ونفى البابا ديسقوروس إلى جزيرة غاغرا بفلاغونيا فى آسيا الصغرى Gangra Island Asia Minor
قال الأنبا إيسيذوروس (1) عن أعمال البابا ديسقوروس وهو فى المنفى : " قام شماس البابا ديسقوروس وأسمه تاوفسطس وكاتب سيرته بكتابه حادثتين عن عما حدث مع البابا فى المنفى وهما حادثتان تستحق الإهتمام تدل على ما كان للبابا ديسقوروس من كرم أخلاق وعلو منزلة عند الرب :
ألأولى : حدث أن تاجراً إسكنرانياً (أى من الإسكندرية) أدى به السفر إلى بلد منفى البابا ديسقوروس فزاره ، ولكنه إمتعض عند رؤيته لبابا المصرى وما صار إليه من فقر وإمتهان والإحتقار ، فطيب خاطره البابا وذكره بالإمتهان الذى لحق برب المجد يسوع المسيح ، وبعد أن مكث عند البابا بضعة أيام وحان ميعاد إبحاره سلم السماي سبيكة من ذهب كثيرة الثمن لينفق بها على معلمه ووعده أن يرسل له بغيرها ، فلما علم البابا ديسقوروس بذلك جزأها إلى أجزاء متساوية وفرق الأجزاء على فقراء البلد بالرغم من إرادة شماسه وتوسلاته .
الحادثة الثانية : أن البابا يسقوروس كانت عنده موهبة الشفاء ومما نقل عنه شماسه أن رجلاً أعسم تقدم غلى البابا ديسقوروس وطلب إليه بدموع أن يحصل على نقطة من دمه ، وبعد أخذ ورد (أى أن البابا رفض فى البداية ثم وافق) سمح له ان يخدش خدشاً بسيطاً أسال دمه ودهنه به وعقب الدهن بالصلاة فنال الأعسم نعمة الشفاء .
وقد نقلنا عن الشماس الكاتب أن اهل المدينة خضعوا للأنبا ديسقوروس بعد أن شاهدوا المعجزات التى كان يجريها الرب على يديه وتحولوا إلى شبه ملائكة بعد ان كانوا أشرارا وثنيين ومتوحشين للغاية "
***********************************
مـــــــــــــــــراجع
(1) راجع الأنبا إيسيذوروس فى الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة ج1 ص 582 - 583
*******************************
تاريخ كنيستي (108)
منقول من مقالات القمص أنجيلوس جرجس
البابا ديسقوروس في المنفي منارة وسط الظلمة
ونحن في خضم الأحداث المتصارعة في تلك الأزمنة التي كانت من أسوأ ما حدث لكنيسة ربنا يسوع المسيح على مدار تاريخها هو مجمع "خلقيدونية"، ففي أيام أريوس كانت الكنائس جميعاً إيمان واحد، وتقف ضد أريوس، وحينما حاول فالنس ومن قبله قسطنطيوس فرض الأريوسية بسلطان، وكان الآباء الأساقفة يُضطهدون، ولكنهم لم يسلموا الإيمان بل كانت كانت الكنيسة تتصدي لهؤلاء الأريوسين المهرطقين، وكانت الكراسي الرسولية كلها لها الإيمان الأرثوذكسي المسلم، والأريوسيين كان لهم تيار موازي وليسوا كنائس، أما ما حدث في خلقيدونية هو انقسام في الكراسي الرسولية.
ولابد أن ندرك حقيقة هامة هي أن الإيمان الرسولي هو الذي يحمل السلطان الكنسي، فكل من يخرج من الإيمان المسلم للآباء الرسل، يفقد أيضاً سلطانه الرسولي وهذه حقيقة يجب أن يدركها الجميع لأن هناك من يقول إنه قد يكون ما تم في خلقيدونية أنهم لهم نفس الإيمان ولكن بألفاظ مختلفة، ولكن حينما تتطلعوا على ما صار في خلقيدونية وبعدها، ستتأكدون بأنه إيمان مخالف، إنهم نساطرة وأشباه النساطرة هذا هو الإيمان الخلقيدوني.
ويقول القديس إيلاريون "هيلاري" أسقف بواتييه: "لابد من فضح الهراطقة، والدفاع عن الإيمان المستقيم مهما كلفنا الأمر".
بينما يطالبنا السيد المسيح أن نستر على خطايا بعض، مثلما فعل الأنبا مقار مع الراهب الذي سقط في خطية الزنا، ومثلما أوصانا المسيح: " لا تدينوا لكي لا تدانوا"، ولكن فيما يخص الإيمان قال: "تحفظوا جميع ما سلمتكم" (مت 20:28).
