الجزء التالى ن السيرة
النبوية لابن هشام أبي محمد عبدالملك بن هشام أبي محمد عبدالملك بن هشام بن أيوب
الحميري المعافري البصري المتوفي عام 213 الموافق لعام 828 م ستة مجلدات - الجزء الثانى - 22 / 116
أول من جهر بالقرآن
عبدالله بن مسعود و ما ناله من قريش في سبيل جهره بالقرآن
قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير ، عن أبيه ، قال : كان
أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبدالله ابن مسعود
رضي الله عنه ، قال : اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقالوا : والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجُهر لها به قط ، فمن رجل
يُسمعهموه ؟ فقال عبدالله بن مسعود : أنا ؛ قالوا : إنا نخشاهم
عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه ؛ قال : دعوني
فإن الله سيمنعني .
قال : فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى ، وقريش في أنديتها ، حتى
قام عند المقام ثم قرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) رافعا بها
صوته ( الرحمن علم القرآن ) قال : ثم استقبلها يقرؤها . قال
: فتأملوه فجعلوا يقولون : ماذا قال ابن أم عبد ؟ قال : ثم
قالوا : إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد ، فقاموا إليه ، فجعلوا يضربون في
وجهه ، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ .
ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليك
؛ فقال : ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن ، ولئن شئتم لأغادينهم
بمثلها غدا ؛ قالوا : لا ، حسبك ، قد أسمعتهم ما يكرهون .
قصة استماع قريش إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم
أبو سفيان و أبو جهل و الأخنس ، و حديث استماعهم للرسول صلى الله عليه و سلم
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث : أن أبا
سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ،
حليف بني زهرة ، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو
يصلي من الليل في بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان
صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . فجمعهم الطريق ،
فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في
نفسه شيئا ، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم
إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . فجمعهم الطريق
، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت
الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر
تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود
: فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا .
ذهاب الأخنس إلى أبي سفيان يستفهم عما سمعه
فلما اصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ، فقال
: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : يا أبا
ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت
معناها ، ولا ما يراد بها ؛ قال الأخنس : وأنا والذي حلفتَ به كذلك .
ذهاب الأخنس إلى أبي جهل يسأله عن
معنى ما سمع
قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه بيته ، فقال : يا
أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ماذا سمعت ، تنازعنا
نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ،
حتى إذا تجاذبنا على الركب ، وكنا كفرسَيْ رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه
الوحي من السماء ؛ فمتى ندرك مثل هذه ، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه .
قال : فقام عنه الأخنس وتركه .
تعنت قريش عند سماعهم القرآن وما نزل فيهم
قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عله وسلم إذا تلا عليهم القرآن ،
ودعاهم إلى الله ، قالوا يهزءون به : ( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه
) لا نفقه ما تقول ( وفي آذاننا وقر ) لا نسمع ما تقول ( ومن
بيننا وبينك حجاب ) قد حال بيننا وبينك ( فاعمل ) بما أنت عليه
( إننا عاملون ) بما نحن عليه ، إنا لا نفقه عنك شيئا ، فأنزل الله
تعالى عليه في ذلك من قولهم : ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين
الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) ... إلى قوله (
وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) : أي كيف فهموا
توحيدك ربك إن كنت جعلت على قلوبهم أكنة ، و في آذانهم وقرا ، وبينك وبينهم
حجابا بزعمهم ؛ أي إني لم أفعل ذلك . ( نحن أعلم بما يستعمون به ، إذ
يستمعون إليك ، وإذ هم نجوى ، إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا
) : أي ذلك ما تواصوا به من ترك ما بعثتك به إليهم . ( انظر
كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) : أي أخطئوا المثل
الذي ضربوا لك ، فلا يصيبون به هدى ، ولا يعتدل لهم فيه قول ( وقالوا أءذا
كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) : أي قد جئت تخبرنا أنا
سنُبعث بعد موتنا إذا كنا عظاما ورفاتا ، وذلك ما لا يكون . ( قل كونوا
حجارة أو حديدا ، أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا ، قل الذي
فطركم أول مرة ) : أي الذي خلقكم مما تعرفون ، فليس خَلْقكم من تراب
بأعز من ذلك عليه .
قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي
الله عنهما ، قال : سألته عن قول الله تعالى : ( أو خلقا مما يكبر
في صدوركم ) ما الذي أراد الله به ؟ فقال : الموت .======================================================================