الجزء التالى من كتاب التاريخ الكنسى لسوزمينوس THE ECCLESIASTICAL HISTORY - OF Sozomen .. ترجمه من اليونانية : Chester d. Hartranft .. ونقله الى العربية : الدكتور/ بولا سـاويرس نقلا عن : NPNF, II, 1890 A.D.
********************************************
الكتاب الأول: الفصل التاسع عشر
(خطاب الامبراطور فى المجمع)
(1/19/1) وأجرى الاساقفة مشاورات طويلة. وبعد أن استدعوا اريوس أمامهم اجروا اختبارا دقيقا لمقترحاته وكانوا معتنين بشدة من جانبهم ألا يُصوتوا لأىٍ من الطرفين.
(1/19/2) وعندما حل اليوم المعيَّن الذى تحدد لتسوية المسائل المتنازع عليها، اجتمعوا معا فى القصر، لأن الإمبراطور عقد عزمه على القيام بدور فى المداولات. وعندما كان، فى نفس المكان مع الكهنة اجتاز إلى رأس المؤتمر وجلس على العرش الذى أُعِد له، وأُمِر المجمع عندئذ بالجلوس حيث رُتِّبت المقاعد على الجانبين على طول جدران الغرفة الملكية، حيث كانت الأكبر وتفوق الأخرى.
(1/19/3) وبعد أن جلسوا، نهض يوسيبيوس بامفيلوس([81]) وألقى كلمة فى شرف الإمبراطور بعد أن رد الشكر إلى الله.
وعندما كفَّ عن الكلام وعاد الصمت، قدَّم الإمبراطور نفسه بالكلمات التالية:
إننى اشكر الله على كل شىء ولكن بالأخص يا اصدقائى على أنه سمح لى ان أرى مؤتمركم، الأمر الذى يفوق صلاتى أن يجتمع كهنة المسيح فى نفس المكان. والآن ارغب فى أن تكونوا جميعا بفكر واحد وشركاء فى حُكم مُرضى، لأننى احسب أن انشقاق كنيسة الله أخطر من أى شر آخر. لذلك عندما أُعلِن أمرٌ غير مرغوب فى سماعه، وفهمتُ أنكم كنتم مختلفين فى الرأى حزنتُ فى نفسى بشدة، إذ أنكم مرشدو العبادة الإلهية وصانعى السلام. ولهذا السبب دعوتكم([82]) إلى مجمع مقدس. وإذ أننى امبراطوركم وشريككم فإننى التمس منكم معروفا مقبولا عند ربنا كلنا، ويكون مُكرَّما لى ولكم. آلا وهو أن تفحصوا أسباب النزاع وتضعوا نهاية مُرضية وسَلامية له لكى ما انتصر معكم على الشيطان الحسود الذى أثار هذه الثورة الداخلية، لأنه اغتاظ من رؤية أعداءنا الخارجيين والطغاة تحت اقدامنا وحسد حالتنا الجيدة.
وقد ألقى الإمبراطور هذا الخطاب باللاتينية، وكانت الترجمه بواسطة واحد من جانبه.
الكتاب الأول: الفصل العشرون
(بعد الاستماع إلى الطرفين، أدان الامبراطور اريوس واتباعه ونفاهم)
(1/20/1) وكانت المداولة التالية من جانب الكهنة خاصة بالعقيدة. واصغى الإمبراطور باهتمام إلى خطاب كل من الطرفين. ومدح أولئك الذين تكلموا حسنا، ووبخ الذين عرضوا ميلا للمشاجرة حسب ادراكه لِما سمع إذ لم يكن غير ملم باليونانية تماما، فعبَّر عن نفسه بلطف لكل أحدٍ. وأخيرا اتفق الكهنة جميعا على أن الابن مساوى للآب فى الجوهر([83]).
(1/20/2) وعند بداية المؤتمر كان عدد مَن امتدحوا آراء اريوس سبعة عشر، ولكن فى النهاية انحاز أغلبهم إلى الرأى العام. وبالمثل اذعن الإمبراطور لهذا الحُكم إذ اعتبر إجماع المؤتمر قبولا الهيا، ورسم بعقاب كل مَن يعصى هذا الحُكم فى الحال كمذنب بالسعى إلى قلب التعاريف الإلهية.