والسيد المسيح نفسه رفض أي إيمان مخالف لعقيدة الأفخارستيا وقال لتلاميذه: "ألعلكم أنتم أيضاً تريدون أن تمضوا" (يو 6: 67).
فالمحبة للأشخاص ولكن ليست فيما يخص الإيمان، فنحن نحب الكل حتى غير المؤمنين بل الأعداء أيضاً، أما في الإيمان قال ماريوحنا: "لا تسلموا عليهم (بمعني لا يوجد وحدة) ولا تقبلوهم في البيوت (لا يوجد شركة معهم عائلية مسيحية).
ويقول بولس الرسول: "ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن آناثيما" (غلا 8:1).
فالكنيسة واحدة وحيدة جامعة، ولكن رسولية أي لها الإيمان الرسولي، حتى وإن كان كرسي مارمرقس فقط هو الذي يحفظ هذا الإيمان الرسولي، تكون هذه هي الكنيسة الواحدة الوحيدة الجامعة الرسولية ... لأنها أرثوذكسية.
يقول ذهبي الفم: "كم من كثيرين هاجموا الكنيسة، ولكن هلك الذين هاجموها، أما الكنيسة كانت تحلق دائماً في السماء. الكنيسة هي رجائك، خلاصك، ملجأك، أنها أعلي من السماء، وأوسع من المسكونة".
ويقول القديس هيلاري: "العليقة تلتهب ولم تحترق، هكذا الكنيسة تٌلهب نيرانها الاضطهادات والتجارب من الخطاة والهراطقة، دون أن تحرقها".
فعنقود العنب وإن بقيت فيه حبة واحدة تظل فيه البركة.
ونعود إلى التاريخ لهذه الفترة فقد ظن الهراطقة في مجمع خلقيدونية والإمبراطور وبوليكاريا زوجته ولاون أسقف روما أنهم قد تخلصوا من البابا ديسقوروس ونفوه إلى جزيرة غاغرا التي هي إحدى جزر آسيا الصغرى جنوب تركيا وشمال سوريا في البحر المتوسط. وفي الطريق إليها كان الجنود يعاملون البابا بعنف شديد، ووصل إلى الجزيرة التي كان عليها أسقف نسطوري الذي حينما رأى البابا ديسقوروس قال له: "هوذا دم أبينا نسطور على يد كرسي الإسكندرية، فلماذا لم تطع الملك وتوقع على منشور لاون؟".
فرد عليه البابا ديسقوروس: هل قرأن المنشور؟ هل هذا الإيمان الذي فيه قويم؟
فأجاب بالإيجاب.
فرد عليه البابا ديسقوروس: ولكنه ليس هو الإيمان الذي استلمته الكنيسة من الرسل والسيد المسيح، ولا يمكن لأحد أن يغير إيماني.
فقال له: هذه فجاجة المصريين وكبريائهم.
والغريب أن نفس هذا الكلام كانوا يقولونه على البابا أثناسيوس والبابا كيرلس الكبير والبابا ثيؤفيلس.
فرد عليه البابا ديسقوروس: إن كان إيمانك هو منشور لاون، فأنت محروم من فم الكنيسة ومن فمي.
وبعد ذلك ذهب هذا الأسقف ليرفع الذبيحة، فظهر له ملاك وقال له: لا يمكنك أن ترفع الذبيحة لأنك قد حُرمت من فم البابا ديسقوروس. فذهب إلى البابا ديسقوروس وطلب منه أن يحاله واعترف أمامه بالإيمان المستقيم.
وعاش البابا ديسقوروس وسط شعب هذه الجزيرة وكان سبب بركة لهم وكانت بصلاته تحدث معجزات كثيرة.
وكانت غاغرا مشهورة بالتجارة، فكان هناك تاجر من الإسكندرية، يذهب ليشتري صوف من هذه الجزيرة ويبيع لهم منتجات مصرية، وبالصدفة تقابل مع تلميذ البابا، وتعرف عليه التاجر، وسأله عن أخبار البابا، فسرد له التلميذ الأحداث التي تمت، وكيف تألم البابا من وحشية الناس، حتى ظهرت قداسته لهم فأحبوه، فطلب التاجر مقابلة البابا، وتقابل معه وأعطاه كمية كبيرة من الذهب، وقال له: لا أريد البابا أن يتعب، خذ هذا الذهب وأنفق منه على البابا وأنت أيضاً. ولكن البابا أخذ الذهب ووزعه على أهل الجزيرة.
