تاريخ كنيستي (51)
الحكم على البابا أثناسيوس بمجمع أساقفة شياطين
من مقالات القمص انجيلوس جرجس شنودة :
*************
إنتصار الأريوسيين فى مجمع صور
كلما قلبنا أوراق التاريخ ووجدنا كيف نجح الأشرار في جرح وتعب الكنيسة والأمناء على الإيمان؛ نجد صوتنا يردد ما قاله إرميا النبي للرب: "أبر أنت يارب من أن أخاصمك. لكن أكلمك من جهة أحكامك: لماذا تنجح طريق الأشرار؟ اطمأن الغادرين غدراً" (إر 12: 1). ونجد داود النبي أيضاً يقول في المزمور الثالث: "يارب لماذا كثر الذين يحزنونني؟"، وفي المزمور العاشر: "يارب لماذا تقف بعيداً؟ لماذا تختفي في أزمنة الضيق؟".
ولكن الرب نفسه قال حين قبض عليه الجنود في جثيماني: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو22: 53). ففي حروب الكنيسة مع العالم وقواته الشريرة يريد الرب أن تصطبغ كنيسته وأولاده بنفس الآلام لأنه قال: "لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا، فكم يكون باليابس؟" (لو23: 31).
ويقول بولس الرسول: "لأننا نحن الأحياء نسلم دائماً للموت من أجل يسوع، لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائت" (2كو4: 11). لذلك قد يترك الرب الأشرار ويسمح لهم بمضايقة الكنيسة، بل في أزمنة الاستشهاد سمح بأن يذبح القديسون. وفي مواجهات الهراطقة واتحادهم بالقوة المدنية سمح بأن تستخدم هذه القوة ضد الكنيسة.
ولكن قلب التاريخ تدرك إنه هناك تدبير أخر يفوق تدبير الأشرار؛ فالشهداء يكللون بأكاليل المجد ويأخذون التطويب في الكنائس، والمدافعون عن الإيمان يفضحون الأشرار ويحمون الكنيسة من الذئاب المختفية في ثياب الحملان ويتسترون في صورة كهنوتية، وتصير الدفاعيات تعاليم لاهوتية، وتغربل الكنيسة وتفضح طرق الأشرار، وينتشر الإيمان السليم في أرجاء المسكونة. فقد يتألم أولاد اللـه ولكن يتحول الألم إلى مجد كما قال بولس الرسول: "لأن خفة ضيقاتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً. ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى، بل إلى التي لا تُرى. لأن التي تُرى وقتية، وأما التي لا تُرى فأبدية" (2كو4: 17، 18).
رأينا في المقال السابق إنه بعد عودة أريوس وجد الأشرار أنه الوقت المناسب للتخلص من البابا أثناسيوس، فقام ثلاثة أساقفة من مصر بتجهيز ملف به العديد من الاتهامات، واستغاثوا بقسطنطين ليتخلصوا من جبروت البابا أثناسيوس، وكانوا مدعومين سياسياً من التيار الأريوسي داخل القصر الإمبراطوري.
وعندما علم البابا أثناسيوس بما قام به هؤلاء الأساقفة، أرسل خلفهم أثنين من الكهنة ليعرف ما هي التهم التي يتكلمون عنها. وقد تم استدعاء البابا أثناسيوس من قبل قسطنطين عام 330م ولكنه مرض هناك فمكث في نيقوميدية لمدة سنة عرف خلالها كيف دبر الأشرار هذه التهم التي كانت:
أولاً: تهمة اسخيراس
أولاً: تهمة اسخيراس وهو كاهن تابع لميليتوس على منطقة مريوط، وكان البابا قد أرسل له سكرتيره أبونا مكاريوس، وقال له إن كهنوته غير صحيح لأنه وضع عليه اليد من هراطقة، ولا يليق أن يقدم ذبيحة مرة أخرى، ولكن لم يخضع هذا الكاهن لكلام البابا، وظل يمارس الكهنوت.
