الملكة فريدة تصمم على طلب الطلاق
أدت واقعة بطلتها سيدة اسمها ليلى شيرين ضُبطت على مدخل جناح الملك فاروق في قصر عابدين، وتحول مشهد ضبطها إلى فضيحة شهدتها الملكة فريدة وشاركت في وقائعها
يستطرد اللورد كيلرن في تقريره فيقول:
"من نتيجة الحادث أن الملكة فريدة صممت على طلب الطلاق، قائلة إنها تريد أن تترك القصر وتعيش وحدها مع بناتها وتترك فاروق يفعل ما يشاء. وكان الملك في البداية مغتاظاً مما جرى ويوافق على إجراء الطلاق فوراً، لكن أحمد حسنين (باشا) هرع إلى مكتبه عندما عاد من الفيوم يرجوه ألا ينفعل، لأن الأوضاع السياسية الآن (وهو المسؤول فيها عن البلد بعد إقالة حكومة النحاس (باشا) لا تسمح بمثل ذلك). ونزل الملك في ما علمنا على رأي حسنين، لكننا على ثقة بأن موضوع الطلاق سوف يطرح نفسه مرة أخرى، لأن الملكة فريدة لم تعد تطيق الحياة مع زوجها. وهو من ناحيته لا يمانع في طلاقها، معتبراً أنها لم تستطع أن تنجب له ولداً يخلفه على العرش. إن الملكة هائجةٌ على نحو خاص من غرام الملك بالنبيلة فاطمة طوسون، والعقبة أن فاطمة طوسون عليها أولاً أن تحصل على الطلاق من زوجها الأمير حسن طوسون، وعندما يطلق الملك زوجته فريدة، ويطلق حسن طوسون زوجته فاطمة فإن عمليات الطلاق المزدوجة سوف تخلق موقفاً شديد الحساسية"!
طلاق الملكة فريدة
لقد ظل فاروق يحب فريدة حتى النفس الأخير، لكن ذلك الحب لم يمنعه من أن يطلقها في 17 نوفمبر تشرين ثانٍ عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين. وكان الشهر المذكور شديد الدقة بالنسبة لأوضاع الجيش المصري في فلسطين، إذ كانت القوات الإسرائيلية قد استولت على تقاطع الطرق ما بين "مستعمرة نجبا" وحتى "مستعمرة نيتساليم"، وبذلك تمكنت من احتلال شمال النقب، وقسمت الجيش المصري إلى قسمين كل منهما معزول عن الآخر: المجموعة الضاربة التى يقودها القائمقام أحمد عبد العزيز وقيادتها في بيت لحم، والمجموعة الرئيسية التى يقودها اللواء أحمد محمد المواوي وقيادتها في المجدل على الطريق الساحلي
وكان ذلك هو الظرف الذي اختاره الملك فاروق لإتمام طلاقه من المرأة التي أحبها
والمدهش في الأمر أن الملكة فريدة أرادت أن تعرف السفارة البريطانية بالتفاصيل الدقيقة لما جرى معها ساعة الطلاق، وكانت الأميرة سميحة حسين ابنة السلطان حسين كامل، (ووالدة وحيد يسري (باشا)، هي التي دعت المستشار الشرقي في السفارة السير والتر سمارت لتنقل له على لسان الملكة تفاصيل ما وقع لها
وكتب السير والتر سمارت تقريراً عن لقائه الأميرة سميحة حسين، مشيراً إلى أن "سموّها" أبلغته بالتفاصيل نقلاً مباشراً عن الملكة فريدة
ونص التقرير (484/ 6/ 553) كما يلي:
"يوم 10 نوفمبر طلب نجيب سالم (باشا) مدير الخاصة الملكية مقابلة الملكة فريدة على وجه الاستعجال، وأبلغته باستعدادها لمقابلته على الفور في جناحها الخاص، وجاء نجيب (باشا) ومعه ظرف سلمه للملكة، وكانت فيه "ورقة طلاق"
قال لها نجيب سالم (باشا) إن "جلالة الملك" يعطيها مهلة شهر لكي تجد لنفسها مكاناً تقيم فيه وتخرج من القصر الملكي. وأبلغها أن الملك سوف يحتفظ بحضانة البنتين الأكبر (فريال وفوزية). لكن الأصغر وهي فادية ستظل في حضانتها هي حتى تبلغ سن التاسعة، وسوف تتكفل الخاصة الملكية بكل نفقاتها، وهذه النفقات تشمل كل ما هو لازمٌ لأميرة ملكية من الحضانة والتربية والتعليم والخدمة وهذه إضافة مستقلة عن التسوية المالية مع الملكة نفسها عقب الطلاق
وتنقل الأميرة سميحة حسين إلى السير والتر سمارت بالنص:
"إن الملكة فريدة شكرت نجيب سالم على إبلاغه بهذه الأخبار ولاحظت حرجه وهو يقوم بمهمته، ورجته هي إبلاغ الملك بأن يهتم برعاية "البنات" حتى لا يتحولن إلى "بغايا مثل عماتهن!" So they do not become prostitutes like their aunts
"خرج نجيب سالم (باشا) مهرولاً من جناح الملكة، لكن أنتوني بوللي (بك) مدير الشؤون الخاصة للملك ما لبث أن وصل إلى جناحها مهرولاً يقول إنه يريد جلالتها لكلمة واحدة"
وتنقل الأميرة سميحة حسين عن فريدة بالنص:
"قال بوللي إنه يحمل رسالةً ذات طابع سري من الملك، وهي أن جلالته يريد منها أن تسلم التاج الذي كان في عهدتها، وأن تسلم أيضاً كافة المجوهرات التي تلقتها منه عند الزواج أو في مناسبة الزواج، لأن تلك كلها متعلقات ملكية
وردت فريدة بأنها سوف تسلمه التاج الآن، على أنها تريد لفت نظره إلى أن هناك ماسة ضائعة فيه، وأنها تتكفل بشراء بديلة لها توضع مكانها. ثم قالت إنه بالنسبة للهدايا التي جاءتها من الملك عند الزواج أو في مناسبته فتلك أشياء تملكها هي الآن، وأبلغها بوللي أن جلالة الملك مصممٌ على طلبه، وقامت فريدة غاضبة وجاءته بكل ما كان عندها قائلة له "إنه عندما تهدأ أعصاب فاروق فإنها تريد أن تجلس معه على انفرادٍ لحديث طويل"
ذكرت الأميرة سميحة حسين "أن الملك فاروق كان قد أطلق اسم فريدة على "تفتيش زراعي" ملكه مساحته 1700 فدان، وسماه فعلاً باسم "الفريدية"، لكنه لم يتخذ بعد "الاسم" أية إجراءات، ومن الظاهر أن هذا التفتيش سوف يضيع على الملكة. كذلك أشارت الأميرة سميحة حسين إلى أن الملك كان قد أهدى إلى الملكة فريدة قصراً قدمه له ابن عمته محمد طاهر (باشا) وهو قصر الطاهرة، لكن فاروق لم ينقل "عقد الهبة" إلى فريدة، وظهر أن هدية ابن عمته له موثقة، وأما هديته إلى زوجته فقد كانت شفوية. وبذلك فإن الملكة سوف تخرج بأقل القليل بعد إتمام الطلاق"
وهكذا خرجت الصحف المصرية، وتناقلت عنها وسائل الإعلام العربية والأجنبية بلاغين صادرين عن ديوان حضرة صاحب الجلالة الملك:
البلاغ الأول يعلن طلاق الملك فاروق من الملكة فريدة، والسبب "أن حكمة الله وإرادته اقتضت وقوع الانفصال بين الزوجين الكريمين"
والبلاغ الثاني يعلن طلاق الأميرة فوزية من زوجها محمد رضا بهلوي شاه إيران، والسبب "ما ثبت من أن مناخ طهران لا يلائم صحة الأميرة المصرية التي تحملت ذلك المناخ حتى اعتلت صحتها، ولم يعد في مقدورها الاستمرار
المدهش أن أحد أسباب الطلاق في الحالتين واحد: عدم إنجاب ولي العهد
محاولة الملك فاروق إصدار فتوى بعدم زواج زوجته فريدة أسوة بالرسول
وفي اليوم التالي دعا مجلس البلاط إلى اجتماع عاجل لبحث مسألة طرأت للملك فاروق وهي ضرورة إصدار فتوى أو قرار شرعي يمنع الملكة فريدة من الزواج مرة أخرى في حياتها، ويجعل مثل هذا الزواج باطلاً مهما كانت ظروفه. وكان داعي الملك إلى هذا الطلب أنه سمع خبراًعن احتمال أن تتزوج فريدة من وحيد يسري (باشا)، وقد أراد أن يسبق احتمالات مثل هذا الزواج ويحول دونه
وحاول فاروق استصدار فتوى من شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي بتحريم الزواج على فريدة من بعده، لكن المراغي رفض الأمر لمخالفته الشريعة الإسلامية، وإن لم تتزوج فريدة من بعده بلا فتاوى
ملكة مصر تعيش على بيع لوحات ترسمها
بعد الطلاق، أخرجت فريدة طاقتها في الرسم بعد أن حُرِمَت من رؤية بناتها. وقد امتد ذلك الحرمان بعد الثورة حين رحلن مع أبيهن إلى المنفى
وبعد سنواتٍ طويلة أرسلت خطاباً إلى جمال عبد الناصر تستأذنه في السفر لرؤية بناتها، ووافق بخطاب يحمل توقيعه، لكن الخطابين حرقهما فيما بعد ميشيل أورلوف وهو نجل ابنتها فادية التي تزوجت من الروسي بيير أورلوف.. كما حرق جزءاً من مذكراتها وحمل ما تبقى منها إلى موسكو ليخفيها
وقد كتبت المذكرات باللغة الفرنسية وكشفت فيها عن رغبة عضو مجلس قيادة الثورة جمال سالم في الزواج منها، وعندما رفضت وضع ما تبقى من ممتلكاتها تحت الحراسة، فعاشت من بيع لوحاتها ومن نفحات المحسنين. وقبل أن ترحل بسنواتٍ قليلة أصبحت لها شقة صغيرة في حي المعادي منحتها لها الدولة، لكنها لم تعش فيها طويلاً، فقد ماتت بسرطان الدم..اللوكيميا