Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - coptic history

بقلم عزت اندراوس

تاريخ مكـــــــة

  هناك فى صفحة خاصة أسمها صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات وصمم الموقع ليصل إلى 30000 موضوع مختلف فإذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس لتطلع على ما تحب قرائته فستجد الكثير هناك

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

لم ننتهى من وضع كل الأبحاث التاريخية عن هذا الموضوع والمواضيع الأخرى لهذا نرجوا من السادة القراء زيارة موقعنا من حين لآخر - والسايت تراجع بالحذف والإضافة من حين لآخر - نرجوا من السادة القراء تحميل هذا الموقع على سى دى والإحتفاظ به لأننا سنرفعه من النت عندما يكتمل

Hit Counter

 

الفصل الثاني والأربعون لكتاب المؤرخ العلامة جــــواد عــلى " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام "
مكة المكرمة
ومكة بلد في واد غير ذي زرع، تشرف عليها جبال جُرد، فتزيد في قسوة مناخها. ليس بها ماء، غير ماء زمزم، وهي بئر محفورة، وآبار أخرى مجة حفرها أصحاب البيوت، أما مياه جارية وعيون غزيرة، على ما نرى في أماكن أخرى، فليس لها وجود بهذا المعنى هناك. وكل ما كان يحدث نزول سيول، قد تكون ثقيلة قوية، تهبط عليها من شعاب الهضاب والجبال، فتنزل بها أضراراً فادحة وخسائر كبيرة، وقد تصل إلى الحرم فمؤثر فيه، وقد تسقط البيوت، فتكون السيول نقمة، لا رحمة تسعف وتغيث أهل البيت الحرام.
لذلك لم تصلح أرض مكة لأن تكون أرضاً ذات نخيل وزرع وحَب، فاضطر سكانها إلى استيراد ما يحتاجون إليه من الأطراف والخارج، وأن يكتفوا في حياتهم بالتعيش مما يكسبونه من الحجاج، وأن يضيفوا إلى ذلك تجارة تسعفهم وتغنيهم، وتضمن لهم معاشهم، وأماناً وسلماً يحفظ لهم حياتهم، فلا يطمع فيهم طامع، ولا ينغص عيشهم منغص. "وإذ قال ابراهيم: ربّ اجل هذا بلداً آمناً، وارزق أهله من الثمرات...".
ويعود الفضل في بقاء مكة وبقاء أهلها بها إلى موقعها الجغرافي، فهي عقدة تتجمع بها القوافل التي ترد من العربية الجنوبية تريد بلاد الشام، أو القادمة من بلاد الشام تريد العربية الجنوبية، والتي كان لا بد من أن تستريح في هذا المكان، لينفض رجالها عن أنفسهم غبار السفر، وليتزودوا ما فيه من رزق. ثم ما لبث أهلها أن اقتبسوا من رجال القوافل سرّ السفر وفائدته، فسافروا أنفسهم على هيأة قوافل، تتولى نقل التجارة لأهلا مكة وللتجار الآخرين من أهل اليمن ومن أهل بلاد الشام. فلما كان القرن السادس للميلاد، احتكر تجار مكة التجارة في العربية الغربية، وسيطروا على حركة النقل في الطرق المهمة التي تربط اليمن ببلاد الشام وبالعراق.
وللبيت فضل كبير على أهل مكة، وبفضله يقصدها الناس من كل أنحاء العالم حتى اليوم للحج إليه. وقد عرف البيت ب "الكعبة" لأنه مكعب على خلقة الكعب. ويقال له: "البيت العتيق" و "قادس" و "بادر"، وعرفت الكعبة ب "القرية القديمة" كذلك.
وبمكة جبل يطل عليها، يقال له جبل: "أبو قبيس"، ذكر بعض أهل الأخبار انهُ سمي "أبا قبيس" برجل حداد لأنه أول من بنى فيه. وكان يسمى "الأمين" لأن الركن كان مستودعاً فيه. وأمامه جبل آخر؛ وبين الجبلين وادٍ، فيه نمت مكة ونبتت. فصارت محصورة بين سلسلتين من مرتفعات.
وقد سكن الناس جبل "أبي قبيس" قبل سكنهم بطحاء مكة، وذلك لأنه موضع مرتفع ولا خطر على من يسكنه من اغراق السيول له. وقد سكنته "بنو جرهم"، ويذكر أهل الأخبار انه إنما سُمّي "قبيساً" ب "قبيس بن شالخ" رجل من جرهم. كان في أيام "عمرو بن مضاض".
ويظهر انه كان من المواضع المقدسة عند الجاهليين، فقد كان نُسّاك مكة وزهادها ومن يتحنف ويتحنث ويترهب من أهلها في الجاهلية يصعده ويعتكف فيه. ولعله كان مقام الطبقة المترفة الغنية من أهل مكة قبل نزوح "قريش" إلى الوادي، وسكنها المسجد الحرام المحيط بالبيت.
ويظهر من سكوت أهل الأخبار عن الإشارة إلى وجود أُطم أو حصون في مكة للدفاع عنها، إن هذه المدينة الآمنة لم تكن ذات حصون وبروج ولا سور يقيها من احتمال غزو الأعراب أو أي عدو لها. ويظهر إن ذلك إنما كان بسبب إن مكة لم تكن قبل أيام "قصيّ" في هذا الوادي الذي يتمركزه "البيت"، بل كانت على المرتفعات المشرفة عليه.
اما الوادي، فكان حرماً آمناً يغطيه الشجر الذي انبتته السيول ورعته الطبيعة بعنايتها، ولم يكن ذا سور ولا سكن ثابت متصل بالأرض ؛ بل كان سكن من يأوي إليه بيوت الخيام. واما أهل المرتفعات فكانوا، إذا داهمهم عدو أو جاءهم غزو، اعتصموا برؤوس المرتفعات المشرفة على الدروب، وقاوموا العدو والغزو منها، وبذلك يصير من الصعب على من يطمع فيهم الوصول اليهم، ويضطر عندئذ إلى ا التراجع عنهم، فحمتهم الطبيعة بنفسها ورعتهم بهذه الرؤوس الجبلية التي أقامتها على مشارف الأودية والطرق. فلما أسكن "قصي" أهل الوادي في بيوت ثابتة مبنية، وجاء ببعض من كان يسكن الظواهر لنزول الوادي، بقي من فضّل السكن في ظواهر مكة، أي على المرتفعات. يقوم بمهمة حماية نفسه وحماية أهل البطحاء من تلك المرتفعات، وهم الذين عرفوا بقريش الظواهر. فلم تعد لأهل مكة سكان الوادي ثمة حاجة إلى اتخاذ الأطم والحصون، وبناء سور يحمي المدينة من الغزو، لا سيما والمدينة نفسها حرم آمن وفي حماية البيت ورعايته. وقد أكد "قصي" على أهلها لزوم إقراء الضيف ورعاية الغريب والابتعاد عن القتال وحل المشكلات حلاً بالتي هي أحسن. كما نظم أمور الحج، وجعل الحجاج يقدون إلى مكة، للحج وللاتجار. ثم أكد من جاء بعده من سادة قريش هذه السياسة التي افادت البلد الآمن، وأمنت له رزقه رغداً.
ولم يرد اسم "مكة" في نص الملك "نبونيد" ملك بابل، ذلك النص الذي سرد الملك فيه أسماء المواضع التي خضعت لجيوشه، ووصل هو إليها في الحجاز فكانت "يثرب" آخر مكان وصل إليه حكمه في العربية الغربية على ما يبدو من النص.
ولم نتمكن من الحصول على اسم "مكة" من الكتابات الجاهلية حتى الان. اما الموارد التأريخية المكتوبة باللغات الأعجمية، فقد جاء في كتاب منها اسم مدينة دعيت ب "مكربة" "مكربا" "Macoraba"، واسم هذا الكتاب هو "جغرافيا" "جغرافية" "للعالم اليوناني المعروف "بطلميوس" "Ptolemy" الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد. وقد ذهب الباحثون إلى إن المدينة المذكورة هي "مكة". وإذا كان هذا الرأي صحيحاً يكون "بطلميوس" أول من أشار إليها من المؤلفين وأقدمهم بالنظر إلى يومنا هذا. ولا أستبعد مجيء يوم قد لا يكون بعيداً، ربما يعثر فيه المنقبون على اسم المدينة مطموراً تحت سطح الأرض، كما عثروا على أسماء مدن أخرى وأسماء قرى وقبائل وشعوب.
ولفظة "مكربة" "Macoraba"، لفظة عربية أصابها بعض التحريف ليناسب النطق اليوناني، أصلها "مكربة" أي "مقربة" من التقريب. وقد رأينا في أثناء كلامنا على حكومة "سبأ" القديمة، إن حكامها كانوا كهاناً، أي رجال دين، حكموا الناس باسم آلهتهم. وقد كان الواحد منهم يلقب نفسه بلقب "مكرب" أي "مقرب" في لهجتنا. فهو أقرب الناس إلى الالهة، وهو مقرب الناس إلى آلهتهم، وهو مقدس لنطقه باسم الآلهة، وفي هذا المعنى جاء لفظة "مكربة"، لأنها "مقربة" من الآلهة، وهي تقرب الناس اليهم، وهي أيضاً مقدسة و "حرام"، فاللفظة ليست علماء لمكة، وإنما هي نعت لها، كما في "بيت المقدس" و "القدس" إذ هما نعت لها في الأصل. ثم صار النعت عالماً للمدينة.
أما ما ذهب إليه بعض الباحثين من إن المعبد الشهير الذي ذكره "ديودروس الصقلي" "Diodorus Siculus" في أرض قبيلة عربية دعاها "Bizomeni"، وقال إنه مكان مقدس له حرمة وشهرة بين جميع العرب، هو مكة - فهو رأي لا يستند إلى دليل مقبول معقول. فالموضع الذي يقع المعبد فبه، هو موضع بعيد عن مكة بعداً كبراً، وهو يقع في "حسمى" في المكان المسى "روافة" "غوافة" على رأي "موسل". وقد كانت في هذه المنطقة وفي المحلات المجاورة لها معابد أخرى كثيرة أشار إليها الكتبة اليونان والرومان، ولا تزال آثارها باقية، وقد وصفها السياح الذين زاروا هذه الأمكنة.
وإذا صح رأينا في إن موضع "Macoraba" هو مكة، دلّ على إنها كانت قد اشتهرت بين العرب في القرن الثاني بعد الميلاد، وانها كانت مدينة مقدسة يقصدها الناس من مواضع بعيدة من حضر ومن بادين. وبفضل هذه القدسية والمكانة بلغ اسمها مسامع هذا العالم الجغرافي اليوناني البعيد. ودلّ أيضاً على إنها كانت موجودة ومعروفة قبل أيام "بطليموس" إذ لا يعقل إن يلمع اسمها وتنال هذه الشهرة بصورة مفاجئة بلغت مسامع ذلك العالِم الساكن في موضع بعيد ما لم يكن لها عهد سابق هذا العهد.
وقد عرفنا من الكتابات الثمودية أسماء رجال عرفوا ب "مكي". ولم تشر تلك الكتابات إلى سبب تسمية اولئك الرجال ب "مكي". فلا ندرى اليوم إذا كان اولئك الرجال من "مكة" أو من موضع آخر، أو من عشيرة عرفت ب "مكت" "مكة". لذلك لا نستطيع إن نقول إن هذه التسمية. صلة بمكة.
ولم يشر الأخباريون ولا من كتب في تأريخ مكة إلى هذا الامم الذي ذكره "بطلميوس"، ولا إلى ام آخر قريب منهه، وإنما أشار إلى اسم آخر هو "بكة". وقد ذكر هذا الاسم في القرآن. قالوا إنه الهمم مكة، أبدلت فيه الميم باءً، وقال بعض الأخباريين: إنه بطن مكة، وتشدد بعضهم وتزمت، فقال: بكة موضع البيت، ومكة ما وراءه، وقال آخرون: لا. والصحيح البيت مكة وما والاه بكة، واحتاجوا إلى ايجاد اجوبة في معنى اسم مكة وبكة، فأوجدوا للاسمين معاني وتفاسير عديدة تجدها في كتب اللغة والبلدان وأخبار مكة.
وذكر أهل الأخبار إن مكة عرفت بأسماء اخرى، منها: صلاح، لأمنها، ورووا في ذلك شعراً لأبي سفيان بن حرب بن أمية، ومنها أم رحم، والباسةّ، والناسّة. والحاطمة. و "كوثى". وذكرت في القرآن الكريم ب "أم القرى".
ولعلماء اللغة بعد، تفاسير عديدة لمعنى "مكة"، يظهر من غربلتها إنها من هذا النوع المألوف الوارد عنهم في تفسير الأسماء القديمة التي ليس لهم علم بها، فلجئوا من ثم إلى هذا التفسير والتأويل. ولا استبعد وجود صلة بين لفظة مكة ولفظة "مكربة" التي عرفنا معناها. ولا استبعد إن يكون سكان مكة القدامى هم من أصل يماني في القديم، فقد أسس أهل اليمن مستوطنات على الطريق الممتد من اليمن إلى أعالي الحجاز، حيث حكموا أعالي الحجاز وذلك قبل الميلاد. وقد سبق إن تحدثت عن ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب، فلا يستبعد إن تكون مكة احداها. ثم انضم اليهم العرب العدنانيون، ولأهل الأخبار روايات تؤيد هذا الرأي.
وقد ذهب "دوزي" إلى إن تأريخ مكة يرتقي إلى أيام "داوود" ففي أيامه-على رأيه أنشأ "الشمعونيون" "السمعونيون"، الكعبة وهم "بنو جرهم" عند أهل الأخبار. وهو يخالف بذلك رأي "كيبن" "GIBBON"، ورأي جماعة من المستشرقين رأت إن مكة لم تعرف ولم تشتهر إلا في القرن الأول قبل الميلاد، مستدلةً على ذلك بما ورد في تأريخ "ديودورس الصقلي" من وجود معبد، ذكر عنه انه كان محجة لجميع العرب، وان الناس كانوا يحجون إليه من أماكن مختلفة. ولم يذكر "ديودورس" اسم المعبد، ولكن هذه الجماعة من المستشرقين رأت إن هذا الوصف ينطبق على الكعبة كل الانطباق، وان "ديودورس" قصدها بالذات.
وقد ذكر بعض أهل الأخبار-إن "العماليق" كانوا قد انتشروا في البلاد، فسكنوا مكة والمدينة وام الحجاز، وعتوا عتوّ اً كبيراً. فبعث اليهم موسى جنداً فقتلوهم بالحجاز. وجاء اليهود فاستوطنوا الحجاز بعد العماليق. ويظفر انهم أخذوا أخبارهم هذه من اليهود، ففي التوراة إن العماليق "العمالقة"، هم أول الشعوب التي حاربت العبرانيين، لما هموا بدخول فلسطين، وقد حاربهم موسى، فوسع يهود الحجاز هذه القصة ونقلوا حرب موسى مع العمالقة إلى الحجاز ليرجعوا زمان استيطانهم في الحجاز إلى ذلك العهد.
ثم جاءت "جرهم" فنزلت على قطورا، وكان على "قطورا" يومئذ "السميدع بن هوثر"، ثم لحق بجرهم بقية من قومهم باليمن وعليهم "مضاض ابن عمر بن الرقيب بن هاني بن بنت برهم" فنزلوا ب "قعيقعان". وكانت قطورا بأسفل مكة، وكان "مضاض" يعشر من دخل مكة من أعلاها، و "السميدع" من أسفلها. ثم حدث تنافس بين الزعيمين فاقتتلا، فتغلب "المضاض" وغلب "السميدع".
وجرهم قوم من اليمن، فهم قحطانيون إذن، جدهم هو ابن "يقطن بن عاير بن شالخ": وهم بنو عم "يعرب". كانوا باليمن وتكلموا بالعربية، ثم غادروها فجاؤوء مكة.
والعمالقة من الشعوب المذكورة في "التوراة"، وقد عدّهم "بلعام" "أول الشعوب". وقد كانوا يقيمون بين كنعان ومصر وفي "طور سيناء"، أيام الخروج، وبقوا في أماكنهم هذه إلى أيام "شاؤول" "SAUL". وقد تحدثت عنهم في الجزء الأول من هذا الكتاب.
وجرهم تزوج "إسماعيل ه بن ابراهيم" على رواية الأخباريين، وبلغتهم تكلم. وكانت "هاجر" قد جاءت، به إلى "مكة". فلما شبّ وكبر، تعلم لغة جرهم، وتكلم بها. وهم من "اليمن" في الأصل. وكانت لغتهم هي اللغة العربية. تزوج امرأة أولى قالوا إن اسمها "حرا" وهي بنت "سعد بن عوف بن هنىء بن نبت بن جرهم"، ثم طلقها بناءّ على وصية أبيه ابراهيم له، فتزوج امرأة أخرى هي السيدة بنت "الحارث بن مضاض بن عمرو بن جرهم". وعاش نسله في جرهم، والأمر على البيت لجرهم إلى إن تغلبت عليهم "بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر"، وهم خزاعة في رأي بعض أهل الأخبار.
وطبقت خزاعة على جرهم قانون الغالب، فانتزعت منها المالك، وزحزحتها عن مكة، وأقامت عمرو بن لحيّ-وهو منها-ملكاً عليها، وكان دخول خزاعة مكة على أثر خروجها من اليمن، بسبب تنبؤ الكاهن بقرب انفجار السدّ، في قصة يذكرها الأخباريون. وظلت خزاعة صاحبة مكة، إلى إن كانت أيام عمرو بن الحارث وهو "أبو غبشان" "غبشان"، فانتزع قصي منه الملك، وأخذه من خزاعة لقريش.
وكان "عمرو بن لحيّ" أول من نصب الأوثان وأدخل عبادة الأصنام إلى العرب، وغيّر دين التوحيد على زعم أهل الأخبار. ويظهر مما يرويه الأخباريون عنه انه كان كاهناً، حكم قومه ووضع لهم سنن دينهم على طريقة حكم الكهان، واستبدّ بأمر "مكة" وثبت ملك خزاعة بها. فهو مثل "قصيّ" الذي جاء بعده، فأقام ملك "قريش" في هذه المدينة. ويظهر من بقاء خبره في ذاكرة أهل الأخبار إن أيامه لم تكن بعيدة عن الإسلام، وان حكمه لمكة لم يكن بعيد عهد عن حكم "قصيّ"، وان إليه يعود فضل تنحية "جرهم" عن مكة، وانتزاع الحكم منهم ونقله إلى قومه من "خزاعة"، وذلك بمساعدة "بني اسماعيل" أسلاف "قريش" من "بني كنانة".
وهو أول رجل يصل الينا خبره من الرجال الذين كان لهم أثر في تكوين مكة وفي انشاء معبدها وتوسيع عبادته بين القبائل المجاورة لمكة. حتى صير لهذه المدينة شأن عند القبائل المجاورة. وذلك باتيانه بأصنام نحتت نحتاً جيداً باًيد فنية قديرة، على رأسها الصنم "هبل" ووضعها في البيت، فجلب بذلك أنظار أهل مكة وأنظار القبائل المجاورة نحوها، فصارت تقبل عليها، وبذلك كوّن للبيت شهرة بين الأعراب، فصاروا يقدمون عليه للتقرب إلى "هبل" والى بقية الأصنام التي جاء بها من الخارج فضعها حوله وفي جوفه.
ومن بطون خزاعة: "بنو سلول" و "بنو حُبْشية بن كعب"، و" بنو حليل" و "بنو ضاطر". وكان "حُلَيْل بن كعب" سادن الكعبة، فزوج ابنته "حبى" بقصي. و "بنو قمير" ومن " بني قمير" "الحجاج بن عامر بن أقوم" شريف، و "حلحة بن عمرو بن كليب": شريف ، و"قيس بن عمرو بن منقذ" الذي يقال له "ابن الحدادية" شاعر. جاهلي. و "المتحرش"، و وهو "أبو غُبشان" الذي يزعمون انه باع البت من "قصي". ومن خزاعة "بديل بن ورقاء بن عبد العُزّى"، شريف، كتب إليه النبي يدعوا إلى الإسلام، وكان له قدر في الجاهلية بمكة.
" وكنانة" التي استعان بها "عمرو بن لحيّ" في تثبيت حكمه بمكة، هي من القبائل العدنانية في عرف أهل النساب، ومن مجموعة "مضر". ولما استبد "عمروا بن لحيّ" ومن جاء بعده بأمر مكة، وأخذوا بأيديهم أمر مكة، تركوا إلى "كنانة" أموراً تحص مناسك الحج وشعائره، وهي الإجازة بالناس يوم "عرفة" والإضافة والنسيّ. وهي أمور سأتحدث عنها في اثناء كلامي عن الحج.
ويذدر أهل الأخبار أن "الإسكندر" الأكبر دخل مكة، وذلك أنه بعد أن خرج من السودان قطع البحر فانتهى إلى السواحل "عدن"، فحرج إليه "تبع الأقرن" ملك اليمن، فأذعن له بالطاعة، وأقرّ بالإتاوة، وأدخله مدينة "صنعاء"، فأنزل له، وألطف له من الطاف اليمن، فأقام شهراً، ثم سار إلى "تهامة"، وسكان مكة يومئذ خزاعة، قد غلبوا عليها، فدخل عليه "النضر بن كنانة"، فعجب الإسكندر به وساعده، فأخرج "خزاعة" عن مكة، وأخلصها للنضر، ولبني أبيه، وحج الإسكندر، وفرّق في ولد معد بن عدنان صلات وجوائز، ثم قطع البحر يؤم الغرب.