فكتبوا في الشكوى إن أبونا مكاريوس ذهب ليهدم الكنيسة، ووجد الكاهن "اسخيراس" على المذبح، فأمسك بالكأس الذي كان مصنوعاً من الزجاج وكسره، ودنس المذبح. وكان اسخيراس قد أرسل خطاب توبة وطلب الرجوع إلى الكنيسة.
ثانياً: موضوع أرسانيوس
ثانياً: موضوع أرسانيوس: وهو أحد الأساقفة الميلتيين، أحضره "يوحنا أركاف" وطلب منه أن يختفي في أحد أديرة الصعيد التابعة لهم. وكان في السنة التي مكث فيها البابا في نيقوميدية أن عثر أحد الآباء على أرسانيوس وأقنعه بالخضوع للبابا أثناسيوس. ولكنهم كتبوا في الشكوى إن البابا أثناسيوس يستخدم السحر الأسود، وقتل الأسقف أرسانيوس وأخذ ذراعه لاستخدامه في السحر، وقطع جميع أعضائه، وأحضروا ذراع شخص ميت وقالوا هذا ما أمكننا إنقاذه من جسده، وناحوا وصلوا صلاة جنازة على هذا الذراع.
قسطمطين وأساقفة العالم كله يدشنوا كنيسة القيامة.
وفي عام 335م دعي قسطنطين أساقفة العالم كله ليدشنوا كنيسة القيامة. وكانت الملكة هيلانة قد اكتشفت الصليب والقبر المقدس عام 325م وبنت الملكة كنيسة القيامة فوق الجلجثة، وأعطت لقسطنطين المسامير فوضعها في خوذته، وظلت عشر سنوات تبني كنيسة القيامة ولذلك دعا قسطنطين أساقفة العالم للتدشين. ففي السابع عشر من توت قام الأساقفة بتدشين كنيسة القيامة، وبينما الكنيسة في فرح ومجتمعين حول الصليب والقبر المقدس كان الأريوسيين يحيكوا المؤامرات. وكأن الشيطان يقول: "ألستم فرحين بتدشين كنيسة القيامة، سأقوم بهدم الإيمان عن طريق أتباعي داخل الكنيسة".
مؤامرة محاكمة البابا أثناسيوس فى صور
فاجتمع الأساقفة الأريوسيون وأخبروا "قسطنطين" بضرورة محاكمة البابا أثناسيوس، وانتهزوا فرصة وجود أساقفة العالم، فاقترحوا عليه أن يعقد مجمع في "صور" للمحاكمة، وكان ذلك في السنة الثلاثين من حكم قسطنطين، الذي وافق على الفور ودعا إلى مجمع في صور لمحاكمة البابا وكانت النية مبيته للتخلص من البابا أثناسيوس دون مجمع أو محاكمة. فبعث ضابط كبير في الجيش يدعي "ديونسيوس" في الإسكندرية وطلب منه القبض علي سكرتير البابا أبونا مكاريوس، حتى يتم الضغط عليه ليكتب شهادة ضد البابا أثناسيوس، ولكن هذا الكاهن كان أميناً للكنيسة والبابا واحتمل السجن لمدة سنتين، ولم يسلم أبوه بخيانة.
ألإعتراض على رئاسة "يوسابيوس القيصري" لمجمع صور لإنه بخر للأوثان
واستدعي "قسطنطين" البابا في 11 يوليو 335م، واجتمع 150 أسقفاً في صور، منهم 50 أسقف أرثوذكسي، و100 أسقف أريوسي، وكان رئيس المجمع "يوسابيوس القيصري"، الذي حينما رآه البابا تساءل: "كيف أحاكم أمام أسقف أريوسي؟".
وكان من ضمن المدعوين إلى المجمع أب قديس يدعى "بتامون" أسقف قبطي، وفي أثناء اضطهاد دقلديانوس سجن مع يوسابيوس القيصري، الذي حينما رآه قال: "أنني احتج على رئاسة هذا الشخص، لأنه بخر للأوثان، فكيف يمكن لمن خان المسيح أثناء الاضطهادات أن يكون رئيساً لمجمع كنسي، ويحاكم البابا أثناسيوس البطل الأرثوذكسي؟". ولا تتعجب أن يوسابيوس القيصري قد خان المسيح وبخر للأوثان فإن خيانة الكنيسة تبدأ من الداخل، من القلب فمن يخون المسيح لابد أن يخون الإيمان.
