Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم المؤرخ / عزت اندراوس

الشيطان يمهد لمجمع خلقيدونية

 أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up

 

 

تاريخ كنيستي (104)
الشيطان يستدعي كل قواته ويمهد لخلقيدونية

 منقول من #مقالات_القمص_أنجيلوس_جرجس

 

الشيطان يمهد لمجمع خلقيدونية
الأحداث التاريخية التي توقفنا عندها، هي أحداث حاسمة جداً، لأن مجمع خلقيدونية هو المجمع المشئوم، الذي شق الكنيسة بمسميات إيمانية جديدة، بغطرسة كنيسة روما، وبتدخل السياسة والإمبراطور بطريقة سافرة.
لا يظن أحد أن مشكلة مجمع خلقيدونية كانت مشكلة لغة، فقد كان الجميع يتحدثون اليونانية. ولم يكن "البابا ديسقوروس" على دراية باللغة القبطية، بقدر علمه باللغة اليونانية، حتى إنه في رسالة أرسلها إلى "الأنبا شنودة رئيس المتوحدين"، عن راهب مهرطق أوريجاني، طالبه فيها أن يكتب هذه الرسالة باللغة القبطية، وينشرها في جميع الأديرة، لعدم تمكنه جيداً من اللغة القبطية. فقد كان "البابا ديسقوروس" تلميذاً من تلاميذ مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، التي كان التعليم فيها باللغة اليونانية، فقد ولد وتربي في الإسكندرية، وكانت الثقافة اليونانية هي السائدة هناك، أكثر من اللغة القبطية.
ولم يكن "البابا ديسقوروس" يدافع عن ذاته ـ كما يدعي البعض ـ فقد كان قديساً وبطلاً، ضُرب وأُهين ونُفي لأجل الإيمان، ليس لأجل ذاته، فمن يدافع عن ذاته لا يُهان هكذا، سنجد أساقفة كراسي كثيرون، مثل كرسي أورشليم، لأجل كرامتهم وذاتهم، قد وقعوا على الإيمان المخالف في خلقيدونية، الذي كان فكراً نسطورياً بكل وضوح، وقد غلفه بطريرك روما "لاون" ببعض الأفكار والكلمات، التي كانوا قد أوحوا له بها أثنين من الذين حٌرموا في مجمع أفسس الثاني، وهم "فلابيانوس" أسقف القسطنطينية، و "ثيؤذوريت" أسقف كورش.
إلى جانب أن بطاركة روما منذ القرن الثالث، وهم يرددون أن كنيسة روما هي الكنيسة التي ترأس العالم كله، بصورة قانونية وغير قانونية وبتدبير المؤامرات، ولا يزال حتى يومنا هذا يخططون لذلك.
فقد وجدها "لاون" فرصة للرئاسة، إلى جانب إنه لم يكن عميق لاهوتياً، فقد كان من عائلة أرستقراطية، من إقليم "توسكانا" في إيطاليا، وكان شماساً وقت القديس كيرلس الكبير، في وقت حبرية البطريرك "سكيتوس" الذي تنيح عام 440م، وصار هو بطريرك روما بعد نياحته، وكان إمبراطور روما "جوانز" قد أرسله حينما كان لا يزال شماساً، ليحل مشكلة سياسية في إقليم فرنسا، فقد كان لاون يتطلع إلى الرئاسة والسياسة، أكثر من المسيح نفسه، وسيتضح ذلك من ألفاظه وطريقته، ونتيجة إنه قد صار له دوراً سياسياً، وصار شخصية مشهورة عند الإمبراطور، لذلك اُختير أن يصير بطريرك، وحتي بعد خلقيدونية لم يتخل عن دوره السياسي في حياته، فعلي سبيل المثال، حينما اجتاحت قبائل الهون و الجيرمان روما، جاء "جايزريك" ملك الوندال، وحاصر روما، فمن ذهب ليستعطفه من أجل روما، لم يكن الإمبراطور، ولا قائد الجيوش، ولكنه كان بطريرك روما "لاون"، ولم يعده ملك الوندال بأنه لن يستولي على الأموال التي في روما، بل قال له: سأنهب الذهب والفضة التي في الكنائس، ولكن نتيجة استعطافك لن أقتل شعب روما.
مات "لاون" عام 461م، وقد صارت روما مدينة منكوبة بعد خلقيدونية، مثلما غضب اللـه على أورشليم وتم تدميرها، روما هكذا سيتم تدميرها.
من ضمن أقوال لاون: "أن عظمة القديس بطرس لا تضيع في ظهور ورثة لا يستحقونها، فكل من يجلس على كرسي روما، يرث عظمة بطرس".
ولكن لم يكن وسط التلاميذ والرسل رئيس، فالسيد المسيح نفسه قال لهم: "إن رؤساء العالم يسودنهم، أما أنتم فالكبير فيكم خادم"، وحينما شعر المسيح بمشاعر الغيرة بين التلاميذ، وصراعهم على من يجلس عن يمينه ويساره، قال لهم: أن الكبير يخدم الصغير، فكيف يكون في الكنيسة بعد ذلك كبير وصغير؟!.
وفي مجمع أورشليم عام 48م، الذي رأس المجمع وسط التلاميذ والرسل جميعاً، كان "مار يعقوب" وليس مار بطرس، ثم من أين جاءوا بفكرة أن ماربطرس هو من بشر روما؟ فمن بشر روما هو ماربولس، ولكنهم يدعوا أمور، حتى يروجوا لفكرة أنهم يرثوا الكرسي الرئاسي، ولكن هذه فكرة ليست كنسية ولا روحية على الإطلاق.
وكما ذكرنا قبلاً أن الإمبراطور ثيؤدوسيوس تحت ضغط من أخته بوليكاريا أراد أن يتزوج ثانية، وإنه أرسل مندوبين إلى رهبان مصر ليسألهم في هذا الشأن، وكان المندوب هو أحد قواد الجيش اسمه "مرتينوس" وقد أصطحب معه ابنه الصغير "زيوس" ليأخذ بركة الآباء. وكان في دير أنبا مقار يوجد قديس عظيم يدعى "يؤانس" قال لمندوب الإمبراطور: "قولوا له الرب لم يشأ أن يكون لك وريث، ولو تزوجت عشرة نساء، لأن الذي بعد منك سيشق الكنيسة، فلم يشأ الرب أن يكون من نسلك من يشق الكنيسة".
وفي هذه الأثناء هجم البربر على الدير أثناء تواجد مندوبين الملك، ووقف القديس "يوأنس" وقال: سيكون اليوم يوم استشهاد، فمن يريد أن يستشهد فليبق في الكنيسة، ومن لم يريد فليهرب".
وقد أختبأ "مرتينوس" وابنه "زيوس" خلف الكنيسة، ورأوا البربر وهم يقطعون رؤوس الرهبان، فقال الابن لأبوه: "إني أريد أن أخذ إكليل مثل هؤلاء الآباء"، فتقدم للبربر فذبحوه، ووضع عليه الإكليل وصاروا 49 شهيداً.
وحينما عاد المندوبين وقصوا على الملك ما تم، بنوا كنيسة في القسطنطينية باسم التسعة والأربعين شهيداً، وللشهيد "زيوس" العديد من المعجزات، ويظهر لآباء البرية حتى يومنا هذا.
وكما قلنا مات "ثيؤدوسيوس الصغير" بطريقة عجيبة، فقد سقط من على حصانه عام 449م، وترهبنت زوجته بعد وفاته في إحدى أديرة أورشليم.
وجد "ماركيان" و"بوليكاريا" و"لاون" إنه من مصلحتهم أن يسيطروا على الكنائس، وكان هناك قوتين: "لاون" في الغرب، و"ماركيان وبوليكاريا" في الشرق، رغبوا أن تكون لهم السلطة على الكنيسة، مثلما كان "قسطنطين"، ولكن تصدي لهم "البابا ديسقوروس"، الذي كان قوياً في الإيمان، ولا يهاب أحد، إلى جانب أن "ماركيان" كان نسطوري، ولم يكن راضياً عما جري للأساقفة النساطرة في أفسس الثاني.
وبعد أحداث مجمع أفسس الثاني وتثبيت أركان الإيمان الأرثوذكسي القويم بعزل الأساقفة النساطرة وأنصاف النساطرة لم يصمت الشيطان وأعوانه بل جمع الشيطان كل قوته وقواته ويخطط لشق الكنيسة وتثبيت الفكر الهرطوقي لضرب الإيمان المسيحي.
ذهب كل من "فلابيانوس" بطريرك القسطنطينية و"ثيؤذوريت" أسقف كوروش ـ اللذان حرموا في مجمع أفسس الثاني ـ إلى لاون بطريرك روما، واشتكوا له من حرمان "البابا ديسقورس" لهم، فقام لاون بعقد مجمع وحالل فيه فلابيانوس وأسقف كورش، وأعادهم إلى كراسيهم وبالطبع هذا مخالف لقوانين الكنيسة، ولكن فلابيانوس كان قد مات، فأحضرت "بوليكاريا" جسده، وجعلت كنيسة القسطنطينية تحتفل به كقديس، كل هذا لمضايقة "البابا ديسقوروس"، وتوجه رسالة للجميع بأنه ليس سلطان في الكنيسة إلا سلطان الإمبراطورية.
