جارى العمل فى هذه الصفحة
*********************************************************************************************************
الجزء التالى للمؤرخ العلامة جــــواد عــلى فى موضع آخر من كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الثانية الجزء الثالث 1980م الفصل السابع والسبعون - اليهود والأسلام - ص 786 - 792 نقلنا هذه الصفحة بدون تغيير ولكننا وضعنا لكل فقرة عنوان
**********************************************************************************************************
بداية ألتصال باليهود هو بعد هجرة محمد ليثرب
ويتبين من القرآن الكريم، ان اتصال الرسول باليهود اتصالاً مباشراً إنما كان في يثرب. أما في مكة،فلم يكن لليهود فيها شأن يذكر، لذلك لا تجد في الايات المكّية ما نجده في الآيات المدنية،ولا سيما المتاًخر منها، من تقربع لليهود وتوبيخ لهم، لوقوفهم موقفاً معادياً من الإسلام، واتفاقهم مع المشركين في معارضة الرسول ومقاومته. وقد بدأ اليهود يعارضون الرسول والإسلام، حينما طلب اليهم الدخول في الإسلام والإبمان برسول اللّه، وحينما تبين لهم أن الأمر سيفلت من أيديهم، وأن الرسول ليس كبقية رجال قريش أو غير قريش سهل الانقياد مطواعاً لهم، وأن تعاليم الإسلام ستفسد العرب عليهم، ولا سيما بعد تحريم الربا. والربا مورد مهم كان يدر ربحاً عظيماً على يهود، لهذا وجدوا مصلحتهم في معارضته ومقاومته وفي الاتفاق مع المشركين عليه.
ويظهر أنه لم يكن لليهود نفوذ كبير ولا جاليات كبيرة في مكة. فلو كان لهم نفوذ فيها أو راي مسموع، لسمعنا به كما سمعنا بخبرهم في يثرب، ولكان لهم حيّ خاص بهم، ومكانة بين رجال قريش، كالذي كان عليه يهود يثرب في اتصالهم بالأوس والخزرج. ولأشير اليهم في السور المكية، على نحو ما أشير اليهم في السور المدنية، ثم لما ضطر رجال قريش للذهاب الي يثرب مراراً، لاستشارتهم في أمر سلوكهم مع المسلمين، ولما جاء سادات يهود يثرب إلى مكة، لتحريض اهلها على مقاومة الرسول، ولعقد حلف معهم عليه.
دخل محمد مع اليهود فى معاهدة
وقد أمل المسلمون ان يساعد اليهود الإسلام على الوثنية وان يقفوا منه موقف ود أو حياد، ذلك بأنهم أصحاب كتبُ منزلة ودين توحيد، والاسلام قريب منهم، وقد اعترف بالأديان السابقة له، ونزه الأنبياء والمرسلين، وهو دين توحيد كذلك. ثم إن الرسول تودد اليهم حين دخوله يثرب،وأمنهم على أموألهم وأنفسهم، وزارهم وطمأنهم، ثم تعاهد معهم في صحائف كتبت لهم، فيها العهد بالوفاء لما اشترط لهم، ما داموا موفين با الوعد وبالعهد وقد طلب إلى جميع المسلمين الوفاء بما جاء فيها، ومنعوا من التجاوز والتطاول على من في يثرب من يهود. وجعل لليهود نصيبأَ في المغنم إذا قاتلوا مع المسلمين كما شرط عليهم النفقة معهم في الحروب.
ولم تكن علاقات اليهود مع المسلمين سيئة في الأيام الأولى من مجيء الرسول إلى يثرب. رأت جمهرة يهود ان الإسلام دين اعترف بالأنبياء، وانه دين توحيد وانه في جملة أحكامه قريب من أحكام ديانتهم وقواعدهم،وانه يناهض الأوثان، وقد أشاد بفضل بني اسرائيل وبتفوقهم على غيرهم بظهور الأنبباء من بينهم، ثم إن قبلته إلى القدس، وقد تسامح معهم فأباح للمسلمين. طعام أهل الكتاب.
وهو دين اعترف بأبوة ابراهيم للعرب، وجعل سنته سنة له. وقد تسامح معهم وحفظ ذممهم، فلم ترَ في انتشاره بين أهل يثرب ما يضيرهم شيئاً أو يلحق بهم أذى، ولذلك أظهرت استعدادها لعقد حلف سياسى معه ووقوفها موقف ود منه أو موقف حياد على الأقل، على ألا يطلب منها تغيير دينها وتبديله والدخول في الاسلا م.
ولما دخل أهل يثرب في الإسلام أفواجاً، وتوجه المسلمون إلى اليهود يدعونهم إلى الدخول فيه والى مشاركتهم لهم في عقيدتهم باعتبار أنهم أهل دين يقول بالوحي ويؤمن بالتوراة، و برسالة الرسل،فهم لذلك أولى بقبول هذه الدعوة من الوثنيين، أدركت جمهرتهم ان الإسلام إذا ما استمر على هذا المنوال في المدينة من التوسع والانتشار ومن توجيه دعوته إلى اليهود أيضاً، فسيقضي على عقيدتهم التي ورثوها
أسباب عداء محمد لليهود
** ولما كانت عقيدة اليهود لا تعترف بقيام نبىّ من غير بني اسرائيل،
** ولا بكتب غير التوراة والكتب التي دونها علماؤهم،
** ثم هم يرون ان النبوة قد ختمت ولن يكون المسيح إلا منهم،
** فكيف يعتقدون بنبي عربي وهو من الأميين ?
وقد رفض اليهود الدخول في الإسلام، وأبوا تغيير دينهم، ودافعوا عن عقيدتهم وتمسكوا بها، ورفضوا التسليم بما جاء في رسالة الرسول من أن الرسول نبي أرسل للعالمين كافة وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن القرآن كتاب مصدق من الله، وأن أحكامه مؤيدة لما جاء في التوراة ناسخة لبعضها.
وقد جادلوا في ذلك، وانبرى أحبارهم للدفاع عن عقيدتهم ولمجادلة من يأتي اليهم من المسليمن لاقناعهم في الدخول في الإسلام. وفي القرأن الكريم صور من جدلهم هذا ومن محاجّتهم الرسول في دعوته، كما نجد مثل ذلك في الحديث النبوي وفي كتب السير.
ويتبين من نتائج دراسة صور هذا الجدل والخصام الذي وقع بين اليهود والمسلمين، وهو خصام مهم خطير، أن الخصومة كانت في مرحلتها الأولى رفض لدعوة الرسول إياهم للدخول في الإسلام، وتمسكأَ شديداً بعقيدته وبدينهم وبما ورد عندهم من أن النبوة قد بدأت وانتهت في بني اسرائيل، ثم تطورت واشتدت عنفاً وقوة لما تبين لهم أن الإسلام يرفض نظريتهم هذه، وأنه قد حرم أموراً ستؤثر في مستقبلهم، وقد ألف بين قلوب أهل يثرب وأوجد منهم كتلة واحدة، وأنه سيحدّ من سلطانهم لامحالة، وأن ملكهم سيزول، فوسعوا مقاومتهم، واتصلوا بمن وجدوا فيه حقداً وبغضاً للرسول، وبمن تأثر سلطانه بدخول الإسلام في يثرب من أهلها، ثم لما وجدوا أن كل ذلك غير كاف، تراسلوا مع أعداء الرسول في خارج يثرب من قريش. لتوحيد خططهم معهم، ولجملهم على مهاجمة المسلمين في مدينتهم ومعقلهم قبل أن يستفحل أمرهم ويقوى مركزهم،فيعجزون جميعاً هم وأهل مكة عن التغلب عليهم والقضاء على الإسلام.