فشل إتهام المرأة
وتجاهل الـ 100 أسقف الأريوسي كلامه، وأعلنوا أن يوسابيوس القيصري رئيساً للمجمع باختيار الأغلبية وبتكليف من قسطنطين وأعلن القيصري بداية الدعاوي على البابا. فدخلت سيدة إلى المجمع وأدعت أن البابا أثناسيوس أفقدها عذريتها بعد أن كانت راهبة وأخذت تصف البابا بأبشع الصفات وإنه استغل مركزه الكنسي ليسقطها في الخطية، وكان يرافق البابا شماس يدعى "تيموثاوس"-الذي صار فيما بعد البابا تيموثاوس الاثنين والعشرين-الذي أدرك بذكائه الحبكة الشريرة، فوقف وقال لها: "كيف تجرؤين وتتدعي أنني اعتديت عليك؟"
فردت عليه: هل نسيت ما فعلته معي يا أثناسيوس؟
وبعد أن كان الأريوسيين يهيجون تهكماً ويصرخون طالبين القصاص صمتوا فجأة فقد كشفت كذبها أمام المجمع، فوقف البابا أثناسيوس وطلب القبض عليها لمعرفة من الذي حرضها على ذلك، فرفض أساقفة المجمع وقالوا لننظر في باقي التهم وننسى ما فعلته هذه المرأة وأخذوها بسرعة خارج المجمع.
فشل نهمة قتل البابا أثناسيوس للأسقف أرسانيوس
وكان من تدبير اللـه في هذا المجمع، هو خوف أرسانيوس أن ينكشف قصة اختفاءه، فذهب إلى البابا سراً وأعلن توبته فصحبه البابا معه في مجمع صور. ثم دخل مجموعة يحملون ذراعاً مقطوعاً، وهم يبكون على الأسقف أرسانيوس الذي قتله البابا واستخدم أعضائه في السحر وأخذوا يشرحوا للمجمع كيف قطع البابا جسد صديقهم.
فسألهم البابا: هل أنتم أصدقاء أرسانيوس وتعرفونه جيداً؟
فأجابوه: نعم.
فأشار أن يدخل أرسانيوس المجمع واخرج كلتا يديه. فهاجوا وقالوا على البابا أنه ساحر، وأنه أقام الأسقف بعدما قتله من الأموات. ونظراً لأن أرسانيوس وقف موقف قوي وقدم توبة حقيقية، ورفض أن يستخدمه الخونة، بعد عودة البابا أثناسيوس لكرسيه، وضع اليد عليه ورسمه أسقفاً أرثوذكسياً.
فشل تهمة "أسخيراس" كاهن مريوط
وكانت القضية الثالثة هي قصة "أسخيراس" كاهن مريوط فقالوا هل يرضيكم ما فعله سكرتير البابا بأوامر منه شخصياً من كسر للكأس المقدس وهدمه للكنيسة، هذا البطريرك لا يليق أن يكون رأس الكنيسة لأنه أهان المذبح والسر المقدس. فأخرج البابا أثناسيوس اعتراف قدمه " أسخيراس" بخط يديه، وقال إنه قدم توبة واعترف بخطيئته وأقر أن كل هذه أكاذيب. فهاج الأساقفة وادعوا تزوير الاعتراف. فانسحب البابا أثناسيوس من هذا المجمع، وقال: "ولما رأينا أن الأمور تجري هكذا، انسحبنا من وسطهم كما من وسط جماعة خونة، لأن كل ما كان يحلو لهم كانوا يعملونه".