وإذا كان أهل الأخبار قد أدخلوا "الإسكندر" مكة، وصيرّوه رجلاَ مؤمناً، حاجاً من حجاج البيت الحرام، فلا غرابة أذن إن جعلوا أسلاف الفرس فيمن قصد البيت وطاف به وعظمه وأهدى له. بعد أن صيروا "إبراهيم" جداً من أجدادهم وربطوا نسب الفرس بالعرب العدنانيين. فقالوا: وكان آخر من حج منهم "ساسان بن بابك"، وهو جدّ "أردشير". فكان ساسان إذا أتى البيت طاف به وزمزم على بئر إسماعيل، فقيل إنما سميت زمزم لزمزمته عليها، هو وغيره من فارس. واستدلوا على ذلك بشعر، قالوا عنه: إنه من الشعر القديم. وبه افتخر بعض شعراء الفرس بعد ظهور الإسلام، وقالوا: وقد كان "ساسان بن بابك" هذا، أهدى غزالين من ذهب وجوهراً وسيوفاً وذهباً كثيراً، فقذفه، فدفن في زمزم. وقد أنكروا أن يكون بنو جرهم قد دفنوا ذلك المال في بئر زمزم، لأن جرهم لم تكن ذات مال فيضاف ذلك إليها.
ويزعم الأخباريون أن "حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحميري"، "أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حج الناس عنده ببلاده، قأقبل حتى نزل بنخلة فأغار على سرح الناس، ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكة. فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وأسد وجذام ومن كان معهم من أفناء مضر، خرجوا إليه، ورئيس الناس يومئذ فهر ين مالك، فاقتلوا قتالاً شديداً، فهزمت حمير، وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة-فيمن قتل من الناس-ابن ابنة قيس بن غالب بن فهر، وكان حسان عندهم بمكة أسراً ثلاث سنين، حتى افتدى منهم نفسه، فخرج به، فمات بين مكة واليمن".
ويشر هذا الحادث إن صحّ وقوعه وصدق ما رواه أهل الأخبار عنه، إلى طمع الملك "حسان" والى خطة وضعها للاستيلاء عليها. وهو شيء مألوف، فقد كانت قبائل اليمن تتجه دوماً نحو الشمال، غير أن أهل مكة قاوموا الملك وتمكنوا من الصمود تجاهه، بل من التمكن من جيشه ومنا الحاق هزيمة به.
ويذكر أهل الأخبار حادثاً آخر مشابهاً لهذا الحادث، بل يظهر أنه الحادث نفسه وقد صيغ في صيغة أخرى، خلاصته أن "الملوك الأربعة" الذين لعنهم النبي، ولعن أختهم "أبضعة"، ولم يذكروا أسماءهم، لما هموا بنقل "الحجر الأسود" إلى صنعاء لقطعوا حج العرب عن البيت الحرام إلى صنعاء، وتوجهوا لذلك إلى مكة، فاجتمعت "كنانة" إلى "فهر بن مالك بن النضر"، فلقيهم، فقاتلهم، فقتل ابن لفهر، يسمى الحارثة، وقتل من الملوك الأربعة ثلاثة، وأسر الرابع، فلم يزل مأسوراً عند "فهر بن مالك" حتى مات.
وأما "أبضعة"، فهي التي يقال لها "العنققير"، ملكت بعد اخوتها على زعم أهل الأخبار.
ويشير الأخباريون إلى احترام التبابعة لمكة، فيذكرون مثلاً أن التبع "أسعد أبو كرب" الحميريّ وضع الكسوة على البيت الحرام، وصنع له باباً، ومنذ ذلك الحين جرت العادة بكسوة البيت، ويذكرون غير ذلك من أخبار تشير إلى اهتمام التبابعة بمكة. أما نحن، فلم يصل إلى علمنا شيء من هذا الذي يرويه الأخباريون، مدوّناً بالمسند، كما أننا لا نعلم أن أصنام أهل اليمن كانت في مكة حتى يتعبد لها التبابعة.ولسنا الآن في وضع نتمكن فيه من إثبات هذا القصص الذي يرويه الأخباريون، والذي قد يكون أُوجد، ليوحي أن ملوك اليمن كانوا يقدسون الكعبة، وأن الكعبة هي كعبة جميع العرب قبل الإسلام.
ولا نملك اليوم أثراً جاهلياً استنبط منه علماء الآثار شيئاً عن تأريخ مكة قبل الإسلام، ولذلك فكل ما ذكروه عنها هو من أخبار أهل الأخبار، وأخبارهم عنها متناقضة متضاربة، لعبت العواطف دوراً بارزاً في ظهورها. ولا يمكن لأحد أن يكتب في هذا اليوم شيئاً موثوقاً معقولاّ ومقبولاً عن تأريخ هذه المدينة المقدسة، في أيام الجاهلية القديمة، لأنه لا يملك نصوصاً أثرية تعينه في التحدث عن ماضيها القديم. وأملنا الوحيد هو في المستقبل، فلعل، المستقبل يكون خيراً من الحاضر والماضي، فيجود على الباحثين بآثار تمكنهم من تدوين تأريخ تلك المدينة، تدوينا علمياً يفرح نفوس الملايين من الناس الذين يحجون إليها من مختلف أنحاء العالم، ولكنهم لا يعرفون عن تأريخها القديم، غير هذا المدوّن عنها في كتب أهل الأخبار.
وإذا كنا في جهل من أمر تأريخ مكة قبل أيام "قصيّ" وقبل تمركز قريش في مكة، فإن جهلنا هذا لا يجوّز لنا القول بأن تأريخها لم يبدأ إلا بظهور قريش فيها وبتزعم قصيّ لها. وان ما يروى من تأريخها عن قبل هذه المدة هو قصص لا يعبأ به. لأن ما يورده أهل الأخبار من روايات تفيد عثور أهل مكة قبل أيام الرسول على قبور قديمة وعلى حليّ وكنوز مطمورة وكتابات غريبة عليهم، يدل كل ذلك على إن المدينة كانت مأهولة قبل أيام قصي بزمن طويل، وان مكة كانت موجودة قبل هذا التأريخ. وان تأريخها لذلك لم يبدأ بابتداء ظهور أمر قصيّ ونزول قريش مكة في عهده.
وتأريخ مكة حتى في أيام قصيّ وما بعدها إلى ظهور الإسلام لا يخلو مع ذلك من غموض ومن لبس وتناقض. شأنه في ذلك شأن أي تأريخ اعتمد على الروايات الشفوية، واستمد مادته من أقوال الناس ومن ذكرياتهم عن الماضي البعيد. لذلك تجد الرواة يناقضون أنفسهم تناقضاً بيناً في أمر واحد، ما كان في الإمكان الاختلاف فيه لو كانوا قد أخذوه من منبع قديم مكتوب. وسنرى في مواضع من هذا الكتاب وفي الأجزاء التي قد تتلوه عن تأريخ العرب في الإسلام نماذج وأمثلة تشير إلى تباين روايات أهل الأخبار في أخبارهم عن مكة في تلك الأيام.
قريش
و "قصيّ" من "قريش". و "قريش" كلها من نسل رجل اسمه "فهر بن مالك بن النضرين كنانة بن خزيمة بن مدركة بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان". فهي من القبائل العدنانية. أي من مجموعة العرب المستعربة في اصطلاح علماء النسب. ومن "فهر" فما بعده عرف اسم "قريش" في رأي أهل الأخبار.
أما ما قبل "فهر" من آباء فلم يعرفوا بقريش. فقريش إذن هم "فهر" وأبناؤه، من سكان مكة أو من سكان ظواهرها، أي كل من انحدر من صلبه من أبناء. وما كان فوق "فهر" فليس يقال له "قرشي"، وإنما يقال له كناني.
ومعارفنا عن "قريش" لا بأس بها بالنسبة إلى معارفنا عن خزاعة وعن من تقدم عليها من قبائل ذكر أهل الأخبار أنها سكنت هذه المدينة. وتبدأ هذه المعرفة بها، ابتداء من "قُصَيّ" زعيم قريش ومجمعها، والذي أخذ أمر مكة فوضعه في يديه، ثم في أيدي أولاده من بعده، فصارت "قريش" بذلك صاحبة مكة.
وقد اشتهرت قريش بالتجارة، وبها عرفت وذاع صيتها بين القبائل. وتمكن رجالها بفضل ذكائهم وحذقهم بأسلوب العامل من الاتصال بالدول الكبرى في ذلك العهد: الفرس والروم والحبشة، وبحكومة الحيرة والغساسنة، وبسادات القباثل، ومن تكوين علاقات طيبة معها، مع تنافر هذه الدول وتباغضها. كما يمكنوا من عقد أحلاف مع سادات القبائل، ضمنت لهم السير طوال أيام السنة بهدوء وطمأنينة في كل أنحاء جزيرة العرب. والطمأنينة، أهم أمنية من أماني التاجر. وبذلك أمنوا على تجارتهم، ونشروا تجارتهم في كل أنحاء جزيرة العرب. حتى عرفوا ب "قريش التجار". جاء على لسان كاهنة من كهان اليمن قولها: "لله دَر الديار، لقريش التجار".
وليس لنا علم بتأريخ بدء اشتغال قريش بالتجارة واشتهارها بها. وروايات أهل الأخبار، متضاربة في ذلك، فبينما هي ترجع ظهور "قريش" بمكة إلى أيام قصي، ومعنى ذلك أن تجارة قريش إنما بدأت منذ ذلك الحين، نراها ترجع تجارتها إلى أيام النبي "هود"، وتزعم أنه لما كان زمن "عمرو ذي الأذعار الحميري"، كشفت الريح عن قبر هذا النبي، فوجدوا صخرة على قبره كتب عليها بالمسند: "لمن ملك ذمار? لحمير الأخيار. لمن ملك ذمار? للحبشة الأشرار. لمن ملك ذمار? لفارس الأحرار. لمن ملك ذمار? لقريش التجار". والرواية أسطورة موضوعة، ولكنها تشر إلى أن اشتغال قريش بالتجارة يرجع إلى عهد قديم، عجز أصحاب هذه الرواية عن أدراك وقته، فوضعوه في أيام هود.
ثم نرى روايات أخرى ترجع بدء اشتهار قريش التجارة إلى أيام "هاشم"، وهي تزعم إن تجارة قريش كانت منحصرة في مكة، يتاجر أهلها بعضهم مع بعض، فتقدم العجم عليهم بالسلع، فيشترونها منهم ثم يتبايعونها بينهم، ويبيعونها لمن حولهم من العرب، وكانوا كذلك حتى ركب "هاشم بن عبد مناف" فنزل بقيصر، وتعاقد معه على إن يسمح له ولتجار قريش بالاتجار مع بلاد الشام، فوافق كل ذلك، وأعطاه كتاباً بذلك. فلما عاد، جعل كلما مرّ بحيّ من العرب بطريق الشام، اخذ من أشرافهم إيلاشاً، اي عقد أمان، فضمن بذلك لقومه حرية الاتجار بأمن وسلام. واشتهرت قريش بالتجارة منذ ذلك العهد.
وقد علّمت الأسفار سادة قريش أموراً كثيرة من أمور الحضارة والثقافة. فقد أرتهم بلاداً غريبة ذات تقدم وحضارة، وجعلتهم يحتكون بعرب العراق وبعرب بلاد الشام، فتعلموا من "الحيرة" أصول كتابتهم، وهذّبوا لسانهم، ودوّنوا به أمورهم. وذكر انهم كانوا من افصح العرب لساناً، وقد شهد العرب لهم بفصاحة اللسان، حتى إن الشعراء كانوا يعرضون عليهم شعرهم، وذكر إن الشاعر "علقمة الفحل" عرض عليهم شعره، فوصفوه ب "سمط الدهر".
وقد علّمت الطبيعة أهل مكة انهم لا يتمكنون من كسب المال ومن تأمين رزقهم في هذا الوادي الجاف، إلا إذا عاشوا هادئين مسالمين، يدفعون الإساءة بالحسنة، والشر بالصبر والحلم، والكلام السيء البذيء بالكلام الحسن المقنع المخجل. فتغلب حلمهم على جهل الجاهلية، وجاءت نجدتهم في نصرة الغريب والذب عن المظلوم والدفاع عن حق المستجير بهم، بأحسن النتائج لهم، فصار التاجر والبائع والمشتري يفد على سوق مكة، يبيع ويشتري بكل حرية، لأنه في بلد آمن، أخذ سادته على أنفسهم عهداً بالا يتعدى أحد منهم على غريب، لأن الإضرار به، يبعد الغرباء عنهم، وإذا ابتعد الغرباء عن مكة، خسروا جميعاً مورداً من موارد رزقهم: يعيش عليه كل واحد منهم بلا استثناء. لذلك كان الغريب إذاُ ظلِمْ، نادى يا آل قريش، أو يا آل مكة أو يا آل فلان. ثم يذكر ظلامته، فيقوم سادة مكة أو من نودي باسمه بأخذ حقه من الظالم له.
وقد اصطلحت قريش على أن تأخذ ممن ينزل عليها في الجاهلية حقاً. دعته: "حقّ قريش" وفي جملة ما كانوا يأخذونه من الغريب القادم اليهم عن هذا الحق بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر. ويأتي أهل الأخبار بمثل على ذلك، هو مثل: "ظويلم ويلقب مانع الحريم، وإنما سُمتي بذلك لأنه خرج في الجاهلية يريد الحج، فنزل على المغيرة بن عبد اللّه المخزومي، فأراد المغيرة إن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ ممن نزل عليها في الجاهلية، وذلك سُميّ: الحريم. وكانوا يأخذون بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر، فامتنع عليه ظويلم". وظويلم منع عمرو بن صرمة الإتاوة التي كان يأخذها من غطفان.
وقد جعلت طبيعة هذا الوادي أهل مكة يميلون إلى السلم، ولا يركنون إلى، الحرب والغزو إلا دفاعاً عن نفس. وهو شيء منطقي محترم، فأهل مكة في وادٍ ضيق بين جبلين متقابلين، وفي استطاعة الأعداء إنزال ضربات موجعة بهم منً المرتفعات المسيطرة عليه، وبسد منفذيه، يحصر أهله فتنقطع عنهم كل وسائل المعيشة من ماء وطعام. لذلك لم يجدوا أمامهم من سيبل سوى التجمل بالحلم والصبر واتباع خطة الدفاع عن النفس، بالاعتماد على أنفسهم وعلى غيرهم من أحلافهم كالأحابيش حلفائهم وقريش الظواهر. وقد أدت هذه الخطة إلى اتهام قريش إنها لا تحسن القتال، وانها إن حاربت خسرت، وانها كانت تخسر في الحروب - فخسرت ثلاثة حروب من حروب الفجار الأربعة، إلى غير ذلك من تهم. ولكن ذلك لا يعني إن في طبع رجال قريش جبناً، وان من سجية قريش الخوف. وإنما هو حاصل طبيعة مكان، واملاء ضرورات الحياة، لتأمين الرزق. ولو إن أهل مكة عاشوا فيَ موضع آخر، لما صاروا أقل شجاعة وأقل اقبالاً في الاندفاع نحو الحرب والغزو من القبائل الأخرى.
وقد تمكنت مكة في نهاية القرن السادس وبفضل نشاط قريش المذكور من القيام بأعمال هامة، صيّرتها من أهم المراكز المرموقة في العربية الغربية في التجارة وفي اقراض المال للمحتاج إليه. كما تمكنت من تنظيم أمورها الداخلية ومن تحسين شؤون المدينة، واتخاذ بيوت مناسبة لائقة لان تكون بيوت أغنياء زاروا العالم الخارجي ورأوا ما في بيوت أغنياثه من ترف وبذخ وخدم واسراف.
وقد ذكو "الثعالبي" إن قريشاً صاروا "أدهى العرب، وأعقل البرية، وأحسن الناس بياناً" لاختلاطهم بغيرهم ولاتصالهم بكثير من القبائل فأخذوا عن كل قوم شيئاً، ثم انهم كانوا تجاراً "والتجار هم أصحاب التربيح والتكسب والتدنيق والتدقيق"، وكانوا متشددين في دينهم حمساً، "فتركوا الغزو كراهة السبي واستحلال الأموال" إلى في ذلك من أمور جلبت لهم الشهرة والمكانة. وقد أشيد ايضاً بصحة اجسامهم وبجمالهم حتى ضرب المثل بجمالهم فقبل: "جمل قريش".
وقصيّ رئيسى قريش، هو الذي ثبت الملك في عقبه، ونظم شؤون المدينة، وقسم الوظائف والواجبات على أولاده حين شعر بدنو أجله. فلما أشرق الإسلام، كانت أمور مكة في يد قريش، ولها وحدها الهيمنة على هذه المدينة، حتى عرف سكانها ب "آل قصي"، فكان أحدهم اذا استغاث أو استنجد باحد، صاح: "يا لقَصي،"، كناية عن انهم "آل قصيّ". جامع قريش.
وهو أول رئيس من رؤساء مكة. يمكن إن نقول إن حديثنا عنه، هو حديث عن شخص عاش حقاً وعمل عملاّ في هذه المدينة التي صارت قبلة الملايين من البشر فيما بعد. فهو إذن من الممهدين العاملين المكونين لهذه القبلة، وهو أول رجل نتكلم عن بعض أعماله ونحن واثقون مما نكتبه عنه ونقوله. وهو أول شخص نقض البيوت المتنقلة التي لم تكن تقي أصحابها شيئاً من برد ولا حرّ، والتي كانت على أطراف الوادي وبين أشجار الحرم، وكأنها تريد حراسة البيت، وحوّلها من خيام مهلهلة إلى بيوت مستقرة ثابتة ذات أعمدة من خشب شجرة الحرم، وذات سقوف.
ولم نعثر حتى الآن على اسم قريش أهل مكة في نص جاهلي. كذلك لم نعثر عليه أو على اسم مقارب له في كتب اليونان أو اللاتين أو قدماء السريان ممن عاشوا- قبل الإسلام. فليس في امكاننا ذكر زمن جاهلي نقول أننا عثرنا فيه على اسم قريش، وانها كانت معروفة يومئذ فيه.
وقد وردت لفظة "قريش" اسماً لرجل عرف ب "حَبْسل قريش". وذلك في نص حضرميّ من أيام الملك "العز" ملك حضرموت.
هذا، وان لأهل الأخبار كلاماً في سبب تسمية قريش بقريش، "فقيل: ُسمّيت بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة، لأن عير بتي النضر كانت اذا قدمت، قالت العرب: قد جاءت عير قريش، قالوا: وكان قريش هذا دليل النضر في أسفارهم، وصاحب ميرتهم، وكان له ابن يسمى بدراً، احتفر بدراً، قالوا فيه سميت البئر التي تدعى بدراً، بدراً. وقال ابن الكلبي: إنما قريش جماع نسب، ليس بأب ولا بأم ولا حاضن ولا حاضنة، وقال آخرون: إنما سُمي بنو النضر من كنانة قريشاً، لأن النضر بن كنانة خرج يوماً على نادي قومه، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى النضر، كأنه جمل قريش.
وقيل: إنما سميت بدابّة تكون في البحر تأكل دواب البحر، تدعى القرش، فشبه بنو النضر بن كنانة بها، لأنها أعظم دواب البحر قوة.
وقيل: إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس، فيسدها بماله، والتقريش-فيم زعموا-التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدّونها بما يبلغهم. "وقيل إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا. وقيل: بل لم تزل بنو النضر بن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصماّ بن كلاب، فقيل لهم: قريش، من أجل إن التجمع هو التقرش، فقالت العرب: تقرش بنو النضر، أي قد تجمعوا. وقيل: إنما قيل قريش من أجل إنها تقرشت عن الغارات".
وذكر إن قريشاً كانت تدعى "النضر بن كنانة"، وكانوا متفرقين في "بني كنانة"، فجمعهم "قصيّ بن كلاب"، فسموا قريشاً، التقرش التجمع. وسُمتى قصي مجمِّعاً. فال حذافة بن غانم بن عامر القرشي ثم العدوي: قُصيٌ أبوكم كان يدعى مجمعاً به جمع الله القبائل من فهر
وذكر إن قريشاً إنما قيل لهم "قريش" لتجمّعهم في الحرم من حوالي الكعبة بعد تفرقهم في البلاد حين غلب عليها "قصي بن كلاب". يقال تقرش القوم إذا اجتمعوا. قالوا وبه سميّ قصي مجمعاً. أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يوماً، فقالوا تقرش، فغلب عليه اللقب، أو لأنه جاء إلى قومه يوماً، فقالوا كأنه جمل قريش أي شديد، فلقُب به، أو لأن قصياً كان يقال له القرشي، وهو الذي سمّاهم بهذا الاسم، أو لأنهم كانوا يفتشون الحاج فيسدّون خلتها، فمن كان محتاجاً أغنوه ومن كان عارياً كسوه ومن كان معدماً كسوه ومن كان طريداً آووه، أو سمّوا بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش وخرجت عير قريش، فلقبوه به. أو نسبة إلى "قريش بن الحرث بن يخلد بن النضر"، والد "بدر"، وكان دليلا لبني "فهر بن مالك" في الجاهلية، فكانت عيرهم إذا وردت "بدراً"، يقال: قد جاءت عير قريش، يضيفونها إلى الرجل حتى مات. أو لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع. أو إلى قريش بن بدر بن يخلد بن النضر. وكان دليل بني كنانة في تجارتهم، فكان يقال: قدمت عير قريش. فسميت قريش بذلك. وأبوه بدر بن يخلد، صاحب بدر، الموضع المعروف.
ونعتت قريش ب "آل الله" و "جيران الله" و "سكان حرم الله". وب "أهل الله".
إلى غير ذلك من آراء حصرها بعضهم في عشرين قولاً في تفسير معنى لفظة "قريش" ومن أين جاء أصلها. تجدها في بطون الكتب التي أشرت إليها في الحواشي. وفي موارد أخرن. وهي كلها تدل على إن أهل الأخبار كانوا حيارى في أمر هذه التسمية، ولما كان من شأنهم ايجاد أصل وفصل ونسب وسبب لكل اسم وتسمية، كما فعلوا مع التسميات القديمة، ومنها تسميات قديمة تعود إلى ما قبل الميلاد، أوجدوا على طريقتهم تلك التعليلات والتفسيرات لمعنى "قريش". وقد تجد هذه التعليلات تروى وتنسب إلى شخص واحد كابن الكلبي مثلاً، وهو ينسب روايتها عادة إلى رواة تقسموا عليه أو عاصروه، وقد لا يرجعها إلى أحد، وربما كانت من وضعه وصنعته أو من اجتهاده الخاص في ايجاد علل للمسميات.
فهذا هو مجمل آراء أهل الأخبار في معنى اسم قريش.
أما رأيهم في أول زمن ظهرت فيه التسمية، فقد اختلف في ذلك وتباين أيضاً. فذكر قوم "إن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متى سميت قريش قريشاً? قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش. فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت إن قصياً كان يقال له القرشي، ولم تسمّ قريش قبله". وورد: "لما نزل قصيّ الحرم وغلب عليه، فعل أفعالاً جميلة، فقيل له: القرشي، فهو أول من سُميّ به". ورود أيضاً إن "النضر بن كنانة كان يسمى القرشيّ".
وقد نسب إلى عليّ وابن عباس قولهما إن قريشاً حي من النبط من أهل كوثىْ. وإذا صح إن هذا القول هو مهما حقاً، فإن ذلك يدل على انهما قصدا بالنبط "نبايوت": وهو "ابن اسماعيل" في التوراة. واما "كوثى" فقصدا بذلك موطن ابراهيم، وهو من أهل العراق على رواية التواراة أيضاً. ولعلهما أخذا هذا الرأي من أهل الكتاب في يثرب.
ويذكر أن جذْم قريش كلها "فهر بن مالك" فما دونه قريش وما فوقه عرب، مثل كناَنة وأسد وغرهما من قبائل مضر. وأما قبائل قريش، فانما تنتهي إلى فهر بن مالك لا تجاوزه. ومن جاوز "فهراً"، فليس من قريش. ومعنى هذا إن جذم قريش من أيام "فهر بن مالك" فما فوقه، كانت متبدية تعيش عيشة أعرابية، فلما كانت أيام "فهر" أخذت تميل إلى الاستقرار والاستيطان، ولما استقرت وأقامت في مواضعها عرفت ب "قريش".
وذكر إن قريشاً قبيلة، وأبوهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، فكل من كان من ولد "النضر"، فهو "قرشي" دون ولد كنانة ومن فوقه. وورد كل من لم يلده "فهر" فليس بقرشي. وهو المرجوع إليه.
وقد صيرت رابطة النسب هذه قريشاً قبيلة تامة تقيم مجتمعة في أرض محدودة، وبصورة مستقرة في بيوت ثابتة فيها بيوت من حجر، بين أفرادها وأسرها وبطونها عصبية، وبينهم تعاون وتضامن. كما جعلت أهل مكة في تعاون وثيق فيما بينهم في التجارة، حتى كادوا يكونون وكأنهم شركاء مساهمون في شركة تجارية عامة. يساهم فيها كل من يجد عنده شيئاً من مال، وإن حصل عليه عن طريق الاقتراض والربا، ليكون له نصيب من الأرباح التي تأتي بها شركات مكة.
ويقسم أهل الأخبار قريشاً إلى: قريش البطاح، وقريش الظواهر. ويذكرون إن قريش البطاح بيوت، منهم: بنو عبد مناف، وبنو عبد الدار، وبنو عبد العزى، وبنو عبد بن قصيّ بن كلاب، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة، وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم، وبنو جمح ابنا عمرو ابن هصيص بن كعب، وبنو عدي بن كعب، وبنو حسل بن عامر بن لؤي، وبنو هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، وبنو هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر. وبنو عتيك بن عامر بن لؤي.و "قصي" هو الذي أدخل البطون المذكورة الأبطح، فسُموّا البطاح. ودخل "بنو حسل ابن عامر" مكة بعد، فصاروا مع قريش البطاح، فاًما من دخل في العر من قريش فليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء.
ويذكر أهل الأخبار إن "قريش البطاح"، الذين ينزلون أباطح مكة وبطحاءها.أو هم الذين ينزلون الشعب بين أخشبي مكة. وأخشبا مكة جبلاها: أبو قبيس والذي يقابله. ويقال لهم قريش الأباطح وقريش البطاح، لأنهم صبابة قريش وصميمها الذين اختطوا بطحاء مكة ونزلوها. وهم أشرف وأكرم من قريش الظواهر. ذكروا إن سادة قريش نزول ببطن مكة، ومن كان دونهم، فهم نزول بظواهر جبالها، أي قريش الظواهر.
اما قريش الظواهر: فهم: بنو معيص بن عامر بن لؤي، وتيم الأدرم بن غالب بن فهر، والحارث ابنا فهر، إلا بني هلال بن أهيب بن ضبة، وبني هلال بن مالك بن ضبة. وعامة بني عامر بن لؤي، وغيره. عرفوا جميعاً بقريش الظواهر، لأنهم لم يهبطوا مع قصيّ الأبطح. الا إن رهط "أبي عبيدة ابن الجراح"، وهم من "بني الحارث بن فهر"، نزلوا الأبطح فهم مع المطيبّين أهل البطاح. وورد إن "بني الأدرم من أعراب قريش ليس بمكة منهم أحد".
ويبدو من وصف أهل الأخبار لقريش البطاح، أنهم إنما سُموا بالبطاح لأنهم دخلوا مع قصي البطاح، فأقاموا هناك. فهم مستقرون خضر، وقد أقاموا في ييوت مهما كانت فإنها مستقرة، وقد انصرفوا إلى التجارة وخدمة البيت. فصاروا أصحاب مال وغنى، وملكوا الأملاك في خارج مكة، ولا سيما الطائف، كما ملكوا الإبل، وقد تركوا رعيها للاعراب. وعرفوا أيضا بقريش الضبّ للزومهم الحرم.
واما قريش الظواهر، فهم الساكنون خارج مكة في أطرافها، وكانوا على ما يبدو من وصف أهل الأخبار لهم أعراباً، أي انهم لم يبلغوا مبلغ قريش البطاح في الاستقرار وفي اتخاذ بيوت من مدر. وكانوا يفخرون على قريش، مكة بأنهم أصحاب قتال، وانهم يقاتلون عنهم وعن البيت. ولكنهم كانوا دون "قريش البطاح" في التحضر وفي الغنى والسيادة والجاه، لأنهم أعراب فقراء، لم يكن لهم عمل يعتاشون منه غير الرعي. وكانوا دونهم في مستوى المعيشة بكثير وفي الوجاهة بين القبائل. ومع اشتراكهم وقريش البطاح في النسب، ودفاعهم عنهم أيام الشدة والخطر، إلا انهم كانوا يحقدون على ذوي أرحامهم على ما أوتوا من غنى ومال وما نالوه من منزلة، ويحسدونهم على ما حصلوا عليه من مكانة دون إن يعملوا على رفع مستواهم،. وترقية حألهم، والاقتداء بذوي رحمهم أهل الوادي في اتخاذ الوسائل التي ضمنت لهم التفوق عليهم وفي جلب الغنى والمال لهم. كان شأنهم في ذلك شأن الحساد الذين يعيشون على حسدهم، ولا يبحثون عن وسائل ترفعهم إلى مصافّ من يحسدونه. ولعل نظرتهم الجاهلة إلى أنفسهم من انهم أعلى وأحل شأناً ممن يحسدونهم، وإن كانوا دونهم في نظر الناس في المنزلة والمكانة، حالت دون تحسين حاسم والتفوق على المحسود بالجد والعمل، لا بالاكتفاء بالحسد وبالتشدق بالقول والمباهاة.
ويذكر أهل الأخبار إن قسماً ثالثاً من قريش، لم ينزل - بمكة ولا بأطرافها، وانما هبط أماكن أخرى، فاستقر بها، وتحالف مع القبائل التي نزل بينها. من هؤلاء: سامة بن لؤي، وقع إلى عمان، فولده هناك حلفاء أزد عمان. والحارث ابن لؤي وقع إلى عمان، فولده هناك حلفاء أزد عمان. والحارث بن لؤي، وقع إلى اليمامة، فهم في بني هزان من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار. والحارث، هو جُشَمْ. وخزيمة بن لؤي، وقعوا بالجزيرة إلى بني الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان وسعد بن لؤي، وبنو عوف بن لؤي، وقعوا إلى غطفان ولحقوا بهم، ويقال لبني سعد بن لؤي بنانة، وبنانة أمهم، فأهل البادية منهم. وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش. ويقال لبني خريمة بن لؤي: عائذة قريش. وكان عمان بن عفان ألحق هذه القبائل، حين استخلف بقريش.
ويلاحظ إن هذا الصنف من أصناف قريش، هو من نسل "لؤي"، أي: من نسل "لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر".وقد تباعدت مواطنهم عن قريش.
ومن قريش الظواهر: بنو الأدرم من نسل الأدرم، وهو تيم بن غالب، ومن رجالهم: عوف بن دهر بن تيم الشاعر، وهو أحد شعراء قريش. وهلال ابن عبد الله بن عبد مناف، وهو صاحب القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبي، وهو ابن الخطل الذي كان يؤذي التي وارتد فأهدر النبي دمه يوم الفتح، قتله أبو برزة الأسلمي وهو متعلق بأستار الكعبة، أو سعد بن حريث المخزومي على رواية قريش. ومن قريش الظواهر أيضاً: بنو محارب، والحارث بن فهر وبنو هصيص بن عامر بن لؤي.
ولم يكن أهل مكة كلهم من قريش، بل سأكنيهم أيضاً من كان بها قبلهم، مثل خزاعة وبنو كنانة. وقريش وإن كانت من "كنانة"، إلا إنها ميزت نفسها عنا، وفرقت بينها وبين كنانة. ولكنانة أخوة منهم: أسد وأسده، ووالدهم هو "خزيمة" وهو جدّ من أجداد قريش، كما إن "كنانة" هو جد من أجدادهم. وللاخباريين رأي في معنى كنانة.
وقد عرفت قريش بين أهل الحجاز بسخينة. والسخينة طعام رقيق يتخذ من سمن ودقيق. وقيل دقيق وتمر-وهو دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء. وانما لقبت قريش بسخينة لاتخاذها اياه، أي لأفهم كانوا يكثرون من أكلها ولذا كانت تعيَّر به.
الأحابيش
ومن أهل مكة جماعة عرفت ب "الأحابيش". ذكر أهل الأخبار انهم حلفاء قريش، وهم: بنو المصطلق، والحياء بن سعد بن عمرو، وبنو الهون ابن خزيمة. اجتمعوا بذنب حبشي-وهو جبل بأسفل مكة-فتحالفوا بالله إنا ليَدٌ على غيرنا ما سجا ليل وأوضح نهار، وما أرسى حبشي مكانه. وقيل: إنما سُمّوا بذلك لاجتماعهم. والتحابش: هو التجمع في كلام العرب. وذكر انهم اجتمعوا عند "حبشي" فحالفوا قريشاً. وقيل: أحياء من القارة انضموا إلى "بني ليث" في الحرب التي نشبت بينهم وبين قريش قبل الإسلام، فقال إبليس لقريش: إني جارٌ لكم من بني ليث فواقعوا دماً، ُسمّوا بذلك لاسودادهم، قال:
ليث ودِيل وكعب والـذي ظـأرت جمع الأحابيش، لما احمرت الحدقُ
فلما سميت تلك الأحياء "الأحابيش" من فبل تجمعها، صار التحبيش في الكلام كالتجميع.
وورد إن "عبد مناف" و "عمرو بن هلال بن معيط الكناني"، عقدا حلف الأحابيش. والأحابيش، بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وكانوا مع قريش. وقيل أيضاً إن الأحابيش، هم: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وعضل، والديش من بني الهون بن خزيمة، والمصطلق، والحيا من خزاعة.
- وقد وصف "اليعقوبي" "حلف الأحابيش" بقوله: "ولما كبر عبد مناف ابن قصي جاءته خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، يسألونه الحلف ليعزوا به. فعقد بينهم الحلف الذي يقال له: حلف الأحابيش. وكان ُمدبرّ بني كنانة الذي سأل عبد مناف عقد الخلف عمرو بن هلل "هلال" بن معيص ابن عامر. وكان تحالف الأحابيش على الركن. يقوم رجل من قريش والآخر من الأحابيش فيضعان ايديهما على الركن، فيحلفان بالله القاتل وحرمة هذا البيت والمقام والركن والشهر الحرام على النصر على ا الخلق جميعاً حتى يرث الله الأرض ومن. عليها وعلى التعاقد وعلى التعاون على كل من كادهم من الناس جميعاً، مابل بحرٌ صوفة، وما قام حر أو ثبير، وما طلعت شمس من مشرقها إلى يوم القيامة. فسمي حلف الأحابيش".
، وقدُ ذكر أن "المطلب بن عبد فناف بن قصي"، قاد بني عبد مناف وأحلافها من الأحابيش، وهم من ذكرتُ يوم ذات نكيف، لحرب بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. كما ورد إن "الأحابيش"، الذين ذكرت اسماءهم، كانوا يحضرون مع من يحضر من طوائف العرب مثل قريش وهوازن، وغطفان، وأسلم، و "طوائف من العرب" سوق عكاظ، فيبيعون ويشترون. كما ذكر انهم كانوا مثل قريش يقدسون اسافاً ونائلة.
وورد في بعض اخبار الأخباريين، إن يوم "ذات نكيف."، وقع بين قريش وبني كنانة. فهزمت قريش بني كنانة، وعلى قريش عبد المطلب. وقد بقي "الأحابيش" بمكة، إلى أيام الأمويين. فذكر إن "عبد الله المتكبر"، وكان من اشراف قريش في أيام "معاوية" ومن اغناها مالاً، لما وفد على "معاوية" وكان خليفة إذْ ذاك، كَلَّمه في "قريش" ووجوب الاعتماد عليهم ثم في "الأحابيش"، إذ. قال له عنهم: "وحلفاؤك من الأحابيش" قد عرفت نصرهم ومؤازرتهم، فاخلطهم نفسك وقومك".
وقد بحث "لامانس" في موضوع الأحابيش، فرأى انهم.قوة عسكرية ألفت من العبيد السود المستوردين من افريقية ومن عرب مرتزقة، كونتها مكة للدفاع عنا. وقد بحث مستشرقون آخرون في هذا الموضوع، فمنم من ايده، ومنهم من توسط في رأيه، ومنهم من ايد الرواية العربية المتقدمة التي ذكرتها. وعندي رأي آخر، قد يفسر لنا سبب تسمية "بني الحارث بن عبد مناة" من "كنانة" ومن ايدها من "بني المصطلق" و "بني الهون" بالأحابيش. هو إن من الممكن إن تكون هذه التسمية قد وردت اليهم من اجل خضوعهم لحكم الحبش، وذلك قيل الإسلام بزمن طويل. فقد سبق إن ذكرت في الجزء الثالث من كتابي: "تأريخ العرب قبل الإسلام"، وفي اثناء كلامي على "جغرافيا بطلميوس"، إن الساحل الذي ذكره "بطلميوس" باسم: "Cinaedocolpitae" إنما هو ساحل "تهامة" وهو منازل "كنانة". وقد بقي الحبش به وقتاً طويلاَ. واختلطوا بسكانه. فيجوز إن تكون لفضة "الأحابيش" قد لحقت بعض "كنانة"
من خضوعهم للحبش، حتى صارت اللفظة لقباً لهم، أو علماً لكنانة ومن حالفها. ويجوز إن تكون قد لحقتهم ولحقت الآخرين معهم لتميزهم عن بقية "كنانة" ومن انضم إليهم ممن سكن خارج تهامة. أو لتزوج قسم منهم من نساء حبشيات، حتى ظهرت السمرة على سحنهم. ولهذا وصفوا بالأحابيش فليس من اللازم أذن إن يكون "الأحابيش"، هم كلهم من حبش افريقية، بل كانوا عرباً وقوماً من العبيد والمرتزقة ممن امتلكهم أهل مكة. ومما يؤيد رأيي هذا هو وود "من بني كنانة" مع أهل تهامة في اخبار معارك قريش مع الرسول. ففي معركة "أحد"، نجد "الطبري" يقول: "فاجتمعت قريش لحرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن اطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة". ونجد مثل ذلك في اخبار معارك أخرى. مما يشير إلى إن الأحابيش، ليسوا عبيد إفريقية حسب، بل هم عرب وحبش ومرتزقة. وأن اولئك الأحابيش هم من ساحل تهامة في الغالب من كنانة، أي ممن أقام بذلك الساحل المستقر به من الحبش واندمج في العرب، فصار من المستعربة الذين نسوا اصولهم وضاعت انسابهم، واتخذوا لهم نسباً عربياً، .وقد كان للأحابيش سادة يديرون امورهم، منهم "ابن الدغنة" وهو "ربيعة بن رفيع بن حياّن بن ثعلبة السلمي" الذي اجار "ابا بكر". وشهد معركة حنين.
ومن سادات الأحابيش "الحليس بن يزيد". ويظهر انه كان يتمتع بمنزلة محترمة بمكة. وقد ذكر "محمد بن حبيب" "الحليس" على هذه الصورة: "الحليس بن يزيد". وذكر انه من "بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة". وكان من رؤساء حرب الفجار من قريش. وذكره. غيره على هذه الصورة: "وحليس بن علقمة الحارثي. سيد الأحابيش ورئسهم يوم أحد. وهو من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة".
وقد حارب الأحابيش مع قريش يوم أحد، وقد رأسهم "أبو عامر" المعروف ب "الراهب" وقاتل بهم، مع إن رئيسهم وسيدهم اذ ذاك هو "الحليس بن زبان" أخو "بني الحارث بن عبد مناة". وهو يومئذ "سيد الأحابيش". وقد مرّب "أبي سفيان"، وهو يضرب في شدق "حمزة" بزج الرمح، فلامه،على فعله وأنبه. ولعلَّ هذا الحليس هو الحليس المتقدم، كتب اسم والده بصور. مختلفة بحذف اسم والده وإضافة جده أو غيره إليه، فصار وكأنه انسان آخر.
وقد ورد ذكر "الحليس" في خبر "الحديبية". فقد ذكر الطبري إن قريشاً اوفدت "الحليس بن علقمة" أو "ابن زبان"، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد "بلحارث بن عبد مناة بن كنانة"، إلى رسول الله، فلما رآه الرسول، قال: إن هذا من قوم يتألهون، فلما رأى الحليس هدْيَ المسلمين في قلائده، وأحس إن الرسول إنما جاء معتمراً لا يريد سوءاً لقريش، قصّ عليهم ما رأى، فقالوا له: اجلسى، فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك. فغضب "الحليس" عند ذلك، وقال. يا معشر قريشى، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، إن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظماً له، والذي نفس الحليس بيده لتخلُّن بين محمد وبن ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نوصي به.
وقد ساهم "الأحابيش" في الدفاع عن مكة عام الفتح. وكانوا قد تجمعوا مع "بني بكر" و "بني الحارث بن عبد مناة" ومن كان من الأحابيش، اسفل مكة، كما أمرتهم قريش بذلك. فأمر رسول الله خالد بن الوليد إن يسير عليهم، فقاتلهم حتى هزموا. ولم يكن بمكة قتال غير ذلك.، ولم يذكر "الطبري" اسم سيد الأحابيش في هذا اليوم.
ويتبين من دراسة اخبار أهل الأخبار عن الأحابيش، ومن نقدها وغربلتها،
إن الأحابيش، كانوا جماعة قائمة بذاتها، مستقلة في ادارة شؤونها، يدير امورها رؤساء منهم، بعرف أحدهم ب "سيد الأحابيش". وقد ذكرت أسماء بعض منهم قبل قليل. وقد عاشوا عيشة اعرابية، خارج مكة على ما يظهر من الروايات. وذلك بدليل قول قريش للحليس: "اجلس، فإنما أنت رجل اعرابي، لا علم لك" أي انهم كانوا اعراباً ويعيشون عيشة اعرابية. ويظهر من هذه الأخبار أيضاً إن "الحليس" "سيد الأحابيش"، كان من "بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة"، وأن "ابن الدغنة"، كان من "بني سليم". ولم ينص أهل الأخبار فيما اذا كانا عربيين صريحين ام انهما كانا من "بني الحارث" ومن "بني سليم" بالولاء، فنسبهما إلى القبيلتين، هو نسب ولاء. ويظهر من خبر "الحديبية"، ومن قول النبي لما رأى "الحليس". قادماً إليه: "إن هذا من قوم يتألهون"، إن الأحابيش لم يكونوا على دين مكة أي من عباد الاصنام بل كانوا مؤلهة، يدينون بوجود إلَه. وقد يشير الرسول بذلك إلى انهم كانوا نصارى، اخذوا نصرانيتهم من الحبش. ولذلك كانوا من المؤلهة بالنسبة لقريش. وأنا لا استبعد أيضاً إن تكون تلك التسمية قد غلبت على هؤلاء لأنهم كانوا من الساحل الافريقي المقاتل لجزيرة العرب. جاؤوا إليها بالفتوح وبالنخاسة، وأقاموا في تهامة إلى مكة، وعاشوا عيشة اعرابية متبدية، وتحالفوا مع القبائل العربية المذكورة، وتخلقوا بأخلاق عربية حتى صاروا اعراباً في كل شيء. وقد لازمتهم التسمية التي تشير إلى اصلهم، وانما تحالفوا مع "بني الحارث" وبقية المذكورين، عرف حلفهم ب "حلف الأحابيش"، ثم عرف المتحالفون ب "الأحابيش". وقد نسي الأصل وهو الأحابيش، أي اسم الحبش الذين تحالفوا مع "بني الحارث" و "عضل" و "الديش" و "المصطلق" و "الحيا". لسبب لا نعرفه، قد يكون بسبب كونهم عبيداً سوداً، وأطلق الحلف على المذكورين. غير إن روايات أهل الأخبار تشير إلى كثير من الأحابيش في مثل قولها: "وخرجت قريش بأحابيشها" إلى إن الأحابيش المذكوريين كانوا في حكم قريش، أي جماعة من الحبش من أهل افريقية، كانت كما ذكرت. تكوّن وحدة قائمة بذاتها، ولكنها تدين بولائها لقريش، ولها حلف مع بعض كنانة ومع قبائل اخرى. ولما كان عام الفتح امرتها قريش بالتعاون مع "بني بكر" و "بني الحارث نن عبد مناة"، للدفاع عن مكة من جهة الجنوب. فامتثلت لأمر قريش، وأخذت مواضعها هنالك، حتى زلزلها "خالد بن الوليد".
وقد منح "لامانس" الأحابيش درجة مهمة في الدفاع عن قريش. حتى زعم إن قريشاً ركنت اليهم في دفاعهم عن مكة، وعهدت اليهم دوراً خطيرا ًفي حروبها مع الرسول. وقد استند فى رأيه هذا إلى ما رواه أهل الأخبار من اشتراكهم مع قريش في تلك لحروب. غيرْ اننا نجد من دراسة أخبار الحروب المذكورة، إن الأحابيش وان ساهموا فيها، الا انهم لم يلعبوا دوراً خطيراً فيها. وانهم لم يكنوا في تلك الحروب سوى فرقة من الفرق التي ساعدت قريشاً، مقابل مال ورزق ووعود. ولم يكن الأحباش وحدهم قد ساعدوا أهل مكة في حروبهم مع غيرهم، فقد ساعدهم أيضاً طوائف من الأعراب، أي من البدو الفقراء الذين كانوا يقاتلون ويؤدون مختلف الخدمات في سبيل الحصول على خبز يعيشون عليه.
وقريش جماعة استقرت وتحضرت، واشتغلت بالتجارة، وحصلت منها على غنائم طيبة. ومن طبع التاجر الابتعاد عن الخصومات والمعارك والحروب. لأن التجارة لا يمكن إن تزدهر وتثمر إلا في محيط هادئ مستقر. لشك، صار من سياستها استرضاء الأعراب وعقد "حبال" مع ساداتهم، لتاًمين جانبهم، ليسمحوا لقوافلها بالمرور بسلام. كما صار من اللازم عليها عقد أحلاف مع المجاورين لهم من الأعراب مثل "قريش الظواهر" و "الأحابيش" وأمثالهم للاستعانة بهم في الدفاع عن مكة والاشتراك معهم في حروبهم التي قد يجبرون على خوضها مع غيرهم. بالإضافة إلى عبيدهم "الحبش" الذين اشتروهم لتمشية أمورهم وليكونوا حرساً وقوة أمن لهم.
ولم تكن قريش تعتمد على القوة في تمشية مصالحها التجارية، بقدر اعتمادها على سياسة الحلم واللين والقول المعسول والكلام المرضي الوصول إلى غايتها وأهدافها ومصالحها التجارية. وبهذه السياسة: سياسة اللين والمفاوضة والمسالمة، كانت تبدأ بحل ما يقع لها من صعوبات مع الناس. ولم يكن من السهل عليها في الواقع إرضاء الأعراب واسكاتهم لولا هذه السياسة الحكيمة التي اختاروها لأنفسهم، وهي سياسة أكثر سكان القرى العامرة الواقعة في البوادي بين أعراب جائعين، سياسة الاسترضاء بالحكمة واللسان الجميل، واداء المال رشوة لهم باًقل مقدار ممكن، لأن الاكثار من السخاء يثير في الأعرابي شهوة طلب المزيد. وشهوته هذه متى ظهرت، فسوف لا تنتهى عند حدّ. وأهل مكة بخبرتهم الطويلة في تجولهم بمختلف أنحاء جزيرة العرب اعرف من غيرهم بنفسية الأعراب.
وكان لأشرافها أحلاف مع سادات القبائل، تحالفوا معهم لتمشية مصالهم ولحماية تجارتهم. فكان "زرارة" التميمي مثلاً حليفاً ل "بني عبد الدار". وكان عامر بن هاشم بن عبد مناف، قد تزوّج "بنت النباش بن زرارة"، وأولد منها "عكرمة بن عامر بن هاشم" الشاعر، و "بغيض بن عامر" الذي كتب الصحيفة على "بني هاشم" في أمر مقاطعة قريش لبتي هاشم.
وقد عيرت قريش بأنها لا تحسن القتال، وانها تجاري وتساير من غلب، وانها لا تخرج إلا بخفارة خفير، وبحلف حليف، وبحبل من هذه الحبال التي عقدتها مع سادات القبائل. فلما سمع "النعمان بن قبيصة بن حيَّة الطائي" ابن عم "قبيصة بن إباس بن حيلّة الطائي" صاحب الحيرة، ب "سعد بن أبي وقاص"، سأل عنه، فقيل: "رجل من قريش، فقال: اما إذا كان قرشياً فليس بشيء، والله لأجاهدنه القتال. إنما قريش عبيد من غلب، والله ما يمنعون خفيراً، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير". ونجد أمثلة أخرى من هذا القبيل تشير إلى ميل قريش إلى السلم، وعدم قدرتها على القتال.
وذكر الأخباريون انه كان لكنانة جملة أولاد، ذكر ابن الكلبي منهم: النضر، والنضير، ومالكاً وملكان، وعامراً، وعمراً، و الحارث، و عروان "غزوان"، وسعداً، وعوفاً، وغنماً، ومخرمة، وجرولاً. وهم من زوجته "برة بنت مر" أخت "تميم بن مرّ". ولهذا رأى النسابون وجود صلة بين أبناء هؤلاء الأولاد وقبيلة "تميْم". وأما "عبد مناة"، فإنه ابن كنانة من زوجته الأخرى، وهي "الذفراء بنت هانىء بن بلىّ" من قضاعة. ولذلك عدّ أبناؤه من قضاعة.
ويذكر أهل الأخبار إن من أجداد "قصيّ"، رجل كانت له منزلة في قومه اسمه "كعب بن لؤي"، كان يخطب للناس في الحج، وكان رئيساً في "قريش" فلما توفي، أرخت قريش بموته اعظاماً له، إلى إن كان عام الفيل فأرخوا به. وذكر بعض أهل الأخبار إن أسم "كعب" هي من "القين بن جسر" من قضاعة، وان كعباً هذا أول من سمى يوم الجمعة الجمعة، وكانت العنب تسمي يوم الجمعة: العروبة. وأول من قال: "أما بعد"، فكان يقول: "اما بعد، فاستمعوا وافهموا"، وان بين موته والفيل خمسمائة سنة وعشرون سنة.
وفي قول أهل الأخبار عن وقت موت كعب مبالغة شديدة بالطبع، فإن كعباً هو والد "مرّة" و "مرّة بر هو والد "كلاب" و "كلاب" هو والد "قصيّ". فلا يعقل إذن إن يكون بين موت "كعب" وبين الفيل هذا المقدار من السنين.
وهم يذكرون أيضاً إن والد "قصيّ" وهو "كلاب" كان فد تزوج "فاطمة بنت سعد بن سيل"، فأنجبت له "قصياً". وهي من الأزد، من نسل "عامر الجادر". وقد عرف ب "الجادر" لانه بنى جدار الكعبة بعد إن وَهَنَ من سيل أتى في أيام ولاية جرهم البيت، فسمي الجادر. وذكر أيضاً إن الحاج كانوا يتمسحون بالكعبة، ويأخذون من طيبها وحجارتها تبركاً بذلك، وان عامراً هذا كان موكلاً باصلاح ما شعث من جدرها فسُمي الجادر. وذكر إن "سعد بن سيل"، كان أول من حلى السيوف بالفضة والذهب. وكان أهدى إلى "كلاب" مع ابنته "فاطمة" سيفين محليين، فجعلا في خزانية للكعبة. وذكر إن "كلاباً"، هو أول من جعل في الكعبة السيوف المحلاة بالذهب والفضة ذخيرة للكعبة. وجاء أيضاً انه أول من جدر الكعبة.
و "قصيّ" رئيس قريش، هو الذي ثبت الملك في عقبه، ونظم شؤون المدينة، وقسم الوظائف والواجبات على أولاده حنن شعر بدنو أجله. فلما أشرق الإسلام، كانت أمور مكة في يد قريش، ولم تكن لغير قريش نفوذ بذكر على مكة. فهو الذي بعث الحياة إلى قومه من قريش، وجعل لهم مكانة في هذه القرية ونفوذاً وشهرة في الحجاز. وهو الذي أوجد لمكة مكانة، وخلق لها نوعاً من التنظيم والإدارة. ومن عهده فما بعد نجد في أخبار مكة ما يمكن إن يركن ويطمأن إليه من أخبار.
وقد روى "ابن قتيبة" خبراً مفاده إن "قيصر" أعان "قصياً" على "خزاعة". وإذا صح هذا الخبر، فإن مساعدة "قيصر" له قد تكون عن طريق معاونة الغساسنة له، وهم حلفاء الروم. وقد تكون قبيلة "بنو عذرة" وهي من القبائل المتنصرة التي عاشت على مقربة من حدود بلاد الشام، هي التي توسطت فيما بين قصي والروم، وقد كانت خاضعة لنفوذهم، فأعانه أحد الحكام الروم - وقد يكون من ضباط الحدود، أو من حكام المقاطعات الجنوبية مثل "بصرى" - بأن أمده بمساعدة مالية أو بايعاز منه إلى الأعراب المحالفين للروم بمساعدته في التغلب على خزاعة.ولا أهمية كبيرة في هذا الخبر لكلمة "قيصر". فقد جرت عادة أهل الأخبار على الإسراف في استعمالهم لهذه اللفظة. وقد ورثوا هذا الإسراف من الجاهلين، فقد كان من عادتهم تسمية أي موظف بارز من موظفي الحدود الروم، أو من حكام المقاطعات ب "قيصر". وفي روايات أهل الأخيار أمثلة عديدة من هذا القبيل.
ويذكر إن "عثمان بن الحويرث"، وكان من الهجائين في قريش ومن العالمين باًخبار رجالها، قد توسط فيما بعد لدى البيزنطنيين لتنصيب نفسه ملكاً على مكة. وهو من "بني أسد بن عبد العزى". ويظهر انه أدرك المرارة التي أصيب بها البيزنطيون من خروج الحبش عن اليمن ومن دخول الفرس إليها ، وسيطرتهم بذلك على باب المندب، مفتاح البحر الأحمر، فتقرب إلى الروم وتوسل إليهم لمساعدته بكل ما عندهم من وسائل لتنصيب نفسه ملكاً على مكة، علماً منه إن هذا الطلب سيجد قبولاَ لديهم، وان في امكانهم في حالة عدم رغبتهم بمساعدته مساعدة عسكرية أو مالية، الضغط على سادات مكة ضغطاً اقتصعادياً، بعرقلة تجارتهم مع بلاد الشام، أو بمنع الاتجار مع مكة، أو برفع مقدار الضرائب التي تؤخذ عن تجارتهم، وبذلك يوافقون على الاعتراف به ملكاً عليه، على نحو ما كان عليه الملوك الغساسنة. وكما سأتحدث عن هذا الموضوع فيما بعد.
والظاهر إن مشروعه هذا لم يلاق نجاحاً، لأن سادات مكة وفي جملتهم رجال من "بني أسد بن عبد العزى"، مثل "الأسود بن المطلب" و "أبو زمعة"، والاْثرياء من الأسرة الأخرى عارضوه، لأنهم كانوا تجاراً يتاجرون مع الفرس والروم، وانحيازهم إلى الروم، معناه خروج مكة عن سياسة الحياد التي اتبعوها تجاه المعسكرين: الفرس والروم، وسيؤدي هذا الانحياز إلى عرقلة اتجارهم مع الفرس ومع الأرضين الخاضعة لنفوذهم، وتؤدي هذه العرقلة إلى خسارة فادحة تقع بتجارتهم، لا سيما وان الفرس كانوا قد استولوا على اليمن، ولأهل مكة نجارة واسعة معها. ثم إن بين أهل مكة رجال لهم شأن ومكانة في قومهم، وكانوا أرفع منزلة من "عمان بن الحويرث"، لذلك لم يكن من الممكن بالنسبة لهم الانصياع له حتى وإن أرسل الروم جيشاً قوياً منظماً على مكة، لذلك لم يتحقق حلم "عثمان" في الرياسة ولو بمساعدة قوات أجنبية.
وزعم بعض أهل الأخبار إن "الحارث بن ظالم المريّ"، ذكر "آل قصي" في شعره، ودعاهم ب "قرابين الإله"، إذ قال: وإن تعَصِب بهم نسبي فمنهم قرابين الإله بنو قـصـيّ
وهو في عرف بعض النسابين: "قصي بن كلاب بنُ مرّة بن كعب بن لؤي بن فهِر". و "قصي بن كلاب بنُ مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضَر بن نزار بن معد بن عدنان"، في شجرة نسبيه التي توصله إلى جدّه الأعلى "عدنان". فأبوه هو كلاب. اما أمه، فهي "فاطمة بنت سعد بن سيل بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر بن عمرو بن جعثمة ابن يشكر" من أزد شنوءة حلفاء في "بني الدّيل". توفي أبوه وهو صغير، وتزوجت أمه بعد وفاة "كلاب" أبيه من رجل من بني عذرة، هو ربيعة بن حرام. ولصغر سن قصي، أخذته أمه معها إلى أرض زوجها في بني عذرة، على مقربة من تَبُوك، وتركت أخاه الأكبر "زهرة" في أهله بمكة. ولما شب قصي، وترعرع، وعرف من أمه أصله وعشرته، رجع إلى قومه، فنزل بمكة وأقام بها: ونظم أمر قريش.
ولم يكن اسم قصي قصيّاً يومُ سمي، بل كان "يداً"، وإنما ُسمّي قصياً بعد ذلك، سميّ قصياً على ما يذكر أهل الأخبار، لأنه قصيّ عن قومه، فكان في بني عذرة، فسمي قصياً لبعد داره عن دار قومه. وبينا قصي بأرض قضاعة لا ينتمي إِلا إلى ربيعة بن حرام فى زوج أمه، وهو من أشراف قومه، إذ كان بينه وبين رجل من قَضاعة شيء، فأنبه القضاعي بالغربة، فرجع قصى إلى أمه، وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي، فسألها عما قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت، والله، يا بني أكرم منه نفساً وولداً. فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحوق بهم، فقالت له أمه: يا بتي، لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فترج في حاج العرب، فإنني أخشى عليك إن يصيبك بعض البأس، فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاج قضاعة، فخرج فيهم حتى قسم مكة فلما فرغ من الحج، أقام بها، واتخذها له مستقراً ومقاماً.
وتعرف قصي وهو بمكة على "حليل بن حبشية الخراعي"، وكان يلي الكعبة وأمر مكة، ثم خطب إليه ابنته، وهي "حبى"، فزوجه إياها، وولدت له ولده: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزّى، وعبد قصي. وكثر ماله، وعظم شرفه، فلما توفي "حليل" رأى قصي انه أولى من خراعة بولاية البيت، وان قريشاً فرعة إسماعيل وإبراهيم، واستنفر رجال قريش، ودعاهم إلى اخراج خزاعة من مكة. وكتب إلى أخيه من أمه، وهو "رزاح بن ربيعة بن حرام العذري" يستنصره، فأجابه ومعه قومه من بني عذوة من قضاعة، ووصلوا مكة ونصروه بم وغلبت قضاعة وبنو النضر خزاعة، وزال ملكهم عن مكة، وصار الأمر إلى قصي وقريش.
وفي رواية أخرى انه اشترى ولاية البيت من "أبي غبَشْان" بزق خمر وبعود. وكان "حليل" كما يقول أصحاب هذه الرواية قد جعل ولاية البيت إلى ابنته "حبى"، فقالت: قد علمت اني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، قال: فاني أجعل الفتح والاغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى "أبي غَبشْان"، وهو "سليم بن عمرو بن بويّ بن ملكان بن أفصى"، فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود. فلما سمعت خزاعة ذلك، تجمعت على قصي، فاستنصر أخاه، فقاتل خزاعة وأصيب خراعة بوباء العدسة، حتى كادت تفنيهم. فما رأت ذلك، جلت عن مكة. ويذكرون إن العرب لما سمعت بقصة " أبي غبشان"، قالت: "أخسر صفقة من أبي غبشان"، فذهب القول مثلاً.
وأبو غبشان، هو "المحترش". وقد ورد اسم رجل عرف بالحارث، قيل عنه انه غبشان بن عبد عمرو، وانه كان قد حجب البيت، فلعلّ له علاقة بأبي غبشان المذكور، كأن يكون ابنه.
وفي رواية إن القتال حينما اشتد بين قصي وخزاعة، تداعوا إلى الصلح، على إن يحكم بينهم "عمرو بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة" "يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث"، فوافق. فكان حكمه إن قصياً أولى بالبيت ومكة من خزاعة، وان كل دمٍ أصابه من خزاعة موضوع، فيشدخه تحت قدميه، وان كل دمٍ. أصابت خزاعةَ وبنو بكر حلفاؤهم من قريش وبني كنانة، ففي ذلك الدية مؤداةً. وبذلك انتصر قصي على خصومه. ويقولون إن "عمراً" ُسميّ منذ ذلك الحن الشدّاخ، بما شدخ من الدماء.
ولم يشر بعض أهل الأخبار إلى إن شدخ الشدّاخ الدماء بين قريش وخزاعة، كان في عهد قصي، فأغفلوا اسم "قصي"، بل اكتفوا بالاشارة إلى شدخه السماء وإصلاح ما بين قريش وخزاعة، وذكر بعضهم انه حكم في جملة ما حكم به على ألا يخرج خزاعة من مكة. وأكثر الرواة على إن اسمه "يعمر بن عوف، لا "عمرو بن عوف" كما جاء في الرواية المتقدمة".
ولم تشر رواية أخرى ذكرها "ابن دريد" إلى وقوع نزاع بين قصي وبين خزاعة، بل قالت: إن حليلاً سادن الكعبة، كان قد أوصى إليها أمر الكعبة واعطاها مفتاحها، فأعطته زوجها قصياً، فتحولت الحجابة من خزاعة إلى بني قصي.
وترجع بعض الروايات نزاع خزاعة مع قصي إلى عامل آخر غير ولاية البيت، فتذكر إن خزاعة كانت قد سلمت لقصي بحقه في ولاية البيت، وانها زعمت إن "حليلاً" أوصى بذلك قصياً، وبقيت على ولائها له، إلى إن اختلف "قصي" مع "صوفة". وكانت "صوفة" وهي من "جرهم" تتولى أمر الإجازة بالناس من عَرَفَة. فتجيزهم إذا نفروا من "منى" تولت ذلك من عهد جرهم وخزاعة. فلما كان قصي، أتاهم مع قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروه، فناكرهم، فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالاً شديداً، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك، وحال بينهم وبينه، فانحازت عند ذلك خزاعة. وبنو بكر عن قصي بن كلاب، وعرفوا انه سيمنعهم كما منع صوفة، فوقع من ثم ما وقع على نحو ما مرّ.
غير إن الرواة يذكرون في مكان آخر الي قصياً اًقر للعرب في شأن حجّهم ما كانوا عليه، وذلك انه كان يراه ديناً في نفسه، لا ينبغي له تغييره، وكانت صوفة على ما كانت عليه، حتى انقرضت-فصار ذلك من أمرهم إلى "آل صفوان بن الحارث بن شجنة" وراثة. فهذه الرواية تنافي ما ذكرته آنفاً من قولهم بقتال قصي لهم، وغلبته علهم. وبقي أمر "عدوان" والنسأة، ومرة ابن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام، فهدم به ذلك كله.
ويذكر الأخباريون إن قصياً بعد إن تمت له الغلبه، جمع قومه من الشعاب والأودية والجبال إلى مكة، فسُميّ لذلكُ مجمّعاً، وانه حكم منذ ذلك الحين فيهم، وملك عليهم. فكان قصي أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكاً، وأطاعه قومه به، وأنه قسم مكة أرباعاً بين قومه، فبنوا المساكن، وان قريشاً هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده، وأعانوه، وانها تيمنت به، فكانت لا تعقد أمراً، ولا تفعل فعلاً إلا في داره، كما تنكح امرأة ولا رجل من قريش إلا في دار قصي، وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقدما لهم بعض ولده، وما تدّرع جارية إذا بلغت إن تدّرع من قريش إلا في داره، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها، فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره تيمناً بأمره ومعرفة بفضله وشرفه، واتخذ قصي لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها.
ويذكر الأخباريون أيضاً، إن قريشاً كانوا إذا أرادوا إرسال عيرهم، فلا تخرج ولا يرحلون بها إلا من دار الندوة: ولا يقدمون إلا نزلوا فيها تشريفاً له وتيمناً برأيه ومعرفة بفضله، ولا يعذر لهم. غلام إلا في دار الندوة. وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة وحكم مكة. وكان يعشر من دخل مكة سوى أهلها.
