحم الله ابن عبد العزيز‏.‏ ما أحسن هذا القول الذي ما يخرج إلا من قلب قد امتلأ بالمتابعة ومحبة ما كان عليه الصحابة، فمن الذي يستطيع أن يقول مثل هذا من الفقهاء و غيرهم‏؟‏ فرحمه الله وعفا عنه‏.‏

وروى الخطيب البغدادي من طريق يعقوب بن سفيان الحافظ، عن سعيد بن أبي مريم، عن رشيد بن سعيد، قال‏:‏ حدثني عقيل، عن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز‏.‏ قال‏:‏ سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، ليس على أحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سبق هدي، ومن استبصر بها أبصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/243‏)‏

وأمر عمر بن عبد العزيز مناديه ذات يوم فنادى في الناس‏:‏ الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطبهم فقال في خطبته‏:‏ إني لم أجمعكم إلا أن المصدق منكم بما بين يديه من لقاء الله و الدار الآخرة ولم يعمل لذلك ويستعد له أحمق، والمكذب له كافر‏.‏ ثم تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 54‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 106‏]‏‏.‏

وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه أرسل أولاده مع مؤدب لهم إلى الطائف يعلمهم هناك، فكتب إليه عمر‏:‏ بئس ما علمت إذ قدمت إمام المسلمين صبياً لم يعرف النية - أو لم تدخله النية - ذكره في كتاب النية له‏.‏

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الرقة والبكاء عن مولى لعمر بن عبد العزيز أنه قال له‏:‏ يا بني، ليس الخير أن يسمع لك و تطاع، و إنما الخير أن تكون قد غفلت عن ربك عز وجل ثم أطعته، يا بني لا تأذن اليوم لأحد علي حتى أصبح ويرتفع النهار، فإني أخاف أن لا أعقل عن الناس ولا يفهمون عني، فقال له مولاه‏:‏ رأيتك البارحة بكيت بكاء ما رأيتك بكي