وهكذا بدأت خصومة اليهود للاسلام خصومة فكرية، هم يرفضون الاعتراف بنبوة الرسول، وباًن دعوته موجهة إليهم، ويرفضون نبوة في غير بني اسرائيل، والرسول يدعوهم إلى الايمان بالله والى الدخول في دعوته المبنية على الايمان بالله رب العالمين، رب العرب وبني اسرائيل والعجم، وعلى الايمان بنبوته وبنبوة الأنبياء السابقين، ثم تطورت هذه الخصومة إلى معارك وحروب، والحروب كما نعلم تبدأ نزاعاً في الآراء وألأفكار ثم تتحول الى صراع ونزاع وقتال.
أشهر سادة اليهود الذين قاوموا محمد
ومن أشهر سادات يهود الذين وقفوا موقفاً معادياً من الرسول، وعارضوه معارضة شديدة، وصمموا على الايقاع به، حيي بن أخطب، وأخواه ياسر بن أخطب وجُدىَّ بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقق، وسلام بن الربيع بن أبي الحقيق، وهو أبو رافع الأعور الذي قتله أصحاب الرسول يخيبر، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وعمرو بن جحاش، وكعب بن الأشرف، والحجاح بن عمرو حليف كعب ين الأشرف، وكردم بن قيس حليف كعب بن الأشرف، وكل هؤلاء من بني النضير، وعبدالله بن صوري الأعور، وابن صلوبا، وهما من بني "ثعلبة بن الفطيون"، وزيد ابن اللعيث "اللعيب"، وسعد بن حنيف، ومحمود بن سيحان "سبحان"، وعزير بن أبي عزير، وعبدالله بن صيف "ضيف"، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشيع، ونعمان بن أضنا "أمنا ?"، وبحري ابن عمرو، وشاس بن عدي، وشاس بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان ابن عمرو، وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد، ونعمان بن أبي أوفى أبو أنس، ومحمود بن دحية، ومالك بن الصيف "الضيف"، وكعب بن راشد، وعازر، ورافع بن أبي رافع، وخالد، وإزار بن أبي إِزار "آزر بن أبي أزر"، ورافع بن حارثة، ورافع بن حريملة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وكل هؤلاء من يهود بني قينقاع.
الذين حاربوا المسلمين من بنى قريظة
أما الذين حاربوا الإسلام من بني قريظة، فكانوا: الزبير بن باطا بن وهب، وعزّال بن شمويل "سموال"، وكعب بن أسد، وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب، وشمويل بن زيد، ونافع بن أبي نافع، وأبونافع، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن رميلة "زميلة"، وجبل بن أبي قشير، ووهب بن يهوذا.
أما من بقية بطون يهود، فكانوا: لبيد بن أعصم،وهو من يهود بني زريق، وكنانة بن صورياء "صوريا"، وهو من بني حارثة، وفردم "قردم" بن عمرو، وهو من يهود بني عمرو بن عوف، وسلسلة بن برهام، وهو من يهود بني النجار.
ويظهر من أقوال علماء التفسير في تفسير لفظة "الطاغوت" الواردة في القرآن الكريم، أن "كعب بن الأشرف"، كان من أبرز سادات اليهود في أيام الرسول. فقد كانوا يتحاكمون اليه ويأخذون برأيه، وكان المقدم عندهم وعند الأوس والخزرج، حتى أن الأنصار كانوا يتحاكمون اليه.
أسئلة اليهود التى أحرجت محمد
ونجد في القرآن أمثلة من أسئلة وجهها اليهود إلى الرسول لاخراجه ولإظهار فساد دعوته بزعمهم. سألوه ان يأتي لهم بمعجزة،
** إِذ قالوا له: "إن الله عهد الينا ألا نؤمن لرسول حتى يؤتينا بقربان تأكله النار"،
فنزل الرد عليهم: ( قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم، فلِمَ قتلتموهم إن كنتم صادقين). "نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا، وفنحاص بن عازورا،
** وجماعة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: له: أتزعم أن الله أرسلك الينا، وأنه أنزل علينا كتاباً عهد الينا فيه ألا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار،فإذا جئنا به صدقناك، فأنزل الله هذه الآية".
** وسألوه "أن يصعد إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتاباً مكتوباً فيما يدعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة". وساًلوه أسئلة عن أشياء مذكورة في التوراة،
وسألوه عن أشياء أخرى محرجة عديدة،وأوحوا إلى غيرهم من المشركين باسئلة مماثلة ليلقوها على الرسول لامتحانه وإحراجه، وقد نزل الوحي بالرد، عليهم، وبتأنيهم على اقوالهم هذه،وبتذكيرهم بما قام به أجدادهم إوأسلافهنم في مقام أنبيائهم من عدم التصديق برسالتهم ومن الطعن بهم ومن إصرارهم على عبادة الأوثان والكفر بالتوحيد.
أبو بكر يضرب يهودى لأنه أفحمه بالرغم من العهد
ووقع جدل بين المسلمين وبين سادات يهود، أثار نزاعاً بين الطرفين. دخل أبو بكر " بيت المدراس، فوجد من يهود ناساً كثيراً قد اجتمع إلى رجل منهم يقال له "فنحاص" كان من علمائهم وأحبارهم ومعه حير يقال له: أشيع. فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فوالله انك لتعلم ان محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والانجيل. قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وانه الينا لفقير، وما نتضرع اليه، كما يتضرع الينا وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا، كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنياً عنا ما اعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال:. والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك ". ووقع مثل ذلك في مناسبات أخرى، جعل اليهود يحقدون على المسلمين.
وعمد اليهود إلى استغلال الأحقاد والبغضاء الكمينة التي كانت كامنة في نفوس اهل يثرب من الأوس والخزرج من ايام الجاهلية، فأثاروها، كما استفادوا ممن كان بينهم وبين رجال من المسلمين من الحلف والجوار في الجاهلية للاحتماء بهم وللاتقاء بهم مما قد يلحق بهم من أذى في اثارة الفتنة.
وفي عهد "عمر" أمر بإجلاء اليهود ممن لم يكن لديهم عهد من رسول الله.
أما من كان له عهد منه، فقد بقي في وطنه وعلى دينه بالشروط التي ذكرت في الصحف. وقد كان في يثرب نفر من اليهود عاشوا فيها في زمن الرسول حتى بعد اجلاء بني النضير وبني قريظة وبعد غزوة خيبر. وقد ورد في رواية أن النبي لمّا أمر أصحابه بالتهيؤ لغزوة خيبر، شقّ ذلك على من بقي بالمدينة من يهود. ولما مرض عبدالله بن أبي، كان اليهود في جملة من التفّ حول سريره في مرضه الذي هلك فيه، ثم كانوا في جملة من شيعه إلى قبره ومن نثر التراب على رأسه حزناً على فراقه. وقد بقيت اسر يهودية في وادي القرى وفي تيماء قروناً عديدة بعد صدور أمر عمر بالإجلاء، بل ورد ان عدداً منهم عاش في المدينة أيضأَ.
. وقد كانت اليهودية قانعة بما أوتيت، وبما كسبته من مواطن وتجارة، إن وجدت سبيلاً إلى اقناع سادات القبائل والأمراء والملوك بالتهود وبالدخول في دعوتها، فذلك خير وتوفيق. وإن لم تجد في هؤلأء ميلاً إلى اليهودية، رضيت منهم باكتساب العطف والحماية ورعايتهم في تحصيل ديونهم والأرباح التي يحصلون عليها من الربا، وبالسماح لهم بالتجارة والبيع والشراء، وهو ما يصبو اليه كل يهو دي.