(1/20/3) ولقد رأيتُ أنه من الضرورى أن أُعيد انتاج الوثيقة الخاصة بهذا الموضوع، كمثال للحقيقة لكى ما يتأسس بشكل واضح شعار الايمان الذى يُبرهن على صنع السلام حاليا. ولكن لما كان بعض الأصدقاء الاتقياء الذين فهموا هذه الامور قد أوصوا أن هذه الحقائق ينبغى تعليمها لطالبى المعمودية([84]) بواسطة مُعلِّميهم فقط، فقد وافقتهم على مشورتهم لأنه ليس من المستحسن لغير طالبى الايمان أن يقرأوا هذا الكتاب. وإذ قد أخفيتُ هذه المواد المحظورة التى ينبغى أن اصمت عنها، إلاَّ أننى لم أدع القارىء يجهل الآراء التى تناولها هذا المجمع.
الكتاب الأول: الفصل الواحد والعشرون
( قرارات المجمع بشأن اريوس. تسوية مسألة عيد الفصح)
(1/21/1) ينبغى معرفة أنهم قد أكدوا أن الابن مساوى للآب فى الجوهر، وأن أولئك الذين يرون أنه كان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودا، وأنه لم يكن موجودا قبل أن يُولد، وأنه قد صُنِع من العدم، وأنه من جوهر hypostasis آخر أو من طبيعة substanceأخرى غير التى للآب، وأنه
خاضع للتغيّر والتبدّل، هم محرومون من الكنيسة الجامعة وغرباء عنها.
(1/21/2) وقد تم التوقيع على هذا القرار من يوسيبيوس اسقف نيقوميديا، وثيوجينس اسقف نيقية، وماريس اسقف خلقيدون، وباتروفيلس اسقف اسكيثوبوليس، وسكوندس اسقف بتولمايس بليبيا. أما يوسبيوس بامفيلوس([85]) فقد تردد لبعض الوقت فى الموافقة، لكنه وافق فى المباحثة الأخيرة.
(1/21/3) وحرَم المجمع اريوس ومشايعيه ومنَع دخوله الاسكندرية. وقد أُدِينت بالمثل العبارات التى قدَّمها عن وجهة نظره وكذلك عمله المسمى "ثاليا" الذى كَتَبه عن هذا الموضوع. اننى لم اقرأ هذا الكتاب ولكننى افهم انه من النوع الفضفاض الذى يماثل نمط Sotadus.
(1/21/4) وينبغى معرفة أن يوسيبيوس اسقف نيقوميديا، وثيوجينس اسقف نيقية رغم موافقتهما على وثيقة ايمان المجمع إلا أنهما لم يوافقا ولا اشتركا فى خلع اريوس.
(1/21/5) وقد عاقب الإمبراطور اريوس بالنفى وأرسل مراسيم للاساقفة والشعب فى كل الاقاليم مصرِّحا أنه هو([86]) وكل تابعيه غير اتقياء، ويأمر بتدمير كُتُبهم حتى لا تبقى ذكرى له أو لتعليمه الذى بثه. وأنَّ كل مَن يُخفِى كتاباته ولم يحرقها فى الحال سيتعرض لعقوبة الموت، وينال عقابا كبيرا. وكتب الامبراطور رسالة إلى كل مدينة ضد اريوس واولئك الذين قبلوا تعاليمه. وأمر يوسيبيوس [النيقوميدى] وثيوجينس أن يهجرا المدن التى كانا اساقفة لها. وخاطب كنيسة نيقوميديا حاثا لها على مشايعة الايمان الذى اقره المجمع وأن ينتخبوا اسقفا ارثوذكسيا ليطيعوه ويدعوا الماضى يمضى. وهدَّد كل مَن يتكلم حسنا عن الاساقفة المنفيين أو يتبنى مفاهيمهم بالعقاب. وأظهَر فى هذه الرسائل وغيرها مشاعر ضد يوسيبيوس [هذا] لأنه تبنى سابقا آراء الطاغية واشترك فى مكائده.
(1/21/6) وطبقا للمراسيم الإمبراطورية خُلِع يوسيبيوس ويوجينس من كنائسهما التى كانوا فيها، وصار امفيون Amphion على كنيسة نيقوميديا وخرستوس([87])Chrestus على كنيسة نيقية. وختاما لهذا الجدل العقيدى، قرر المجمع أن يتم الاحتفال بعيد الفصح فى نفس الوقت فى كل مكان.