وعلى الجانب الآخر قرر "لاون" في المجمع الذي عقده في روما، بإلغاء كل قرارات مجمع أفسس الثاني، فقام "البابا ديسقورس" بعقد مجمع وحرم فيه "لاون"، فحسب قوانين الكنيسة لا يليق أن يتعدى بطريرك أو أسقف على قوانين مجامع مسكونية، وقد كان أفسس الثاني، مجمع مسكونياً. لذلك وجب حرمان "لاون" لأنه كسر قوانين مجمع مسكوني، ثانياً لنشر طومس لاون الذي فيه إيمان نسطوري.
وهذا جعل "لاون" يستشيط غضباً، فقد كانت رغبته في أن يكون هو اللاهوتي الذي سيضع صيغة إيمانية جديدة، فيما يٌسمي "طومس لاون"، الذي سيستمر الصراع لأجله لمدة ثلاثمائة سنة من بعد خلقيدونية.
وقد كان رد فعل كنيستنا القبطية ليس شخصياً، ولكنها كانت تحمي الإيمان من منشور لاون، وهذه فقرة من طومس لاون لتعلموا ما تحويه من انحراف: "الكلمة يفعل ما يختص بالكلمة، واللحم يفعل ما يختص باللحم، فالواحد من المذكورين يُبهر بالمعجزات، والآخر يتلقى الإهانات، وحقاً يأتي المسيح الاثنين الإله والإنسان، المسيح طبيعة واحدة في طبيعتين". كما يقول أيضاً: "كل طبيعة تشارك الأخرى".
ومعني كلامه أن المسيح ليس طبيعة واحدة، لأنه يقول طبيعة في طبيعتين، وليس من طبيعتين. حينما نقول المسيح طبيعة واحدة في طبيعتين، معني ذلك أنها منقسمة في الداخل، وهذا ما حذرت منه الكنيسة إن ذلك فكر نسطوري مستتر، وقد رفضت الكنيسة ذلك تماماً. كما يقول كل طبيعة تشارك الأخرى أي ليس هناك اتحاد للطبيعتين.
وبعد العديد من المباحثات بين "ماركيان" و"لاون"، قرر "ماركيان" عقد مجمع مسكوني آخر بصفته الإمبراطور، وأشار "لاون" أن يعقد المجمع في روما، ولكن "مركيان" رفض لأنه بذلك ستكون كنيسة القسطنطينية خاضعة لكنيسة روما.
من ضمن الرسائل التي أرسلها "لاون" إلى "ماركيان" يقول: "لقد ضل نسطور وأوطاخي عن الحق، وقد اختلف كل منهما في التعبيرات التي استخدمها، إلا أن كليهما ماكر لئيم".
وكلمة اختلاف في التعبيرات، استخدمها العديد من الكتاب والمؤرخين، وللأسف حتى الآن يردد البعض نفس هذا الكلام دون أن يدركوا الحقيقة. وقد كان كل اهتمام "لاون" أن يكون هو الرئيس الذي تسمع كلمته.
وقد أرسل "ماركيان" إلى جميع الأساقفة أن المجمع سيناقش ما حدث في أفسس الثاني، وللأسف هناك العديد من الكتب التاريخية في الغرب وتتناقلها كتب تاريخية أيضاً في كنيستنا تمحو أفسس الثاني كمجمع مسكوني، وتضع بدلاً منه خلقيدونية.
أما نحن ككنيسة قبطية لا نعترف بمجمع خلقيدونية ولكن نعترف بمجمع أفسس الثاني.
وحضر البابا ديسقوروس ومعه 13 أسقفاً من مصر، ومنهم أسقف قديس يُدعي "أنبا مقار" أسقف أدكو ـ وهي مدينة علي ساحل البحر المتوسط، بين الإسكندرية، و رشيد ـ وكان يتحدث القبطية فقط، ولم يكن يفهم يوناني، وهذا يوضح لنا أن اللغة القبطية وإن كانت غريبة في الإسكندرية لأن تاريخها من عصر البطالمة، وهي مدينة يونانية عالمية، ذات فكر هلليني، وذات صبغة يونانية، إلا أن خارج الإسكندرية كان كل المصريين يتحدثون اللغة القبطية بطلاقة، وكان البابا ديسقوروس يتحدث كلا اللغتين، لأن أصوله كانت من الصعيد، ولكن لأنه ولد في الإسكندرية كانت لغته القبطية أقل من اليونانية لأنه كان من آباء مدرسة الإسكندرية اللاهوتية.