وكان هناك أحد الآباء القديسين يٌدعي الأب "ببنودة" وكان رئيس جماعة من المتوحدين، وقد كان من عائلة غنية، وترهب وكان معه كتاب مقدس غالي الثمن جداً، لأنه مكتوب بخط الذهب، وأثناء رهبتنه في البرية، وجد أحد الفقراء، فتصدق بكتابه المقدس، وحينما سأله تلاميذه أين كتابك المقدس؟، أجابهم: "قيل لي أعطي كل ما لك للفقراء". وحينما ظهرت قداسة هذا الآب للجميع بدأت تتقاطر عليه جموع كثيرة، وفي فترة الصراع بين البابا كيرلس وبين نسطور، نزل الإسكندرية وكان يساند البابا كيرلس، ويخدم الفقراء، ويعلم الشعب ويثبتهم في الإيمان. وهذا يبين إنه فيما يخص حرب الإيمان، تقع المسئولية على عاتقنا جميعاً، وسنٌسأل كلنا عن دفاعنا عن الإيمان.
فهذا راهب، بل رئيس متوحدين، ولكنه نزل لتثبيت الإيمان. وفي أخر حياة البابا كيرلس الكبير، حينما استقرت الأمور، شعر أن دوره أنتهي في تثبيت الإيمان، ولكنه لم يعود إلى البرية، هرباً من المجد الباطل، فسافر إلى إحدى جزر البحر المتوسط، وكان أهل الجزيرة وثنيين، وفي البداية أضطهده أمير الجزيرة ومرض ابنه ومات فصلى القديس ببنوده وأقام الابن فأمن أمير الجزيرة وأهلها وبدأ في تعميدهم بعد تسليمهم الإيمان، ثم أنتقل إلى جزيرة أخري، وانتهي به المطاف إلى جزيرة غاغرا حيث يوجد البابا ديسقوروس، وتقابل معه، وانحني له لكرامة رتبته كبطريرك، وفي اليوم التالي كان تذكار رئيس الملائكة ميخائيل ـ وهذا ما ذكره تلميذ البابا وكاتب سيرته ـ فيقول في هذا القداس حدثت أشياء غريبة في وجود أنبا ببنودة، فقبل قراءة الإنجيل قال البابا ديسقوروس للشمامسة، أثناء ترتيلكم الثلاث تقديسات، لا ترتعبون حينما تجدوا ملائكة ترابع معكم اللحن، وبالفعل أثناء ترتليهم للثلاثة تقديسات، سمعوا أصوات ملائكة ترابع وتصلي معهم في الصلاة.
وهذا أيضاً يبين ثبات طقس كنيستنا منذ القرون الأولى، فحتى يومنا هذا نردد هذا اللحن قبل الإنجيل، فكنيستنا كنيسة عميقة الجذور قوية البنيان أرثوذكسية الإيمان.
وهذا اللحن ردده الملائكة، لأن الكنيسة تقول فيه: "قدوس اللـه، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت، الذي ولد من العذراء. قدوس اللـه، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت، الذي صٌلب عنا. قدوس اللـه، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت، الذي قام من الأموات".
وهو لحن مسلم من الكنيسة الأولى وتعلن فيه الكنيسة الإيمان الأرثوذكسي وهو ضد إيمان النساطرة الذين لا يعترفون بأنه صٌلب عنا، لذلك لابد أن نفهم أن القداس هو إعلان إيمان أيضاً قبل الاتحاد بالمسيح، وتسبيح الملائكة يوثق لنا الإيمان الأرثوذكسي.
وحدث أيضاً في هذا القداس أعمال عجيبة فأثناء صلاة البابا ديسقوروس للتقديس، ظهر نور قوي جداً، وملأ المذبح، حتى أن الشمامسة والشعب سجدوا، ولم يرفعوا رؤوسهم.
ـ وبعد القداس قال القديس ببنودة للبابا ديسقوروس: "يا أبي لقد رأيت وجهك مثل وجه موسي النبي، وقت التقديس يشع نوراً".
ـ فرد عليه البابا ديسقوروس: "يا أنبا ببنودة، لست أنا فقط، بل في كل مرة ترفع الأسرار في الكنائس الأرثوذكسية يحدث هذا، ولكن بدون رؤية للعينين، لكن اللـه أظهر لكم هذا اليوم، حتى تخبروا في الكنائس أنني لم أجاهد باطلاً، بل جاهدت من أجل الأمانة الحقيقية، وأخبركم أن وقت انحلالي قد أقترب، فبعد عشرة أشهر، وسبعة أيام من أول هذا الشهر، يكون قد أكملت جهادي".
ـ ثم نظر إليه وقال له: لقد علمت أيضاً أن أنبا مقار قد كمل جهاده واستشهد.
ـ وسأله: كيف عرفت؟
ـ فأجابه: لقد رأيته في القداس وسط جماعة القديسين المنتقلين.
وبالفعل في اليوم السابع من شهر توت، الساعة الحادية عشر مساء أسلم الروح عام 454م.
لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين