Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم عزت اندراوس

م

 إذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات وصمم الموقع ليصل إلى 3000 موضوع مختلف

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
عيسى بحث لهولى بايبل
المسيح هو الصراط المستقيم
الله والمسيح
قدرة المسيح  الإلهية
بنوة المسيح للإله
كلمة الله

 

 

الفكــــــر القرآنى حول الله إلاه ألإسلام 

توجد المئات من الخلافات بين الكتاب المقدس (التوراة والإنجيبل ) من جهة  والقرآن من جهة أخرى إلا أن نقطة الخلاف الكبرى بين االمسيحية والإسلام تكمن فى ألوهية المسيح  وهو خلاف ظاهري لا حقيقي ولا جوهري ، لاختلاف وجهات النظر إلى الموضوع الواحد في الكتابين  حيث أن القرآن تعليمى ابتدائي عن توحيد الله  توحيدا مطلقاً من  وجهة نظر جامدة صلبه لا تطلب إعمال الفكروغير قابلة للنقاش الذى غالبا ما يؤدى إلى تغيير  هذا الفكر وهذا الفكر الفكر القرآنى يؤدى بلا شك لمصلحة الغزو الإسلامى فلم يعرفوا عن الإله غير أن أسمه الله وهو الأسم الذى لم تعرفه اليهودية والمسيحية  وقفلوا البحث عن  ذات الله إلههم وأوصدوه  تحت أسباب هى : محمد هو خاتم الأنبياء وأن رسالته خاتمة الرسالات وأن القرآن هو الكتاب المنزل وأن جميع الكتب السابقة حرفت  وحينما  نبحث فى صميم العقيدة المسيحية نجد أنها لا تعترف بوجود إله أسمه الله ولا بمركز عبادته فى مكة ولا بالحج الذى لم يمارسة أى نبى من عشرات الأنبياء المرسلين ولا تعترف أيضاً  بمحمد نبيا طبقاً لآية صريحة  وردت على لسان المسيح محذراً  تلاميذه من النبى الكذاب وممن يدَّعي النبوة والرسالة بعده فقال لهم بصريح العبارة: يأتي بعدي أنبياء الكذبة (انظر متى 24: 11)  ولا تعترف المسيحية بالقرآن الكتاب الذى سجله  الكتبة عن لسان محمد رسول الإسلام وقام بجمعه الخليفة عثمان بن عفان ووحرق النسخ الأصلية  التى كتبت تحت إشراف محمد رسول الإسلام وفى مرحلة تالية أدخلت علي  القرآن بعد ذلك تعديلات بشرية بالتنقيط والتشكيل  على القرآن الذى جمعه  الخليفة عثمان  ثم  حرقوا قرآن عثمان وكان غير مشكل وغير منقط بأن وضعوه فى الخل

وقبل الغوص فى الكلام عن بنوة المسيح للإله فى المسيحة والإسلام نهناك قاعدة أساسية يجب أن يعلمها القارئ وهى: أن المسيحية عقيدة روحية ترتقى بالإنسان إلى الروحانية  حيث تعتبر بنوة المسيح للإله بنوة روحية  بينما يفسر القرآن كل شئ بالفكر الإنسانى الجسدى فبنوة المسيح لله فى الإسلام هى بنوة جسدية ناتجة عن طريق شهوة جسدية  لهذا فهم يعتبرون المسيحيين كفرة وأما الأسباب التي دعت إلي هذا التكفير والنكران فتنحصر في نظريتين :
1) النظرية الأولي أن كل نبوة أو ولادة تنسب إلي الله لا يمكن أن تكون إلا جسدية تناسلية : "بديع السماوات والأرض، أني يكون له ولد ولم تكن له صاحبة" (انعام 101) ينفي القرآن الولادة في الله ، ولا يقدر أن يتحمل تأليه أحد مع الله ، بولادة أو بسواها :" قل هو الله أحد ، الله الصمد ! لم يلد ولم يولد ! ولم يكن له كفؤاً أحد " ( سورة الاخلاص) لا تناسل فيه ولا مثله أحد يتخذه ولداً فوحدانيته لا يشاركه فيها أحد : لا يفهم المسلمون البنوة والولادة أياً كانت إلا بزوجة وزواج فكل بنوة عندهم هي مخلوقة بشرية جسدية تناسلية وينكرون حتى البنوة المعنوية التي يدعيها اليهود والنصارى لأنفسهم من الله :" وقالت لليهود والنصاري : نحن أبناء الله وأحباؤه ! - قل فلم يعذبكم بذنوبكم ؟ بل أنتم بشر ممن خلق" (مائدة 20). وينكر هذه البنوة المعنوية حتي في الأنبياء والملائكة : "ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ! أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ؟" (آل عمران 80) لأنها تقود إلي الشرك : "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً !... وجعلوا له من عباده جزءاً : إن الإنسان لكفور مبين" (زخرف 15 و 19) والله يوجه كلامه إلى اليهود والنصارى وهى فئة ضاله خارجة عن المسيحية وهنا يجب أن نتوقف  فالله  إلههم  لا يمكن أن يكون له أولادا من إتخاذ صاحبة أو أولادا منتسبين إليه لأنه ليس عندهم تبنى والمسيجية لاتؤمن بأن إلهها إتخذ  صاحبة إذاً فلا بد يكون الله إلاه الإسلام يتحدث عن  فئة خارجة عن المسيحية وضالة تعتقد بأن الله إتخذ صاحبة