محاولة مقابلة البابا اثناسيوس للمنبراطور قسطنطين وأكاذيب الأريوسيين ونفيى البابا
واتجه البابا مع أربعة من تلاميذه إلي قسطنطين يوم 30 أكتوبر 335م وظل ثمانية أيام يحاول مقابلته ولكنه رفض، وذلك لأنه متواطئ مع أساقفة مجمع صور للتخطيط لنفيه ولم يكن يعلم بعد ما حدث في مجمع صور. وعلم البابا الطريق الذي سيمر منه "قسطنطين"، فوقف مقابلته ومسك بالحصان وقال له: "لماذا ترفض مقابلتي؟" واجبره على التكلم معه، وأخبره البابا أن المحاكمة كانت غير عادلة، وهناك نية ضده وضد الإيمان الأرثوذكسي.
فأستدعي قسطنطين أساقفة مجمع صور عنده وقالوا: "أن البابا أثناسيوس هرب من المجمع حينما واجهناه بالتهم، ووجه إهانة لنا جميعاً"، وبالطبع لم يكن استدعائهم ليفحص عدالة المجمع ولكن ليعطي لقراراتهم صفة الشرعية والتنفيذ. وكانت القرارات هي:
1ـ رجوع أريوس ـ وذلك لأنه حينما أعاده قسطنطين، كان ينقص عودته بقرار من مجمع كنسي، لأنه كان قد حُرم بمجمع كنسي ـ وعودة شماسه "أوذيوس" وقبولهم في شركة الكنيسة، وإرسال خطابات لكل كنائس العالم وخاصة الإسكندرية بقبول أريوس وكتبوا الآتي: "إننا أنهينا على الحسد والحقد من كنيسة اللـه، وطردنا من وسطنا كل مكر وخداع، الذي تسبب في تمزيق أعضاء اللـه من وقت لآخر، وهكذا تسنى لنا بعقل هادئ مسالم قبول أريوس وزملائه، الذين حرموا مدة طويلة من الكنيسة في وقت سابق بسبب الحقد والحسد الذين كانا هما عدوا لكل خير".
2ـ حرمان البابا أثناسيوس ونفيه وترك مكان نفيه يحدده الإمبراطور.
3ـ رجوع يوحنا الميليتي "يوحنا أركاف" الذي كان قد حرمه البابا أثناسيوس بمجمع كنسي.
4ـ نحذر أي كنيسة تقبل شركة أثناسيوس معها.
وبالطبع لم يفحص قسطنطين أي من هذه التهم، فأصدر قرار في 5 فبراير 336م بعزل البابا أثناسيوس، ونفيه لفرنسا، وصدق على قرارات مجمع صور.
شعب الإسكندرية يثور ونزول الجيش للشوارع
والغريب أن نجد بعض الذين يدافعوا عن قسطنطين، يدعون أنه نفي البابا أثناسيوس خوفاً عليه من قتله، ولكن هذا كلام عار من الصحة والدليل الرسائل التي بين الأنبا أنطونيوس وقسطنطين، فحينما عرف الأنبا أنطونيوس ما حدث كان يظن أن قسطنطين له قلب مسيحي سيأخذ كلامه إنه من اللـه ويعمل حساب لمكانة الأنبا أنطونيوس الروحية والكنسية فبعث رسالة قال له: "أترجاك أن تعيد النظر في نفي البابا أثناسيوس لأنه برئ".
فرد عليه قسطنطين بكل صلافة وتكبر: "إنني لا أستطيع أن أتجاوز قوانين مجمع صور، لقد كان أثناسيوس صلفاً متكبراً، لمست أنا شخصياً عجرفته ونياته الشريرة، أنه محب للفتنة، وهو سبب كل شقاق في الكنيسة".
وبالطبع هاجت الإسكندرية وكل الشعب القبطي على هذه القرارات، فأمر "قسطنطين" بنزول الجيش إلى الشارع وحاصروا الكنائس، وبعث رسالة للشعب القبطي قال فيها: "لا تظنوا إني سأغير رأيي، فإن أثناسيوس بطريركم مثير للشغب، وإن قضاة الكنيسة حكموا عليه بالحق".
وقضاة الكنيسة الذين قال عنهم قسطنطين هم الأساقفة الأريوسيين. لذلك انتبهوا جيداً ولا تنخدعوا فكل من يحمل إيماناً غير مسلم من الآباء الرسل والقديسين أي الإيمان الأرثوذكسي يسقط من رتبته، ولا يعتد بأي صورة من صور كهنوته، لا سلطان ولا إيمان. لذلك لم يعتد البابا أثناسيوس ولا الشعب القبطي بقرارات مجمع الشياطين الذي في صور لأنهم سقطوا من رتبتهم الكهنوتية حين انحرفوا عن الإيمان وصاروا يعملون وفق خطة الشيطان الذي يريد أن يهدم الكنيسة والإيمان الأرثوذكسي.
وحينما وصل لمسامع البابا أثناسيوس ما تم قال لقسطنطين: "ليحكم الرب بيني وبينك". وقاده الجنود لينفي إلى فرنسا وليكتب التاريخ صفحة جديدة من الآلام والمجد لأبينا المحبوب البابا أثناسيوس.
لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين
*******************
الجزء التالى من كتاب التاريخ الكنسى لسوزمينوس THE ECCLESIASTICAL HISTORY - OF Sozomen .. ترجمه من اليونانية : Chester d. Hartranft .. ونقله الى العربية : الدكتور/ بولا سـاويرس نقلا عن : NPNF, II, 1890 A.D.
*********************
الكتاب الثانى: الفصل الخامس والعشرون
(مجمع صُور والخلع غير الشرعى لأثناسيوس)
(2/25/1) إن مكائد اعداء أثناسيوس قد اوقعته فى متاعب جديدة وأثارت كراهية الامبراطور ضده، وضمت مفترين عديدين.
(2/25/2) وإذ تعب الامبراطور من إلحاحهم، دعا إلى مجمع فى قيصرية فلسطين، ودعا أثناسيوس للحضور إلى هناك. ولكنه رفض الحضور خشية منه من حِيل يوسيبيوس اسقف تلك المدينة، ويوسيبيوس اسقف نيقوميديا وحزبهما. وأصر رغم الضغط عليه لمدة ثلاثين شهرا على رفضه. ومع ذلك أُجبِر فى نهاية هذه الفترة على الذهاب إلى صُور حيث كان عدد كبير من اساقفة الشرق مجتمعين والذين أمروه بالدفاع ضد التهم الموجهة إليه.
(2/25/3) وكان من حزب يوحنا([66]) كالينيكوس Callinicusالاسقف وشخص ما يُدعى اسخورياس Ischurias قد اتهمه بكسر كأس السرائر وقلب الكرسى الاسقفى، وأنه السبب فى وضعه([67]) فى القيود على الرغم من أنه كان كاهنا وذلك بتهمة زائفة لدى هيجنوس Hyginus حاكم مصر، بأنه ألقى حجارة على تمثال الامبراطور مما تسبب فى إلقائه فى السجن. وعن خلع كالينكوس اسقف الكنيسة الجامعة فى بليزيوم وادعائه أنه سيستبعده من الشركة ما لم يلغ شكوكه بشأن الكأس المكسورة، وعن اسناد كنيسة بليزيوم إلى مرقس وهو كاهن مخلوع ووضع كالينكوس تحت الحراسة العسكرية وتعريضه للتعذيب. وكان من حزب يوحنا اوبلس وباخوميوس واسحق واخيلاس وهرمان الاساقفة. وهؤلاء اتهموه بالضرب وجميعهم اتفقوا على أنه قد حصل على كرامة الاسقفية برشوة أفراد معينين، بينما المنصوص عليه أنه لا يحصل أحد على السيامة، ما لم يستطع أن يثبت براءته من أية تهمة أو جريمة. وأكثر من ذلك، زعموا أنهم وقد انخدعوا فيه، لذلك انفصلوا عن التناول معه ومن ثمة عاملهم بوحشية، وألقاهم فى السجن.