وقد وردت في الشعر لفظة "مجمع": أبونا قصي كان يدعي مجمِّعاً به جمع الله القبائل من فهر
فيظهر من هذا البيت انه جمع قبائل فهر، ووحدها.
ويذكر الرواة إن "بني بكر بن عبد مناة"، صاروا يبغضون قريشاً لما كان من "قصي" حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة حين قسمها رباعاً وخططاً بين قريش. فلما كانوا على عهد "المطلب"، وهموا باخراج قريش من الحرم وان يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه، وعدت "بنو بكر" على نعم لبني الهون فأطردوها، ثم جمعوا جموعهم وجمعت قريش واستعدت. وعقد المطلب الحلف بين قريش والأحابيش، فلقوا بني بكر ومن انضم اليهم وعلى الناس "المطلب"، فاقتتلوا ب "ذات نكيف"، فانهزم بنو بكر، وقتلوا. قتلا ذريعاً، فلم يعودوا لحرب قريش.
وقتل يومئذ "عبيد بن السفّاح القاري" من القارة: قتادة بن قيس أخا "بلعاء بن قيس". والقارة من ولد "الهون بن خزيمة".
ويظهر من هذه الروايات إن أرض حرم مكة كانت مشجرة، وان تلك الاْشجار كانت مقدسة، وان بعض بيوت مكة كانت ذات أشجار، ويظهر إنها انتزعت من أرض الحرم، ولذلك كانوا يهابون قطعها ولا يتجاسرون على إلحاق سوء بها. فلما جاء قصي، خالف عقيدة القوم فيها، فقطعها. ولما وجد أهل مكة إن قطعها لم يلحق أي سوء بقصي، وانه بقي سالماً معافى، تجاسروا هم وفعلوا فعله في قطع الشجر.
وذكر العلماء: إن "الحرم"، أي حرم مكة، ما أطاف بمكة من جوانبها، وحد ه من طريق المدينة دون "التنعيم" عند بيوت "بني نفار" على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق على ثنيّة جبل بالمنقطع على سبعة أميال، ومن طريق الجعِرانة بشِعْب "آل عبد الله بن خالد" على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفة من بطن "نمرة" على سبعة أميال، ومن طريق "جدة" منقطع العشائر على عشرة أميال.
والحرم المذكور، هو الأرض الحرام التي كانت مقدسة عند الجاهليين أيضاً، وهي مكة وأطرافها إلى حدودها التي اصطلح عليها. وأما الحرم الذي أحاط بالكعبة فقد عرف ب "المسجد" و "بالمسجد الحرام" و ب "الحرم". ولا نعرف حدوده في الجاهلية على وجه واضح معلوم. وقد كان الجاهليون قد وضعوا أنصاباً على الحدود ليعلم الناس مكان الحرم، ولم يكن له جدار يحيط به. وذكر انه كان في عهد الرسول وأبي بكر فناء حول الكعبة للطائفين، ولم يكن له على عهدهما جدار يحيط به. فلما استخلف "عمر" وكثر الناس، وسعّ المسجد، واشترى دوراً هدمها وزادها فيه، واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه. فكان عمر أول من اتخذ جداراً للمسجد. ثم وسعّ المسجد "عمان" ومن جاء بعده، ثم صار كل من ولي من الخلفاء والسلاطين يزيد في اتساع الحي، حتى صار على ما هو عليه الآن.
ودار الندوة اذن هي دار مشورة في أمور السلم والحرب، ومجلس المدينة التي عرف رؤساؤها كيف يحصلون على الثروة وكيف يستعيضون عن فقر أرضهم بتجارة تدر عليهم أرباحاً عظيمة وبخدمة يقدمونها إلى عابدي الأصنام، جاءت اليهم بأموال وافرة من الحجيج. في هذه الدار يجتمع الرؤساء وأعيان البلاد للتشاور في الأمور واليت فيها. وفي هذه الدار أيضاً تجري عقود الزواج، وتعقد المعاملات، فهي دار مشورة ودار حكومة في آن واحد، يديرها "الملأ"، وهم مثل اعضاء مجلس شيوخ "اثينا" الذين كانوا يجتمعون في "المجلس" "Ekkiesa" للنظر في الأمور. يمثلون زعماء الأسر، ورؤساء الأحياء، وأصحاب الرأي والمشورة للبت فيما يعرض عليهم من مشكلات.
وقد ذكر بعض أهل الأخبار إن دار الندوة لم يكن يدخلها الاّ ابن أربعين أو ما زاد، فدلها أبو جهل، وهو ابن ثلاثين لجودة رأيه.، ودخلها غيره للسبب نفسه. فيظهر من ذلك إن المراد من دخول الدار، هو حضورها للاسهام في ابداء رأي وتقديم مشورة.
ولما كانت سن الأربعين في نظر العرب هي سن النضج والكمال، اخذوا بمبدأ تحديده باعتباره الحد الأصغر لسن من يسمح له بالاشتراك في الاجتماعات وإبداء الرأي، الا اذا وجدوا في رجل اصغر سناً جودةً في الرأي، وحدة في الذكاء، فيسمح له عندئذ بالاشتراك وبابداء الرأي بصورة خاصة.
وذكر أيضاً، انه لم يكن يدخل دار الندوة احد من قريش لمشورة حتى يبلغ أربعين سنة، إلاّ حكيم بن حزام، فانه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة. وكان ولد في الكعبة، وذلك إن أمه دخلت الكعبة مع نسوة من قريش وهي حامل به، فضربها المخاض في الكعبة، وأعجلها عن الخروج، فوضعت به بها. وجاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم، فباعها بعد من معاوية بمائة ألف درهم.
فدار الندوة اذن، هي دار "ملأ" مكة. وهم سادتها ووجوهها وأشرافها وأولو الأمر فيها. ولم تكن "برلماناً" أو "مجلس شيوخ" على النحو المفهوم من اللفظتين في المصطلح السياسي. وإنما كانت دار "أولي الشورة" و "الرأي". تتخذ رأياً عند ظهور حاجة أو اخذ "الرأي" وعند وجوب حصول زعماء الملأ على قرار في امر هام. ولم تكن قراراتها ملزمة، بل قد يخالفها سيد ذو رأي ومكانة، فيتفرد برأيه. ولا يحصل الإجماع إلاّ باتفاق. والغالب ألاّ يحصل هذا الاتفاق ويتوقف تنفيذ رأي "الملأ" على شخصية المقررين وعلى كفاءتهم وعلى ما يتخذونه من اجراء بحق المخالفين المعاندين من مقاطعة ومن مساومة ومن اقناع. والغالب إن الملأ لا يتخذون رأياً الا بعد دراسة وتفكير، ومفاوضات يراعى فيها جانب المروءة والحلم والمرونة، حتى لا يقع في البلد انشقاق قد يعرض الأمن إلى الاهتزاز.
وربما قام وجوه "الشعب"، وهم سادة الأسر، بدور هو اكثر فعّالية من دور "دار الندوة" في فض الخصومات. والعادة عندهم إن الخصومات الداخلية للاسر، تفض داخل الأسرة، لأن "آل" الأسرة أقدر على حل خلافاتهم من تدخل غيرهم في شؤونهم، ثم انهم لا يقبلون بتدخل غريب عن الأسرة في شأن من شؤون تلك الأسرة.. لذلك كان "،الملأ" لا ينظرون إلا في الأمور التي هي فوق مستوى الأسر و "الشعاب"، والتي تخص أمور الدينة كلها، والتي قد تعرض أمنها إلى الخطر، أو التي يتوقف على قراراتهم بصددها مستقبل المدينة.
والإنسان بمكة بأسرته وبمقدرته وقابلياته وكفاءته. وقد يرفع الأشخاص من مستوى أسرهم، وقد يهبط مستوى الأسر ومكانتها بسبب هبوط مستوى رجالها وعدم ظهور رجال أغنياء أقوياء فيها. ولما كانت مكنة مدينة عمل وتجارة ومال، والمال يتنقل بين الناس حسب اجتهاد الأفراد وجدهم في السعي وراءه، لذلك تجد من بين رجالها من يخمل ذكره بسبب خمول أولاده وتبذيرهم لما ورثوه من مال، وعدم سعيهم لإضافة مال جديد إليه. ويستتبع ذلك تنقل النفوذ من بيت إلى بيت.
فالحكم في مكة أذن حكم لا مركزي، حكم رؤساء وأصحاب جاه ونفوذ ومنزلة تطاع فيها الأحكام، وتنفذ الأوامر، لا لوجود حكومة قوية مركزية مهيمنة لها سلطة على أهل مكة، بل لأن الأحكام. والأوامر هي إحكام ذوي الوجه والسن والرئاسة والشرف، وإحكام هؤلاء مطاعة في عرف أهل مكة وفي عرف غيرهم من أهل جزيرة العرب. حكمت بذلك العادة وجرى عليه العرف، ولا مخالفة للعرف والعادة. فالعرف قانون أهل جزيرة العرب حتى اليوم. وانتهاك إحكامها معناه انتهاك سيادة القانون، وتمرد على الهيأة والنظام، وتحقير الحاكمين وإهانة لهم ولاتباعهم، وليس لأحد الخروج على أوامر سادات القوم وذوي الحسب والشرف والسن والعقل.
ولم تكن في مكة حكومة مركزية بالمعنى المفهوم المعروف من الحكومة، فلم يكن فيها ملك له تاج وعرش، ولا رئيس واحد محكمها على انه رئيس جمهورية أو رئيس مدينة، ولا مجلس رئاسة يحكم المدينة حكماً مشتركاً أو حكماً بالتناوب، ولا حاكم مدني عام أو حاكم عسكري. ولم يتحدث أهل الأخبار عن وجود مدير عام فيها واجبه ضبط الامن. أو مدير له سجن يزج فيه الخارجين عن الأنظمة والقوانين أو ما شابه ذلك من وظائف نجدها في الحكومات. وكل أمرها إنها قرية تتألف من شعاب. كل شعبْ لعشيرة. وأمر كل، شعْب لرؤسائه، هم وحدهم أصحاب الحلّ والعقد واَلنهي والتأديب فيه. وليسَ في استطاعة متمرد مخالفة إحكام. وإلاّ أدبه حيّه، وملؤه أي أشرافه. هؤلاء الرؤساء هم الحكام الناصحون وهم عقلاء الشعب.
وقد أشير إلى رؤساء مكة في القران الكريم في آية: )وقالوا: لولا نزُ ل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم( فرؤساء مكة هم علماؤها وساداتها، وهم أعلى الناس منزلة ودرجة ومكانة فيها. و "عظماء" مكة أو "عظماء الطائف" هم الطبقة "المختارة" والصفوة المتزعمة في الناس. واليها وحدها تكون الزعامة والرئاسة والرجاحة في الرأي.
وقانون القوم ودستورهم: )إنا وجدنا آباءنا على امة وانّا على، آثارهم مقتدون(. فهم محافظون حريصون على كل ما وصل إليهم، لا يريدون له تغييراً ولا تبديلاً. مهما بدا لهم في الجديد من منطق وحق. "قال) أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم. قالوا انّا بما أرسلتم به كافرون( وفي القرآن الكريم آيات أخرى ترينا تمسك نخبة مكة ورجال الملأ بحقوقهم وبما ورثوه من عرف مكّنهم من الملأ، وفي تمسكهم بها محافظة على حقوقهم الموروثة وعلى مصالحهم وعلى زعامتهم في الناس.
فملأ مكة أناس محافظون لا يقبلون تجديداً ولا تطويراً، سنتهم التعلق بالماضي، وكره الثورة والخروج عن العرف والعادة مهما كانت. فالعرف جرى الناس عليه، فلا خروج على العادة والعرف. أما المستهين بالعرف المخالف لسنة الآباء والأجداد، فيعاقب حتى يعود إلى رشد وصوابه. وهم باستماتتهم في التمسك بالماضي كيف كان، وبتطرفهم في المحافظة على العرف، إنما يراعون بذلك حقوقهم الموروثة ومكانتهم الإجماعية ومصالحهم الاقتصادية، فالعرف جعلهم الطبقة الحاكمة بالتقاليد، المحافظة على مصالحها، استناداً إلى العادات. هم يحكمون بهذا القانون الموروث غير المسجل، وعلى الناس الطاعة والانقياد. )واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله. قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون( وقد توارث بنو عبد الدار الندوة، حتى باعها "عكرمة بن عامر بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار" من معاوية، فجعلها دار الأمارة بمكة، ثم أدخلت في الحرم. وورد في رواية أخرى إن "حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الاسلمى" وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد، كان هو الذي باعها من معاوية وكانت بيده. باعها بمئة ألف درهم. وكان قد اشتراها من "منصور بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
ودار الندوة، هي أول دار بنيت بمكة على حدّ قول الرواة. وكانت اشهر دار بمكة وانشرها في الناس خبراً. ثم تتابع الناس فبنوا من الدور ما استوطنوه. ويذكر أهل الأخبار: إن مكة لم تكن ذات منازل، وكانت قريش بعدُ جرهُم. والعمالقة ينلجعون جبالها وأوديتها ولا يخرجون من حرمها انتساباً إلى الكعبة لاستيلائهم عليها وتخصصاً بالحرم لحلولهم فيه. ولما كان "كعب بن لؤيّ بن غالب"، جمع قريشاً صار يخطب فيها في كل "جمعة"، وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية "عروبة" فسماه كعب "الجمعة". وبذلك ألف بين قريش حتى جاء "قصي" ففعل ما فعل.
ولدينا خبر آخر، يذكو انه قد كان حول الحرم شجر ذو شوك، نبت من قديم الزمن وكوّن غُوطة، فقطعها "عبد مناف بن قصي"، وهو أول من بني داراً بمكة، ولم تُبن دار، قبلها، بل كان بها مضارب للعرب من الشعر الأسود.
وزعم بعض أهل الأخبار إن أهل مكة كانوا يبنون بيوتهم مُدوّرة تعظيماً للكعبة، وأول من بنى بيتاً مربعاً "حُميدْ بن زهر"، فقالت قريش: "رَبّعَ حُمَيْد بن زهر بيتاً"، إمّا حياةً وإما موتاً". و "الربع": المنزل ودار الإقامة والمحلة". وهو أحد "بني أسد بن عبد العزى". وان العرب تسمي كل بيت مربع كعبة، ومنه كعبة نجران. وُ ذكر أيضاً إن "حُمَيْد بن زبير ابن الحارث بن أسد بن عبد العزى"، هو اول من خالف سنة قريش وخرج على عرف أهل مكة فبنى بيتاً مربعاً.وجعل له سقفاً. وفي عمله هذا قال الراجز: اليوم يبنيِ لحُمَيْد بيته اماّ حياته واما موته
وورد في رواية أخرى، إن ثاني دار بنيت بمكة بعد دار الندوة، هي "دار العجلة"، وهي دار، سعيد بن سعد بن سهم. وزعم "بنو سهم" إنها بنيت قبل "دار الندوة".
ويظهر من روايات أهل الأخبار عن بيوت مكة إن بيوتها، وهي بيوت أثريائها وساداتها، بيوت كانت مقامة بالحجر، وبها عدد من الغرف، ولها بابان متقابلان باب يدخل منها الداخل وباب تقابلها يخرج منها الخارج، ولعلها بنيت على هذا الوضع ليتمكن النساء من الخروج من الباب الأخرى عند وجود ضيوف في رحبة الدار عند الباب المقابلة. ومعنى هذا إن أمثال هذه الدور كانت واسعة تشرت على زقاقين. ولبعض الدور "حجر" عند باب البيت، يجلس تحته ليستظل به من أشعة الشمس، وكان منزل "خديجة" ذو حجر من هذا الطراز.
ولو أخذنا بالرواية المتقدمة عن التغيير الذي طرأ على طراز العمارة في مكة، فإن ذلك يحملنا على القول: إنه يجب إن يكون قد حدث، في النصف الثاني من القرن السادس للميلاد. في وقت ليس ببعيد عهد عن أيام النبي. لأننا نجد إن أحد أبنا "حُمَيْد"، وهو عبد الله"، كان قد حارب في معركة "أحد".
ويتبن من غربلة روايات الأخباريين المتقدمة عن مدى سعة الحرم وعن زمان بناء الدور بمكة، إن بطن مكة لم يعمر ولم تبن البيوت المستقرة فيه إلا منذ أيام "قصي". أما ما قبل ذلك، فقد كان الناس يسكنون "الظواهر": ظواهر مكة، أي أطرافها وهي مواضع مرتفعة تكون سفوح الجبال والمرتفعات المحيطة بالمدينة. أما باطن مكة، وهو الوادي الذي فيه البيت، فقد كان حرماً آمناً، لا بيوت فيه، أو إن بيوته كانت قليلة حصرت بسدنة البيت وبرت كانت له علاقة بخدمته. لذلك نبت فيه الشجر حتى غطى سطح الوادي، من السيول التي كانت تسيل إليه من الجبال. ولم يكن في وسع أحد التطاول على ذلك الشجر، لأنه شجر حرم اَمن، وبقي هذا شأنه يغطي الوادي ويكسو وجهه بغُوطة، حتى جاء "قصي". فتجاسر عليه بقطعه كما ذكرنا. وخاف الناس من فعله، خشية غضب رب البيت، ونزول الأذى بهم إن قطعوه. فلما وجدوا إن الله لم يغضب عليهم، وانه لم ينزل سوءاً بهم، اقتفوا أثره، فقطعوا الشجر، واستحوذوا على الأرض الحرام، وظهرت.البيوت فيه، وأخذت تتجه نحو البيت حتى أحاطت به، وصغرت مسجده، ولم يكن له يومئذ جدار. وظلت البيوت تتقرب إليه حتى ضايقته وصغرت فناءه، مما اضطر الخليفة "عمر" ومن جاء بعده إلى هدم البيوت التي لاصقته لتوسيع مسجد، ثم إلى بناء جدار ليحيط به حتى صار على نحو ما هو عليه في هذا اليوم.
ويتبين من خطبة الرسول عام الفتح ويوم دخوله البيت الحرام وقوله: "لا يُختلى خلا مكة ولا يعضد شجرها"، إن حرم مكة كان لا يزال ذا شجر. ولم يكن فد قطع تماماً منه في أيام الرسول.
وتذكر بعض الموارد إن قصيّاً أول من بنى الكعبة بعد. بناء تبع، وكان سمكها قصيراً، فنقضه ورفعها. وإذا صحت الرواية، يكون قصي من بناة الكعبة ومن مجدديها. وذكر انه كان أول من جدد بناء الكعبة من قريش، وانه سقفها بخشب الدوم وجريد النخل. وقد أشير إلى هذا البناء في شعر ينسب إلى الأعشى. وهذه الرواية تناقض بالطبع ما يرويه الأخباريون من إن الكعبة لم تكن مسقفة، وإنها سقفت لأول مرة عندما جدد بناؤها في أيام شباب الرسول. وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة.
والظاهر من روايات الأخباريين، إن البيت كان في الأصل بيتاً مسقوفاً، غير انه أصيب بكوارثعديدة، فتساقط وتساقط سقفه مراراً بسبب السيول، وبسبب حريق أصيب به، فصار من غير سقف في أيام شباب الرسول. حتى إذا ما نقضت. قريش البيت وأعادت بناء سقفته، وزوّقت جدره الداخلية والخارجية بالأصنام والصور. وأعادت إليه خزائنه حتى كان يوم الفتح، إذْ أمر الرسول بتحطيم الأصنام وبطمس الصور على نحو ما سأتحدث عنه في تأريخ الكعبة وذلك في القسم الخاص بأديان الجاهليين.
وفي روايات أهل الأخبار عن البيت-كما سترى فيما بعد حين أتكلم عنه في هذا القسم الخاص بأديان أهل الجاهلية-غموض وتناقض، يجّعل من الصعب تكوين رأي واضح عنه. فبينما هم يقولون إنه كان من غير سقف وان الطيور كانت تقف عليه، وان الأتربة المحملة بالأهوية كانت تتساقط في أرض البيت، نراهم يذكرون انه كان مسقفاً، وانه سقف بالخشب في أيام قصي وانه احترق، ثم يقولون إنه كان في داخله أصنام قريش، مع إن الوصف الذي يقدمونه لنا عن الكعبة من إنها "كانت ضمة فوق للقامة فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك إن نفراً من قريش وغيرهم سرقوا كنزَ الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة"، لا يمكن إن يجعل البيت سوى غرفة بسيطة ساذجة من أحجار رصت بعضها فوق بعض.
وفي روايةٍ: إن.قصيّاً هو أول من أظهر "الحجر الأسود"، وكانت "إياد" دفنته في جبال مكة، فرأتهم امرأة حين دفنوه، فلم يزل "قصي" يتلطف بتلك المرأة حتى دلته على مكانه، فأخرجه من الجبل، واستمر عند جماعة من قريش يتوارثون حتى بنت قريش الكعبة فوضعوه بركن البيت، بازاء باب الكعبة في آخر الركن الشرقي.
ويذكر إن قصيّاً بعد إن تمكن من مكة، حفر بها بئراً سماها "العجول" وهي أول بئر حفرتها قريش. وكانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج مكة تدعى "اليسيرة" ومن حياض ومصانع على رؤوس الجبال. ومن بثر حفرها "مرّة بن كعب" مما يلي عرَفَة، تدعى "الروى"، ومن آبار حفرها "كلاب بن مرة"، هي "خم" و "رم" و "الجفر" بطاهر مكة. فكانت "بئر العجول" أول بئر حفرتها قريش في مكة.
وازدادت حاجة أهل مكة، بعد قصي وقد تزايد عددهم إلى الماء، ولم تعد "العجول" تعَفي لتموينهم به، فاقتفى، أولاده أثره في حفر الآبار، واعتبروا حفرها منقبة ومحمبدة، لما للماء من أهمية لأهل هذا الوادي الجاف. وقد حازت بئر زمزم على المقام الأول بين آبار مكة فهي بئر البيت وبئر الحجاج تمونهم مما يحتاجون إليه من ماء، وذكر أهل الأخبار إن في جملة ما أحدث قصي في أيامه وصار سنة لأهل الجاهلية، انه أحدث وقود النار بالمزدلفة: حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة، فلم تزل توقد تلك النار تلث الليلة في الجاهلية. ويظهر إن قريشاً حافظت على هذه السُنّة أمداَ في الإسلام. وكانت تلك النار توقد على عهد رسول الله وأبي يكر وعمر وعثمان.
ويذكرون أيضاً إن في جملة ما أحدثه: "الرفادة"، وهي إطعام الحجاج في أيام موسم الحج حتى يرجعوا إلى بلادهم. وقد فرضها على قريش إذْ قال لهم: "يا معشر قريش أنكم جيران الله وأهل مكة وأهل الحرم، وان الحاج ضيف الله وزوّار بيته، وهم أحق بالضيافة، فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج، حتى يصدروا عنكم". ففعلت قريش ذلك، فكانوا يخرجون في كل عام من أموالهم خرجاً، في فيدفعونه إلى قصي، لكي يصنعه طعاماً للناس أيام منى وبمكة وقد بقيت هذه السنة في الإسلام. وذكر إن "الرفادة شيء كانت تترافد به قريش في الجاهلية، فيستخرج فيما بينها كل إنسان مالاً بقدر طاقته وتشتري به للحاج طعاماً وزبيباً للنبيذ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج.
وكانت إلى قصي أيضاً: الحجابة، والسقاية واللواء. فحاز شرف قريش كله. وصار رئيسها الوحيد المطاع، الناطق باسمها الأمر وللناهي، إذ. لأ أحد أحكم وأعقل وأحسن إدارة للملك منه.
وذكر إن قيصا أول من أصاب الملك من قريش بعد ولد إسماعيل، وذلك في أيام المنذر بن النعمان ملك الحيرة، وملك الفرس الساسانيين "بهرام جور". وقد كان حكم "بهرام جور" من سنة "420 م" حتى سنة "438 م"، أي في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد، وإذا أخذنا برواية من جعل قصياً من المعاصرين لهذا الملك، يكون حكم قصي إذن في النصف الأول من للقرن الخامس للميلاد.
وقد نسب أهل الأخبار إلى قصي أقوالا وأمثالاً وحكماً وجعلوه غاية في الحكمة والمنطق. وروي "إن أمر قصي عند قريش ديناً يعملون به ولا يخالفونه".
وقد ترك قصي أثراً كبيراً في أهل مكة، وعدّوه المؤسس الحقيقي لكيان قريش. وكانوا يذكرون اسمه دائماً بخير. وكانوا لا يطيقون سماع أحد يستهين بشأنه. فلما تطاول الشاعر "عبد الله بن الِزبَعْرىَ"، على ما جاء في بعض الروايات، وتجاوز حدّه بذكر قصي بسوء في شعر له، كتبه كما يقولون في أستار الكعبة، فضب بنو عبد مناف، واستَعدوَا عليه "بني سهم"، لأنه كان من "بني سهم"، فأسلموه اليهم، فضبربوه وحلقوا شعره وربطوه إلى صخرة، فاستغاث قومه، فلم يغيثوه، فجعل يمدح قصيّاً ويسترضيهم، فأطلقه بنو عبد مناف وأكرموه، فمدحهم بأشعار كثيرة.
ولم نعثر في نصوص المسند على اسم رجل يُّدعى قصيّها، وإنما ورد في النصوص النبطية اسم علم لأشخاص. وهذا الاسم هو اسم صنم في الأصل، بدليل ورود عبد قصي. أما حديث الأخباريين عن أصله وفصله، فهو بما لا قيمة له. وقد ابتدعته مخيلتهم على الطريقة المألوفة في اختراع تفاسير لأسباب التسميات. والظاهر إن هذا الاسم من الأسماء التي كان يستعملها العرب النازلون في أعالي الحجاز، وربما في بلاد الشام.
وفي جملة النصوص النبطية التي عثر عليها في "صلخد" اسم رجل عرف ب "روحو بن قصيو" "روح بن قصي"، كما عثر على نصّ جاء فيه اسم "مليكو بن قصيو." "مالك بن قصي"، وورد اسم "قصيو بن اكلبو"، أي "قصي بن كلاب". وقد تبين من هذه الكتابات إن المذكورين هم من أسرة واحدة، وقد كَانوا كهاناً أو سدنة لمعبد من معابد "صلخد". فقصي إذن من الأسماء الواردة عند النبط. والغريب أننا نرى بين قصي صلخد وقصي مكة اشتراكاً لا في الاسم وحده، بل في المكانة أيضاً، فلقصي صلخد مكانة دينية، ولقصي مكة هذه المكانة أيضاً في مكة.
ويلاحظ إن الاسم الذي زعم الأخباريون انه اسم قصي الأصلي الذيُ سميّ به يوم ولد بمكة، وهو "زيد"، هو أيضاً اسم صنم. فقد نص أهل الأخبار على أن "زيداً" هو صنم من أصنام العرب.
ويذكر الأخباريون انه كان لقصي أربعة أولاد، ورووا قولاَ زعموا انه قاله. فقد ذكر:ا انه قال: "ولد لي أربعة، فسميت أثنين بصنمي، وواحداً بداري، ووحداً بنفسي". وكان يقال لعبد مناف: القمر، واسمه المغيرة، وكانت أمه "حُبىّ" دفعته إلى مناف، وكان أعظم أصنام مكة، تدينا بذلك، فغلب عليه عبد مناف. وأولاده هم: "عبد مناف"، واسمه "المغيرة"، وعبد الله، وهو "عبد الدار"، و "عبد العزى"، و "عبد قصي"، و "هند" بنت قصي، تزوجها "عبد الله بن عمّار الحضرمي".
ولما مات قصي، دفن بالحجَون، وقد كانوا يزورون قبره ويعظمونه. والحجون جبل بأعلى مكة كان أهل مكة يدفنون موتاهم فيه. فعليه مقبرة جاهلية من مقابر مكة القديمة. وقد ذكر في شعر جاهلي.
وقد أنكر بعض المستشرقين وجود "قصي"، وعدّوه شخصية خرافية من شخصيات الأساطير، واستدلوا على ذلك بالأقاويل التي رواها ابن الكلبي وابن جريج عنه، وهي ذات طابع قصصي. غير إن هذه المرويات لا يمكن إن تكون دليلا قوياً وسنداً يستند إليه في إنكار وجود رجل اسمه قصي، وإذا كان ما قيل عنه خرافة، فلن تكون هذه الخرافة سبباً لإنكار وجود شخص قيلت عنه.
وقد ترك "قصي" جملة أولاد هم: عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف وعبد بن قصي. وقد تكتل أبناء هؤلاء الأولاد وتحزبوا، ونافسوا بعضهم بعضاً، فنافس بنو عبد مناف بني عبد الدار، وكونوا حلفاً فيما بينهم كان جماعته وأنصاره بنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم والحارث بن فهر. وتراص بنو عبد الدار وجمعوا شملهم وشمل من انضم إليهم، وكونوا جماعة معارضة تألفت من بني مخزوم وبن سهم وبني جمح وبني عدي بن عامر بن لؤي ومحارب. وهم من "قريش الظواهر". وقد عرف حلف "بني عبد مناف" ب "حلف المطيبين" و ب "المطيبون"، وعرف بنو عبد الدار ب "الأحلاف". ولما ظهر الإسلام، كانت هذا النزاع العائلي على رئاسة مكة قائماً، وقد تمثل في تنافس الأسر على الرئاسة. اشتهر بعضها بالثراء والغنى، واشتهر بعضها بالوجاهة الدينية أو بالمكانة الاجتماعية.
ويلاحظ إن هذا النزاع لم يكن نزاعاً عائلياً تماماً، قام على النسب إلى الأب والجد بل كمان نزاعاً على الرئاسة والسيادة في الغالب، فنجد جماعة من عائلة تنضم إلى العائلة الأخرى المنافسة، وتترك عشيرتها، لأن مصلحتها الخاصة وتخاصمها مع. أحد أقربائها دفعاها على اتخاذ ذلك الموقف.
ولما أسن قصي، جعل لابنه "عبد الدار" على حدّ رواية أهل الأخبار دار الندوة والحجابة أي حجابة الكعبة، واللواء، فكان يعقد لقريش ألويتهم، والسقاية وهي سقاية الحاج، و "الرفادة"، وهي خَرْج تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي ليصنع به طعاماً. للحاج يأكله الفقراء، وكان قصي قد قال لقومه: "إنكم جيران الله وأهل بيته، وان الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شراباً وطعاماً أيام الحج، حتى يصدروا عنكم"، ففعلوا، فكانوا يخرجون من أموالهم، فيصنع به الطعام أيام منى، فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية، حتى قام الإسلام.
ويذكر الأخباريون في تعليل إعطاء عبد الدار هذه الامتيازات إن عبد الدار كان ضعيفاً، وان عبد مناف شقيقه كان قد ساد في حياة أبيه، وكثر ماله، فأراد قصي بذلك تقويته بهذه الامتيازات.
وقد توارث بنو عبد الدار اللواء، فلا يعقد لقريش لواء الحرب الا هم. وهي وضيفة مهمة جداً، لما للواء من أثر خطير في الحروب والمعارك في تلك الأيام. وهذا كانوا يتدافعون في الذبَّ عن اللواء، حتى لا يسقط على الأرض بسقوط حامله، وسقوطه معناه نكسة معنوية كبيرة تصيب المحاربين تحت ذلك اللواء. ولما أسلم "بنو عبد الدار"، قالوا: يا نبيّ الله، اللواء إلينا. فقال النبي: الإسلام أوسع من ذلك. فبطل اللواء.
ويذكر الأخباريون إن قصيّاً لما هلك، قام "عبد مناف بن قصي" على أمر قصي بعده، وأمر قريش إليه، واختط بمكة رباعاً بعد الذي كان قصي قطع لقومه.
ويذكر أهل الأخبار إن بني عبد مناف أجمعوا على إن يأخذوا من بني عبد الدار "الرفادة" و "السقاية"، فأبى بنو عبد الدار ترك ما في أيديهم وأصروا على الاحتفاظ به، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد الدار، وطائفة مع بني عبد مناف، وتحالف كل قوم مؤكداً، وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيباً، فوضعوها عند الكعبة، وتحالفوا، وجعلوا أيديهم في الطيب، فسموا المطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم، وتحالفوا، فسموا الأحلاف، وتعبأوا للقتال، ثم تداعوا إلى الصلح، على إن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، فرضوا بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، واقترعوا عليها، فصارت لهاشم بن عبد مناف.
وأما الذين كوّنوا حلف الأحلاف ولعقة الدم، فهم: بنو مخزوم، وبنو جمح، وبنو سهم، وبنو عدي بن كعب.
وقد خرجت من ذلك "بنو عامر بن لؤُيّ" و "بنو محارب بن فهر". فلم يكونوا مع واحد من الفريقينْ.
وتذكر بعض الروايات إن "آل عبد مناف" قد كثروا، وقل " "آل عبد الدار"، فأرادوا انتزاع الحجابة من "بني عبد الدار"، فاختلفت في ذلك قريش، فكانت طائفة مع "بني عبد الدار" وطائفة مع "بني عبد مناف"، فأخرجت "أم حكيم البيضاء" توأمة أبي رسول الله، جفنة فيها طيب، فوضعتها في الحجر، فقالت: من كان مناّ فليدخل يده في هذا الطيب. فأدخلت عبد مناف أيديها، وبنو أسد بن عبد العزّى، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر، فسّموّا المطيبين. فعمدت بنو سهم بن عمرو، فنحرت جزوراً، وقالوا: من كان مناّ، فليدخل يده في هذه الجزور، فأدخلت أيديها عبد الدار وسهم، وجمح، ومخزوم، وعدي، فسُميّت الأحلاف. وقام الأسود بن حارثة بن نضلة، فأدخل يده في الدم، ثم لعقها، فلعقت بنو عدي كلها بأيديها، فسموا لعقة الدم.
وتذكر رواية إن "بني عبد مناف" اقترعوا على الرفادة والسقاية فصارتا إلى "هاشم بن عبد مناف"، ثم صارتا بعده إلى "المطلب بن عبد مناف" بوصية، ثم لعبد المطلب، ثم للزبير بن عبد المطلب، ثم لأبي طالب. ولم يكن له مال، فاستدان من أخيه العبّاس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم، فأنفقها، في لم يتمكن من رد المبلغ تنازل عن الرفادة والسقاية إلى "العباس": وأبرأ أبا طالب مما له عليه.
وتذكر رواية أخرى، إن هاشماً وعبد شمس والمطلب ونوفل بني عبد مناف أجمعوا إن يأخذوا ما بأيدي "بني عبد الدار" مما كان قصي جعل إلى "عبد الدار" من الحجابة واللواء والرفادة والسقاية والندوة، ورأوا أنهم أحق بها منهم، فأبت "بنو عبد الدار"، فعقد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكداً على الاّ يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً. وعرف حلف "بني عبد مناف" بحلف المطيبين وعرف حلف "بني عبد الدار" محلف الأحلاف ولعقة الدم. ثم تداعوا إلى الصلح، على إن تكون الحجابهً واللواء ودار الندوة إلى بني عبد الدار، وأن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة. وولى هاشم بن عبد مناف السقاية الرفادة. وتصرح بعض الروايات، إن هاشما هو الذي قام بأمر بني عبد مناف، ثم عامر بن هاشم.
ومعنى هذا إن الحلفين المذكورين: حلف المطيبين وحلف "الأحلاف"، إنما عقدا في حياة "هاشم بن عبد مناف"، أي قبل ميلاد الرسول. وأن. تلف "لعقة الدم" هو نفسه حلف الأحلاف، أو من حلف الأحلاف، عرف بهذه التسمية، لأن "بني عدي بن كعب، الذين حالفوا عبد الدار وانضموا اليهم، اسقوا الدم، فقيل لهم لعقة الدم، تمييزا لهم عن الذين لم يلعقوا الدم، وهم الأحلاف, وذُكر إن "بني عبد الدار" و "بني عدي"، أدخلوا جميعاً أيديهم في ذلك الدم في الجفنة، فسموا كلهم "لعقة الدم" بذلك.
ولكننا نصطدم بروايات أخرى، ترجع تأريخ حلف "لعقة الدم" إلى أيام بنيان الكعبة، التي كان قبل المبعث بخمس سنين، وعمر الرسول يومئذ خمس وثلاثون سنة. فهي تذكر إن أهل مكة لما وصلوا إلى موضع الركن اختصموا في وضع الحجر الأسود، حتى تجاوزوا وتحالفوا وتواعدوا على القتال، "فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءةّ دماء، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في الجفنة، فسموا لعقة الدم بذلك"، ثم اتفقوا على إن يجعلوا بينهم حكماً، يحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون، على إن يكون أول من يدخل من باب المسجد، فكان أول من دخل عليهم رسول الله. فحكم على نحو ما هو معروف.
كما نصطدم بروايات أخرى تذكر إن حلف المطيبين، إنما عرف بذلك، لان خمس قبائل هي: بنو عبد مناف، وبنو أسد، وبنو تيم، وبنو زهرة، وبنو الحارث بن فهر، لما أرادت بنو عبد مناف اخذ ما في أيدي بني عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية وأبت بنو عبد الدار تسليمها إياهم اجتمع المذكرون في دار عبد الله بن جدعان، وعقد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكداً على التناصر وأن لا يتخاذلوا، ثم اخرج لهم بنو عبد مناف جفنة ثم خلطوا فيها اطياباً وغمدوا أيديهم فيها وتعاقدوا ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً فسُمّوا المطيبين. وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها وهم ست قبائل: عبد الدار وجمح ومخزوم وعدي وكعب وسهم حلفاً آخر مؤكداً، فسُموْا بذلك الأحلاف.
وقيل بل قسم رجل من بني زيد لمكة معتمراً ومعه تجارة اشتراها منه رجلٌ سهمي فأبى إن يقضيه حقه فناداهم من أعلى أبي قيس، فقاموا وتحالفوا على أنصافه، وكان النبيّ من المطيبين لحضوره فيه، وهو ابن خمس وعشرين سنة وكذلك أبو بكر. وكان عمر أحلافياً لحضوره معهم.
وقد وهم بعض أهل الأخبار فجعلوا حلف المطيبين هو حلف الفضول، ويظهر انهم وقعوا في الخطأ من كون الذين دعوا إلى عقد حلف الفضول وشهدوه هم من "المطيبين"، فاشتبه الأمر عليهم، وظنوا إن الحلفين حلف واحد. وقد ردّ عليهم بعض أهل الأخبار أيضاً، اذ ذكروا إن الرسول لم يدرك حلف المطيبين، لأنه كان وقع بين بني عبد مناف، وهم هاشم واخوته ومن انضم اليهم، وبين بني عمهم عبد الدار وأحلافهم، فقيل لهم الأحلاف، قبل إن يولد الرسول.
إما إن الخلفيين قد عقدا في أيام "عبد الله بن جدعان"، فخطأ، فقد اجمع أهل الأخبار على إن بني عبد مناف كانوا يلون الرفادة والسقاية قبل هذا للعهد، وأن "هاشم" كان يليهما في حياته، وأما انهما وقعا في أيام "هاشم" أو في أيام أبنائه، فان ذلك اقرب إلى المنطق، وذلك فيما إذا أخذنا برواية من يقول: إن "قصياّ" أوصى بالرفادة والسقاية واللواء والحجابة ودار الندوة إلى ابنه "عبد الدار"، وحرم بذلك ابنه "عبد مناف" من كل شيء، بحجة انه كان غنياً، وجيهاً وقد ساد في حياة ابيه، فلا حاجة له به إليها، فتأثر هاشم أو ابناوه من ذلك، فاًجمعوا على انتزاعها من أيدي "بني عبد الدار" وحدث ما حدث، وتولى هاشم الرفادة والسقاية على النحو المذكور." وهناك رواية أخرى رواها "اليعقوبي"، تفيد إن قصيّاً كان قد قسم السقاية والرفادة والرئاسة والدار بين ولده. فجعل السقاية والرئاسة لعبد مناف، والدار لعبد الدار، والرفادة لعبد العزّى، وحافة الوادي لعبد قصيّ. واخذ كل ابن ما أعطاه والده له.
ويتبن من دراسة الروايات المختلفة الواردة عن الحلفين المذكورين، إنهما قد عقدا لأغراض أخرى لا صلة لها بالسقاية والرفادة، وربما كانا قد عقدا قبل أيام هاشم، بسبب نزاع وقع بين بطون قريش على الزعامة، فتحربت تلك البطون وانقسمت على نفسها إلى "مطيبين" و "احلاف"، وربما كان حلف لعقة الدم حلفاً آخر عقده "بنو عدي" فيما بين هم، وهم الذين انحازوا إلى الأحلاف، ودخلوا معهم في حلف. خاصة وفي "اليعقوبي" يشير إلى حلف عقده "عبد مناف" بعد وفاة والده "قصي" مع "خزاعة" و "بني عبد مناف ابن كنانة"، عرف بحلف "الأحابيش". وكان مدبّر بني كنانة الذي سأل عبد مناف عقد الحلف "عمرو بن هلل بن معيص". مما يشير اذا صح بهذا الخبر إلى إن "بني مناف" أو الذين انضموا إليهم، كما يقول ذلك "اليعقوبي" أرادوا تقوية أنفسهم وتكوين قوة مهابة بتأليف ذلك الحلف. وربما كان هذا الحلف موجهاً ضد "بني عبد الدار" مما دفع "بني عبد الدار" على جمع صفوفهم وتأليف حلف يهم، للدفاع عن مصالحهم.
واسم هاشم على رواية الأخباريين "عمرو" وهو اكبر أولاد عبد مناف. وإنما قيل له هاشم،لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه. ذكر إن قومه من قريش، كانت أصابتهم لزبة وقحط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكة، فأمر به فخبز له ونحر جزوراً، ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك ويذكرون إن شاعراً من الشعراء، هو مطرود بن كعب الخزاعي، أو ابن الزبعرى، ذكر ذلك في شعره حيث قال: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مُسْنِتون عجاف
ويظهر من وصف الأخباريين لهاشم انه كان تاجراً، له تجارة مع بلاد الشام، وأنه جمع ثروة من تجارته هذه، حتى زعموا انه هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف.
ويذكر أهل الأخبار إن هاشماً كان يحُث أهل مكة على إكرام الحجاج وإضافتهم وتقديم كل معونة لهم، لأنم يأتون يعظّمون بيت الله، ويزورونه، وهم جيران بيت الله، وقد أكرموا به، وشرفوا بالبيت على سائر العرب، فعليهم تقديم كل معونة لحجاج البيت. وكان يطلب منهم. كمساعدته بإخراج ما يتمكنون من إخراجه من أموالهم يضعونه في دار اندوة، ليخدم به الحجاج، لأنه لا يمكن وحده من إكرامهم وتقديم الطعام من ماله حده إليهم. فكان هاشم يخرج في كل عام مالا كثيراً، وكان قوم من قريش أهل يسار يترافدون. وكان كل إنسان يرسل بمئة مثقال هرقلية، فيجمع هاشم ما يجمع ويطبخ به طعاماً للحجاج.
ولشح الماء في مكة، واضطرار الناس إلى جليه من أماكن بعيدة، فعل "هاشم" ما فعله قصيّ حين حفر بئراً على نحو ما ذكرت، فحفر بئراً عرفت ب "بذَّر" وهي البئر التي في حق "المقوم بن عبد المطلب" في ظهر دار الطلوب مولاة زيدة بالبطحاء في اصل المستنذر. وحفر بئراً أخرى، وهي البئر التي يقال لها بئر "جبير بن مطعم"، ودخلت في "دار القوارير. فيسر بذلك لمكة الماء، وساعد على اكثاره عندهم.
وأخذ "هاشم" عهداً على نفسه بأن يسقي الحجاج ويكفيهم بالماء، قُربةً إلى رب "البيت" ما دام حيّاً. فكان إذا حفر الحج، يأمر بحياض من أدم، فتجعل في موضع "زمزم"، ثم تملا بالماء من الآبار التي بمكة، فيشرب منها الحاج. وكان يطعمهم قبل الروية بيوم بمكة، وبِمنِى وعَرفَة، وكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن والسويق والتمرَ، ويحمل لهم الماء، فيستقون بمنى، والماء يومئذ قليل في حياض الأدم إلى إن يصدروا من "منِى"، ثم تنقطع الضيافة، ويتفرق الناس إلى بلادهم.
وموضوع السقاية موضوع غامض. فبينما نجد أهل الأخبار يفسرون السقاية باسقاء المحتاجين من الحجاج بالماء مجاناً، نجدهم يتحدثون عن السقاية على إنها إسقاء الحجاج من الزبيب المنبوذ بالماء. وذكر إن العباس كان يليها في الجاهلية و الإسلام.
وتحدث أهل الأخبار عن "سقاية" عرفت ب "سقاية عدىّ"، زعموا إنها كانت بالمشعرين بين الصفا والمروة، وان مطرود الخزاعي ذكرها حين قال: وما النيل يأتي بالسفين يكـفّ بأجود سيباً من عدكماّ بن نوفل
وأنبطت بين المشعرين سقـاية لحجاج بيت الله أفضل منهـل
وذكر إن هذه السقاية، كانت بسقاية اللبن والعسل.
ويظهر من وصف الأخباريين لهاشم انه كان تاجراً، له تجارة مع بلاد الشام. وانه جمع ثروة من تجارته هذه، حتى زعموا انه هو أول من سنّ الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف. وانه كان صاحب "إيلاف قريش" وذلك إن قريشاً كانوا تجاراً، ولكن تجارتهم-كما يقول أهل الأخبار-لم تكن تتجاوز مكة، إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم، ثم يتبايعونها بينهم، ويبيعونها على من حولهم من العرب. فكانوا كذلك حتى ركب هاشم ابن عبد مناف إلى الشام، فكان يذبح كل يوم شاة ة ويصنع جفنة ثريد ويجمع من حوله فيأكلون. وكان هاشم من أجمل الناس وأتمهم، فذكر ذلك لقيصر، فدعا به فلما رآه وكلمه، أعجب به. فكان يبعث إليه في كل يوم، فيدخل عليه ويحادثه، فلما رأى نفسه تمكن عنده، قال له: أيها الملك: إن قومي تجار العرب، فإن رأيت إن تكتب لي كتاباً تؤمن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه، فتباع عندكم، فهو أرخص عليكم. فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم. فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مرّ بحي من العرب بطريقه إلى مكة، عقد معهم عقدا على إن تقدم قريش إليهم ما يرضيهم من بضائع وهدايا تؤلف بينهم وبين قريش، فكان الإيلاف. فلما وصل إلى مكة، كان هذا الإيلاف أعظم ما جاء به هاشم إلى قريش. فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم يوفيهم إيلافهم الذي أخذ من العرب حتى أوردهم الشام، وأحلهم قراها. فكان ذلك بدء إيلاف قريش.
وذكر إن متجر "هاشم" كان البلاد الشام، ويصل بتجارته إلى "غزة" وناحيتها، وربما توغل نحو الشمال، حتى زعم بعض أهل الأخبار انه كان ربما بلغ "أنقرة" "فيدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه". ويجب علينا ألا نتصور دائماً إن أي "قيصر" يرد ذكره في أخبار أهل الأخبار، هو قيصر الروم حقاً، بل هو أحد عمّاله في الغالب، وأحد الموظفين الروم في بلاد الشام، وربما كان أحد قادة الحدود. وربما أخذوا اسم "أنقرة" من قصة للشاعر امرؤ القيس، فأدخلوها في قصة "هاشم". فلم تكن "أنقرة"، مقرّا للقياصرة إذ ذاك حتى يذهب هاشم إليها ليدخل على قيصر ويزوره فيها، بل كانت "القسطنطينية"، هي عاصمة البيزنطيين.
وقد فسر "الجاحظ" "الإيلاف"، انهُ جعلٌ فرضه هاشم على القبائل. لحماية مكة من الصعاليك ومن المتطاولين، إذْ قال: "وقد فسَّره قوم بغير ذلك. قالوا: إن هاشما جعل على رؤوس القبائل ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها أصل مكة. فإن ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب الطوائل، كانوا لا يؤمنَون على الحرم، لا سيما وناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدراً. مثل طيء وخثعم وقضاعة وبعض بلحارث بن كعب". فيفهم من ذلك إذن إن الإيلاف، هو نوع من تأليف قلوب سادات القبائل، لصدهم عن التحرش بأهل مكة ومن التعرض بقوافلهم، فألقهم هاشم وصاروا له مثل "المؤلفَة قلوبهم" في الإسلام. لا سيما وان بين الإيلاف و "ألف" "ألف بينهم" و "المؤلفة" صلة. وان فيما قاله "الجاحظ" عن "هاشم" من قوله: "وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب... وجعل لهم معه ربحاً"، وبين تأليف القبائل صلة تامة، تجعل تفسير الإيلاف على انه عهود ومواثيق مع سادات القبائل في مقابل إسهامهم بأموالهم وبحمايتهم لقوافلَ قريش في مقابل ضرائب معينة تدفع لهم، وسهاماً من الأرباح تؤدى لهم، مع إعطائهم رؤوس أموالهم وما ربحته في الأسواق هو تفسير منطقي معقول. وبذلك كسبت قريش حياد هذه القبائل ودفاعها عن مصالحها.
وقد تعرض "الثعالبي" لموضوع "إيلاف قريش"، فقال: إيلاف قريش: كانت قريش لا تتاجر إلا مع من ورد عليها من مكة في المواسم وبذي المجاز وسوق عكاظ، وفي الأشهر الحرام لا تبرح دارها، ولا تجاوز حرمها، للتحمس في دينهم، والحب لحرمهم، والإلف لبيتهم، ولقيامهم لجميع من دخل مكة بما يصلحهم، وكانوا بواد غير ذي زرع.... فكان أول من خرج إلى الشام ووفد إلى الملوك وأبعد في السفر ومرّ بالأعداء، وأخذ منهم الإيلاف الذي ذكره إذ هاشم بن عبد مناف، وكانت له رحلتان: رحلة في الشتاء نحو العباهلة من ملوك اليمن ونحو اليكسوم من ملوك الحبشة، ورحلة في الصيف نحو الشام وبلاد الروم. وكا يأخذ الإيلاف من رؤساء القبائل وسادات العشائر لخصلتين: إحداهما إن ذؤبان العرب وصعاليك الأعراب وأصحاب الغارات وطلاب الطوائل كانوا لا يؤمنون على أهل الحرم ولا غيرهم، والخصلة الأخرى إن أناساً من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدراً، كبني طيء وخثعم وقضاعة، وسائر العرب يحجون البيت ويدينون بالحرمة له. ومعنى الإيلاف إنما هو شيء كان يجعله هاشم لرؤساء القبائل من الربح، ويحمل لهم متاعاً مع متاعه، ويسوق إليهم إبلاً مع إبله ليكفيهم مؤنة الأسفار، ويكفي قريشاً مؤنة الأعداء، فكان ذلك صلاحاً للفريقين، إذ كان المقيم رابحاً، والمسافر محفوظاً، فأخصبت قريش، وأتاها خير الشام واليمن والحبشة، وحسنت حالها، وطاب عيشها. ولما مات هاشم قام بذلك المطلَّب، فلما مات المطلب قام بذلك عبد شمس، فلما مات عبد شمس قام به نوفل، وكان أصغرهم".
والى هذا الإيلاف أشر في شعر "مطرود الخزاعي" بقوله: يا أيها الرجل المحولّ رحله هلا حلت بآل عبد منـاف
الآخذين العهد في إيلافهـم والراحلين برحلة الإيلاف
وعمل قريش هذا هو عمل حكيم، بدّل وغيّر أسلوب تجارة مكة، بأن جعل لها قوافل ضخمة تمر بأمن وبسلام في مختلف أنحاء الجزيرة جاءت إليها نتيجة لذلك بأرباح كبيرة، ما كان في إمكانها الحصول عليها، لو بقيت تتاجر وفقاً لطريقتها القديمة، من إرسالها قوافل صغيرة للمتاجرة مع مختلف الأسواق، فكانت القافلة منها إذا سلبت، عادت بأفدح الأضرار المادية على صاحبها أو على الأسرة التي أرسلتها، وربما أنزلت الإفلاس والفقر بأصحابها، بينما توسعت القافلة وفقاً للطريقة الجديدة بأن ساهم بأموالها كل من أراد المساهمة، من غني أو صعلوك أو متوسط حال، ومن سادات قبائل. وبذلك توسع الربح، وعمت فائدته عدداً كبيراً من أهل مكة، فرفع بذلك من مستواها الاجتماعي، كما ضمن لقوافلها الأمن والسلامة، وصيرّ مكة مكاناً مقصوداً للأعراب.
ويذكر أهل الأخبار أنه كان المطلب وهاشم وعبد شمس، ولد عبد مناف من أمهم: "عاتكة بنت مر"ة السُلمية"، و "نوفل" من "واقدة"، قد سادوا بعد أبيهم عبد مناف جميعاً، وكان يقال لهم: "المجبرون"، وصار لهم شاًن وسلطان، فكانوا أول من أخذ لقريش "العِصَم"، أي "الحبال"، ويراد بها العهود. أخذ لهم هاشم حبلاَ من سوك الروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلاً، من النجاشي الاكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى ارض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلاً من الاكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى ارض العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطلب حبلاً من ملوك حمير، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجُبرت بهم قريش، فسمّوا المجبرين. حتى ضرب بهم المثل، فقيل: أقرش من المجبرين. والقرش الجمع والتجارة، والتقرش التجمع، والمجبرون هم الأربعة المذكورون.
وفي رواية أخرى إن "المطلب" هو الذي عقد الحلف لقريش من النجاشي في متجرها إلى أرضه. وأن هاشم، هو الذي عقد الحلف لقريش من "هرقل" لأن تختلف إلى الشام آمنة. ولو أخذنا بهذه الرواية وجب إن يكون هاشم قد أدرك، أيام "هرقل" "610-641" "Heracleous I"، وهو أمر غير ممكن. لأن معنى ذلك انه عاش في أيام الرسول وأدرك رسالته. ولا يهم ورود اسم "هرقل" في هذه الرواية، فأهل الأخبار لا يميزون بين ملوك الروم، ويذكرون اسم "هرقل"، لأنه حكم في أيام الرسول وفي أيام الخلفاء الراشدين الأُول.
وإذا صحت الرواية، يكون "آل عبد مناف"، قد احتكروا التجارة وصاروا من أعظم تجار مكة. وقد وَزّعوا التجارة فيما بينهم، وخَصوا كل بيت من بيوتهم الكبيرة بالاتجار مع مكان من أمكنة الاتجار المشهورة في ذلك لعهد، وأنهم تمكنوا بهذه السياسة من عقد عقود تجارية ومواثيق مع السلطات الأجنبية التي تاجروا معها لنيل حظوة. عندها، ولتسهيل معاملاتها التجارية، فجنبَوا من هذه التجارة أرباحاً كبيرة.
فما كان في استطاعة "قريش" إرسال "غيرها" إلى بلاد الشام أو العراق أو اليمن أو العربية الجنوبية، بغير رضاء وموافقة ساحات القبائل التي تمر قوافل قريش بأرضها:، ورضاء هؤلاء السادات بالنسبة لقريش هو أهم جداً من رضاء حكومات بلاد الشام أو العراق أو اليمن عن مجيء تجار مكة إلى بلادها للاتجار في أسواقها، فما الفائدة من موافقة حكومات تلك البلاد على مجيء تجار مكة للبيع والشراء في أسواقها، إن لم يكن في وسع أولئك التجار تأمين وصول تجارتهم إليها، أو تاًمين سلامة ما يشترونه من أسواقها لايصاله إلى مكة أو إلى الأسواق الأخرى. هذا كان من أهم ما فعله تجار مكة في هذا الباب، هو عقدهم "حبالاً" و "عصماً" وعهوداً مع رؤساء القبائل، لترضيتهم بدفع جعالات معينة لهم أو تقديم هدايا والطاف مناسبة مغرية لهم، أو اشتراكهم معهم في تجارتهم. يقول الجاحظ في باب "فضل هاشم على عبد شمس"، "وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب... وجُعل لهم معه ربح". وبهذه العقود المتنوعة سيطر تجار قريش على الأعراب، وحافظوا على أموالهم، وحدّوا من شره فقراء أبناء البادية إلى الغنائم. وصار في إمكانهم الخروج بكل حرية من مكة ومن الأسواق القريبة منها بتجارتهم نهو الأماكن المذكرة بكل أمن وسلام.
ولما كان البحث في هذا الموضع، هو في تأريخ مكة بصورة عامة، لذلك فسأترك الكلام عن "الإيلاف" إلى الموضع المناسب الخاص به، وهو التجارة والاتجار، وعندئذ سأتكلم عنه بما يتمم هذا الكلام العام.
ويذكر أهل الأخبار إن عبد شمس وهاشماً توأمان، وقد وقع بينهما تحاسد، وانتقل هذا التحاسد إلى ولد الاخوين، حتى في الإسلام.
وذكروا إن "أمية بن عبد شمس" حسد عمهّ هاشماً، وكان أمية ذا مال، فدعا عمّه إلى المنافرة، فرضي عمّه بذلك مكرهاً، على إن يتحاكما إلى الكاهن "الخزاعي"، فنفَّر هاشماً عليه، فأخذ هاشم الإبل التي نافر عليها من أمية، فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشام، فأقام بها عشر سنين، بحسبُ حكم الكاهن، وكان هاشم قد نافر على الجلاء عن مكة عشر سنين. فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية.
ويذكر أهل الأخبار إن أمية بن عبد شمس كان من جملة من ذهب من رجال مكة إلى "سيف بن ذي يزن" لتهنئته بانتصار اليمن على الحبش وطردهم لهم. وقد دخل عليه مع وفد مكة في "قصر غمدان". وكان مثل أبي 3 عبد شمس حامل لواء قريش، أي انه كان يحملها في الحرب.
وكان هاشم أول من مات من ولد عبد مناف، مات بغزة فعرفت ب "غزة هاشم"، وكان قد وفد بتجارة إليها فمات بها، ومات عبد شمس بمكة، فقبر بأجياد، ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق، ثم مات المطلب بردمان من ارض اليمن. ويتبين من ذلك إن جميع هؤلاء الاخوة، ما خلا عبد شمس، ماتوا في ارض غريبة، ماتوا تجاراً في تلك الديار.
وورد في رواية أخرى، إن هاشماً خرج هو وعبد شمس إلى الشام، فماتا جميعاً بغزة في عام واحد. وبقي مالهما إلى إن جاء الإسلام، وأجياد جبل مكة على رأي، وموضع مرتفع في الذرا غربيّ "الصفا" كما ورد ذلك في شعر للأعشى. ذكر إن "مضاضاً" ضرب في ذلك الموضع اجياد مائة رجل من العمالقة، فسمي الموضع بذلك "اجياد".
ويذكر الأخباريون: إن هاشماٌ كان قد خرج في عير لقريش فيها تجارات، وكان طريقهم على المدينة، فنزلوا ب "سوق النبط"، فصادفوا سوقاً مقامة، فباعوا واشتروا، ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق تأمر بما يشترى ويباع لها. وهي حازمة جلدة مع جمال، فسأل هاشم عنها: أ أيّم هي، أم ذات زوج? فقيل له" أيّم، كانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها إن أمرها بيدها" فاذا كرهت رجلاً، فارقته، وهي "سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنيم بن عديّ بن النجار"، وهو "تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج".، فخطبها فزوّجته نفسها، ودخل بها، وصنع طعاماً، دعا إليه من كان معه من أهل مكة، ودعا من الخزرج رجالاً. وأقام بأصحابه اياماً، وعلقت "سلس" بعبد المطلب. وكانت "سلمى"، قد تزوجت من "أُحَيْحَة بن الجُلاّح بن الحريش بن جَحْجَبا الأوسي"، وهو من المعروفين في قومه كذلك.
ويذكر أهل الأخبار، إن عمر هاشم لما توفي، كان عشرون سنة، ويقال خمساً وعشرين. وهو عمر قصير إذا قيس بما يذكره أهل الأخبار ويوردونه عنه من اتجار وأعمال، أعمال لا تتناسب مع تلك السن.
ومن سادات مكة في هذه الأيام "قيس بن عدي بن سهم" من بني هصيص ابن كعب"، قد تكاثروا بمكة، حتى كادوا يعدلون بعبد مناف. وهو الذي منع "عديّ بن كعب" و "زهرة بن كلاب" من "بني عبد مناف"، ومنع "بني عديّ" أيضاً، من "بني جمح". وكان "عبد المطلب بن هاشم" ينفر ابنه "عبد المطلب"، وهو صغير، ويقول: كأنه في العز قيس بن عـديّ في دار قيس ينتدى أهل الندى
مما يدلّ إن صح إن هذا الشعر هو من شعر "عبد المطلب" حقاً، على إن "عديّاً" كان اعزّ رجال قريش في أيامه، حتى ضربوا به المثل في العزّ. وأنه كان سيّد قومه" بنو سهم بن هصيص بن كعب.
ومن ولد هاشم "عبد المطلب"، وأمه من أهل يثرب من بني التجار فهي خزرجية تدعى "سلمى بنت عمرو بن زيد" على نحو ما ذكرت قبل قليل. تزوّجها هاشم في أثناء رحلة من رحلاته التي كان يقوم بها إلى الشام للاتجار.
ولما مات هاشم بغزة ولدت سلمى "عبد المطلب"، ومكث عند أخواله سبع سنين، ثم عاد إلى قومه بمكة، عاد به عمه "المطلب". ولما كبر تولى السقاية والرفادة وتزعم قومه.
ويذكر أهل الأخبار، إن هاشماً كان قد أوصى إلى أخيه "المطلب"، فبنو هاشم وبنو المطلب يد واحدة. وبنو عبد شمس وبنو نوفل يد. ومعنى هذا إن نزاعاً كان قد وقع بين أبناء هاشم وأبناء إخوته، جعلهم ينقسمون إلى فرقتين.
ويذكر أهل الأخبار إن اسم عبد المطلب، هو "شيبة". وقد عرف بن الناس بعبد المطلب، لان عمّه "المطلب" لما حمله من يثرب إلى مكة، كان يقول للناس، هذا عبدي، أو عبدٌ لي، فسُميّ من ثم بعبد المطلب، وشاعت بين قومه أهل مكة حتى طغت على اسمه. وقيل انه عرف بين أهل مكة ب "شيبة الحمد" لكثرة حمد الناس له، وكان يقال له "الفيّاض" لجودة، و "مطعم طير السماء" و "مطعم الطير" لأنه كان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال.
وقد كان "المطلب." عمّ "عبد المطلب" مثل سائر أفراد أسرته وأهل مكة تاجراً، فخرج إلى أرض اليمن تاجراً، فهلك ب "ردمان" من اليمن.
وهم يروون انه كان مَفزَع قريش في النوائب، وملجأهم في الأمور، وانه كان من حلماء قريش وحكمائها، وممن حرم الخمر على نفسه، وهو أول من تحنث بغار حراء. والتحنث التعبد الليالي ذوات للعدد. وكان إذا دخل شهر رمضان، صعده وأطعم المساكين، وكان صعوده للتخلي من الناس، ليتفكر في جلال الله وعظمته. وكان يعظم الظلم بمكة، ويكثر للطواف بالبيت.
وذكر انه كان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور. وكان يقول" لن. يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه، وان وراء هذه الدار، داراً يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته. ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ووحَّد الله. وروي" انه وضع سنناً جاء القرآن بأكثرها، وجاءت السنة بها. منها" الوفاء بالنذر، وتحريم الخمر والزنا، وان لا يطوف بالبيتُ عُريان. وذكر انه كان أول من سنّ دية النفس مئة من الإبل، وكانت الدية قبل ذلك عشرا من الإبل، فجرت في قريش والعرب مئة من الإبل. وأقرها رسول الله على ما كانت عليه.
ويذكرون إن قريشاً كانت إذا أصابها قحط شديد، تأخذ بيد عبد المطلب، فتخرج به إلى جبل ثَبِبر، تستسقي المطرْ.
وقد وقع خلاف بين عبد المطلب وعمه "نوفل"، كان سببه إن نوفل بن عبد مناف، وكان آخر من بقي من بني عبد مناف، ظلم عبد المطلب على أركاح له، وهي الساحات، فلما أصر نوفل على انكاره حق عبد المطلب، تدخل عقلاء قريش في الأمر على رواية أهل مكة، أو أخوال عبد المطلب، وهم من أهل يثرب. فأكره "نوفل" على إنصاف عبد المطلب حتى عاد إليه حقه.