 وهم يجهلون ويتجاهلون شيئاً أسمه البنوة المعنوية أو ما يسمي التبني الإلهي وحينما تناقشهم فى أنَّ الله خلق آدم على صورته ومع أن الصورة تقتضي الحدوث يجيبون : بأن مراد هنا الصورة المعنوية - وفى نفس الوقت يتجاهلون البنوة المعنوية للمسيح وهم يجهلون أيضاً مفهوم الولادة المجردة لأن الولادة بحد ذاتها هي انحدار حي من حي انحداراً ينتج عنه بفعله الذاتي مشابهة تامة في الطبيعة وهذا الانحدار قد يكون جسدياً كما في الإنسان وقد يكون عقلياً كالذي يسنده الإنجيل إلي المسيح ونحن هنا أمام كائنين متشابهين شكلاً ولكنهم مختلفين جوهراً فالإنسان العادى = جسد + روح (نسمة الحياة) أما السيد المسيح = جسد + روح (نسمة الحياة) + روح الله وكلمته - هاتين المعادلتين لا يمكن لمسلم إنكارهما

 


2) والنظرية الثانية، المنبثقة عن الأولي هي امتناع الصاحبة والولد عند الله لأنه "اتخاذ" لا تناسب فيه ولا تكافؤ في طبيعة الآخذ والمأخوذ : "وأنه تعالي جد ربنا : ما اتخذ صاحبة ولا ولداً" (الجن 3) تنزه جلاله وعظمته عما نسب إليه من الزوجة والولد (الجلالان). لذلك ينتفي تأليه المسيح أو غيره لأنه "اتخاذ" : "ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً (آل عمران 80)، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، والمسيح ابن مريم (توبة 32) ذلك عيسي ابن مريم، قول الحق، الذي فيه يمتزون : ما كان لله أن يتخذ من ولد، سبحانه" (مريم 34).
ألوهية المسيح التي ينكرها في القرآن


لذلك يعتبر القرآن اعتقاد النصارى في ألوهية المسيح " غلواً " منهم في دينهم لا غير ، ويرد عنهم :" يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ، إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، فآمنوا بالله ورسله" ( النساء : 170 ) ؛ فلا تتبعوا أهواء من سبقكم :" قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً ، وضلوا عن سواء السبيل" ( المائدة : 80 ) . لذلك يدعوهم إلى التوحيد الخالص :" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا أرباباً من دون الله " ( آل عمران : 62 ).


وينكر أشد الإنكار بنوة أي مخلوق من الله :" وقالوا اتخذ الله ولداً ! سبحانه بل له ما في السموات والأرض ، كل له قانتون . بديع السموات والأرض ، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له : كن فيكون" ( البقرة : 117 ) . لا يمكن للإله أن يكون مخلوقاً ، ولا يمكن للمخلوق أن يصير إلهاً ، بالبنوة أو بالتبني :" وقالوا : اتخذ الرحمن ولداً ! – لقد جئتم شيئاً إدا تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدا : أن دعوا للرحمن ولدا! وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا \ح \غن كل من في السموات والأرض إلا أتى الرحمن عبدا " ( مريم : 88 – 93 ).



حتي عيسي ابن مريم، رسول الله وكلمته وروحه، لا يمكن لله أن يتخذه ولداً أو يصير إلهاً، لأن كل مخلوق عبد لله بطبيعته. "لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون" (نساء 172) فبتأليه عيسي "ضاهي" النصاري قول الذين كفروا من قبل من المشركين : "وقالت الناصري : المسيح ابن الله ! ذلك قولهم بأفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل : قاتلهم الله أني يؤفكون" (توبة 31).



ويساوي القرآن بين تأليه المسيح وتأليه آلهة العرب : كلاهما اتخاذ وضم "جزء" خارج عن الله إليه تعالي ! "وجعلوا له شركاء الجن وخلقهم ! وحرقوا له بنين وبنات بغير علم، سبحانه وتعالي عما يصفون ! بديع السموات والأرض أني يكون له ولد ولم تكن له صاحبة" (انعام 100 - 102)، "وقالوا اتخذ الله ولداً ! سبحانه، بل له ما في السموات والأرض، كل له قانتون، بديع السماوات والأرض، وإذا قضي أمراً فإنما يقول له كن فيكون" (بقرة 117 و 118)، نزلت لما قال اليهود "عزير ابن الله" والنصاري "المسيح ابن الله" ومشركو العرب "الملائكة بنات الله" (البيضاوي).

وفسروا فلسفة استحالة الاتخاذ، استناداً إلي قوله (بقرة 117 وانعام 101)، "وفي الآية استدلال علي نفي الولد من وجوه : 1) إن من مبدعاته السماوات والأرضون وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدتها فهو أولي بأن يتعالي عنها. 2) إن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثي متجانسين والله تعالي منزه عن المجانسة. 3) إن الولد كفؤ الوالد، ولا كفؤ له بوجهين أن كل ما عداه مخلوق فلا يكافئه، وإنه لذاته عالم بكل المعلومات ولا كذلك غيره. بالإجماع" (البيضاوي). فهم أيضاً لم ترق أحلامهم إلي ما فوق الولادة الجسدية الجنسية التناسلية.

وفسر القرآن استحالة التأليه، والاتخاذ إلهاً مما خلق بقوله : "وجعلوا له من عباده جزءاً : إن الإنسان لكفور مبين" (زخرف 15). فالاتخاذ والتأليه يصم إلي الله "جزءاً" خارجاً عنه ... وهكذا تفهم حملة القرآن العنيفة الصاخبة علي فكرة البنوة والولادة منسوبة إلي الله.