لا يوجد تبشير باليهودية لأنهم ديانة أسرية
لذلك نستطيع ان نقول ان اليهودية كانت من ناحية التبشير عند ظهور الإسلام جامدة خامدة، لا يهمها نشر الدين بقدر ما تهمها المحافظة على الحياة وعلى المركز الذي توصلت اليه وعلى تجارتها التي تعود عليها بمال غزير. فكانت لهذا لا تهتم بحركة إلا إذا وجدت فيها فائدة لها، ومنفعة ترتجى منها، ولا تحارب رأياً إلا إذا وجدت انه سيكون خطراَ عليها،
اليهود يعادون المسيحية
فحاربت النصرانية في اليمن لمّا وجدت الروم يسيرون على سياسة معادية لليهود، وان النصرانية مهما كانت كنيستها هي فرع من شجرة واحدة هي الشجرة التي يقدسها الروم، فامتداد اي فرع منها إلى اليمن، كفيل بالحاق الأذى الذي لاقاه اخوانهم من البيزنطين بهم. وحاربت الإسلام بعد هجرة الرسول إلى المدبنة، لمّا تبين لها انه يدعو إلى رب العالمين، وانه لم يكن على ما ظنته حينما سمعت بدعوة الرسول وهو في مكة، من انه سيخضع لها، أو سيميل اليها، فتستفيد منه على الأقل، فلما وجدت الأمر غير ما ظنت، عندئذ خاصمته وانضمت إلى المشركين في محاربة الإسلام.
ولسنا نجد بين القبائل العربية يهوداً وفدوا اليها وأحباراً سكنوا بينها لاقناعها بمختلف الوسائل والطرق للدخول في دين يهود. نعم لم يفعل اليهود هذا كمافعله ألنصارى، ولهذا انحصرت سكنى اليهود عند ظهور الإسلام في هذه المواضع الخصبة وطرق المواصلات والتجارة البرية والبحرية من جزيرة العرب، وانحصر عملهم في التجارة وفي الربا وفي الزراعة وفي بعض الصناعات التي تخصصوا بها.
وهي أمور جعلت لهم نفوذاً عند سادات القبائل والأمراء والملوك.
كنيس اليهود
وقد كانت لليهود مواضع يتدارس فيها رجال دينهم أحكام شريعتهم، وأيامهم الماضية، وأخبار الرسل والأنبياء، وما جاء في التوراة والمشنا، وغير ذلك. عرفت بين الجاهليين ب "المدراس" و "بيت المدراس" "والمدراش". وأطلق الجاهليون على الموضع الذي يتعبد اليهود فيه "الكنيس" و "كنيسة اليهود" تمييزاً لهذه الكنيسة عن "الكنيسة" التي هي لفظة خاصة بموضع عبادة النصارى. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الكنيسة كلمة معربة من "كنشت" وهي لليهود، والبيعة للنصارى. وذهب بعض آخر إلى أنها متعبد الكفّار مطلقاً. وقد أخذ الجاهليون مصطلح "المدراس" من العبرانيين، من لفظة "مدراش" Midrash التي هي من أصل "درش"Darash التي تقابل "درس" في العربية، وتؤدي هذه الكلمة المعنى المفهوم من لفظة "درس" العربية تمام الأداء. ويقصد بالمدراش درس نصوص التوراة وشرحها وتفسيرها وإيضاح الغامض منها وأسرارها وامثال ذلك، وينهض بذلك المفسر الشارح "درشن" Darshan، ولكل طريقة واسلوب. وقد نجمت عن هذه الدراسة ثروة أدبية ودينية طائلة للعبرانيين. نتجت من اتباع جملة طرق في الشرح والتفسير، منها "مدراش هلاخه" Midrash Halachah و "مدراش هاكاده " Midrash، Haggadah، وتختلف هذه في كيفية اتباع طرق العرض والشرح والتفسير.
ولم يكن المدراس "المدراش" موضع عبادة وصلوات حسب، بل كان إلى ذلك دار ندوة ليهود يجتمعون فيه في أوقات فراغهم لاستئناس بعضهم ببعض وللبحث في شؤونهم، وللبت في القضايا الجسيمة الخطرة على اختلاف درجاتها.
فهو اذن مجمع الأحبار ومجمع الرؤساء والسادات وأصحاب الشرف فيهم، واليه كان يقصد الجاهليون حين يريدون أمراً من الأمور أو الاستفهام عن شيء يريدون الوقوف عليه، والية ذهب الرسول وكبار المسلمين لمحادثة يهود ومجادلتم فيما كان يحدث بينهم من خلاف أو من أمر يريدون البت فيه. ويقال انهم عرضوا أمام الرسول كتبهم، فكان يقرأها له بعضهم ممن دخل في الإسلام كعبدالله بن سلام أو بعض المسلمين ممن كان له علم وفهم في العبرانية لغة يهود.
اليهودى أخطأ لأن أبراهيم لم يكن يهودياً أليهودية جاءت بعد ابراهيم
قال "ابن عباس": "دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن سرو، والحارث بن زبد: على أي دين أنت يا محمد ? فقال على ملة ابراهيم ودينه. فقالا: فإن ابراهيم كان يهودياً. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلموا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأبوا عليه". ويظهر ان هذا المدراس كان من بيوت مدراسهم بيثرب.
وعرفت مساجد اليهود، أي المواضع التي كان يصلّون بها، بالمحاريب جمع محراب. وقد جاءت الاشارة اليها في بيت شعر منسوب إلى "قيس بن الخطيم". أما في النصرانية، فقد خصصت الكلمة بصدر الكنائس، وذلك على ما يفهم من الكلمة في الإسلام.
الأحبار والربانيين
وعرف علماء اليهود ورجال دينهم ب "الأحبار" جمع "الحبر" وب "الربانيين" وقد وردت الكلمتان في القرآن الكريم". وللاسلاميين آراء في أصل "الحبر"، وهم يذكرون أن من معانيها العالم، والرجل الصالح. واللفظة من الألفاظ المعرية عن العبرانية أصلها "حبر" Haber وجمعها حبريم Habarim، ومعناها "الرفيق" Camrade و associate، وكانت ذات مدلول خاص ومعنى معين. وقد أطلقت في العهد التلمودي على العضوية في جمعية معينة، فاًطلقت في العصر الأول والثاني للميلاد على من كان من "الفروشيم"، وهم شيعة يهودية أقسمت على نفسها بمراعاة النصوص الدينية "اللاوية" على نحو ما نزلت وعلى نحو ما يفعله اللاويون.
وللفظة "حبر" أهمية كبيرة عند اليهود، فإنها تشير إلى العلم والمعرفة، وان كانت لا تصل إلى درجة "رابي" "ربي" Rabbi. ولا تزال مستعملة عندهم فيمن درس الشريعة اليهودية والعلوم الشرعية وتقدم فيها وأتقن الأحكام، وقضى بين الناس، غير أنها دون درجة Rabbi. فهي في العبرانية بمعنى عالم ولكن دون المعنى المفهوم في العربية عند علماء اللغة الاسلاميين، فهذا المعنى هو في مقابل لفظة Rabbi أي "ربّان" لا "حبر".
وقد وردت لفظة "حبر" في شعر للشماخ: كما خطّ عبرانية بـيمـينـه بتيماء حبر ثم عرض أسطرا
أما "الربانيون"، فهم العلماء بالحلال والحرام والأمر والنهي، على رأي بعض العلماء الاسلاميين. وقال بعض آخر: الربّان العالم الراسخ. في العلم والدين، أو العالم العامل المعلّم، أو العالي الدرجة في العلم. وفرّق بعضهم بين الربانيون وبين الأحبار باًن جعل الأحبار أهل المعرفة بأنباء الأمم وبما كان ويكون، وذهبوا إلى انها من الألفاظ المعربة العبرانية أو السريانية. وهي من الألفاط التي وردت في القرآن الكريم في اثناء الكلام على علماء يهود.