ومن أهم أعمال "عبد المطلب" الخالدة إلى اليوم "بثر زمزم" في المسجد الحرام، على مقربة من البيت. وهي بئر يذكرون إنها بثر إسماعيل، وان جرهماً دفنتها، وإنها تقع بين أساف ونائلة في موضع كانت قريش تنحر فيه. فلما حفرها "عبد المطلب"، أقبل عليها الحجّاج وتركوا سائر الآبار.
ويذكر أهل الأخيار إن عبد المطلب لما كشف عن بئر زمزم، وجد فيها دفائن، من ذلك غرالان من ذهب، كانت جرهم دفنتهما، وأسياف قلعية، وأدراع سوابغ، فجعل الأسياف باباً للكعبة، وضرب في الباب أحد الغزالين صفائح من ذهب، وجعل المفتاح والقفل من ذهب فكان أول ذهبُ حلِّيته الكعبة. وجعل الغزال الأخر في الجبّ الذي كان في الكعبة أمام هبل. وذكر إن قريشاً أرادت منعه من الحفر، ولكنه أصر على إن يحفر حتى يصل إلى موضع الماء، وذلك بسبب رؤيا رآها، عينت له المكان، وأوحت إليه انه موضع بئر قديمة طمرت وعليه إعادة حفرها.
ويذكر الأخباريون، إن عبد المطلب، لما حلى بالمال الذي خرج من بئر زمزم الكعبة، جعله صفائح من ذهب على باب الكعبة. فكان أول ذهبُ حلّيته الكعبة. وتذكر بعض الروايات، إن ثلاثة نفر من قريش عدوَا على هذا الذهب وسرقوهْ. وتذكر رواياتهم انه ضرب الأسياف التي عثر عليها في البئر باباً للكعبة، وضرب بالباب الغزالين من ذهب.
ويظهر من وصف أهل الأخبار لما فعله "عبد المطلب" جمن ضرب الغزالين صفائح في وجه الكعبة، ومن جعل المفتاح والقفل من ذهب، أو من ضرب أحد الغزالين صفائح على الباب، وجعل الغزال الآخر في الجبّ الذي كان أمام "هُبَلْ" أي الغبغب، إن الكعبة لم تكن على نحو ما يصفها أهل الأخبار من البساطة والسذاجة، بغير سقف وذات جدر ضمة بقدر قامة إنسان. إذْ لا يعقل إن يضرب وجه باب الكعبة بالذهب وتوضع في داخلها تلك النفائس وهي على تلك الحالة، للهم إلا اذا شككنا قي أمر هذه الروايات وذهبنا إلى إنها من نوع القصص الذي وضعه أهل الأخبار.
وقد طغى ماء "بئر زمزم، على مياه آبار مكة الأخرى. فهو أولاً ماء مقدس، لأنه في أرض مقدسة، وفي المسجد الحرام، ثم هو أغزر وأكر كمية من مياه الآبار الأخرى، وهو لا ينضب مهما استقى أصحاب الدلاء منه، ثم انه ألطف مذاقاً من مياه آبار مكة الأخرى. وقد استفاد "عبد المطلب" من هذه البئر، مادياً وأدبياً، وصارت ملكاً خالصة له، على الرغم من محاولات زعماء مكة والمنافسين له مساهمتهم له في حق هذه البئر، لأنها في أرض الحرم، والحرم حرم الله، وهو مشاع بين كل أهل مكة. وصار يسقي الحجاج من هذه البئر، وترك السقي من حياض الأدم التي كانت بمكة عند موضع بئر زمزم، وصار يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقي الحاج.
وكان أبناء "قصي" قبل حفر بئر "زمزم" يأتون بالماء من خارج مكة-كما يقول أهل الأخبار-ثم يملأون بها حياضاً من أدم ويسقون الحجاج، جروا بذلك على سنة "قصيّ"، فلما حفرت بئر زمزم، تركوا السقي بالحياض من المياه المستوردة من خارج مكة، وأخذوا يسقونهم منِ ماء زمزم.
وقد كان عبد المطلب يزور اليمن بين الحين والحين، فكان إذا وردها نزل على عظيم من عظماء حمير. ويذكر أهل الأخبار إن أحد هؤلاء عَلَّم عبد المطلب صبغ الشعَّر، وذلك بأن أمر يه فخضب بحناء، ثمُ عُلِيَ بالوسمة، وصار يصبغ شعره بمكة، وخضب أهل مكة بالسواد. ويذكرَ أهل الأخبار أيضاً انه اتصل بملوك اليمن، وأخذ منهم إيلافاً لقومه، بالاتجار مع اليمن. وكانت قريش تنظم عيراً إلى اليمن في كل سنة.
وبذكر "المسعودي" إن "معد يكرب" حينما ولي الملك باليمن، أتته الوفود لتهنئه بالملك. وكان فيمن وفد عليه من زعماء العرب، "عبد المطلب"، و "خويلد بن أسد بن عبد العزّى" وجد أميّة بن أبي الصلت، وقيل" أبو الصلت أبوه. فدخلوا عليه في قصره بمدينة صنعاء" قصر غمدان. ويذكر له، كلاماً قاله عبد المطلب له، وجواب "معد يكرب" عليه. ويذكر أيضاً إن "عبد المطبب" كان فيمن وفد على "سيف بن ذي يزَنَ" ليهنئه بطرد الحبش.
ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش، ولم يكن سيد مكة الوحيد المطاع كما كان قصي، إذ. كان في مكة رجال كانوا أكثر منه مالاّ وسلطاناً. إنما كان وجيه قومه، لأنه كان يتولى السقاية والرفادة وبئر زمزم، فهي وجاهة ذات صلة بالبيت. وقد تكون صلته هذه، هي التي جعلته يذهب أبرهة لمحادثته في شؤون مكة والبيت.
ويروي أهل الأخبار إن عبد المطلب كان قد نذر: لئن أكمل الله له عشرة ذكور حتى يراهم ان يذبح أحدهم. فلما تكاملوا عشرة، هم بذبح أحدهم، فضرب بالقداح فخرج القداح كل عبد الله، ولكن القوم منعوه، ثم أشاروا عليه بان يرضي الله بنحر إبل فدية عنه، وكان كما ضرب القداح بخرج على عبد الله حتى يلبغ العدد مئة فخرج على الإبل. فنحرها بين الصفا والمروة. وخلىّ بينها وبين كل من يريد لحمها من إنسيّ أو أسبع أو طائر، لا يذب عنها أحداً، ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئاً. وكان نحر الإبل قبل الفيل بخمس سنين. إذْن فيكون ذلك حوالي سنة "565" للميلاد.
وكان لعبد المطلب ماء بالطائف، يقال له "ذو الهرم" وكان في أيدي ثقيف ردحاً، ثم طلبه عبد المطلب منهم، فأبوا عليه. وكان صاحب أمر ثقيف" "جندب بن الحارث" فأبى عليه وخاصمه فيه، فدعاهما ذلك إلى المنافرة إلى الكاهن "العذري"، وكان يقال له" "عزى سلمة"، وكان ببلاد الشام، وتنافرا على إبل، وأتيا الكاهن، فنفر عبد المطلب عليه، فاًخذ عبد المطلب الإبل فنحرها.
وقد نادم "عبد المطلب" على عادة أهل مكة جماعة من أقرانه، لقد كانت عادتهم إن يجتمعوا مساءَ فيتحادثوا أو يشربوا ويأكلوا أو يستمعوا إلى غناء، حتى يحل وقت النوم، وكان ممن نادمهم عبد المطلب "حرب بن أمية"، ثم اختلف معه، ونافره عند "نفيل بن عبد العُزّى" جد "عمر بن الخطاب"، فنفره على "حرب"، فافترقا. وكان سبب افتراقه عنه، إغلاظ "حرب" القول على يهوديّ كان جوار عبد المطلب. وتذكر رواية أخرى إن عبد المطلب و "حرب"، تنافرا أولا إلى النجاشي الحبشي، ولكنه أبى إن ينفر بينهما، فذهبا إلى نفيل. وأن "حرب بن أمية" غضب حين نفر عبد المطلب عليه، وقال له: إن من انتكاس الزمان إن جعلناك حكماً، وصار نديماً لعبد الله ابن جدعان.
وذكر "ابن الأثير" إن سبب افتراق "عبد المطلب" عن "حرب"، كان بسبب جار عبد المطلب اليهودي، واسمه "أُذَيْنَةَ"، وكان تاجراً وله مال كثير، فغاظَ ذلك "حرب بن أمية"، فأغرى به فتياناً من قريش ليقتلوه ويأخذوا ماله. فقتله "عامر بن عبد مناف" و "صخر بن عمرو بن كعب التَيْميَ"، فلم يعرف عبد المطلب قاتله، فلم يزل يبحث حتى عرفهما، وإذا ما قد استجارا بحرب بن أمية، فأتى حرباً ولامه وطلبهما منه، فأخفاهما، فتغالظا في القول حتى تنافرا إلى النجاشي ملك الحبشة، فلم يدخل بينهما، وذهبا إلى نفيل. وترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد الله بن جدعان، وأخذ من حرب مئة ناقة، فدفعها إلى ابن عم اليهوديّ، وارتجع ماله، إلا شيئاً هلك، فغرمه من ماله.
وقد صاهر عبد المطلب، رجال من أسر معروفة بمكة، فصاهره "كُريز ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس"، وكانت عنده "أم حكيم"، وهي "البيضاء بنت عبد للطلب". وصاهره "أبو أميةّ بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم"، وكانت عنده "عاتكة بنت عبد المطلب"، و "عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم"، وكانت عنده "برة بنت عبد المطلب". وناسبه "أبو رُهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي"، خلف على "برة" بعد عبد الأسد. وصاهره "جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كبير بن غنم بن. دودان بن أسد بن خزيمة"، وكانت عنده "اميمة بنت عبد المطلب"، و "العْوّام ابن خويلد بن أسد بن عبد العُزّى"، خلف على "صفية بعد عمير بن وهب". ويذكر إن "عبد المطلب"، كان يفرش له في ظل الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه، فإذا خرج، قاموا على رأسه مع عبيده، إجلالاً له. وكانت عادة سادة مكة تمضية أوقاتهم في مسجد الكعبة، حيث يجلسون في ظل الكعبة أو في فنائها يتحدثون ويتسامرون، ثم يذهبون إلى بيوتهم.
وفي أيام عبد المطلب كانت حملة "أبرهة" على مكة. وقد أرخت قريش بوقوعها، وصيرت الحملة مبدءاً لتأريخ، لأهميتها بالنسبة لمكة. وقد تركت أثراً كبيراً في نفوس قريش، بدليل تذكير القرآن لهم بما حلّ ب "أصحاب الفيل"، على نحو ما تحدثت عنه في الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب.
وقد رأينا إن "عبد المطلب" وقد أشار على قومه بالتحرز بشعاب الجبال، ويترك البيت وشأنه لأن للبيت رباً يحميه، وبعدم التحرش بالحبش وتركهم وشأنهم. والظاهر انه وجد إن عدد الأحباش كان كبيراً وان من غير الممكن مقاومتهم.والذبّ عن مكة في الوادي. ثم إنها حرم آمن، لا يجوز القتال فيه، وليس فيها حصون وآطام يُتَحصنَّ بها، لهذا رأى الرحيل عن الوادي والاحتماء برؤوس الجبال، والأشراف منها على الدروب والطرق، فذلك انفع وأحمى للمال وللنفس. ثم إن من الممكن مباغتة الحبش منها ومهاجمتهم وإنزال خسائر بهم حين يشاؤون ويقررون، على حين تكون القوة والمنعة في ايدي الأحباش لو حصروا أنفسهم بمكة، اذ يكونون في منخفض بينما العدّو على شُرف يشرف عليهم، وليس في إمكانهم مقاومته، وليس لهم حصون ولا مواضع دفاع. فتكون الغلبة لأبرهة حتماً، وقد نجحت فكرة عبد المطلب، ولمُ يُصب أهل مكة بسوء.
وقد كان من عادة أهل مكة، انهم إذا داهمهم الخطر توقَّلوا الجبال واعتصموا بها، ولما حاصرهم الرسول عام الفتح، هرب أكثرهم واعتصموا برؤوس الجبال، إذ ليس في إمكانهم الحرب والصمود في البطحاء.
ومات "عبد المطلب" بعد إن جاوز الثمانين. مات في ملك "هرمز بن أنو شروان"، وعلى الحيرة قابوس بن المنذر، أخو "عمرو بن المنذر" على رواية، وعمر الرسول ثمان سنين. ومعنى ذلك انه توفي في حوالي السنة "578" للميلاد. ولما حمل على سريره، جزت نساء "بني عبد مناف" شعورهن، وشق بعض الأولاد قمصانهم، حزناً على وفاته. ودفن بالحجون. وذكر انه لم يقم بمكة سوق أياماً كثيرة لوفاة عبد المطلب.
وذكر إن عبد المطلب كان أول، من تحنث بحراء، وكان إذا أهل هلال شهر رمضان، دخل بحراء فلم يخرج حتى ينسلخ الشهر، ويطعم المساكين. وكان يعظّم الظلم بمكة ويكثر الطواف بالبيت.
ومن ولد عبد المطلب" عبد الله وهو والد الرسول، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرة وأميمة. وعدة ولده اثنا عشر رجلا وست نسوة.
ولم يكن ولد عبد المطلب من رجال مكة الأثرياء، وكل ما كان عندهم ثراء روحي، استمدوه من اسم "قصيّ" وهاشم. فكانوا من وجهاء مكة من هذه الناحية. إما من ناحية المادة والمال، فلم يكونوا من السباقين فيه. لقعد كانوا وسطا، وربما كانوا دون أوساط تجار مكة. مات "عبد الله"، ولم يخلف لأهله شيئاً، ومات أبو طالب، وحالته المالية ليست على ما يرام. لقد تهانوا تجاراً يخرجون بتجارتهم على عادة فيهم إلى بلاد الشام، أو إلى اليمن فيبيعون ويشترون، ولكنهم على ما يبدو من الأخبار لم يتمكنوا من جمع ثروة تغنيهم وتجعلهم من أغنياء مكة. وقد توُُفيّ "عبد الله" وهو في طريقه من. "غزة" إلى مكة، وكان قد اقبل بتجارة له، فنزل بالمدينة وهو مريض، وتوفي هناك، وأن "عبد المطلب" بعث إليه "الزبير بن عبد المطلب" أخاه، ودفن في دار النابغة. وأنه ترك عند وفاته "أم أيمن"، حاضنة الرسول، وكان يُسميها" "أميّ"، فأعتقها وخمسة أجمال أوارك، وقطعة غنم، وسيفاً مأثوراً، وورقا.
وخرج "أبو طالب" بتجارة له في "عير قريش" ولكنه لم يتمكن من كسب شيء يربحه ويسعده من كل تجاراته. وآية ذلك إن الرسول اخذ منه ابنه "علياً"، ليشف عنه مشقة الأنفاق. على ولده، وأخذ "العباس" "جعفراً" منه لينفق عليه. ووضعٌ مثل هذا لا يدل على يسر. وكانت له مع فقره هذا وجاهة عند أهله وقومه. قيل: "لم يَسُد من قريش ممِقِ إلا عتبة وأبو طالب، فانهما سادا بغير مال". وقال "عليّ" في والده" "أبي ساد فقيراً وما ساد فقير غيره". وذكر إن عياله كانوا في ضيقة وخدة. لا يكادون يشبعون لقلة ما عندهم.
وعتبة بن ربيعة، هو أبو هند زوج "أبي سفيان"، وهي أم معاوية. ويذكر أهل الأخبار أيضاً" "ساد عتبة بن أبي ربيعة وأبو طالب، وكانا أفلس من أبي المزلق. وهو رجل من بني عبد شمس، لم يكن يجد مؤنة ليلته، وكذا أبوه وجدّه وجد جدّه كلهم يعرفون بالافلاس".
ويظهر إن "عبد شمس" و "نوفل" و "مخزوم"، كانوا قد تمكنوا من منافسة "عبد المطلب" و "آل هاشم" على التجارة، ومن انتزاع نجارة بلاد الشام منهم، ومن مزاحمتهم في الاتجار مع اليمن والعراق، حتى حصلوا على ثراء طائل، صيرّهم من أغنى رجال مكة، وجعل لهم التفوق على البلد، حتى صار رجال من "بني مخزوم" من أغنى رجال مكة. وكذلك رجال من "عبد شمس".
وتعدّ "أيام الفجار" من الحوادث المؤثرة في تأريخ مكة. وهي أفجرة. وإنما سميت بذلك لأنها كانت في الأشهر الحرم، ومن أهمها "فجار البراض"، نسبت إلى "البراض بن قيس" الذي قتل "عروة الرحّال" "عروة بن عتبة الرحال"، اذ جانب "قدك" بأرض يقال لها "أوارة"، فأهاج مقتله الحرب بين "قريش" ومن معها من "كنانة" وبين "قيس عيلان"، وكانت الدبرة على "قيس". وذكر في رواية أخرى، إن الفجارات الأربعة" فجار الرجل، أو فجار بدر بن معشر الغفاري، وهو الفجار الأول، وفجار القرد، وفجار المرأة، والفجار الرابع هو فجار البراض. وان يوم "البراض" أو يوم نخلة، هو أعظم أيّام الفجار، وكان البراض قد قدم باللطيمة إلى مكة، فأكلها، وهي لطيمة "النعمان بن المنذر"، التي وضع "النعمان" زمامها بيد "عروة بن عتبة الرحال"، وكان سُمّي الرحال لرحلته إلى الملوك. فكان ذلك مما الحرب. وقد رأس قريش: حرب بن أُمية، وكان موضعه في القلب، وعبد الله ابن جدعان في إحدى المجنبتين، وهشام بن المغيرة في الأخرى، فالتقوا ب "نخلة"، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم، وجن عليهم الليل. فكان اليوم لهوازن.
وذكر إن هذا اليوم قد وقع بعد عشرين سنة من عام الفيل. وقد شهد الرسول وعمره عشرون سنة.
ثم إن قريشاً وبني كنانة لقوا هوازن بشمطة. وعلى بني هاشم" الزبير بن عبد المطلب، وعلى بني عبد شمس وأحلافها" حرب بن أمية، وعلى بني عبد الدار وحلفائها" عكرمة بن هاشم، وعلى بني أسد بن عبد العزى" خويلد بن أسد، وعلى بني زهرة" مخرمة بن نوفل، وعلى بني تيم: عبد الله بن جدعان، وعلى بني مخزوم: هاشم بن المغيرة، وعلى بني سهم: العاص بن وائل، وعلى بني جمح: أمية بن خلف، وعلى بني عديّ: زيد بن عمرو بن نفيل، وعلى بني عامر بن لؤي: عمرو بن شمس، وعلى بني فهر: عبد الله بن الجرّاح، وعلى بني بكر: بلعاء بن قيس، وعلى الأحابيش: الحليس الكناني، فالتقوا أول النهار على هوازن، فصبروا. ثم استحر القتل في قريش، وانهزم الناس.
وروي إن "البراض بن قيس" لقي "بشر بن أبي خازم" الأسدي الشاعر، فأخبره الخبر، وأمر إن يعلم ذلك "عبد الله بن جدعان" و "هشام ابن المغيرة"، و "حرب بن أمية" و "نوفل بن معاوية الديلي" و "بلعاء ابن قيس"، فوافى "عكاظا"، فأخبرهم فخرجوا إلى الحرم، وبلغ "قيساً" الخبر، فخرجوا في آثارهم فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، ولم تقم في تلك السنة "عكاظ". ومكثت "قريش" وغيرها من "كنانة" و "أسد" بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش، وهم الحارث بن عبد مناة وعضل والقارة وديش والمصطلق من خزاعة لحلفهم بالحارث بن عبد مناة، سنة يتأهبون للحرب، لإنذار "قيس" لها. وتأهبت "قيس عملان" وسارت على "قريش"، وكان فيها "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر"، و "سُبيع بن ربيعة بن معاوية النصري" و "دريد بن الصعمة"، و "مسعود بن معتب الثقفي" و "أبو عروة بن مسعود" و "عوف بن أبي حارثة المرّي" و "عباس بن رعل السُلمي". واستعدت "قريش". ورؤساؤها "عبد الله بن جدعان"، و "هشام ابن المغيرة"، و "حرب بن أمية" و "أبو أحيحية سعيد بن العاص"، و "عتبة بن ربيعة"، و "العاص بن وائل"، و "معمر بن حبيب الجمحي"، و "عكرمة بن هاشم"، وخرجوا متساندين. ويقال بل أمرُهم إلى عبد الله بن جدعان. فالتقوا فكانت الدبرة أول النهار لقيس على قريش وكنانة ومن ضوى إليهم، ثم صارت الدبرة آخر النهر لقريش وكنانة على قيس، فقتلوهم قتلاً ذريعاً. فاصطلحوا على إن عَدّوا القتلى، وودت قريش لقيس ما قتلت فضلاً عن قتلاهم، وانتهت الحرب. وقد شهد الرسول هذه الفجار، ورمى فيها بسهم، فكان يوم حضر ابن عشرين سنة، وكان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة.
وأغلب حروب الفجار معارك ومناوشات، ولم تكن حروباً بالمعنى المفهوم من كلمة "حرب". إما أهميتها وسبب اشتهارها فلوقوعها في شهور حرم ولخروج المتحاربين فيها على سنة قريش ودينهم في تحريم القتال في هذه الشهور. ولهذا السبب حفظ ذكرها وجاء خبرها في كتب أهل الأخبار. وقد كان النصر فيها على كنانة وقريش في الغالب. وهو شيء مفهوم معقول. فقد كانت "قيس عيلان" كما كانت "هوازن" قبائل محاربة تعيش على الغزو