ولكن ليس من "مضاهاة بين بنوة عيسي من الله، وبنوة عزير عند اليهود، وبنوة آلهة العرب المشركين :

فبنوة آلهة العرب تناسلية : وقد فهم القرآن "قومه" علي حقيقتهم. فلا بدع أن ينتفض القرآن لهذه الفكرة السمجة تنسب إلي الله : فما اتخذ صاحبة ولا ولداً (جن 3) وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ! لقد جئتم شيئاً إداً، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً : أن دعوا للرحمن ولداً" (مريم 88).

وبنوة عزير عند اليهود معنوية قد تجرهم إلي مشاكلة المشركين "فيضاهئون" بقولهم قول الذين كفروا من قبلهم (توبة 31).

ولكن بنوة عيسي في الإنجيل ليست تناسلية، وليست معنوية. بل هي بنوة روحية محضة من ولادة عقلية محضة :

للمسيح في الإنجيل اسمان : اسم شعبي تفهمه الجماهير : ابن الله وابن الإنسان، واسم علمي فلسفي لاهوتي أوحي به الله في مطلع إنجيل يوحنا يبين طبيعة هذه النبوة : إنه كلمة الله : "في البدء كان الكلمة والكلمة كان لدي الله، وكان الكلمة الله : به كون كل شئ وفيه كانت الحياة" (1 : 1 - 4). وهذا الاسم يشرح معني بنوة المسيح من الله وفي الله : بما أنه كلمة الله فبنوته فكرية عقلية، لا علاقة لأي جسد فيها ، بل هي قبل كل جسد, وبما أن الله روح محض، وعقله روح محض، وفكره وكلمته روح محض، فالولادة روحية من جوهر الله وفيه، لا يشاركه فيها أحد. وهكذا يسمي الإنجيل التفاعل الجوهري الإلهي "ولادة" والتسلسل العقلي الإلهي "بنوة" بلغة بشرية يفهمها جميع الناس : فكلمة الله هو ابن الله، وابن الله هو كلمة الله. ولا علاقة لمريم أو لمخلوق بهذا التفاعل والتسلسل الإلهيين.

وليس في هذا "اتخاذ" بضم جزء من خارج الله إلي الله، أو تأليه برفع مخلوق إلي منزلة الخالق وطبيعته، أو تناسل جسدي باستيلاد الله عيسي من مريم، فالله لا جسد له ! بل جل ما في ذات الله من سر الحياة السرمدية والوجود الفياض، أنه في الجوهر الإلهي الفرد تفاعل روحي وتسلسل عقلي في الله، ومنه، ومعه : فكلمة الله هو فكر الله الناتج عن عقل الله في جوهره الروحي نتوج الابن عن أبيه، ولذلك يجوز بكل حق أن نسمي الله "أباً" وفكره الجوهري "ابناً".

وإذن فالألوهية التي ينفيها القرآن عن المسيح ليست بالألوهية التي يثبتها الإنجيل له. والبنوة التي يسندها الإنجيل إلي المسيح ليست كالتي ينفيها القرآن عنه.

إن بنوة عيسي في القرآن تناسلية جسدية، كأن الله اتخذ مريم صاحبة واستولدها عيسي : "ذلك عيسي ابن مريم قول الحق الذي فيه يمتزون : ما كان لله أن يتخذ من ولد !" (مريم 59). والقرآن علي حق حين يسمي مثل هذه الولادة السمجة، منسوبة إلي الله، افكاً : " ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة، كانا يأكلان الطعام ! أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أني يؤفكون" (مائدة 78). والقرآن علي حق حين يسمي بنوة كهذه كفراً : "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم : قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً" (مائدة 19).

إن ألوهية عيسي التي ينكرها القرآن تستند إلي هذه البنوة الجسدية والولادة التناسلية، ومن ثم فلا بدع أن يثور ويصيح : "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم !" (مائدة 19 و 75) كأن الإنسان ابن مريم صار الله !! أو كأن الله استحال عيسي ابن مريم !! لذلك ينزه القرآن المسيح عن ادعاء تأليه كهذا : "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله" (آل عمران 79)، فحسب المسيح فخراً أن يكون عبداً لله : "لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله - ولا الملائكة المقربون" ! (نساء 172).

وقصاري القول ليست لاهوتية المسيح كتأليه المشركين لآلهتهم. وليست بنوة المسيح العقلية الروحية في الله كبنوة وولادة الآلهة المتألهين من الله. هذه غارقة في اللحم والدم، والجسد والصاحبة، في دنيا المحسوسات، وتلك ضمن الجوهر الإلهي الفرد، الروح المحض، والعقل المحض، في عالم الأزل قبل الزمان والمكان، وقبل المحسوسات والمعقولات والأجساد والأرواح : "في البدء كان الكلمة ! والكلمة كان لدي الله ! وكان الكلمة الله" (يو 1 : 1).

وهكذا فليست البنوة الروحية التي ينسبها الإنجيل إلي المسيح مثل البنوة الجسدية التي ينفيها القرآن عنه. وليست الآلهية التي يثبتها الإنجيل للمسيح، روح الله وكلمة الله، مثل التأليه الذي يستنكره القرآن فيه، ولا هي "الاتخاذ" الذي يضم إلي الله "جزءاً" ليس منه.