ويتبين من القرآن الكَريم انه قد كان للأحبار والربّانيين نفوذ عظيم على ا اليهود، فكانوا يطيعون أوامرهم ويفعلون ما يأمرونهم به، وان غالبيتهم لم تكن تفقه شيئاً ولا تعرف من أحكام دينها إلا ما يقوله لهم اولئك الأحبار. وبعض هؤلاء الأحبار هم من المقيمين في جزيرة العرب في المواطن التي أقامت فيها يهود،. وبعض منهم كان ياًتي إلى يهود العرب من. فلسطين: ولا سيما من "طبرية" التي اكتسبت شهرة عظيمة بعد خراب القدس "اورشليم" حيث استقر فيها "السنهدريم" وغدت مركراٌ عظيماً للعلوم عند اليهود، وفيها جمعت "المشنه" "المشنا" Mishna و "الماسورة" الكتاب الذي يبين كيفية تحريك كلمات التوراة.
وقد ذكر أهل الأخبار أسماء عدد من رجال يهود ممن أدركوا الإسلام، ذكر عنهم انهم كانوا أحباراً، وانهم كانوا أصحاب علم بالتوراة وبكتب الأنبياء.
وفي مقدمة من ذكروا، عبدالله بن صوري الأعور، قالوا:.انه لم يكن بالحجاز في زمانه من كان أعلم بالتوراة منه، وانه كان من بني ثعلبة بن الفطيون. ويقولون: إن الفطيون كلمة تقال لمن يلي امر اليهود وملكهم، كما ان النجاشي تقال لمن يلي ملك الحبشة.
وذكر "القلقشندي" أن المشهور من ألقاب أرباب الوظائف عند اليهود ثلاثة ألقاب: الأول الرئيس، وهو القائم فيهم مقام البطرك في النصارى، والثاني الحزّان، وهو فيهم بمثابة الخطيب يصعد المنير ويعظهم، والثالث الشَّيلحصبور، وهو الإمام الذي يصلي بهم.
التوراة والزبور ,اهل الكتاب
وقد أطلق القرآن الكريم على أسفار اليهود، أي كتبهم المقدسة "التوراة".
وعرفت بهذه التسمية في الحديث وفي كتب التفسير، وصارت علماً لها في الإسلام. كذلك أطلقت هذه اللفظة على معابد اليهود، ولم يعرف ورودها في الشعر الجاهلي خلا بيتاً ينسب إلى شاعر جاهلي يهودي اسمه "سماك".
ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في أصل كلمة "التوراة"، حتى ذهب بعضهم إلى أنها عربية. ولكن ذوي اكثريتهم ترى أنها عبرانية، لأن لغة موسى كانت العبرانية، وبهذه اللغة نزلت التوراة. ثم هم يختلفون في تعيين حدود التوراة، فيرى بعضهم أنها خمسة أسفار، ويرى بعض آخر أنها أكثر من ذلك، وأنها تشمل الزبور ونبوة أشعيا وسائر النبوات، لا يستثنى إلا" الأناجبل.
وليس في القرآن الكريم تحديد لإسفار التوراة، ولكن اقتران لسم موسى بها في بعض الموارد منه يشير إلى ان المراد بها ما يقال له ب "الأسفار الخمسة" Pentateuch عند الغربيين. وهذه الأسفار الخمسة هي الأسفار المُنزلة المكتوبة التي نزلت على موسى على رأي قدماء العبرانيين. ثم توسعوا في مدلول اللفظة فيما بعد، فاًطلقوها على جميع الأسفار التي يقال لها العهد القديم. وأطلقتها بعض الفرق على غيرها من الأسفار مثل الأنبياء "نبيم" Nebiim، والكتب "كتوبيم" Kettubim.
وقد أورد القرآن في مخاطبة يهود وتقريعهم قصصاً عن الأنبياء والمرسلين والأمم القديمة، منه ما هو مذكور عندهم في الأسفار الخمسة،ومنه ما هو وارد عندهم في "الهكاده" وفي "المشنه". ولما كان في احتكاك الإسلام بيهود كان لأول مرة في منطقة يثرب، صارت معظم الاشارات الواردة في القرآن الكريم إلى التوراة في السور المدنية لمخاطبة الوحي لهم، وتوجيه الكلام مباشرة اليهم، ولم ترد تلك التسمية في الايات المكية إلا في موضع واحد هو في سورة الأعراف.
والمراد من "الكتاب" الذي أنزل على موسى، والمذكور في مواضع من القرآن الكريم التوراة، أي هذه الأسفار الخمسة التي نتحدث عنها. وهو تعبير قرآني لا نستطيع أن نقول إنه كان من مصطلحات الجاهليين، كما أننا لا نستطيع نفي ذلك، إذ يجوز أن يكون الجاهليون. قد أطلقوه على تلك الأسفإر، أو على العهد القديم كله، بمعنى هذه الأسفار وبقية مما ورد فيها من أخبار الأيام والملوك و الأنبياء.
وقد ورد في الأخبار عن "أبي هريرة"، أنه "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله".
وقصد بعبارة أهل الكتاب، اليهود، لأنهم أصحاب كتاب موسى، وبينهم كان نزوله، ولذلك عرفوا به. ويظهر من خبر أبي هريرة هذا ومن أخبار أخرى في هذا المعنى ان اليهود كانوا يقرؤون على المسلمين كتبهم وهي بالعبرانية، ثم يفسرونها لهم بالعربية، وذلك في أيام حياة الرسول.
اما الزبور والزبر، فقد وردتا في القرآن الكريم. ويراد ب "الزبر" في بعض الآيات مثل: )وانه لفيُ زبر الأولين( الكتب المُنزلة القديمة. وقد وردت الكلمتان في بعض الشعر المنسوب إلى الجاهليين كامرىء القيس والمرقش الأكبر وأمية بن أبي الصلت. وذكر علماء اللغة ان معنى زبر كتب ونقش. ويرى بعض المستشرقين احتمال.كونها من الكلمات العربية الجنوبية. ويرى بعض آخر إنها من أصل "مزمور" Mazmor العبراني. و "مزمور"Mazmor في اللهجة السريانية، و "مزمور" Mazmur في الحبشية. أخذت الكلمة وأجري عليها بعض التغيير حتى صارت على هذا الشكل.
وقد وردت لفظة "الزبور" مفردة في موضعين من القرآن الكريم، في سورة النساء وفي سورة الأنبياء. أما في الموضع الأول، فقّد ورد فيه: )وآتينا داوود زبوراً (، ومعنى هذا أن زبوراً أو كتاباً من الكتب المنزلة نزل على داوود. أما الموضع الثاني، فقد أشير فيه إلى "زبور" معرف بأداة التعريف "ال": )ولقَد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون(. ولكن لم يضف إلى اسم نبي من الأنبياء، كما رأينا في الموضع السابق. وفد فسر بعض المفسرين كلمة "الزبور" في هذا الموضع بمعنى الكتاب وكتب الله المنزلة، أي على التعميم لا التخصيص.
ويراد بالزبور ما يقال له "المزامير" في الترجمات العربية للتوراة، و Psalms في الانكليزية، من أصل Psalmos اليونانية التي هي ترجمة لفظة "مزمور" Mizmor العبرانية، ومعناها المدائح والأناشيد. وهي أناشيد شعرية تُرَنّم في حمد الإله وتمجيده، ولذلك قيل لهذه المزامير "تحلّيم". tehillim في العبرانية. وtillim على سبيل الاختصار، و tillin في لهجة بني إرم.
