جارى العمل فى هذه الصفحة
الجزء التالى من كتاب السيرة
النبوية - تأليف: عبد الملك بن هشام المعافري - الجزء الرابع - 82 / 116
خبر الإفك في غزوة بني المصطلق سنة ست
قال ابن إسحاق : حدثنا الزهري ، عن علقمة بن وقاص ، وعن سعيد بن جبير ، وعن عروة
بن الزبير ، وعن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة ، قال : كل قد حدثني بعض هذا الحديث
، وبعض القوم كان أوعى له من بعض ، وقد جمعت لك الذي حدثني القوم .
من كان يسافر معه صلى الله عليه و سلم من نسائه
قال محمد بن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه عن
عائشة ، وعبدالله بن أبي بكر ، عن عمرة بنت عبدالرحمن ، عن عائشة ، عن نفسها ، حين
قال فيها أهل الإفك ما قالوا ، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما
لم يحدث صاحبه ، وكل كان عنها ثقة ، فكلهم حدث عنها ما سمع ،
قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن
خرج سهمها خرج بها معه ؛ فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه ، كما كان يصنع
، فخرج سهمي عليهن معه ، فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
***********************************************
الجزء التالى من كتاب السيرة
النبوية - تأليف: عبد الملك بن هشام المعافري - الجزء الرابع - 83 / 116
سقوط عقد عائشة وتخلفها للبحث عنه
قالت : وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العُلَق لم يهجهن اللحم فيثقلن ، وكنت إذا
رحل لي بعيري جلست في هودجي ، ثم يأتي القوم الذين يرحلون لي ويحملونني ، فيأخذون
بأسفل الهودج ، فيرفعونه ، فيضعونه على ظهر البعير ، فيشدونه بحباله ، ثم يأخذون
برأس البعير ، فينطلقون به .
قالت : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك ، وجه قافلا ، حتى إذا
كان قريبا من المدينة نزل منزلا ، فبات به بعض الليل ، ثم أذن في الناس بالرحيل ،
فارتحل الناس ، وخرجت لبعض حاجتي ، وفي عنقي عقد لي ، فيه جزع ظفار ، فلما فرغت
انسل من عنقي ولا أدري ، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي ، فلم أجده ، وقد
أخذ الناس في الرحيل ، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه ، فالتمسته حتى وجدته ، وجاء
القوم خلافي ، الذين كان يرحلون لي البعير ، وقد فرغوا من رحلته ، فأخذوا الهودج ،
وهم يظنون أني فيه ، كما كنت أصنع ، فاحتملوه ، فشدوه على البعير ، ولم يشكوا أني
فيه ، ثم أخذوا برأس البعير ، فانطلقوا به ؛ فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا
مجيب ، قد انطلق الناس .
صفوان بن المعطل يعثر على عائشة و يحتملها
على بعيره
قالت : فتلففت بجلبابي ، ثم اضطجعت في مكاني ، وعرفت أن لو قد افتُقدت لرُجع إلي
. قالت : فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطَّل السلمي ، وقد كان تخلف
عن العسكر لبعض حاجته ، فلم بيت مع الناس ، فرأى سوادي ، فأقبل حتى وقف علي ، وقد
كان يراني قبل أن يُضرب علينا الحجاب ، فلما رآني قال : إنا لله وإنا إليه راجعون
، ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وأنا متلففة في ثيابي ؛ قال : ما
خلَّفك يرحمك الله ؟ قالت : فما كلمته ، ثم قرب البعير ، فقال : اركبي ،
واستأخر عني .
قالت : فركبت ، وأخذ برأس البعير ، فانطلق سريعا ، يطلب الناس ، فوالله ما أدركنا
الناس ، وما افتقدت حتى أصبحت ، ونزل الناس ، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي ،
فقال أهل الإفك ما قالوا ، فارتعج العسكر ، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك .
مرضها وإعراضه عليه الصلاة و السلام عنها
ثم قدمنا المدينة ، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة ، ولا يبلغني من ذلك شيء ، وقد
انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى أبوي لا يذكرون لي منه قليلا
ولا كثيرا ، إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي ، كنت
إذا اشتكيت رحمني ، ولطف بي ، فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك ، فأنكرت ذلك منه ، كان
إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني - قال ابن هشام : وهي أم رومان ، واسمها زينب بنت
عبد دهمان ، أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة - قال : كيف تِيكم ، لا يزيد
على ذلك .
انتقالها إلى بيت أبيها لتمريضها
قال ابن إسحاق : قالت : حتى وجدت في نفسي ، فقلت : يا رسول الله ، حين رأيت
ما رأيت من جفائه لي : لو أذنت لي ، فانتقلت إلى أمي ، فمرضتني ؟ قال : لا
عليك .
قالت : فانتقلت إلى أمي ، ولا علم لي بشيء مما كان ، حتى نقهت من وجعي بعد بضع
وعشرين ليلة ، وكنا قوما عربا ، لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم ،
نعافها ونكرهها ، إنما كنا نذهب في فسح المدينة ، وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة
في حوائجهن .
فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مِسطح بنت أبي رهم بن المطلب ابن عبد مناف ، وكانت
أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد ابن تيم ، خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
.
علمها بما قيل فيها
قالت : فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها ؛ فقالت : تعس مسطح ! ومسطح
: لقب ، واسمه : عوف ؛ قالت : قلت : بئس لعمر الله ما قلت لرجل من
المهاجرين قد شهد بدرا ؛ قالت : أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ؟ قالت :
قلت : وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك ، قالت : قلت :
أوقد كان هذا ؟ قالت : نعم والله لقد كان .
قالت : فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ، ورجعت ؛ فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت
أن البكاء سيصدع كبدي ؛ قالت : وقلت لأمي : يغفر الله لك ، تحدث الناس بما
تحدثوا به ، ولا تذكرين لي من ذلك شيئا ! قالت : أي بنية ، خفِّضي عليك الشأن ،
فوالله لقلما كانت امرأة حسناء ، عند رجل يحبها ، لها ضرائر ، إلا كثَّرن وكثَّر
الناس عليها .
خطبته صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن
قالت : وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك ،
فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، ما بال رجال يؤذونني في أهلي ،
ويقولون عليهم غير الحق ، والله ما علمت منهم إلا خيرا ، ويقولون ذلك لرجل والله ما
علمت منه إلا خيرا ، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي .
من أشاع حديث الإفك
قالت : وكان كُبرْ ذلك عند عبدالله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال
مسطح وحمنة بنت جحش ، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، ولم تكن من نسائه امرأة تناصيني في المنزلة عنده غيرها ؛ فأما زينب فعصمها
الله تعالى بدينها فلم تقل إلا خيرا ، وأما حمنة بنت جحش ، فأشاعت من ذلك ما أشاعت
، تُضادُّني لأختها ، فشقيت بذلك .
ما اقترحه المأمون بعد خطبته صلى الله
عليه وسلم
فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة ، قال أسيد بن حضير : يا رسول
الله ، إن يكونوا من الأوس نكفكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج ، فمرنا بأمرك
، فوالله إنهم لأهل أن تُضرب أعناقهم ؛ قالت : فقام سعد بن عبادة ، وكان قبل ذلك
يُرى رجلا صالحا ؛ فقال : كذبت لعمر الله ، لا نضرب أعناقهم ، أما والله ما قلت
هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا ، فقال
أسيد : كذبت لعمر الله ، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ؛ قالت : وتساور الناس
، حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر . ونزل رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فدخل علي .
الرسول يستشير عليا و أسامة
قالت : فدعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، و أسامة بن زيد ، فاستشارهما ؛
فأما أسامة فأثنى علي خيرا وقاله ؛ ثم قال : يا رسول الله ، أهلك ولا نعلم منهم
إلا خيرا ، وهذا الكذب والباطل ؛ وأما علي فإنه قال : يا رسول الله ، إن النساء
لكثير ، وإنك لقادر على أن تستخلف ، وسل الجارية ، فإنها ستصدقك .
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بُريرة ليسألها ؛ قالت : فقام إليها علي بن
أبي طالب ، فضربها ضربا شديدا ، ويقول : اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛
قالت : فتقول والله ما أعلم إلا خيرا ، وما كنت أعيب على عائشة شيئا ، إلا أني
كنت أعجن عجيني ، فآمرها أن تحفظه ، فتنام عنه ، فتأتي الشاة فتأكله .
قالت : ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندي أبواي ، وعندي امرأة من
الأنصار ، وأنا أبكي ، وهي تبكي معي ، فجلس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال :
يا عائشة ، إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس ، فاتقي الله ، وإن كنت قد قارفت
سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ؛ قالت :
فوالله ما هو إلا أن قال لي ذلك ، فقلص دمعي ، حتى ما أحس منه شيئا ، وانتظرت أبوي
أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يتكلما ، قالت : وأيم الله لأنا
كنت أحقر في نفسي ، وأصغر شأنا من أن ينزل الله فيّ قرآنا يُقرأ به في المساجد ،
ويُصلى به ، ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا
يكذب به الله عني ، لما يعلم من براءتي ، أو يخُبر خبرا ؛ فأما قرآن ينزل في ،
فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك .
حزن عائشة ونزول القرآن ببراءتها
قالت : فلما لم أر أبوي يتكلمان ، قالت : قلت لهما : ألا تجيبان رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : فقالا : والله ما ندري بماذا نجيبه ؛ قالت :
ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام ؛ قالت :
فلما أن استعجما علي ، استعبرت فبكيت ؛ ثم قلت : والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت
أبدا . والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس ، والله يعلم أني منه بريئة ،
لأقولن ما لم يكن ، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني .
قالت : ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره ؛ فقلت : ولكن سأقول كما قال أبو يوسف
: ( فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون ) .
قالت : فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشَّاه من الله ما
كان يتغشاه ، فسُجِّي بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه ، فأما أنا حين رأيت من
ذلك ما رأيت ، فوالله ما فزعت ولا باليت ، قد عرفت أني بريئة ، وأن الله عز وجل غير
ظالمي ؛ وأما أبواي ، فوالذي نفس عائشة بيده ، ما سُرّي عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما ، فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس .
قالت : ثم سُرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس ، وإنه ليتحدر منه مثل
الجمان في يوم شات ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ، ويقول : أبشري يا عائشة ، فقد
أنزل الله براءتك ؛ قالت : قلت : بحمد الله .
ثم خرج إلى الناس ، فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك ، ثم
أمر بمسطح بن أثاثة ، وحسَّان بن ثابت ، وحمنة بنت حجش ، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة
، فضُربوا حدَّهم .
استنتاج أبي أيوب طهر عائشة
قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار : أن أبا
أيوب خالد بن زيد ، قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب ، ألا تسمع ما يقول
الناس في عائشة ؟ قال : بلى ، وذلك الكذب ، أكنت يا أم أيوب فاعلة ؟ قالت :
لا والله ما كنت لأفعله ؛ قال : فعائشة والله خير منك .