حاول وقد نجران إلي النبي الجديد، بعد أن أنسوا منه اعترافه بنبوة عيسي، أن يحمله علي الإقرار ببنوته أيضاً، واتخذوا من ولادته البشرية المعجزة من مريم بلا أب دليلاً علي ولادته الإلهية من الله دون أم أو علاقة مخلوق. فأجابهم ولادته المعجزة من مريم بلا أب ليست أغرب من خلق آدم بلا أب وأم معاً : "إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون : الحق من ربك فلا تكن من الممتزين ... إن هذا لهو القصص الحق" (آل عمران 59 - 63).

وأردف يقول : هذا المعجز الحقيقي في ميلاد المسيح لا يرفعه إلي رتبة الألوهية لأن الصدور عن الله لا يكون إلا بخلق، ويستحيل علي مخلوق أن يتخذه الله إلهاً من دونه : "ذلك عيسي قول الحق الذي فيه يمتزون : ما كان لله أن يتخذ من ولد ! سبحانه ! إذا قضي أمراً فإنما يقول له كن فيكون" (مريم 34 - 36).

السؤال قاصر، والجواب قاصر، ولا غرابة في ذلك : فالبيئة لا تحتمل أكثر !

خلطوا بين البنوة بالصدور والبنوة بالاتخاذ، وهذه مستحيلة إذ كيف يمكن أن يصير إلهاً من هو بشر يأكل الطعام كالحيوان ! "ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة : كانا يأكلان الطعام ! .. (مائدة 78).

****************

 

 

 

**************
ذلك هو اعتقاد القرآن في ألوهية المسيح كما فهمها بعض نصارى العرب الجُهال ؛ وهو بعيد كل البعد عن تعليم الإنجيل وإيمان النصارى : فليست ألوهية المسيح عيسى تأليهاً ولا اتخاذاً ! هذا مستحيل!

وليست بنوته العقلية والروحية في جوهر الله الفرد بنوة مخلوقة بشرية جنسية تناسلية . كل بنوة من هذا النوع منسوبة إلى الله افك وشرك وكفر! ( التوبة : 31 – 33 ) . كأن الله اتخذ مريم إلاهه صاحبة واستولدها عيسى إلهاً من دون الله ! إن مجرد فكر كهذا لكفر محض ، كفر لا يقول به إلا من \أوغل في الهمجية ، وما قدر الله حق قدره ! يُنزل الخالق منزلة المخلوق ! وينسب اللاهوت لغير الله ! يا قوم ألا رحمة بعقولكم وعقولنا ! نحن أعقل من هذا ! وأنتم يجب أن تكونوا أعدل من هذا !

أجل لقد كفر الذين جعلوا الملائكة والنبيين أباباً من دون الله ! ( آل عمران : 80) .

أجل لقد كفر الذين اتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله ! ( التوبة : 32 ).

أجل لقد كفر الذين قالوا : عزير ابن الله ! " ( التوبة : 31 ) .

أجل "لقد كفر الذين قالوا : أم المسيح إلاهه من دون الله أو مع الله !" ( المائدة : 120 ) .

أجل " لقد كفر الذين قالوا : أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم " ( المائدة : 19 و 75 ) إذ جعلوا المسيح إلهاً آخر دون الله!

أجل " لقد كفر الذين قالوا : أن الله ثالث ثلاثة " ( المائدة : 76 ) أي الالهة ثلاثة! أو الذات الإلهية ثلاث!

أجل لقد كفروا : فالذات الإلهية واحدة ، والجوهر الإلهي فرد أحد ! وليست بنوة " كلمة الله " منه تعالى جسدية ، ولا معنوية ، ولا اتخاذاً ، ولا تبنياً ، ولا تأليهاً ، حتى ولا إلهية بمعنى غريبة عن جوهر الله الفرد ، ومن خارج الذات الإلهية الواحدة. فالمسيح " روح الله " وبنوته روحية في الله ذاته . والمسيح " كلمة الله " وبنوته عقلية .

وهكذا فالخلاف على ألوهية المسيح بين الإنجيل والقرآن خلاف ظاهري ؛ وليس بينهما خلاف جوهري لاختلاف وجهات النظر . ليست ألوهية عيسى ابن مريم تلك الألوهية الكاذبة التي حاربها القرآن عند نصارى العرب الأميين الجاهلين بألوهية المسيح الحقة التي يعلمها الإنجيل . واعتقد أنه وصل تعليم الإنجيل إلى محمد سالماً لاعتنقه ودان به :" قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " ( الزخرف : 81 ).

****************************

المراجع

(1) العجز عن درك الإدراك إدراك والبحث عن ذاته كفر وإشراك : المعنى أنَّ الإنسان إذا عرف الله تعالى بأنه موجود لا كالموجودات، موجودٌ بلا مكانٍ ولا كيفيةٍ، واقتصر على هذا ولم يبحث عن ذات الله تعالى للوصول إلى حقيقة الله فهذا إيمان، هذا رشدٌ وإيمان وصواب. - الذي يكتفي بأنَّ الله تعالى موجودٌ لا يُشبه الموجودات لا يُتصور في حقِّه مكاناً ولا هيئةٌ ولا كيفيةٌ بل اكتفى بأن يعتقد أنَّ اللهَ موجودٌ لا يُشبهُ الموجودات، موجود بلا كيفية ولا مكانٍ، اقتصر على هذا، وقَنِعَ ورضي بذلك هذا يقال: عرف الله - أما الذي لا يكتفي بذلك ويريد أن يعرف حقيقته فيتصوره كإنسان أو ككتلة نورانية أو نحو ذلك أو يتصوَّره جسماً قاعداً فوق العرش فهذا كفر بالله تبارك وتعالى. هذا معناه : والبحث عن ذاته كفر وإشراك (راجع موقع أهل السنة والجماعة على شبكة الإنترنت)

