الجزء التالى من السيرة
النبوية لابن هشام أبي محمد عبدالملك بن هشام أبي محمد عبدالملك بن هشام بن أيوب
الحميري المعافري البصري المتوفي عام 213 الموافق لعام 828 م ستة مجلدات - الجزء الثانى - 16 / 116
إخبار الكهان من العرب ، والأحبار من يهود ، والرهبان من
النصارى ببعثته صلى الله عليه وسلم
الكهان والأحبار والرهبان يتحدثون بمبعثه
قال ابن إسحاق : وكانت الأحبار من يهود ، والرهبان من النصارى ، والكهان من
العرب ، قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، لما تقارب من
زمانه .
أما الأحبار من يهود ، والرهبان من النصارى ، فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة
زمانه ، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه .
وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع ، إذ كانت هي
لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم . وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر
بعض أموره ، لا تلقي العرب لذلك فيه بالا ، حتى بعثه الله تعالى ، ووقعت تلك الأمور
التي كانوا يذكرون ، فعرفوها .
قذف الجن بالشهب دلالة على مبعثه صلى الله عليه وسلم
فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه ، حجبت الشيطان عن السمع ،
وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها ، فرموا بالنجوم ،
فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر الله في العباد .
يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حين بعثه ، وهو يقص عليه خبر
الجن إذ حجبوا عن السمع ، فعرفوا ما عرفوا ، وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا
: ( قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن ، فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا
. يهدي إلى الرشد ، فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا . وأنه تعالى جد ربنا
ما اتخذ صاحبة ولا ولدا . وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا . وأنا ظننا
أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا . وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال
من الجن فزادوهم رهقا ) ... إلى قوله : ( وأنا كنا نقعد
منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا . وأنا لا ندري أشر أريد
بمن في الأرض ، أم أراد بهم ربهم رشدا ) .
فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها إنما منعت من السمع قبل ذلك ، لئلا يشكل الوحي
بشيء من خبر السماء فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه ، لوقوع الحجة ،
وقطع الشبهة . فآمنوا وصدقوا ، ثم ( ولوا إلى قومهم منذرين . قالوا يا
قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ، يهدي إلى الحق ، وإلى
طريق مستقيم ) ... الآيات
وكان قول الجن : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ، فزادوهم
رهقا ) . أنه كان الرجل من العرب من قريش وغيرهم إذا سافر فنزل بطن واد من
الأرض ليبيت فيه ، قال : إني أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة من شر ما
فيه .
قال ابن هشام : الرهق : الطغيان والسفه . قال رؤبة بن العجاج :
إذ تستبي الهيامة المرهقا *
وهذا البيت في أرجوزة له . والرهق أيضا : طلبك الشيء حق تدنو منه ، أو لا
تأخذه . قال رؤبة بن العجاج يصف حمير وحش :
بصبصن واقشعررن من خوف الرهق *
قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيد النحوى : أن بني عامر بن صعصة بن معاوية بن
بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك ، وأنشدني لعمرو بن معد يكرب :
وهذا البيت في أرجوزة له . والرهق أيضا : مصدر لقول الرجل للرجل : رهقت
الإثم أو العسر ، الذي أرهقتني رهقا شديدا ، أي حملت الإثم أو العسر الذي حملتني
حملا شديدا ، وفي كتاب الله تعالى : ( فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا
) .
وقوله : ( ولا ترهقني من أمري عسرا ) .
ثقيف أول من فزعت برمى الجن
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول
العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمي بها ، هذا الحي من ثقيف ، وأنهم جاءوا إلى رجل
منهم يقال له عمرو بن أمية ، أحد بني علاج - قال : وكان أدهى العرب وأنكرها
رأيا - فقالوا له : يا عمرو : ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه
النجوم ؟ قال : بلى ، فانظروا ، فإن كانت معالم النجوم التي يُهتدى بها في
البر والبحر ، وتُعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء ، لما يُصلح الناس في معايشهم ،
هي التي يرمى بها ، فهو والله طي الدنيا ، وهلاك هذا الخلق الذي فيها ؛ وإن كانت
نجوما غيرها ، وهي ثابتة على حالها ، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق ، فما هو
؟ .
الرسول يسأل الأنصار عن قولهم في رجم الجن بالشهب وتوضيحه للأمر
قال ابن إسحاق : وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن علي ابن الحسين بن علي
بن أبي طالب ، عن عبدالله بن العباس ، عن نفر من الأنصار : أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، قال لهم : ماذا كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به ؟
قالوا : يا نبى الله كنا نقول حين رأيناها يرمى بها : مات مَلِك مُلِّك ملك
، ولد مولود مات مولود ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس ذلك كذلك ولكن
الله تبارك وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه حمله العرش ، فسبحوا ، فسبح من
تحتهم ، فسبح لتسبيحهم من تحت ذلك ، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء
الدنيا ، فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض مم سبحتم فيقولون سبح من فوقنا فسبحنا
لتسبيحهم ؛ فيقولون : ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا ؟ فيقولون مثل ذلك ،
حتى ينتهوا إلى حملة العرش ، فيقال لهم : مم سبحتم ؟ فيقولون : قضى
الله في خلقه كذا وكذا ، للأمر الذي كان ؛ فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى
ينتهي إلى السماء الدنيا ، فيتحدثوا به ، فتسترقه الشياطين بالسمع ، على توهم
واختلاف ، ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم به فيخطئون ويصيبون فيتحدث به
الكهان ، فيصيبون بعضا ويخُطئون بعضا .