(2/25/4) وأُثيرت مرة أخرى مسألة ارسينيوس. ومثلما يحدث بصفة عامة فى مثل هذه الأحوال اشترك فى المكائد كثيرون ممن كانوا يُعتبَرون أصدقاء له وتحولوا إلى مدعين ضده. وقُرِأ عندئذ مستند يحتوى على شكوى من جمهور الاسكندرية يعلنون فيه أنهم سيمتنعون عن حضور الكنيسة بسببه.
(2/25/5) وإذ أُجبِر أثناسيوس على تبرئة نفسه، حضر أمام كرسى القضاء عدة مرات ودحض بنجاح بعض المزاعم، وطلب تأجيل البعض الآخر لاستكمال الفحص([68])، ولكنه كان متحيرا للغاية عندما فكر فى الاسلوب الذى تأثر به قضاته وبعدد الشهود المنتمين إلى حزب اريوس ومليتيوس، الذين ظهروا ضده وتغاضيهم ازاء المدعين عليه، رغم أنه دحض مزاعمهم ([69])، وخاصة بالنسبة لفرية ارسينيوس الذى زعموا أنه قد قَطع ذراعه لاستخدامها فى اعمال سحرية. وأيضا بالنسبة للفرية الخاصة بالمرأة التى قيل أنه قد دنس طهارتها مقابل هبات معينة، وافسدها ليلا على الرغم من عدم ارادتها. فكلتا الفريتين، قد دحضتا، وثبت سخافتهما وبطلانها التام.
(2/25/6) فعندما أُحضِرت هذه الانثى أمام الاساقفة اقترب تيموثاوس أحد كهنة الأسكندرية من فريق أثناسيوس، منها طبقا لخطة فكَّر فيها سرا، وقال لها: يا إمرأة هل حقا اغتصبتك عنوة ؟. فأجابته، أجل، ألم تفعل ذلك؟. ثم ذكرت المكان والظروف التى أُجبِرت فيها على ذلك. وبالمثل قاد ارسينيوس إلى وسطهم وأراهم يديه الاثنتين وقال للقضاة أن يستعلموا مِن المدعين عن الذراع التى عرضوها لمن تكون. فقد حدث أن ارسينيوس إما أنه قد تحرك بدافع إلهى أو كما قيل قد أخفاه حزب أثناسيوس عندما ظهر الخطر على هذا الاسقف وتم تهريبه ليلا ووصل إلى صُور قبل المحاكمة بيوم واحد.
(2/25/7) وبإختصار، سقطت هذه الدعاوى ولم تعد هناك ضرورة لدفاع، ولم تذكر الاولى فى المداولة. واننى أظن بأكثر احتمال أن كل الأمور كانت تعتبر سخيفة للإدراج. وبالنسبة للثانية جاهد المفترون فى تبرئة أنفسهم بالقول أن أسقفا تحت اشراف أثناسيوس يدعى بلسيان Plusian قد أحرق منزل ارسينيوس بناء على أمر رئيسه وربطه بعمود وشوهه بالسياط ثم قيَّده فى زنزانة. وقرروا علاوة على ذلك أن ارسينيوس قد هرب من الزنزانة من خلال نافذة، وبينما هو يفكر فى البقاء قليلا فى مخبأه حتى لا يظهر افترضوا أنه قد مات كمعترف، ولذا وصل خبره هكذا إلى اساقفة حزب يوحنا. ومن ثمة سعوا بالنيابة عنه إلى رفع الدعوى لدى الماجستريت.
(2/25/8) وعندما تمعن اثناسيوس فى هذه الأمور، أدرك تماما أن أعداءه يخططون لإهلاكه سرا. وبعد عدة جلسات، عندما غُصّ المجلس بالفوضى والهرج وكان المشتكون وجمهور من الاشخاص يصرخون بصوت عال أن أثناسيوس يلزم خلعه كساحر وسافل ولأنه غير مستحق بتاتا للكهنوت، فإن الضباط الذين كان الامبراطور قد عينهم لحفظ النظام أجبروا المُدعَّى عليه على مغادرة قاعة المحكمة سرا لأنهم قد خشيوا أن يقتلوه مثلما يحدث ذلك عادة فى أوقات اندلاع الفوضى. وإذ وجد أنه لا يستطيع البقاء فى صُور بدون هلاك حياته وأنه ليس هناك مجال للحصول على العدالة مقابل المشتكين الغفيرين ضده من قضاة هم أنفسهم متحاملين عليه، هرب إلى القنسطنطينية.