******************

صل: وأما التلمساني ونحوه، فلا يفرق بين ماهية ووجود

فصل‏:‏
وأما التلمساني ونحوه، فلا يفرق بين ماهية ووجود، ولا بين مطلق ومعين بل عنده ما ثم سوى ولا غير بوجه من الوجوه، وإنما الكائنات أجزاء منه وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر في البحر، وأجزاء البيت من البيت، فمن شعرهم‏:‏
البحر لا شك عندي في توحده ** وإن تعدد بالأمواج والزبد
فلا يغرنك ما شاهدت من صور ** فالواحد الرب ساري العين في العدد
ومنه‏:‏
فما البحر إلا الموج لا شيء غيره ** وإن فرقته كثرة المتعدد
ولا ريب أن هذا القول هو أحذق في الكفر والزندقة، فإن التمييز بين الوجود والماهية، وجعل المعدوم شيئا، أو التمييز في الخارج بين المطلق والمعين وجعل المطلق شيئا وراء المعينات في الذهن، قولان ضعيفان باطلان‏.‏
وقد عرف من حدد النظر‏:‏ أن من جعل في هذه الأمور الموجودة في الخارج شيئين‏:‏
أحدهما‏:‏ وجودها‏.‏
والثاني‏:‏ ذواتها، أو جعل لها حقيقة مطلقة موجودة زائدة على عينها الموجودة فقد غلط غلطا قويا، واشتبه عليه ما يأخذه من العقل من المعاني المجردة المطلقة عن التعيين، ومن الماهيات المجردة عن الوجود الخارجي بما هو موجود في الخارج من ذلك، ولم يدر أن متصورات العقل ومقدراته أوسع مما هو موجود حاصل بذاته، كما يتصور المعدومات، والممتنعات، والمشروطات ويقدر ما لا وجود له البتة مما يمكن أو لا يمكن، ويأخذ من المعينات صفات مطلقة فيه، ومن الموجودات ذوات متصورة فيه‏.‏
لكن هذا القول أشد جهلا وكفراً بالله تعالى، فإن صاحبه لا يفرق بين المظاهر والظاهر، ولا يجعل الكثرة والتفرقة إلا في ذهن الإنسان لما كان محجوبا عن شهود الحقيقة، فلما انكشف غطاؤه عاين أنه لم يكن غير، وأن الرائي عين المرئي، والشاهد عين المشهود‏.‏
فصل‏:‏
واعلم أن هذه المقالات لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه، ولكن رأيت في بعض كتب الفلسفة المنقولة عن أرسطو أنه حكى عن بعض الفلاسفة قوله‏:‏ إن الوجود واحد، ورد ذلك‏.‏ وحسبك بمذهب لا يرضاه متكلمة الصابئين‏.‏
وإنما حدَثتْ هذه المقالات بحدوث دولة التتار، وإنما كان الكفر الحلول العام، أو الاتحاد، أو الحلول الخاص، وذلك أن القسمة رباعية؛ لأن من جعل الرب هو العبد حقيقة، فإما أن يقول بحلوله فيه، أو اتحاده به، وعلى التقديرين، فإما أن يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق، كالمسيح، أو يجعله عاماً لجميع الخلق‏.‏ فهذه أربعة أقسام‏:‏
الأول‏:‏ هو الحلول الخاص، وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول‏:‏ إن اللاهوت حل في الناسوت، وتدرع به كحلول الماء في الإناء، وهؤلاء حققوا كفر النصارى،بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان أولهم في زمن المأمون،وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية الرافضة الذين يقولون‏:‏إنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، وغالية النساك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية، أو في بعضهم كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء‏.‏
والثاني‏:‏ هو الاتحاد الخاص، وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولا، وهم السودان والقبط، يقولون‏:‏ إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام‏.‏
والثالث‏:‏ هو الحلول العام، وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث، عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول غالب متعبدة الجهمية، الذين يقولون‏:‏ إن الله بذاته في كل مكان، ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏3‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏هومعكم‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏4‏]‏‏.‏ والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة، وأهل المعرفة، وعلماء الحديث‏.‏
الرابع‏:‏ الاتحاد العام، وهو قول هؤلاء الملاحدة، الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين‏:‏ من جهة أن أولئك قالوا‏:‏ إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه، بعد أن لم يكونا متحدين،وهؤلاء يقولون‏:‏ ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره‏.‏ والثاني‏:‏ من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح، وهؤلاء جعلوا ذلك ساريا في الكلاب، والخنازير، والأقذار، والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏}‏الآية‏[‏المائدة‏:‏72‏]‏‏.‏فكيف بمن قال‏:‏إن الله هو الكفار، والمنافقون والصبيان، والمجانين والأنجاس، والأنتان وكل شيء ‏؟‏‏!‏
وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصاري لما قالوا‏:‏ ‏{‏نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ‏}‏ وقال لهم‏:‏‏{‏ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ‏}‏ الآية ‏[‏المائدة‏:‏18‏]‏ فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه‏؟‏ ولا يتصور أن يعذب الله إلا نفسه‏؟‏ وأن كل ناطق في الكون فهو عين السامع‏؟‏ كما في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها‏)‏ وأن الناكح عين المنكوح، حتى قال شاعرهم‏:‏
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ** لأني في التحقيق لست سواكم
واعلم أن هؤلاء لما كان كفرهم في قولهم‏:‏ إن الله هو مخلوقاته كلها أعظم من كفر النصارى بقولهم‏:‏ ‏{‏قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏}‏ وكان النصارى ضلال، أكثرهم لا يعقلون مذهبهم في التوحيد، إذ هو شيء متخيل لا يعلم ولا يعقل، حيث يجعلون الرب جوهراً واحداً، ثم يجعلونه ثلاثة جواهر، ويتأولون ذلك بتعدد الخواص والأشخاص التي هي الأقانيم، والخواص عندهم ليست جواهر، فيتناقضون مع كفرهم‏.‏
كذلك هؤلاء الملاحدة الاتحادية ضلال، أكثرهم لا يعقلون قول رؤوسهم ولا يفقهونه، وهم في ذلك كالنصارى، كلما كان الشيخ أحمق وأجهل، كان بالله أعرف، وعندهم أعظم‏.‏
ولهم حظ من عبادة الرب الذي كفروا به، كما للنصارى، هذا ما دام أحدهم في الحجاب،فإذا ارتفع الحجاب عن قلبه وعرف أنه هو، فهو بالخيار بين أن يسقط عن نفسه الأمر، والنهي،ويبقى سدى يفعل ما أحب،وبين أن يقوم بمرتبة الأمر، والنهي، لحفظ المراتب، وليقتدي به الناس المحجوبون، وهم غالب الخلق، ويزعمون أن الأنبياء كانوا كذلك إذ عدوهم كاملين‏.‏
فصل‏:‏
مذهب هؤلاء الاتحادية كابن عربي، وابن سبعين، والقونوي، والتلمساني مركب من ثلاثة مواد‏:‏
سلب الجهمية وتعطيلهم‏.‏
ومجملات الصوفية‏:‏ وهو ما يوجد في كلام بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة، كما ضلت النصارى بمثل ذلك فيما يروونه عن المسيح، فيتبعون المتشابه، ويتركون المحكم، وأيضا كلمات المغلوبين على عقلهم الذين تكلموا في حال سكر‏.‏
ومن الزندقة الفلسفية التي هي أصل التجهم،وكلامهم في الوجود المطلق، والعقول، والنفوس، والوحي والنبوة، والوجوب والإمكان، وما في ذلك من حق وباطل‏.‏
فهذه المادة أغلب على ابن سبعين والقونوي، والثانية أغلب على ابن عربي؛ ولهذا هو أقربهم إلى الإسلام، والكل مشتركون في التجهم،والتلمساني أعظمهم تحقيقًا لهذه الزندقة والاتحاد التي انفردوا بها، وأكفرهم بالله، وكتبه، ورسله وشرائعه، واليوم الآخر‏.‏
وبيان ذلك أنه قال‏:‏ هو فيَّ كان متجل بوحدته الذاتية، عالماً بنفسه وبما يصدر عنه، وأن المعلومات بأسرها كانت منكشفة في حقيقة العلم شاهداً لها‏.‏
فيقال له‏:‏ قد أثبت علمه بما يصدر منه، وبمعلومات يشهدها غير نفسه، ثم ذكرت أنه عرض نفسه على هذه الحقائق الكونية المشهودة المعدومة، فعند ذلك عبر ‏[‏ بأنا‏]‏ وظهرت حقيقة النبوة، التي ظهر فيها الحق واضحا، وانعكس فيها الوجود المطلق، وأنه هو المسمى باسم الرحمن، كما أن الأول هو المسمي باسم الله‏.‏
وسقت الكلام إلى أن قلت‏:‏ وهو الآن على ما عليه كان، فهذا الذي علم أنه يصدر عنه وكان مشهوداً له معدوماً في نفسه هو الحق أو غيره‏؟‏ فإن كان الحق فقد لزم أن يكون الرب كان معدوماً، وأن يكون صادراً عن نفسه، ثم إنه تناقض‏.‏ وإن كان غيره، فقد جعلت ذلك الغير هو مرآة لانعكاس الوجود المطلق، وهو الرحمن، فيكون الخلق هو الرحمن‏.‏
فأنت حائر بين أن تجعله قد علم معدوماً صدر عنه، فيكون له غير وليس هو الرحمن، وبين أن تجعل هذا الظاهر والواصف هو إياه وهو الرحمن، فلا يكون معدوماً ولا صادراً عنه، وإما أن تصف الشيء بخصائص الحق الخالق تارة وبخصائص العبد المخلوق تارة، فهذا مع تناقضه كفر من أغلظ الكفر، وهو نظير قول النصارى‏:‏ اللاهوت الناسوت، لكن هذا أكفر من وجوه متعددة‏.‏
فصل‏:‏