الكتاب الأول: الفصل الثانى والعشرين
(دعوة الامبراطور لاكسيوس اسقف النوفاتيين لحضور المجمع)
(1/22/1) ويُروَى أن الامبراطور، من منطلق الرغبة الحارة فى أن يرى التناسق قد أُعيد للمسيحيين ، دعا اكسيوس اسقف كنيسة النوفاتيين إلى المجلس، ووضع أمامه تعريف الايمان، والعيد الذى تصدق عليه بتوقيعات الاساقفة، وسأله عما إذا كان يوافق عليه أم لا.
(1/22/2) فأجاب اكسيوس بأن تفسيرهم لم يُقدِّم تعريفا لتعليم جديد، وأنه يتفق فى الرأى مع المجمع، وأنه يتمسك منذ البداية بهذه المفاهيم الخاصة بالايمان والعيد. فقال له الإمبراطور عندئذ اذن لماذا تمتنع عن الاشتراك معهم فى التناول إذا كنت متفقا فى الرأى معهم؟. فأجاب أن هذا الشِقاق قد بدأ أولا فى عهد داكيوس بين نوفاتوس وكرنيليوس وأنه يعتبر أولئك الأشخاص الذين يُخطئون بعد المعمودية فى تلك الخطايا التى يُعلِن الكتاب المقدس أنها للموت([88]) أشخاصٌ غير جديرين بالتناول، لأن مغفرة تلك الخطايا، كما يُظن، تعتمد على سلطة الله فقط وليس على سلطة الكهنة([89]) فأجاب الامبراطور قائلا: إذن يا اكسيوس خذ سُلّما واصعد وحدك إلى السماء.
(1/22/3) وبعد هذا القول لا اتصُور([90]) أن يُمدَح اكسيوس، ولكن بالأحرى أن يُلام لأنه وهو بشر تخيل أنه معصوم من الخطية.
الكتاب الأول: الفصل الثالث والعشرون
(بافنتيوس المعترف وقوانين المجمع)
(1/23/1) ومن منطلق الغيرة على تقويم حياة أولئك المنشغلين بشؤن الكنائس سن المجمع تشريعات دُعِيَت قوانين.
(1/23/2) وبينما هم يتداولون بشأنها، فكَّر البعض فى اصدار قانون يُلزِم الاساقفة والكهنة والشمامسة بأن ينفصلوا عن الزوجات اللواتى اقترنوا بهن قبل دخولهم الكهنوت.
(1/23/3) ولكن بافنوتيوس المعترف وقف وشهد ضد هذا الاقتراح، وقال أن الزواج مُكَّرم وطاهر، وأن معاشرة زوجاتهم عفة، ونصح المجمع ألاَّ يُصدِر مثل هذا القانون، لأنه سيكون صعب الاحتمال، ويمكن أن يُستخدَم كفرصة للتحرق لهم ولزوجاتهم، وذكَّرهم أنه طبقا للتقليد القديم للكنيسة أولئك الذين كانوا غير متزوجين قبل الانضمام إلى الرتب المقدسة كان يُطلَب منهم البقاء هكذا، أما أولئك الذين كانوا متزوجين فلا يهجروا زوجاتهم. هكذا كانت نصيحة بافنوتيوس على الرغم من أنه كان هو نفسه غير متزوج.
(1/23/4) وطبقا لذلك نزل المجلس على مشورته ولم يسن قانونا بذلك ولكنه ترك الأمر للحُكم الفردى. وليس للإلزام وقد أصدر المجمع مع ذلك قوانينا تنظم سياسة الكنيسة، وهذه القوانين يمكن العثور عليها بسهولة، حيث أنها فى مِلكية افراد كثيرين.
الكتاب الأول: الفصل الرابع والعشرون
(مسألة ميليتوس)
(1/24/1) وبعد فحص مسألة سلوك مليتيوس الذى حَكم المجمع فى مصر عليه، بأن يبقى فى ليكوس Lycus([91])، ومنع عنه فقط لقب اسقف، وحظر عليه سيامة أىَّ أحدٍ سواء فى المدينة أو القرية. أما أولئك الذين قد رسمهم سابقا، فقد سُمِح لهم بهذا القانون أن يظلوا فى الشركة وفى الخدمة ولكن يٌعتبرون تاليين فى الكرامة لكهنة الكنيسة والايبارشية. ولما كان بالموت يُصبح المُعيَّن لا وارث له فقد سُمِح لهم بالخلافة متى حُسبوا أهلا لذلك بتصويت الجمهور. ولكن فى هذه الحالة يتعين سيامتهم بواسطة اسقف كنيسة الاسكندرية لأنهم ممنوعين من ممارسة أى سلطة أو تأثير فى الانتخاب.