ثم إن الله عز وجل حجب الشياطين بهذه النجوم التي يُقذفون بها ، فانقطعت الكهانة
اليوم ، فلا كهانة .
قال ابن إسحاق : وحدثني عمرو بن أبي جعفر ، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي لبيبة
، عن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه بمثل حديث ابن شهاب عنه .
الغيطلة وصاحبها
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم : أن امرأة من بني سهم ، يقال لها
الغيطلة ، كانت كاهنة في الجاهلية ، فلما جاءها صاحبها في ليلة من الليالي ، فانقض
تحتها ، ثم قال : أدر ما أدر ، يوم عقر ونحر ؛ فقالت قريش حين بلغها ذلك :
ما يريد ؟ ثم جاءها ليلة أخرى ، فانقض تحتها ، ثم قال : شعوب ما شعوب ،
تُصرع فيه كعب لجنوب . فلما بلغ ذلك قريشا ، قالوا : ماذا يريد ، إن هذا
لأمر هو كائن ، فانظروا ما هو ؟ فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر واحد بالشعب ،
فعرفوا أنه الذي كان جاء به إلى صاحبته .
نسب الغيطلة
قال ابن هشام : الغيطلة : من بني مرة بن عبد مناة بن كنانة ، إخوة مدلج ابن
مرة ؛ وهي أم الغياطل الذين ذكر أبو طالب في قوله :
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلف قيضا بنا والغياطل
فقيل لولدها : الغياطل ؛ وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص . وهذا البيت في
قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى .
كاهن جنب يذكر خبر الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : وحدثني علي بن نافع الجرشي : أن جنبا : بطنا من اليمن
، كان لهم كاهن في الجاهلية ، فلما ذُكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر
في العرب ، قالت له جنب : انظر لنا في أمر هذا الرجل ، واجتمعوا له في أسفل
جبله ؛ فنزل عليهم حين طلعت الشمس ، فوقف لهم قائما متكئا على قوس له ، فرفع رأسه
إلى السماء طويلا ، ثم جعل ينـزو ، ثم قال : أيها الناس ، إن الله أكرم محمدا
واصطفاه ، وطهر قلبه وحشاه ، ومكثه فيكم أيها الناس قليل ، ثم أسند في جبله راجعا
من حيث جاء .
سواد بن قارب يحدث عمر بن الخطاب عن صاحبه من الجن
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن عبدالله بن كعب ، مولى عثمان بن عفان ،
أنه حدث : أن عمر بن الخطاب ، بينا هو جالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، إذ أقبل رجل من العرب داخلا المسجد ، يريد عمر بن الخطاب ؛ فلما نظر إليه
عمر رضي الله عنه ، قال : إن هذا الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد ، ولقد كان
كاهنا في الجاهلية . فسلم عليه الرجل ، ثم جلس ، فقال له عمر رضي الله عنه
: هل أسلمت ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال له : فهل كنت كاهنا
في الجاهلية ؟ فقال الرجل : سبحان الله يا أمر المؤمنين ! لقد خلت فيّ
، واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما وليت ؛ فقال عمر :
اللهم غفرا ، قد كنا في الجاهلية على شر من هذا ، نعبد الأصنام ، ونعتنق الأوثان ،
حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام ؛ قال : نعم ، والله يا أمير المؤمنين ، لقد
كنت كاهنا في الجاهلية ؛ قال : فأخبرني ما جاءك به صاحبك ؛ قال : جاءني قبل
الإسلام بشهر أو شيعه ، فقال : ألم تر إلى الجن وإبلاسها ، وإياسها من دينها ،
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها .
قال ابن هشام : هذا الكلام سجع، وليس بشعر .
قال عبدالله بن كعب : فقال عمر بن الخطاب عند ذلك يحدث الناس : والله إني
لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش ، قد ذبح له رجل من العرب عجلا ، فنحن
ننتظر قسمه ليقسم لنا منه ، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه ،
وذلك قبيل الإسلام بشهر أو شيعه ، يقول : يا ذريح ، أمر نجيح ، رجل يصيح ، يقول
: لا إله إلا الله .
قال ابن هشام : ويقال : رجل يصيح ، بلسان فصيح ، يقول : لا إله إلا
الله .
وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر :
عجبت للجن وإبلاسها * وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنو الجن كأنجاسها
قال ابن إسحاق : فهذا ما بلغنا من الكهان من العرب .