الوجه الأول‏:‏ أن هذه الحقائق الكونية التي ذكرت أنها كانت معدومة في نفسها، مشهودة أعيانها في علمه في تجليه المطلق، الذي كان فيه متحداً بنفسه بوحدته الذاتية هل خلقها وبرأها وجعلها موجودة بعد عدمها، أم لم تزل معدومة ‏؟‏ فإن كانت لم تزل معدومة، فيجب ألا يكون شيء من الكونيات موجوداً، وهذا مكابرة للحس، والعقل، والشرع، ولا يقوله عاقل ولم يقله عاقل‏.‏ وإن كانت صارت موجودة بعد عدمها، امتنع أن تكون هي إياه؛ لأن الله لم يكن معدوماً فيوجد‏.‏
وهذا يبطل الاتحاد، ووجب حينئذ أن يكون موجوداً ليس هو الله، بل هو خلقه ومماليكه وعبيده، وهذا يبطل قولك‏:‏ وهو الآن لا شيء معه على ما عليه كان‏.‏
الثاني‏:‏ أن قولك‏:‏ تركبت الخلقة الإلهية من كان إلى سر شأنه،أو قولك‏:‏ظهر الحق فيه،أو نحو ذلك من الألفاظ التي يطلقها هؤلاء الاتحادية في هذا الموضع‏.‏ مثل قولهم‏:‏ ظهر الحق وتجلى، وهذه مظاهر الحق ومجاليه، وهذا مظهر إلهيُّ ومجلى إلهيّ، ونحو ذلك، أتعني به أن عين ذاته حصلت هناك‏؟‏ أو تعني به أنه صار ظاهراً متجلياً لها بحيث تعلمه‏؟‏ أو تعني به أنه ظهر لخلقه بها، وتجلى بها، وأنه ما ثم قسم رابع‏؟‏
فإن عنيت الأول وهو قول الاتحادية فقد صرحت بأن عين المخلوقات حتى الكلاب، والخنازير، والنجاسات، والشياطين والكفار هي ذات الله، أو هي وذات الله متحدتان، أو ذات الله حالة فيها، وهذا الكفر أعظم من كفر الذين قالوا‏:‏‏{‏ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏}‏ ‏[‏المائدة‏: 17، ‏72‏]‏ و‏{‏ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏73‏]‏، وإن الله يلد ويولد، وأن له بنين وبنات‏.‏ وإذا صرحت بهذا عرف المسلمون قولك فألحقوك ببني جنسك، فلا حاجة إلى ألفاظ مجملة يحسبها الظمآن ماء، ويا ليته إذا جاءها لم يجدها شيئا، بل يجدها سما ناقعا‏!‏
وإن عنيت أنه صار ظاهرًا متجليا لها، فهذا حقيقة أنه صار معلوماً لها، ولا ريب أن الله يصير معروفاً لعبده، لكن كلامك في هذا باطل من وجهين‏:‏
من جهة أنك جعلته معلوماً للمعدومات، التي لا وجود لها؛ لكونه قد علمها، واعتقدت أنها إذا كانت معلومة يجوز أن تصير عالمة، وهذا عين الباطل‏:‏ من جهة أنه إذا علم أن الشيء سيكون، لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالماً قادراً فاعلا‏.‏
ومن جهة أن هذا ليس حكم جميع الكائنات المعلومة، بل بعضها هو الذي يصح منه العلم‏.‏
وأما إن قلت‏:‏ إن الله يعلم بها لكونها آيات دالة عليه فهذا حق، وهو دين المسلمين وشهود العارفين، لكنك لم تقل هذا لوجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أنها لا تصير آيات إلا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة، لا في حال كونها معدومة معلومة، وأنت لم تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة، ولا أنه أعطى شيئا خلقه، بل جعلت نفسه هو المتجلي لها‏.‏الوجه الثاني‏:‏ أنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها، لا أنه دل بها خلقه، وجعلها آيات تكون تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، والله قد أخبر في كتابه أنه يجعل في هذه المصنوعات آيات، والآية مثل العلامة والدلالة كما قال‏:‏‏{‏ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏163، 164‏]‏ وتارة يسميها نفسها آية، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُأَحْيَيْنَاهَا ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏33‏]‏ وهذا الذي ذكره الله في كتابه هو الحق‏.‏
فإذا قيل في نظير ذلك‏:‏ تجلى بها وظهر بها كما يقال‏:‏ علم وعرف بها، كان المعنى صحيحا، لكن لفظ التجلي والظهور في مثل هذا الموضع غير مأثور، وفيه إيهام وإجمال، فإن الظهور والتجلي يفهم منه الظهور والتجلي للعين، لا سيما لفظ التجلي، فإن استعماله في التجلي للعين هو الغالب، وهذا مذهب الاتحادية، صرح به ابن عربي وقال‏:‏ فلا تقع العين إلا عليه‏.‏
وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين،بل قد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏(‏واعلموا أن أحداًمنكم لن يري ربه حتى يموت‏)‏ ولا سيما إذا قيل‏:‏ظهر فيها وتجلى،فإن اللفظ يصير مشتركا بين أن تكون ذاته فيها، أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليست في المخلوقات، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يري المرئي في المرآة، ولكن ظهورها دلالتها عليه وشهادتها له، وإنها آيات له على نفسه، وصفاته سبحانه وبحمده، كما نطق بذلك كتاب الله‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن مقارنة الألف والنون المعبر عنها ب ‏[‏أنا‏]‏ واللفظة التي هي ‏[‏حقيقة النبوة‏]‏ و ‏[‏ الروح الإضافي ‏]‏ هذه الأشياء داخلة في مسمى أسماء الله، بحيث تكون مما يدخل في مسمى أسمائه الظاهرة والمضمرة، أم ليست داخلة في مسمى أسمائه ‏؟‏ فإن كان الأول، فتكون جميع المخلوقات داخلة في مسمى أسماء الله، وتكون المخلوقات جزءاً من الله وصفة له، وإن كان الثاني، فهذه الأشياء معدومة،ليس لها وجود في أنفسها، فكيف يتصور أن تكون موجودة لا موجودة، ثابتة لا ثابتة، منتفية لا منتفية‏؟‏ وهذا تقسيم بين، وهو أحد ما يكشف حقيقة هذا التلبيس‏.‏
فإن هذه الأمور التي كانت معلومة له معدومة عند نزول الخلية ظهرت هذه الأمور التي ذكرها، فهذه الأمور الظاهرة المعلومة بعد هذا النزول قد صارت ‏[‏ أنا‏]‏ وحقيقة نبوة، وروحاً إضافيا، وفعل ذات، ومفعول ذات، ومعنى وسائط، فإن كان جميع ذلك في الله، ففيه كفران عظيمان‏:‏
كون جميع المخلوقات جزءًا من الله‏.‏
وكونه متغيرًا هذه التغيرات، التي هي من نقص إلى كمال، ومن كمال إلى نقص، وإن كانت خارجة عن ذاته فهذه الأشياء كانت معدومة، ولم يخلقها عندهم خارجة عنه، فكيف يكون الحال ‏؟‏
الوجه الرابع‏:‏ أن عقدة حقيقة النبوة وما معها‏:‏ إما أن يكون شيئا قائما بنفسه، أو صفة له أو لغيره، فإن كان قائما بنفسه فإما أن يكون هو اللّه أو غيره، فإن كان ذلك هو الله فيكون الله هو النقطة الظاهرة، وهو حقيقة النبوة، وهو الروح الإضافي‏.‏
وقد قال بعد هذا‏:‏ إنه جعل الروح الإضافي في صورة فعل ذاته، وأنه أعطى محمداً عقدة نبوته، فيكون قد جعل نفسه صورة فعله، وأعطى محمداً ذاته، وهذا مع أنه من أبين الكفر وأقبحه فهو متناقض، فمن المعطِي ومن المعطَى ‏؟‏ إذا كان أعطى ذاته لغيره، وإن كانت هذه الأشياء أعيانا قائمة بنفسها وهي غير الله فسواء كانت ملائكة أوغيرها، من كل ما سوى الله من الأعيان، فهو خلق من خلق الله مصنوع مربوب، والله خالق كل شيء، فهو قد جعل ظهور الحق واصفا، وأنه المسمي باسم الرحمن، فيكون المسمى باسم الرحمن الواصف لنفسه مخلوقا، وهذا كفر صريح وهو أعظم من إلحاد الذين‏:‏ ‏{‏قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏60‏]‏، ومن إلحاد الذين قيل فيهم‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏30‏]‏،فإن أولئك كفروا باسمه وصفته مع إقرارهم برب العالمين، وهؤلاء أقروا بالاسم وجعلوا المسمى مخلوقاً من مخلوقاته‏.‏
وأما إن كان المراد بهذه الحقيقة وما معها صفة‏:‏ فإما أن تكون صفة لله أو لغيره، فإن كانت صفة لله لم يجز أن تكون هي المسمى باسم الرحمن، فإن ذلك اسم لنفس الله لا لصفاته، والسجود لله لا لصفاته، والدعاء لله لا لصفاته، وإن كانت صفة لغيره فهذا الإلزام أعظم وأعظم‏.‏
وهذا تقسيم لا محيص عنه، فإن هذا الملحد في أسماء الله جعل هذه العقدة التي سماها عقدة حقيقة النبوة وجعلها صورة علم الحق بنفسه، وجعلها مرآة لانعكاس الوجود المطلق، محلا لتميز صفاته القديمة، وأن الحق ظهر فيه بصورته وصفته واصفا يصف نفسه ويحيط به، وهو المسمى باسم الرحمن، ثم ذكر أنه أعطى محمداً هذه العقدة‏.‏
ومعلوم أن المسمى باسم الرحمن هو المسمى باسم الله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏110‏]‏ فيكون هو سبحانه هذه العقدة التي أعطاها لمحمد، وإن كانت صفة له أو غيره، فتكون هي الرحمن، فهذا الملحد دائر بين أن يكون الرحمن هو خلق من خلق الله أو صفة من صفاته، وبين أن يكون الرحمن قد وهبه الله لمحمد، وكل من القسمين من أسمج الكفر وأبشعه‏.‏
الوجه الخامس‏:‏ أن قوله‏:‏ لهذه الحقيقة طرفان‏:‏ طرف إلى الحق المواجه إليها، الذي ظهر فيه الوجود الأعلى واصفا، وطرف إلى ظهور العالم منه، وهو المسمى بالروح الإضافي‏.‏
فذكر في هذا الكلام ظهور الوجود وظهور العالم، وقد تقدم أن الحق كان ولم يكن معه شيء وهو متجلّ بنفسه بوحدته الذاتية، وأنه لما نزلت الخلية الإلهية، ظهرت عقدة حقيقة النبوة، فصارت مرآة لانعكاس الوجود، فظهر الحق فيه بصورة وصفه واصفا‏.‏
وقد ذكر في هذا الكلام الحق المواجه إليها والوجود الأعلى الذي ظهر في هذا الحق، والطرف الذي لها إلى الحق، فقد ذكر هنا ثلاثة أشياء‏:

 

This site was last updated 10/30/18