(1/24/2) وقد بدت هذه اللوائح عادلة بالنسبة للمجمع لأن مليتيوس وتابعيه قد اظهروا اندفاعا شديدا وتهورا فى السيامات، لدرجة انها حرمت أيضا السيامات التى من بطرس من كل الاعتبارات. وهكذا بعدما أدار كنيسة الاسكندرية، هرب بسبب الاضطهاد الذى ثار عندئذ ثم استشهد فيما بعد([92]).
الكتاب الأول: الفصل الخامس والعشرون
( مأدبة الامبراطور لأعضاء المجمع ومناشدته لهم أن يكونوا بفكر واحد)
وفى نفس الوقت الذى كانت تُسَن فيه هذه القوانين فى المجلس حلَّ الاحتفال بالذكرى العشرين لحُكم قنسطنطين. لأن العادة الرومانية كانت أن يُقَام الاحتفال فى كل سنة عاشرة من الحُكم لذلك فكر الامبراطور أن تكون فرصة لأن يدعو المجمع إلى الاحتفال، وقدَّم لهم هدايا مناسبة، وعندما استعدوا للعودة إلى اوطانهم، دعاهم جميعا معا وحثهم على أن يبقوا جميعا بفكر واحد بشأن الايمان وأن يكونوا فى سلام فيما بينهم حتى لا يكون هناك شِقاق من الان فصاعدا فيما بينهم. وبعد حث كثير آخر من هذا النوع، ختم طلبه بأن يكونوا مجتهدين فى الصلاة وأن يتضرعوا إلى الله دائما من أجله، ومن أجل أبنائه ومن أجل الإمبراطورية. وبعد أن خاطب هكذا أولئك الذين أتوا إلى نيقية شيعهم. وكتب إلى الكنائس فى كل مدينة لكى يوضح لأولئك الذين لم يحضروا ما قد تقرر بواسطة المجمع، وبالنسبة لكنيسة الاسكندرية بصفة خاصة، كتب أكثر من ذلك حاثا لهم أن يضعوا جانبا الانشقاق وأن يكونوا متحدين فى الايمان الصادر من المجمع لأن ذلك لن يكون شيئا آخر سوى حكم الله إذ قد تقرر بواسطة الروح القدس ومن اتفاق هذا العدد الكبير من الكهنة المنيرين وتأيدهم بعد فحص دقيق ومناقشة لسائر النقاط محل الشك.
*************************
المراجع
[81] - أى يوسيبيوس القيصرى المؤرخ، أسقف قيصرية فلسطين.
[82]- لاحظ هنا، مَن هو الداعى إلى أول مجمع مسكونى.
[83] - Son is consubstantial with the Father . عن المدلولات اللاهوتية "للطبيعة" و"الجوهر" و"الاقنوم" و"الهيبوستاسيس"، و"الاموسيووس"، و"الأموأوسيوس"، والتى سترد على مدى عمل سوزمينوس هذا. رجاء الرجوع إلى القسم اللاهوتى من كتاب "القديس أثناسيوس الرسولى "، للأب متى المسكين، نشر دير انبا مقار.
[84] - حرفيا المبتدأون فى الايمان.
[85] - ولهذا عُرِف عنه أنه "نصف أريوسى"، وإن كان قد حاول فيما بعد أن يُبرر تردده هذا.
[86] - اى اريوس.
[87] - أو كرستوس.
[88] - 1يو16:5.
[89] - لاحظ هنا إغفال الأمر الإلهى "كل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا فى...".
[90] - هنا أقول للذين رأوا أن سوزمينوس قد "نسخ" من سقراتيس، أن الحدث التاريخى من حيث هو حدث ماضى هو مشاع للجميع، ولكن الموقف منه يختلف من شخص لآخر. وها نحن نرى هنا الموقف الشخصى لسوزمينوس من هذا الحدث الذى يختلف بوضوح عن سقراتيس.
[91] - اسيوط حاليا.
[92] - أى البابا بطرس الملقب بخاتم الشهداء.