وكان "الأنبا مقار" أسقف أدكو، هو أحد الثلاثة مقارات القديسين، وهم: أبو مقار الكبير تلميذ الأنبا أنطونيوس، ومؤسس الرهبنة في وادي النطرون، وأنبا مقار السكندري مؤسس الرهبنة في برية نتريا. وهذا الأسقف شهيد الإيمان كما سنرى فيما بعد.
وقف "البابا ديسقوروس" يصلي، مع "أنبا مقار" وباقي الثلاثة عشر أسقفاً قبل ذهابهم إلى المجمع، قائلاً: "نطلب معونة الرب يعيننا على الهرطقات، وكما وقف مع آبائنا ديونسيوس وثاؤنا وأثناسيوس وكيرلس، يقف معنا أيضاً، وكما دحض هرطقة بولس الساموساطي وأوريجانوس وأريوس ونسطور، يدحض أيضاً هذه الهرطقة". وهكذا كانت الكنيسة تضع أوريجانوس من الهراطقة دائماً.
وصعد الآباء إلى السفينة، وحينما وصلوا إلى القسطنطينية الساعة الثالثة صباحاً، أيقظ "البابا ديسقوروس" الأنبا مقار، واعلمه بأن أليشع النبي، ويوحنا المعمدان قد ظهروا له، وقالوا له: "أنهما يرافقانهم في هذه الرحلة، ورفيقك أنبا مقار، سيكون جسده مع جسدينا شهيداً".
وطلب ماركيان أن يعقد اجتماع في القسطنطينية مع الأساقفة المجتمعين في المجمع قبل ذهابهم إلى خلقيدونية كي يملي عليهم إرادته حتى لا يحيد أحد عن تحقيق ما يريده ولو بالقوة كما سنرى.
وحين دخل البابا إلى القصر في هذا اللقاء منع حاجب القصر أنبا مقار لملابسه الرديئة فذهب البابا إليه وأدخله. لتبدأ المهزلة التاريخية وخطة الشيطان التي يحققها الملك وزوجته وبطريرك روما وأسقف القسطنطينية.
وكان المشهد الأول في القصر:
كان "ماركيان" في استقبالهم صباحاً مع زوجته بوليكاريا، ودخل إلى القصر حوالي ستمائة أسقف، وصلوا جميعاً إلى القسطنطينية أولاً، ثم دخلوا قاعة الاستقبال في القصر فرحب بهم ماركيان وقال لهم: جمعتكم لتثبتوا الإيمان.
فرد عليه "البابا ديسقوروس": وماذا في الإيمان يحتاج إلى مراجعة وتثبيت؟
ـ فقال له: لاون بطريرك روما له قول آخر ضدك، ويقاوم أقوالك.
ـ فقال البابا ديسقوروس: وهكذا يقاوم الشيطان قول الحق، وقد كان الشيطان رئيس ملائكة أيضاً.
ـ رد ماركيان بعنف: ولكني أقبل كلام لاون أكثر منك.
ـ فرد البابا ديسقوروس: وهل تقبل كلام كل بطاركة روما السابقين؟
وكان في هذا الرد منتهي الذكاء والفطنة، أي هل تقبل الإيمان من شخص واحد أم تريد تحكيم بطاركة روما السابقين؟ وهذا يعني انحراف لاون عن الإيمان المستلم.
وقد فهم ماركيان ما يعنيه البابا ديسقوروس، فقد عاصر ماركيان أحداث البابا كيرلس، وبطريرك روما "كليستينوس" الذي حرم نسطور. وكيف ساندت روما الإيمان المستقيم مع البابا ديسقوروس.
ـ فقال مركيان: أقبل كل بطاركة روما، ما عدا "كليستينوس" لأن كليستينوس هو من ساند البابا كيرلس ضد النساطرة وكان ماركيان نسطوري.
ـ فقال له البابا ديسقوروس: "حين طُعن المسيح في جنبه، خرج منه دم وماء، علامة أن لاهوته لم ينفصل عن ناسوته على الصليب، وفي كل أعمال المسيح الناسوتية لم يفارق اللاهوت لحظة واحدة ولا طرفة عين". وهذا هو إيمان الطبيعة الواحدة من الطبيعتين، وكان النساطرة يرفضون فكرة الإله المتجسد على الصليب.