(2/25/9) وأدانه المجمع غيابيا وخلعه من الاسقفية وحظر اقامته فى الأسكندرية لئلا، كما قالوا، يكون مثيرا للقلاقل والانشقاقات. وتم رد يوحنا وأنصاره إلى الشركة بإعتبارهم عانوا من الخطأ بلا عدل، وعاد كل منهم إلى رتبته الإكليريكية.
(2/25/10) ورفع الاساقفة بيانا بإجراءاتهم إلى الامبراطور، وكتبوا إلى اساقفة سائر الأماكن مخبرين اياهم بعدم قبول أثناسيوس فى شركتهم وعدم الكتابة إليه أو تلقى رسائل منه بإعتباره شخص ارتكب الجرائم التى ناقشوها. أما بخصوص هروبه فهذا يدل على أنه مذنبٌ بالدعاوى التى لم يبحثوها. كذلك أعلنوا فى هذا المرسوم أنهم قد اضطروا إلى توقيع هذا الحُكم عليه لأنه عندما أمر الامبراطور فى السنة الماضية بعقد مجمع فى قيصرية لم يذعن لأمر الامبراطور وترك اساقفة الشرق ينتظرونه وضرب بتعليمات الحاكم عرض الحائط. وزعموا أيضا أنه عندما انعقد مجمع صُور، توجه إلى المدينة بحشد كبير بقصد اثارة القلاقل والفوضى فى المجمع، وأنه رفض أحيانا الرد على التهم المثارة ضده وأحيانا أهان الأساقفة كلٌ على حدة، عندما اجتمع بهم. ولم يكن مطيعا فى أحيان أخرى، واعتبر آخرين غير جديرين بالحُكم. كما أعلنوا فى نفس الرسالة بأنه مذنب بكسر كأس سرائرية، وأن هذه الواقعة شهد عليها ثيوجينس اسقف نيقية، وماريس اسقف خلقيدونية، وثيودور اسقف هيراكليا، وفالنتينوس واورساكيوس، ومقدونيوس الذى أُرسِل إلى قرية فى مصر حيث قيل أن الكأس قد كُسِر فيها للتأكد من الحقيقة.
(2/25/11) وهكذا فصَّل الأساقفة كل من المزاعم ضد أثناسيوس على التوالى بنفس الأسلوب الذى يفعله السوفسطائيون عندما يرغبون فى تعليل افتراءاتهم.([70])
(2/25/12) ومع ذلك أدرك كثيرون من الكهنة الذين كانوا حاضرين المجمع عدم عدالة الاتهامات. فقد رُوِى أن آبا بافنوتيوس المعترف والذى كان حاضرا فى هذا المجمع نهض وأمسك يد مكسيموس اسقف اورشليم ليخرجه، كما لو كان المعترفون الذين نُزِعت أعينهم بسبب ايمانهم، ينبغى ألا يشاركوا فى مجمع الأشرار.
************
المراجع
[66] - الذى عينه مليتيوس خليفة له.
[67] - اى اسخاريوس.
[68] - لاحظ أثر مهنة المحاماة التى كان يمارسها سوزمينوس على أسلوبه التاريخى، من كلمات مثل "دحض"، و"طلب تأجيل" و"استكمال الفحص"..الخ.
[69] - يقصد أن القضاة لم يوّقعوا القصاص القانونى عليهم سواء لإدعائهم بتهم لا أساس لها، أو على الشهود لشهادتهم شهادة زور.
[70] - لاحظ هنا خبرة سوزمينوس كمحامى.