وقد "قال أبو هريرة: الزبور ما أنزل على داوود، من بعد الذكر من بعد التوراة". وذكر بعض العلماء ان الزبور خص بالكتاب المنزل على داوود. وقد ذهب الشعبي إلى ان الزبور، الكتاب المنزل على داوود، أما الذكر فما نزل على موسى. وذهب آخرون مذاهب أخرى في تفسير المراد من الزبور ومن الذكر. ولكن الرأي الغالب ان المراد من الزبور، مزامير داوود. وذلك لنص القرآن على ذلك.
وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود اختلاف بين بني اسرائيل في فهم كتاب اللّه وتفسيره، وأنهم انقسموا لذلك شيعاً وأحزاباً. ولا يستبعد أن يكون هذا الاختلاف شاملاً ليهود الحجاز أيضاً، كأن يكون أحبارهم قد ساروا في اتجاهات مختلفة في التفاسير وفي شرح الأحكام وكان أصحابهم يتعصبون لهم ويتحزبون، على نمط الأعراب في عصبيتهم لقبائلهم، وفي اتباع أقوال ساداتهم دون تعقل وتفكير. أما مواضع الاختلاف ومواطن الفرقة التي كانت تفرق فيما بينهم، فلا نعرف اليوم من أمرها شيئاً، لأنها لم تدون ولم تذكر، ولم يشر القرآن اليها، ولكنها على كل لا تخرج ولا شك عما نعرفه من خلاف في أوجه النظر في المسائل المعروفة حتى اليوم في أمور الفروع.
ونحن لا نستطيع أن نتصور أن سواد يهود الجاهلية كانوا على علم بالكتابة وبالقراءة ثم بأحوال دينهم وأموره. وفي القرآن الكريم أن هذا السواد كان جاهلا ليس له علم ولا خبر باًمور دينه وشريعته، وأنه مقلد تابع لما يقوله له أحباره وربّانيوه. فكل ما كانوا يقولونه له، كانوا يرونه حقاً وعلماً. مع ان من بين أولئك من كان دجّالاً ليس على درجة من دراية وعلم، ومن كان ينطق بالباطل ولا يخشى الكذب، لينال بذلك كسباً ومالاً، وأنه كان لهؤلاء على أتباعهم ومقلّديهم سلطان عظيم.
أبن خلدون وموضوع اليهود العرب
وقد تعرض "ابن خلدون" لموضوع علم اليهود العرب وثقافتهم، فقال: "ذا تشوقت العرب إلى معرفة شيء مما تتشوق اليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبد الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يساًلون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم. وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى.
وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية.
فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك". فغالبية يهود جزيرة العرب في الجاهلية، هم في مستوى، يعد،دون مستوى يهود البلاد الأخرى، بسبب تبدّيهم وانقطاعهم عن غيرهم من اليهود.
وقد كانت لليهود مدارس تدارسوا فيها أحكام شريعتهم، وكان لهم أحبار وحاخامون علموهم أمور دينهم. ذكر أهل الأخبار انهم كانوا يكتبون بالعرانية أو بالسريانية، وذلك لاختلاف أهل الأخبار في تعيين تلك اللغة، وعدم تمكنهم من التمييز بينهما. وفي كتب الأخبار والتواريخ اشارات إلى اتصال بعض رجال مكة ويثرب باليهود والاستفسار منهم عن أمور الرسل والأنبياء و الماضين وعن بعض الأحكام. وفيها قصص اسرائيلي وجد له سبيلاً الىالعربية، يرويه القصاصون عن الرسل والاْنبياء، وأساطير لا يشك في كونها اسرائيلية الأصل. كما نجدألفاظاً عبرانية لاشك في أصلها وجدت لها سبيلاً إلى عربية الجاهليين بسبب اتصال اليهود بهم، واستعمالهم اياها، فتأثر بهم الجاهليون وأخذوها منهم واستعملوها أيضاً فصارت من المعربات.
وينسب إلى الشاعر "الأسود بن يعفر" بيت شعر هو: سُطورُ يهوديين في مهرقيهمـا مُجيدين من تيماء أو أهل مدين
واذا صحت نسبة هذا البيت اليه، يكون قد تعرف على يهوديين اثنين، وجدهما يجيدان الكتابة، وقد كتبا على المهارق. ولم يكن الشاعر على علم أكيد بموطنهما، فلم يدرِ اذا كانا من أهل تيماء أو من أهل مدين.
ولتعبير "مجيدين" أهمية خاصة، إذ يشير إلى تمييزه بين الكتابة الجيدة والكتابة الرديئة، والى وجود مصطلح "مجيد" عند الجاهليين، يطلقونه كما نطلقه اليوم على من يجيد الكتابة ويتقنها.
اليهود العرب واللغة العبرانية
ولما كانت اللغة العبرانية لغة الدين عند العبرانيين، وبها نزل الوحي على موسى، فلا بد أن يكون لعلمائهم ورجال دينهم في جزبرة العرب علم بتلك اللغة وفقه بها. ولكن هذا لا يعني ضرورة كونهم كعلماء طبرية أو قيصرية في فلسطين أو بعض المواضع التي اشتهرت بعلمائها في التلمود"بالعراق، ولست أستبعد أن يكون لهم علم بلغة بني إرم أيضاً، لأن هذه اللغة كما نعلم كانت لغة العلم والثقافة قبل الميلاد وبعده، وبها كتبت كتب عدة من التلمودين، ثم إنها انتشرت بين سواد الناس حتى صارت لغة سواد يهود يتكلمون بها ولو برطانة وبلهجة خاصة هي اللهجة التي يمتاز بها سواد اليهود في كل قطر يعيشون فيه.
أما سواد يهود جزيرة العرب في الجاهلية: فلا أظن أنهم كانوا يتكلمون العبرانية أو لغة بني إرم، إنما أرى أنهم كانواّ يتكلمون لهجة من هذه اللهجات العربية. اًعني لهجة العرب الذين كانوا يعيشون بينهم وينزلون بين أظهرهم، ولم يرد في الأخبار ما يفيد أنهم كانوا يتحادثون بالعبرانية، بل الذي ورد أن عامتهم لم تكن تعرف تلك اللغة، وأن الخاصة منهم والمزاولين لحرفة الكتابة والسحر كانوا يعرفونها ويكتبون بها، وبها يعوذون أنفسهم وغيرهم من الناس. وكانوا يفسرون التوَراة والتلمود والكتب المقدسة لسواد الناس من العبرانية إلى العريية،لأنهم لم يكونوا يعرفون العبرانية، لا سيما وقد كان بينهم عرب متهودة. ولم يظهر في يهود جزيرة العرب من حاز على شهرة في العلم والفقه والتأليف والخطابة على نحو ما ظهر بين يهود العراق أو فلسطين أو مصر، وإلا لاشتهر أمره وذاع خبره، كما ذاع خبر علماء يهود بابل وفلسطين ومصر. ولا يمكن ان تكون عزلتهم عن بقية يهود الأقطار المذكورة سبباً كافياً في تعليل عدم شيوع اسم أحد من هؤلاء، إن قضية عزلتهم عن بقية اخوانهم في الدين، هي نفسها تحتاج إلى سند يثبت وجود تلك العزلة. فمواضعهم في أعالي الحجاز، على اتصال ببلاد الشام، وهي لا تبعد كثيراً عن مساكن اخوانهم في فلسطين. ثم انهم كانوا على اتصال مستمر بهم بالتجارة، وقد كانوا يشترون حاصل بلاد الشام من خمور وحبوب وما شاكل ذلك، وينقلونه إلى يثرب، يذهبون اليها للتعامل والاتجار، فكيف يكون يهود جزيرة العرب في معزل عن غيرهم مع وجود الأسفار والتجارة لا سيما ان احبار "طبرية" كانوا ياتون إلى يهود اليمن ليلقنوهم أمور الدين، ولا يستبعد ان يكون من بين اولئك الأحبار من ذهب إلى يهود يثرب أو خيبر أو تيماء.
فالقضية على ما يظهر، ليست قضية عزلة يهود جزيرة العرب عن بقية يهود وانفصالهم بذلك ثقافيأَ وعلمياً عن بني دينهم انفصالاً يؤثر في مستواهم الثقافي والعلمي، فيجعلهم دون غيرهم من اخوانهم في العلم والثقافة، انما يظهر ان هنالك جملة عوامل حالت دون نبوغ أحد فيهم. فيهود جزيرة العرب مهما قيل عنهم وعن رقيهم وارتفاع مستواهم عن مستوى من كان في جوارهم، لم يكونوا في ثقافتهم وفي مستواهم إلاجتماعي أرقى من الفلاحين وسكان القرى وما اليها في العراق او فلسطين أو مصر، كما ان حالتهم المادية لم تكن على مستوى عالٍ بحيث يمكن ان تقاس بالأحوال المادية التي كان عليها اليهود الآخرين في الأرضين المشار اليها، أو أصحاب تلك الأرضين من غير يهود. ثم ان عددهم مهما قيل فيه، لم يكن كبيراً. وقد رأينا ان رجالهم المحاربين لم يكونوا يتجاوزون كلهم في الحجاز كله بضعة آلاف، وفي مثل هذا العدد والظروف والأحوال لا يمكن بالطبع ان تتوفر الامكانيات المساعدة على البحث والتتبع والتعمق في العلم.
اليهود والسحر
وقد عرف يهود يثرب بمعرفتهم السحر والاتقاء منه، وبعلمهم بالتعاويذ، فكان المشركون يلجؤون اليهم إذا احتاجوا إلى السحر أو اذا اعترضتهم مشكلات يرون أنها لا تحل إلا بقراءة التعاويذ عليها. وقد ذكر المفسرون أن اليهود عملوا السحر للنبى، عمله رجل اسمه "لبيد بن الأعصم" أو بناته وهو من يهود يثرب.
وقد اشير إلى سحر اليهود في الحديث.
وقد لجأ العرب إلى اليهود يأخذون منهم الرقى والتعاويذ. فقد ورد في الأخبار"أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال ابو بكر: أرقيها بكتاب الله. يعني: بالتوراة والانجبل 000"
اليهود وحرمة السبت
وقد حافظ يهود جزيرة العرب على حرمة السبت، ويوم السبت من الأيام المقدسة التي يجب مراعاة حرمتها مراعاة تامة، فلا يجوز ليهودي الاشتغال فيه، والقيام ببعض الأعمال. ومن خالف حرمة هذا اليوم ودنسه بالإشتغال فيه يكون قد ارتكب جرماً عظيماً.
وقد وردت إشارات إلى يوم السبت في مواضع من القرآن الكريم، في معرض الكلام على بني اسرائيل، واشير في بعضها إلى أخذ موسى العهد منهم بوجوب مراعاة حرمة هذا اليوم، والى نقضهم له وعدم مراعاتهم جميعاً لهذا العهد، والى أنهم اعتدوا فيه. وفي هذه الإشارات دلالة على أن من اليهود عامة من خالف حرمة هذا اليوم، فلم ينفذ ما ورد في أحكام شريعته عنه. ولكن هذا عام غير خاص بيهود العرب الجاهليين، وإنما يشير إلى خروج بعض بني اسرائيل على أحكام دينهم وعدم مراعاتهم لها، وهذا اليوم من أقدس الأيام في نظرهم.
أحكام الدين اليهودى
وقد وقف العرب الذين كانوا على اتصال باليهود على بعض أحكام دينهم مثل: الرجم بالنسبة للزنا، واعتزال النساء في المحيض. فذكر العلماء ان حكم الإسلام في الحيض " اقتصاد بين افراط اليهود الاخذين في ذلك باخراجهن من البيوت، وتفريط النصارى. فانهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض"، ومثل الدعاء إلى الصلاة عند اليهود بالنفخ في "الشبور"، وذلك كما تحدثت عنه في موضع آخر، ومثل صوم "عاشوراء" وأعيادهم، ومثل الصلاة وأوقاتهم عندهم.
واستعمل يهود يثرب "القرن" في معابدهم، لاعلان صلواتهم وأعيادهم واعلان احتفالاتهم والحوادث المهمة التي قد تقع لهم. وقد كانوا يستعملون آلتين، يقال لاحداهما ال "شوفار" Shophar ومعناها القرن، ويقال للاخرى القرن، وتصنع من القرون كذلك. ولذلك اختلط الاْمر بينهما. والظاهر انهما كانتا تختلفان في نوع قرون الحيوانات التي تتخذان منها.
اليهود يسدلون شعورهم ومحمد يسدل شعره
وقد اختلف يهود جزيرة العرب عن الجاهليين في الأمور التي حرمتها شريعتهم عليهم في مثل المأكولات، كما اختلفوا عنهم في عبادتهم وفي اعتقادهم بوجود إلهَ واحد، هو "إله اسرائيل"، وفي أمور عقائدية أخرى، واختلفوا عنهم في بعض العادات والمظإهر الخارجية، فكان اليهود مثلاً يسدلون شعورهم، اًما المشركون فكانوا يفرقون رؤوسهم. ورد عن ابن عباس: "أن النبي، صلى الله م عليه وسلم، كان يسدل شعره وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي،صلى الله عليه وسلم،رأسه". ولا يستبعد اختلافهم عنهم في لبس بعض الملابس التي لم تكن مألوفة عند الجاهليين. وقد ظهر بين اليهود شعراء، نظموا الشعر بالعربية وعلى طريقة العرب في. نظم الشعر. منهم السموأل المشهور، و "كعب بن الأشرف" وسمّاك اليهودي، وسأتكلم عنهم في أثناء حديثي عن الشعر.
عدد قليل يسلم من اليهود
لم يسلم من يهود في ايام الرسول غير عدد قليل من المتبينين منهم. مثل: عبدالله بن سلام، ولم يتعاون معه غير عدد قليل منهم مثل يامين بن عمير بن كعب النضري، ويامين بن يامين الاسرائيلي، ومخيريق، وكان رجلاً غنياً صاحب نخيل، وهو أحد بني ثعلبة بن الفطيون، حث قومه على مساعدة الرسول ومعاونته في غزوة أحد. وكان الرسول قد طلب مساعدتهم لوجود صحيفة بينه وبينهم. فلما اعتذروا له بالسبت، خالفهم مخيريق قائلاً لهم: لا سبت لكم، وقاتل معه حتى قتل، فقال الرسول: مخيريق خير اليهود. وقد وصف بالعلم، وذكر انه كان حبراً عالماً فيهم. آمن بالرسول وجعل ماله له، وهو سبعة حوائط فجعلها الرسول صدقة.
أما عبدالله بن سلام، فكان يدعى، وهو في يهوديته، الحصين بن سلام بن الحارث. وسلام اسم والده. فلما أسلم سمّاه رسول الله "عبدالله"، وهو من بني قينقاع، أسلم والرسول في مكة لم يهاجر بعد، وذلك في رواية من الروايات. وأسلم بعد الهجرة على أكثر الروايات. ذكر انه كان شريفاً في قومه، سيداً، صاحب نسب وحسب، وانه كان حبراً عالمأَ. فلما أسلم، نبذه قومه، وتحدثوا فيه. وقد نزلت فيه بضع آيات.
كعب الأحبار اليهودى الذى اسلم وله احاديث
أما أنه كان حبراً من الأحبار، عالماً في شريعتهم، فلا يمكن البت فيه، فقد جرت عادة أهل الأخبار على إطلاق كلمة "الحبر" على نفر ممن أسلم من يهود في أيام الرسول، كما أطلقت على نفر ممن أسلم بعده، مثل كعب الذي عرف بكعب الأحبار. ولا يمكن في نظري البت في درجات علم أمثال هؤلاء وفي مقدار فهمهم للتوراة ولكتب يهود إلا بجمع ما نسب اليهم من قول،ودراسته. عندثذ نستطيع أن نحكم على علمهم إن كان لهم علم بأحكام ديانة يهود وبالعالم وبها كان يتدارسه علماء ذلك العهد. ورأيي أن هذه الدرجات إنما منحها لهم بعض ذوي ا القلوب الطيبة من المسلمين الأولين، لما رأوه فيهم، ولما سمعوه منهم من أقوال نسبوها إلى الأنبياء والعلماء والى كتب الله القديمة، ولم يكن لهم بطبيعة الحال علم بها، لعدم وقوفهم على ما كان يتداوله الأحبار، فعجبوا من علمهم هذا، ومن إحاطتهم بأحوال الماضين، فعدّوهم أحباراً لهم في قومهم علم ورأي. وقد تساهل بعضهم في ذلك لظنه أن في منح هؤلاء أمثال هذه النعوت مما يفيد الإسلام، إذ يعني هذا تقدير أولئك الأحبار أصحاب العلم الأول له، وان تقديرهم هذا شهادة مزكية له. وقد يكون لهم نصيب أيضاً في منحهم هذه الدرجة لأنفسهم للتباهي وللتصدر بذلك بين المسلمين.
وقد نسب أهل الأخبار أقوالاً لابن سلام، نجد بعضها في كتب التفسير والحديث، ونجد بعضها في كتب السير و الأخبار. لبعضها طابع إسرائيلي، فهو من القصص المعروفة بالإسرائيليات، ولبعضها طابع الأقاصيص،. قد يكون "ابن سلام" صاحبها ومرجعها، وقد يكون غيره قد نسبها اليه.
وقد كان له ابنان، هما يوسف ومحمد، رويا عنه الحديث. وقد كنّي بأسم ولده يوسف، فعرف بأبي يوسف. ويعد يوسف من الصحابة، وله حديث عن الرسول، ويقال إن الرسول هو الذي سماه يوسفَ، وقيل ليست له صحبة. وقد روى عن جماعة من الصحابة.
وقد أسلم يامين بن يامين الاسرائيلي، على أثر إسلام عبدالله بن سلامْ.
وأما يامين بن عمير بن كعب، أبو كعب النضري، فهو من بني النضير. وقد ساعد اثنين من فقراء أصحاب رسول الله على تجهيزهما بشيء من التمر ليتمكنا بذلك من الالتحاق بالجيش الذي سار في السنة التاسعة من الهجرة لغزوة تبوك. أسلم فأحرز ماله من بني النضير، ولم يحرز ماله من بني النضير غيره وغير أبي سعيد بن عمرو بن وهب، فأحرزا أموالهما. وذكر أن النبي قال ليامين: ألم ترَ إلى ابن عمك عمرو بن جحاش وما همّ به من قتلي ? وكان أراد أن يلقي على النبى رحى فيقتله. فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله.
وكان فيمن أسلم من بني قريظة "كعب بن سليم القرظي"، وهو من سبيهم فيَ الإسلام، ويعد في الصحابة، ولكن لا تعرف له رواية، وهو والد محمد بن كعب القرظي المعروف بروايته عن أحداث يهود مع النبي، وعن بعض أخبار بني اسرائيل. وله روايات في حديث الرسول عن بعض الصحابة، ويعد من التابعين. يقال: انه ولد في حياة الرسول، وتوفي ما بين سنة ثمان ومئة وسنة عشرين ومئة. وقد عدّه علماء الحديث في طبقة الثقات الورعين.
وفيمن أسلم من يهود بني قريظة رفاعة القرظي،وهو رفاعة بن سموأل "سموال"، وقيل: رفاعة بن رفاعة القرظي من بني قريظة، وهو خال صفية زوجة النبي، لأن أمها برة بنت سموأل "سموال"، أما أبوها، فهو "حيى بن أخطب" من رؤساء يهود، وكان من كبار المعارضين له، وهو من بني النضير.
ويعدّ "زيد بن سَعٌية" "سعنة" في طبقة الصحابة، ويقال انه كان أحد أحبار اليهود الذين أسلموا، وانه كان أكثرهم علماً ومالاً، وقد شهد مع النبي مشاهد كثيرة، وتوفي في غزوة تبوك مقبلاً إلى المدينة.
ويعدّ "عطية القرظي" من الصحابة كذلك، كان صغيراً حين غزا النبي بني قريظة، ولذلك لم يقتل، فاسلم، وصحب النبي.
ولم يظهر من يهود اليمن في الإسلام ممن عرفوا برواية الإسرائيليات سوى رجلين، هما: كعب الأحبار، ووهب بن منبه. فأما كعب الأحبار، فقد ادرك زمن الرسول، غيرأنه لم يره، ولم يدخل في الإسلام إِلا في ايام أبي بكر أو عمر، وهو أبو اسحاق كعب بن ماتع بن هينوع "هيسوع"، وقد عرف بين المسلمين بكعب الأحبار وبكعب الحبر من باب التعظيم والتقدير لعلمه. وقد أتاه هذا اللقب من علمه بالشريعة وبكتب الأنبياء وباخبار الماضين، وهو علم لا نستطيع أن نحكم على درجته ومقدار بعده أو قربه من العلم الذي كان منتشراً بين أحبار ذلك العهد ما لم نقف على الأقوال الصحيحة التي صدرت عن ذلك الحبر. أما هذا المروي عنه والمذكور في تفسير الطبري وفي تاًريخه وفي كتب من كان يعنى بجمع القصص ولا سيما قصص الرسل والأنبياء،فليس في استطاعتنا التصديق بأنه كله صادر من فم كعب، إذ يجوز أن يكون من رواية أناس آخرين ثم حمل على كعب.
أحاديث كعب الأحبار اليهودى الذى اسلم
ولم ينسب أحد إلى كعب مؤلفاً،وكل ما نسب اليه فهو مما ورد عنه بالمشافهة والسماع. وهو بين صحيح بمكن أن يكون قد صدر منه، وبين مشكوك في أمره وضع عليه، وفيه ما هو اسرائيلي صحيح، أي انه مما هو وارد في التوراة أو في التلمود أو في الكتب الاسرائيلية الأخرى وفيه ما هو قصص اسرائيلي نصراني، وما هو محض افتعال وخلط. وبالجملة، إن هذا الوارد عنه يصلح أن يكون موضوعاً لدراسة، لمعرفة أصوله وموارده والمنابع التي أخذت منه. وعندئذ يمكن الحكم على درجة أصله ونسبه في علم بني اسرائيل، وامكان صدوره من كعب أو من غيره، ومقدار علم كعب ووقوفه على الإسرائيليات.
وأما وهب بن منبه، فيعدّ من التابعين، ويعد مرجعاً مهما في القصص الاسرائيلية ويقال انه حصل على علمه من كتب الأولين، وإن أخاً له كان يذهب إلى الشام للتجارة فيشتري له الكتب ليطالعها، وانه كان على علم غزير بأحوال الماضين، وكان ملماً بجملة لغات. وإذ كان وهب من المتأخرين وكان نشاطه في الحركة الفكرية في الإسلام لا في الجاهلية، لم نجعل له في هذا الموضع مكاناً، انما مكانه في الأجزاء المتعاقبة بتأريخ الإسلام.
هذه قصهْ يهود جزيرة العرب قبل الإسلام، قصة لا تستند إلى مؤلفات تأريخية كتبت في تلك الأيام، ولا إلى نصوص جاهلية عربية أو أعجمية لها علاقة بيهود كتبت في ذلك العهد، ولكن استند، في أكثر ما حكيناه،إلى موارد اسلامية، ذكرتهم وأشارت اليهم لمناسبة ما وقع بينهم وبين الرسول من خلاف، وقد ورد شيء كثير بحقهم في القرآن الكريم وفي الحديث وفي الأخبار ولا سيما اخبار الغزوات، يتعلق معظمه بأمر الخصومة التي وقعت بينهم وبين النبي عند قدومه يثرب، فهو لا صلة له لذلك إلا بما له علاقة بهذه الناحية. وما ورد عنهم إذن هو من مورد واحد وطرف واحد. أما الطرف الثاني من أصحاب العلاقة بهذا التأريخ والشأن، وأعني بهم اليهود، فلا صوت لهم فيه، ولا رأي. فلم تصل الينا منهم كتابة ما عنهم في علاقتهم بالاسلام. كذلك لم تصل الينا كتابة أو رواية أو خبر عن أولئك اليهود في الموارد التأريخية التي دونها غيرهم من مؤرخي يهود وكتابهم عن علاقة يهود جزيرة العرب بالاسلام، وعن اجلاء يهود الحجاز من مواضعهم إلى بلاد الشام، لافي العربية ولا في العبرانية ولا في بقية اللغات، مع ما لهذا الحادث من خطر في تأريخ اليهود في جزيرة العرب. ولعل الأيام تكشف لنا عن موارد في العبرانية أو في لغة بني إرم تذكر أحوال يهود جزيرة العرب قبل الإسلام وعند ظهوره، وتكشف عن اثار يهود في المواضع التي كانوا يسكنونها في الحجاز، فتبتّ في أمور كثيرة عن حياة هؤلاء. وليس احتمال عثورنا على مثل هذه الاثار ببعيد، فلا بد ان يعثر حجر من الحجارة المكتوبة التي توضع فوق القبور، فنعرف منه ما لغة الكتابة التي كان يستعملها أولئلك اليهود، أهي العبرانية، أو العربية، أو لغة بني إرم، أو أبجدية من الأبجديات المشتقة من القلم المسند ? وقد يعثر على نصوص أطول من هذه النصوص التي توضع على القبور، تكشف النقاب عن أمور أخرى مهمة تفيدنا في معرفة أحوال اليهود ببلاد العرب قبل الإسلام.
وما دمنا لا نملك نصوصاً يهودية جاهلية، ولا نصوصاً عربية جاهلية تتعرض ليهود، فليس في وسعنا إذن أن نتحدث باطمئنان عن أثر اليهود في الجاهليين أو أثر الجاهليين في اليهود. لقد تحدث عدد من المستشرقين عن أثر اليهود في الجاهليين، فزعموا أن لليهود أثراَ عميقاً فيهم، فالختان مثلاً هو أثر من آثار يهود في العرب، وشعائر الحج عند الوثنيين أكثرها هي من اسرائيل، فالطواف حول البيت يرجع أصله إلى بني اسرائبل، ذلك أن قدماءهم كانوا يطوفون حول خيمة الإلَه "يهوه" إله اسرائيل ومنهم تعلمه الجاهليون واتبعوه في طوافهم بالبيت. والاجازة بعرفة يهودية كذلك، لأن الذي كان يجيز الحجاج بعرفة فيأمر الحجيج بالرمي بعد أن يلاحظ الشمس، وقت الغروب يعرف ب "صوفة"، وصرفة تسمية عبرانية لها علاقة وصلة بهذه الوظيفة وظيفة مراقبة غروب الشمس وتثبيت وقته، فالإجازة اذن عبرانية الأصل. و "منى" صنم من أصنام اسرائيل،ووادي منى على اسم هذا الصنم الإسرائيلي، وأسماء أيام الاسبوع هي تسميات أخذت من يهود، ولفظة "المدينة" التي تطلق على يثرب، أطلقها اليهود على هذا الموضع قبل الإسلام، وقد أخذوها من الإرمية، لتميز هذا المكان عن "وادي القرى". وأشياء أخرى عديدة من هذا القبيل.
وقد غالى بعض اليهود في تقدير يهود جزيرة العرب، فذهب إلى أن أولئك اليهود جلهم إن لم يكونوا كلهم كانوا يحسنون قراءة الكتاب المقدس، بدليل اطلاق القرآن الكريم عليهم "أهل الكتاب". وقد فاته أن عبارة "أهل انكتاب" لا "تعني أهل الكتابة، بمعنى أنهم كانوا أصحاب علم بالكتابة، وإنما المراد من ذلك أهل كتاب منزل سماويّ. ويدخل في ذلك النصارى أيضاً لوجود كتاب سماوي لديهم كذلك هو الانجيل. وقد رأيت أن القرآن الكريم قد وصف بعضى الأحبار بالعلم، كما رمى أكثرهم بالجهل. أما السواد الأعظم منهم، فقد جعلهم عامةً تتبع أقوال رجالها، فلا علم لها ولا معرفة بأمور الماضين أو الحاضرين.
وأنا لا أريد هنا أن أجادل في نفي هذه الأمور، أو اثباتها، فأخذ الشعوب واقتباسها بعضها عن بعض، من القضايا التي لا يمكن أن ينكرها إلا المعاندون الجاهلون المتعصبون. وقد رأيت ان ابن الكلبي وغيره من قدامى الأخباريين قد أشاروا إلى أن أصل بعض الأصنام عند العرب هو من الشمال،استورد في مناسبات أشاروا اليها، كما أن التنقيبات الأثرية قد أثبتت وجود صلات فكرية بين جزيرة العرب وبين العالم الخارجي، وأن ما يزعمه القائلون بعزلة الجاهليين عن بقية العالم هو هراء لا يستند إلى دليل. ولكني في هذه الأمور من الحذرين. أكره الجزم في بشيء من غير برهان قاطع ودليل محسوس. فكلام أهل الأخبار، أكثره مما لا يمكن الاعتماد عليه، وقد رأينا طبيعة أكثره ونوعه. ثم إن الكثير مما له علاقهّ بيهود وبالدين هو مما أخذ من أهل الكتاب في الإسلام أو من أفواه مسلمة أهل الكتاب. فهو متأخر عن الجاهلية، فلا يمكن أن يشمل الجاهليين من اهل الكتاب ومن وثننين. وعلينا الان التمييز بين هذا الذي أدخل بين العرب بعد أيام الجاهلية وبين ذلك الذي كان معروفاً عند الجاهليين وقد ورد عنهم، وذلك لنتمكن من ابداء رأي في هذه القضايا المعقدة.
ثم إن العرب كانوا شعباً سامياً، كاليهود في اصطلاح العلم،وتشترك البطون السامية في كثير من أصول التفكير والعقيدة، ومعنى هذا ان ما تجده عند يهود قد يكون عند العرب وعند غيرهم ممن يدخلهم المستشرقون في هذه الزمرة. فلم كل شيء ليهود، ونحكم على ان الجاهليين قد أخذوه منهم، ولا نقول إن هذا من فلك التراث القديم الموروث ? أنا لا أقول ذلك متأثراً.بدافع من للعصبية، انما أقول ذلك لأني أدين بفكرة هي ان الاستعجال في اصدار الأحكام بغير دليل خطأ فاحش لا يجوز لانسان يشعر بانسانيته اًن يوقع نفسه فيه.
هذا ولا بد بالطبع من ان يتأثر الجاهليون المجاورون لليهود بعض للتأثر بهم، بأن يأخذوا منهم بعض الأشياء ويتعلموا منهم بعض الأشياء التي تنقصهم. والتي هم في حاجة ماسة اليها. فذلك أمر لا بد منه. بهما ولا بد وان يكون اليهود قد اقتبسوا أشياء من جيرانهم العرب، وعملوا على محاكاتهم في حيانهم الاجتماعية، لاسيما ويينهم يهود من أصول عربية.