ـ فقال ماركيان: أنا لا أقبل ما تقوله.
ـ فقال البابا ديسقوروس: هذا كلام المسيح، أليس المسيح الذي قال: أنا وأبي واحد، فهل قال هذا عن اللاهوت أم عن الناسوت؟
فسكت ماركيان لعدم علمه بالأمور اللاهوتية فقد كان نسطوري جاهل، فقام بعض الأساقفة النساطرة، وكلموا ماركيان بصوت مسموع قائلين: "مادام ديسقوروس حاضراً، لا تستطيع أن تٌقر منشور لاون".
ـ فرد البابا ديسقوروس على هذا: إذا سمعت تجديف، أو أي هرطقة، سأحرم من يقولها ـ حتى وإن كان الإمبراطور ـ وسأترك المدينة تحت الحرمان وأعود إلى مصر.
فأغتاظ النساطرة وصرخوا في وجه الإمبراطور قائلين: "إنك تبدو كمسكين أمامه، اظهر منشور لاون الآن وأجعله يوقع عليه، وإذا اعترض قاومه وأنفيه".
وقد كان هذا هو ما رتبه مجموعة الأساقفة النساطرة مع "لاون" و"ماركيان"، إما أن يوقع "البابا ديسقوروس" على منشور لاون، أو يقوموا بنفيه.
ـ وقال البابا ديسقوروس للأساقفة وماركيان: سأحرم أي هرطقة الآن تُقال.
فقام أحد الأساقفة من الذين كانوا حاضرين في مجمع أفسس الثاني وقال: يا أنبا ديسقوروس علينا جميعاً أن نُزعن لرغبة الإمبراطور، ولا نخالفه. اخضع يا ديسقوروس حتى لا تُنفي عن كرسيك.
ـ فقال البابا بكل قوة وإصرار: القيصر يجب أن ينشغل بأمور المملكة، ويدع آباء الكنيسة يبحثون في الإيمان المستقيم، لأنهم يعرفون الكتب، وخير له ألا يميل مع هوي الهراطقة وينحرف عن الإيمان.
ـ وهنا وقفت بوليكاريا واقتربت من البابا بتهديد عنيف وقالت: يا ديسقوروس لقد كان في زمان والدتي أفروسيا، إنساناً كان يتكلم مثلك (تقصد القديس يوحنا ذهبي الفم) وأنت تعلم إنه لم يري خيراً من جراء مخالفته لأمي، وأنا أري حالك سيكون مثله.
ـ ولم يخف البابا ولم يهتز من وجهها الشرير ولا صوتها العنيف بل قال لها: وأنت أيضاً تعرفين ماذا جري لأمك، نتيجة اضطهادها لهذا القديس، كيف ابتلاها الرب بالمرض الشديد، ولم تجد دواء ولا علاج، حتى وصلت إلى قبره، بناء على مشورة الأساقفة والكهنة، وبكت وطلبت منه الصفح والحّل، وحين سامحها عوفيت. أما أنا فبين يديك أفعلي ما تريدين، وستنالين أيضاً من الرب ما نالته أمك.
وحين سمعت "بوليكاريا" هذا الكلام أحمر وجهها وجحظت عيناها وأصرت على أسنانها ورفعت يدها وصفعت البابا ديسقوروس بقوة على وجهه، فتساقطت أسنانه. وحين رأي الجنود ذلك اندفعوا نحو البابا "ديسقوروس" ورموه على الأرض وضربوه بأيديهم وأرجلهم، ونتفوا شعر دقنه، وهاج بعض الأساقفة على هذا الوضع وصرخوا لا يصح هذا. بينما الأكثر كانوا يرون أن هذا ضرورياً حتى يخضع البابا ويصمت في المجمع ولا يستطيع أحد أن يعترض على القرارات المتفق عليها مع لاون مسبقاً.
فقام "البابا ديسقورس" بتجميع شعر ذقنه وأسنانه، وأحتفظ بها، وأرسلها بعد المجمع مع الوفد العائد إلى الإسكندرية، ومع رسالة مرفقة قال فيها: "هذه ثمرة جهادي لأجل الإيمان، اعلموا إنني قد نلت آلاماً كثيرة في سبيل المحافظة على إيمان آبائي القديسين. أما أنتم الذين إيمانكم صخرة الإيمان القويم، فلا تخافوا من السيول الهرطوقية، ولا من زوابع الهراطقة".
اضطرب المشهد جداً، ماذا سيحدث بعد ذلك؟ سنعرفه في المقال القادم.
لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين