***************************************************************************************************************
هذا الفصل للمؤرخ العلامة جــــواد عــلى فى موضع آخر من كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الثانية الجزء الثالث 1980م الفصل التاسع والستون - الاصنام
ملاحظة من الموقع : لم نضيف أى كلمة وقد وضعنا عناويين لكل فقرة فقط للتسهيل على القارئ والباحث الدارس
***************************************************************************************************************
مناة
ويعد الصنم مناة أقدم الأصنام عند الأخباريين. وهو من الأصنام المذكورة في القرآن الكريم: ) أ فرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى (. وهذه الأصنام الثلاثة هي إناث في نظر الجاهليين.
وموضع مناة بالمشلل على سبعة أميال من المدينة، وبقديد بين مكة والمدينة، وقيل أيضاً انه بموضع "ودان" أو في موضع قريب منه. وذكر اليعقوبي ان مناة كان منصوباً بفدك مما يلي ساحل البحرْ. والرأي الغالب بين أهل الأخبار انه كان على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد. وذكر "محمد بن حبيب" أنه كان بسيف البحر وكانت الأنصار وأزد شنؤة وغيرهم من الأزد تتعبد له. واًما سدنته، فهم "الغطاريف" من الأزد. وذكر أن تلبيته كانت على هذه الصورة: "لبيك اللهم لبيك،.لولا ان بكراً دونك، يبرك الناس ويهجرونك، و ما زال حج عثج يأتونك. أنا على عدوائهم من دونك".
معبد "مناة"
وتسكت أكثر روايات أهل الأخبار عن معبد "مناة" فلم تذكر شيئاً عنه، ولكن "الطبري" يشير في تفسيره إلى أنه كان بيتاً بالمشلل، وهو كلام منطقي معقول، إذ لا يعقل أن يكون هذا الصنم، مجرد صخرة أو صنم قائم في العراء تعبث به الرياح والشمس،.ثم ان له سدنة، ولا يعقل أن تكون لصنم سدنة، ثم لا يكون له بيت يؤويه. ولست أستبعد أن يكون له، "جب" يلقي المؤمنون فيه هداياهم ونذورهم. وذكر "الطبري" أيضاً أن معبده كان في "قديد". وأما عبدته، فخزاعة، وبنو كعب.
والأخباريون على خلاف فيما بينهم على هيأة "مناة" وشكله، منهم من يقول إن مناة صخرة، سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها، أي تراق. ومنهم من يقول إنه صنم كان منصوباً على ساحل البحر، فهو على هيأة تمثال، وقد نحت من حجارة، وجعله بعض الرواة في الكعبة مع بقية الأصنامْ.
و الذين يذكرون أن مناة صخرة، يرون أن اناس كانوا يذبحون عندها فتمنى دماء النسائك عندها، أي تراق، فهي إذن، وبهذا الوصف مذبح تراق عنده الذبائح الذي تقدم نسيكة للالهة. ويذكرون أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك " كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها. ويتبين من ذلك ان هذا الموضع كان مكاناً مقدساً، وقد خصص بإلهه ينشر السحب ويرسل الرياح فتأتي بالأمطار لتغيث الناس، وان لهذا الإلهَ صلة بالبحر وبالماء، ولذلك أقيم معبده على ساحل البحر قد تكون هذه الصخرة مذبحاً أقيم عند الصنم، أو عند معبده لتذبح عليه ما يهل للصنم، فسمي باسمه، ولذاك يمكن التوفيق بن الرأيين: كونه صخرة، وكونه صنماً.
مناة صنم عند الأوس والخزرج
ويظهر من أقوال ابن الكلبي ان هذا الصنم كان معظماً، خاصة عند الأوس والخزرج، أي أهل يثرب ومن كان يأخذ مأخذهم من عرب المدينة والأزد وغسان "فكانوا يحجون ويقفون مع الناس.المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوا منآة وحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماماً إلا بذلك. ولكن القبائل العربية الأخرى كانت تعظمه كذلك، وفي جملتها قريش وهذيل وخزاعة. وأزد شنؤة، وغيرهم من الأزد. وقيل ثقيف أيضاَ، وذكرت رواية أخرى ان العرب جميعاً كانت تعظمه وتذبح حوله. أما سدنته، فالغطاريف من الأزدْ.
وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمون مناة، ويهلون منها للحج إلى الكعبة.
فمناة اذن من الأصنام المعظمة المقدسة عند "الخزرج". وكانوا يحلفون بها ويقفون عندها. وفي ذلك ورد شعر ينسب إلى عبد العزى بن وديعة المُزني أو غيره من العرب: إني حلفت يمين صدق برة بمناة عند محل آل ألخزرج
فالمحل الذي يقف فيه "آل الخزرج"، هو المحل الذي يحلف به أمام مناة. وكان العرب في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعاً: الخزرج، ولذلك يقول الشاعر في بيته: "عند محل آل الخزرج".
وترجع بعض الروايات تاريخ مناة إلى "عمرو بن لحي" فتزعم أنه هو الذي نصبه على ساحل البحر مما يلي قديداً. وقد أخذت من الرواية التي ترجع أساس عبادة الأصنام وانتشارها بين العرب إلى ذلك الرجل.
وكان المتعبدون لهذا الصنم يقصدونه، فيذبحون حوله، ويهدون له. ويظهر من روايات ابن الكلبي عن هذا الصنم، أنه.كان من الأصنام المعظمة المحترمة عند جميع العرب. وقد قصد ابن الكلبي بعبارة: "وكانت العرب جميعا ًتعظمه وتذبح حوله" عرب الحجاز على ما اعتقد. وكان سدنته يجنون من سدانتهم له أرباحاً حسنة من هذه الهدايا التي تقدم إلى معبده باسمه.
سدنة مناة
وقد بقي سدنة هذا الصنم يرتزقَون باسمه، إلى أن كان عام الفتح، فانقطع رزقهم بهدمه وبانقطاع سدانته. فلما سار الرسول في سنة ثمان للهجرة، وهي عام للفتح اربع أو خمس ليال من المدينة، بعث عليا اليه، فهدمه وأخذ ما كان له، فأقبل به إلى النبي، "فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما له، أحدهما: يسمى مخذماً، والآخر رسوباً. وهما سيفا الحارث اللذان ذكرهما علقمة في بيته: مظاهر سربالي حديد عليهما عقيلاً سيوف: منخم ورسوب
فوهبهما النبي لعليّ، فيقال: إن ذا الفقار، سيف علي أحدهما. ويقال: إن علياً وجد هذين السيفين في الفلس" وهو صنم طيء، حيث بعثه النبي فهدمه.
وفي رواية للواقدي أن الذي هدم الصنم هو سعد بن زيد الأشهلي، هدمه سنة ثمان للهجرة. وفي رواية أخرى ان الذي هدم الصنم هو أبو سفيان.
وقد كانت القبائل تتجنب ان تجعل ظهورها على "مناة" إعظاماً للصنم، ولذلك كانت تنحرف في سيرها، حيث لا يكون الصنم إلى ظهرهاْ. وفي ذلك قال الكميت بن زيد الشاعر، أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة وقد آلت قبائل لا تولي مناة ظهورها متحرِّفينا
الأسماء المركبة التى تحتوى على أسم مناة
ويظهر من ورود اسم هذا الصنم في القران الكريم ومن انتشار التسمية به في مثل عبد مناة وعبدة مناةوزيد مناة وعوذ مناة وسعد مناة و اوس مناة بين القبائل المختلفة مثل طيء وكنانة. ان عبادة مناة كانت منتشرة انتشارا واسعا بين القبائل ولهذه الكلمات المتقدمة على كلمة مناة شأن كبير في وصف الصورة التي كانت مخيلة عبدة مناة عنه اذ تمثله الهاً كريما يسعد عباده ويساعدهم في المكاره والملمات ويعطيهم ما يحتاجون اليه.
شيوع عبادة الصنم مناة
والصنم مناة هو منوتن ومنوت Manavat عند النبط ويظن ان لاسمه صلة بمناة Menata في لهجة بني ارم ومنا 'Mana في العبرانية وجميعها مانوت منوت Manot وباسم الالهة منى Meni بكلمة منية وجمعها منايا في عربية القرآن الكريم وهي لذلك تمثل الحظوظ والاماني وخاصة الموت ولهذا ذهب بعض الباحثين الى ان هذه الالهة هي الهة المنية والمنايا عند الجاهليين.
الصنم جد
وقد ذكر منى Meni مع جد Gad في العهد القديم والظاهر ان كلمة جد كانت مصدرا ثم صارت اسم علم لصنم وذكر منى مع جد له شأن كبير من حيث معرفة الصنمين فالاول هو معرفة المستقبل وما يكتبه القدر للانسان من مناية ومخبآت لا تكون في مصلحة الإنسان والثاني وهو جد لمعرفة المستقبل الطيب والحظ السعيد t yche fortune في اليونانية فهما يمثلان اذا جهنين متضادتين.